شكراً “داعش”

ISIS SOLDIERليست مؤامرة إمبريالية ولا مخطط صهيوني.  فألحان التقسيم الطائفي والتفتيت المذهبي ليست معزوفة أميركية يتغنى بها دعاة “الشرق الأوسط الجديد” في الغرب.  وصناعة دويلاتنا الطائفية والعرقية الناشئة لم تُنْتَج في مصانع القرار الدولي في مجلس الأمن.

جميع العرب يرقصون سرّاً أو علناً على أنغام الانفصال، التي حوّلت “الدولة اليهودية” في فلسطين المحتلة من استثناء إلى قاعدة.

رومانسياتنا القومية وأحلامنا الوطنية الوردية تهالكت بعدما استُهلكت على مدار عقود من “الانتصارات الوهمية” على أعداء الأمة.

شعاراتنا بدأت بـ”رمي إسرائيل في البحر”، وانتهت بمفاوضات حول حقوق الصيادين في المدى المسموح لإبحارهم وراء أسماك بحر غزة.

صرفنا المليارات على تخزين أسلحة فاسدة ومنتهية الصلاحية من أجل معركة فلسطين، وإذ بنا نستخدمها اليوم في معارك معاوية والإمام علي بن أبي طالب المتجددة.

من يستطيع بعد كل هذا الدم والخراب والأحقاد، أن يقول بأن السُنّة والشيعة والمسيحيون والأقليات المحيطة بهم لا يزالون في وارد العيش في وطن واحد؟

بدل أن نقطع رأس الفتنة، تابعنا على الشاشات موضة قطع الرؤوس المتدحرجة في الموصل والرقة.

وبدل أن نحقق الوحدة، توحّدنا في معسكرات “المهدي المنتظر” و”خليفة المتخلّفين” في العراق والشام.

هنا، مشروع دولة كردية في العراق يكاد يكتمل بامتداداته الجيوسياسية في سوريا وتركيا وإيران.

وهناك، ملامح الندم تظهر على وجوه سكان جنوب السودان بعد تحقيق حلمهم الاستقلالي.

في اليمن، يشقّ الحوثيون والجنوبيون طريقهم إلى الانفصال بالقوّة.

في لبنان، الفرز الطائفي يملأ “فراغ” الدولة، والانقسامات تنتظر التقسيمات المحتملة في دول الجوار.

وفي الخليج ومصر وليبيا تتكرر المخاوف نفسها من تصاعد خطر التطرف.

قد يكون اللاعبون الكبار لم يحسموا أمرهم بعد، تاركين للاعبين الصغار الوقت الكافي لإبادة بعضهم البعض، وإعادة إنتاج تاريخ عمره 1300 سنة من جنون الغرائز والتناحر والانتحار المشترك.

قد يكون أبو بكر البغدادي أحد أرانب سحرة استخبارات الغرب، وتنظيمه “داعش” أحد أحصنة طروادة لزرع الخوف ونشر الفوضى.

لكن مما لا شك فيه، أن عصبياتنا العمياء هي من أيقظت عمالقة “داعش” وأخواتها.

شكراً “داعش”… فمن دونك، كنا لا نزال نؤمن بوهم الأمة الواحدة، والقضية الواحدة … والله الواحد.

سامر الحسيني

Advertisements

السودان: “الربيع” المتأخر

 كتب المحرر السياسي:

هل هو” ربيع” متأخر أم فوضى قادمة؟  فأحداث السودان الأخيرة تطرح الكثير من التساؤلات، وفي مقدمتها مدى علاقة سقوط حكم الاخوان المسلمين في مصر والمنطقة بالاهتزازات الشعبية التي بواجهها حكم عمر البشير؟

عمر البشير

عمر البشير

من الطبيعي ان يناهض معسكر الاسلاميين بشكل عام وجماعة الاخوان بشكل خاص أي “ربيع” ضد عمر البشير. فهو “اخونجي” بإمتياز ، وفي عاصمته احتضن مؤتمرهم العام قبل سنتين عندما اعلنت حماس من هناك لأول مرة انها ممثلة وفرع للإخوان المسلمين في غزة.

