العروبة المفقودة

walidغابت العروبة، فحضرت المآسي تباعاً.

هي لم تهاجر، بل نحن هجرناها.

توهمناها سبباً لانكسراتنا وهزائمنا وتخلفنا.

اعتبرناها مرضاً ورثناه من جاهلية قريش وداحس والغبراء.

وعدتنا بانتصارات… لم تأت.

تحت نظرها كانت نكبة فلسطين ونكسة حزيران.

دفعتنا إلى استعداء الغرب، وبالذات سيدة الكون الولايات المتحدة. وقد دفعنا هذا العداء إلى كتم شبقنا لمعاشرة العصر المتطور.

كثيرون منا ندموا على قضاء سنوات الشباب قبالة نوافذها، يغني لها ويتغنى بأمجادها.

من منّا لم يقل فيها أعظم الكلام؟.

من منّا لم يغمرها بعيون الشعر. ويشعل بحبها روائع الغناء؟.

لا أحد يدري إلى أين رحلت.

كل ما هو مؤكد أنها لم تعد بيننا.

غريب!!.

مع أنها غادرتنا، ومع اعتقادنا أننا بغيابها أغلقنا أبواب الريح… لنستريح، فإذا بنا نواجه الكوارث الكبرى من كل صوب.

ها نحن من دونها مذاهب شتى ودول مشتتة. منها من يتذابح… ومنها من ينتظر.

ها هي الكراهية تبلغ أشدها، حتى انحدرت إلى أصغر مستويات التمييز العنصري ما بين مسيحي في الحدت وشيعي في الشياح.

والعنصرية لم تقف مواصيلها عند رتبة رئيس بلدية الحدت، بل تعدته إلى الرتب الأعلى، والأكثر علواً. فتم الإعتداء على كرامة النازح السوري وإنسانيته. وقد بالغ العنصريون بكراهيتهم إلى حد منع هذا النازح من التجول ليلاً بتهمة مبنية على نية السرقة المسبقة، أو الشك بأنه إرهابي محتمل.

والعنصرية في لبنان، التي انتعشت بغياب العروبة، قد تكون أقل ضرراً وضراوة من العنصرية التي تمارس القتل والتهجير في بلاد مثل العراق وسوريا، وكانتا يوماً من ذوات “أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة”.

هذا غيض من فيض الكوارث الزاحفة حثيثاً إلينا. فثمة ما هو أكثر إيذاء من المذهبية والعنصرية. فمن يستطيع أن يتجاهل الإنحراف الخطير بالإسلام وسماحته؟… وإلا كيف ولدت “القاعدة”؟. وكيف خرجت من سلالتها داعش والنصرة؟… وكيف توالت الإنحرافات بـ “حوثية” ملعونة، وبـ “حشد شعبي” ملغوم… وبكثير مثلهما، حيث لا يمكن العد… ولا ينفع الحصر.

منذ أن قدمنا استقالتنا من العروبة، فإن ما أتى عظيم، وما سيأتي أعظم.  في زمانها، كنا نستعد فقط لحرب ضد إسرائيل. من بعدها لم نترك حرباً أهلية لم نخضها بجدراة، وأحقاد كانت دفينة… فآن أوان إعلانها.

كانت العروبة تضمنا إلى صدرها بطوائفنا ومذاهبنا واقلياتنا. وبرحيلها تقطعت أوصالنا. وتزنّرت كل طائفة، وكل مذهب، وكل أقلية، بأحزمة ناسفة في محاولة لتفجير “الوطن الكبير” وتحويله إلى أوطان بلا أمان… وإلى شعوب نازحة بلا مأوى.

في زمانها، ولّى عهد الإستعمار. ومن دونها تحولت الأرض العربية إلى ملاعب عسكرية لأكابر الدول ولأصاغرها.

هنا تلعب أميركا.

هنا تلعب روسيا.

هنا تلعب إيران.

هنا تلعب تركيا.

صحيح أن البوح اليوم بحب العروبة يثير السخرية، لكن لا يمكن الخروج من سخرية القدر العربي إلا بالعودة إليها.

لم يعد الأمر مجرد حنين للأيام الخوالي… إنها، أي العروبة، هي المنقذ الوحيد من محرقة الفوضى والتفرقة. فهي دون سواها من يجمع ولا يفرق. ومن يرى أنه لا فضل لسني على شيعي، ولا لمسلم على مسيحي، ولا لمؤمن على علماني إلا بالعودة إلى العروبة التي تتسع للجميع ولا تستثني أحداً.

وليد الحسيني

Advertisements

قمم في مواجهة الكوارث

walidالقمة ليست دائماً بلا فائدة. وبالذات إذا انعقدت في أسوأ الأيام. فهل تكون قمم مكة الثلاث هي الإستثناء؟

لم يسبق أن اجتاحت العرب المحن، من محيطهم إلى خليجهم، كما اليوم.