ويجمع النظام السوداني الحالي مجد الديكتاتورية من أطرافه، فهو نتيجة زواج بين نظام عسكري أمني جاء رئيسه الفريق عمر البشير الى السلطة بانقلاب عام 1989، وحزب محسوب على الاسلام السياسي (المؤتمر الوطني)، في صيغة فريدة تمنع الصراع التقليدي الموجود في البلدان العربية الأخرى بين العسكر والاسلاميين.

اضافة لذلك، فان الرئيس البشير هو الزعيم العربي الوحيد (حتى الآن) المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهم ارتكاب جرائم حرب، وقد حرمته المظاهرات الأخيرة من انجاز تحدّيه الذي وعد الرأي العام به لهذه المحكمة وللمجتمع الدولي عموماً بزيارة الولايات المتحدة وحضور جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة مثله مثل زعماء العالم الآخرين بعد ان بشّر مواطنيه بأنه أمّن حجوزات السفر والطيران والاقامة في نيويورك!

كما أنه النظام الوحيد الذي قدّم لشعبه انفصالاً ناجزاً قسم فيه بلده الى بلدين متعاديين، حرم من خلاله اقتصاد بلاده من ثلاثة ارباع انتاجه من الخام النفطي الذي كان المصدر الرئيسي للايرادات الحكومية والعملة الاجنبية، وجهّز بذلك الحبل الذي سيشنق به نفسه اقتصادياً، كما فعل سياسياً.

ولعل نجاة النظام السوداني من حركات الاحتجاج السابقة في حزيران (يونيو) العام الماضي والتي قمعت بصرامة، جعلته يظنّ نفسه محصّناً كونه يجمع بين قبضة العسكريتاريا الأمنية وعمامة الاسلام السياسي.

ثورة “الهوت دوغ”

وما نقل مطالب السودانيين من الاحتجاج على رفع دعم الحكومة السودانية لسعر المحروقات إلى المطالبة بـ”قلع” الرئيس، هو “زلة اللسان” التي ارتكبها البشير بقوله إنه صاحب الفضل في تعريف السودانيين بوجبة “الهوت دوغ”: “أتحدى لو فيه زول (رجل) سمع بالهوت دوغ قبل حكومة الإنقاذ”. وكان هذا التحدي كافياً ليخرج الآلاف من السودانيين إلى الشارع.

ويعتقد الكاتب الصحفي السوداني فيصل محمد صالح، أن “رفع الدعم عن سعر الوقود لم يكن سوى الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات، فهناك الكثير من أسباب الاحتقان القديمة، أبرزها الحروب الأهلية، وعدم قدرة الحكومة على حسم الأوضاع، فضلاً عن التضييق على الحريات”.  ورفض فيصل المقارنة بين ما يجري في السودان وبين الثورات التي وقعت في بلدان عربية عديدة، قائلاً “ربما هي هبة شعبية لكن لا أستطيع أن أسميها ثورة، لكن هناك إلهاما للشباب الغاضب مما جرى في مصر وتونس واليمن وغيرها من الدول العربية”.

ويواجه السودان الذي عرف بأنه مرشح ليكون سلة الغذاء العربي، أزمة غير مسبوقة في تاريخه بمعدل تضخم تجاوز 40%، وهو بين الأعلى في العالم.

ويعود السبب الرئيسي لما يحدث اليوم في السودان إلى ارتفاع أسعار المحروقات، وهبوط حاد في سعر صرف العملة المحلية.

وبلغت ذروة الأزمة الاقتصادية في السودان بعد أن فقد حوالي 75% من إيرادات النفط التي أصبحت تذهب إلى خزينة دولة جنوب السودان بعد الانفصال.  ومع تراجع حصة السودان من إيرادات النفط أصبحت الحكومة عاجزة عن توفير الاحتياطات من الدولار لتغطية واردات المحروقات وطرحها في السوق بأسعار مدعومة.