الخطر يستعد لخلع أبواب الخليج. والكوارث تتوالى بلا رحمة في أغلب المشرق العربي ومعظم مغربه.

لا شك أن العرب يدفعون، في هذا الزمان، ثمن انتصاراتهم في تلك الأزمنة.

يبدو أن أمة الفرس تنتقم من قادسية سعد بن أبي وقاص. وأمة الغرب تنتقم من صلاح الدين في تحرير القدس. وأمة الأتراك تنتقم من الشريف حسين في تمرده على امبراطوريتهم المريضة.

أمم تتكالب على الأمة!.

كل هذا كان متاحاً، بعد أن انقلب العرب على عروبتهم. واستلوا الألسنة والأقلام لتعريتها.

إنتكاس القومية العربية، أيقظ الأحقاد والأطماع لقوميات منتكسة تاريخياً. فعمل الفرس والعثمانيون على تحويل الإسلام إلى أحصنة طروادة.

الإيرانيون أخذوا من أمراض المسلمين المذهبية. فاستعانوا بها لجعل طهران عاصمة العواصم العربية الأربع.

بفضل المذهبية انتزعوا العراق من تاريخه. وبسلاحها تحكموا بلبنان. وببلائها زادوا اليمن ابتلاء. وبنجدتها استباحوا سوريا. ومن بوابة المسجد الأقصى سجدت لهم حماس في غزة.

أما الأتراك، فقد اختاروا الإنحراف بالإسلام، فركبوا موجة التطرف. فبركبانها إحتلوا بعض سوريا. وبمراكبها حاولوا مُلْكاً في ليبيا، بعد أن سقطت ممالكهم في مصر محمد مرسي وفي تونس الغنوشي.

أما الغرب فقد أسلم أمره لواشنطن وسلّم بأوامرها. وها هو ترامب يصطف في طابور الموالاة لاسرائيل، متقدماً على كل من سبقه. ومؤكداً أن الأميركي لا يكون أميركياً إلا إذا كان صهيونياً. وكما بلفور أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، أعطى ترامب اسرائيل القدس والجولان. وترحرح في صهيونيته فأنجز لها صفقة القرن بقرون اسرائيلية هائجة.

صحيح أن العروبة لم تستعد فلسطين. ولم تُشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي إلى الفضاء. ولم تزرع أرض السودان قمحاً ورزقاً. ولم تهب شعباً ديمقراطية كاملة، ولا حتى حريات ناقصة. لكن غيابها أبعد فلسطين إلى ما بعد بعد أدلب وصنعاء. وأشاد مفاعلاً مذهبياً مدمراً. وقذف فضاء مكة، قبلة المسلمين، بالصواريخ الباليستية، وأنزل من فضاء سوريا البراميل المتفجرة. واستبدل زرع الأرض بالحقول الخضراء، بزرعها بحقول الألغام. واستجاب لحرية الرأي، فلم يقطع الألسنة، فقد اكتفى بقطع الرؤوس التي تحملها.

لقد أدرك الملك سلمان ان الكوارث العربية قد أينعت رؤوسها، وحان قطعها، قبل أن تقطع رأس الأمة العربية، وتدفنه مهشماً ما بين طهران واستنبول وواشنطن. لهذا دعا لعقد قمتين عربية وخليجية. ففي الأيام الصعبة، نحتاج إلى اتخاذ القرارات الصعبة، والإجراءات الأصعب. فهل تتم ترجمة هذه القرارات للفارسية، وهل هي قابلة للترجمة على أرض الواقع؟.

سؤال نتمنى أن تكون إجابته: نعم.

وليد الحسيني

وسام المقابر

walidلن يغفر الله لنا إذا نسينا أن في ميلاد السيد المسيح، كان الميلاد الأول للإنسانية.

لكننا نسينا، وبالغنا في النسيان.

إن الأعداد المتنامية لجياع العرب، تجعلنا نرتعش خوفاً من نهاية مأساوية لإنسانية تغمض عيونها عن صور مزلزلة لأطفال، تحولت أرجلهم إلى ما يشبه الحبال. وأيديهم إلى خيوط مهترئة. وعيونهم إلى مغارات غائرة.

ليس سهلاً أن ينخر الذباب العظم الحي، المغلف بالجلد المتقرح.

ليس سهلاً أن يطبق الصمت على الأفواه الرضيعة، التي أصبحت أضعف من أن تبكي.

ليس سهلاً أن يفرّغ رجل، ما بقي لديه من طاقة، بحفر قبر لنفسه، بانتظار نفسه الأخير.

وسط ذهول مخيف، مما تحمله وكالات الأنباء من أخبار وصور، لأشباح من أهلنا في اليمن والعراق وسوريا وليبيا والسودان، يصح السؤال عما إذا كانت الإنسانية بعدها على قيد الحياة. وأن ثمة مؤمنين يؤمنون بها داخل الأديان. وأن الدول الغربية ما زالت تقيم وزناً لـ “قيمها الفاضلة”… أو ما بقي من فضلاتها.

لقد انهمرت دموع الملايين من شعوبنا المنكوبة، بغزارة لم تعرفها أكثر مواسم الشتاء مطراً. وكبرت المآسي إلى أن أصبح الموت، هو الدواء المجاني الوحيد المتاح، الذي ينقذ من الأمراض والجوع والذل والإذلال.

ألا يدرك القادرون من أثرياء العرب، أن بمقدور هؤلاء الجياع، منح كل هؤلاء الأثرياء، “وسام المقابر” من الدرجة الأولى، لو قاموا بحفر المدافن، لمواطنين انحصرت أكبر طموحاتهم بالحصول على قبر في مقبرة.

لا نعتب على الجثث العربية الحية، إذا انطفأت أحلام أصحابها بالنجاة من حروبنا الأهلية، المؤهلة للإستمرار والتمدد من دولة إلى دولة. العتب على أولئك، الذين لم يقصروا في إشادة القصور، والذين لهم في مراحيضهم الذهبية قدوة حسنة لتكريم مؤخراتهم السامية.

ترى لماذا لا يتم تأكيد “الأخوة العربية” بأن يقوم رجال المال والأعمال العرب، بدفن الموتى من  الجوع والأمراض، والذين لا يملكون ثمن القبر، تحت أساسات قصورهم واستراحاتهم.

ألا يعلم هؤلاء أن الله بذلك، يكون قد أتم عليهم نعمته ورضي لهم بالإسلام دينا.

أليس بذلك إخفاء لمعالم جرائم الفقر والإبادة، في أمة لا تتوانى دولها عن شراء الأسلحة بمليارات الدولارات سنوياً، على طريقة هواة جمع الطوابع البريدية القديمة.

من وجع اليمن وسوريا والعراق وليبيا والسودان، يمكن القول أن الحالة العربية دامية، رغم أن لا دماء في ما بقي من أجساد عظمية جافة.

إنه الموت باليباس الإنساني… فهل يحيي الله الإنسانية… وهي اليوم رميم؟.

وليد الحسيني

أين الثورة؟

walidالمنافسة محتدمة على لقب “أم النكبات”.

فلسطين تعتبره حقاً تاريخياً لها.

وسوريا تعتبره إنجازاً، وصل بها إلى أن تكون فتيلاً لشبه حرب عالمية، بعد أن استوطنت فيها جيوش روسيا وتركيا وإيران، وأغار عليها حلفاء كبار. فهي اليوم مركز صراع القوى العظمى في العالم. ولا أحد بمقدوره التنبؤ بالمصير الذي يمكن أن ينتج عن مواجهات العناد والحماقة بين بوتين وترامب.

والعراق الذي غزته أميركا تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل، تحقق فيه الدمار الشامل دولةً ومدناً وشعباً. فسجّل بذلك نقاطاً كارثية تدخله عن جدارة في سباق “أم النكبات”.

واليمن يكاد يتحول إلى “وطن المقابر”، بعد أن فتكت به الحوثية والمجاعات والأمراض. وهذا يعني أن المؤرخين سيقبلون، مرغمين، ترشيحه إلى لقب “أم النكبات”.

وإلى أن يحسم أمر هذا اللقب المخيف، تبقى فلسطين النكبة الأم.

فهي منكوبة بجرائم إسرائيل التي لا تتوقف. ومع ذلك لا بد من أن يقال ما لا يسمح بأن يقال … وإن أغضب ذلك “الممانعين”.

نقول، لا يمكن التمادي بالاستشهاد المجاني.

إن ما حصل وقد يحصل منه المزيد، بدءاً من يوم الأرض، وصولاً إلى “جمعة العودة”، هو مأساة من صناعة فلسطينية. فحب الظهور على “ظهور الشهداء” يشكل مسرحية دموية، يحافظ فيها أبطال الخشبة على نجوميتهم، في حين يتغيّر دور الجمهور من مشاهد … إلى شهيد.

حصيلة ثلاث جمع عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.

تباهى المحرضون بالأرقام … وانتظروا بغباء تاريخي أن تصب لعنات الرأي العام العالمي على إسرائيل. وأن يغضب مجلس الأمن فيصدر قراراً “نافذاً” ضد إسرائيل.

تناول المحرضون قهوة الصباح. تصفحوا الصحافة العالمية. تابعوا نشرات التلفزيونات.

الأخبار روتينية. مسيرات العودة والشهداء والجرحى لا يثيرون اهتماماً دولياً ولا استنكاراً شعبياً.

أكثر من سبعين سنة مضت، إرتكب خلالها العدو مجازر لا تحصى. وكانت أشد فظاعة ووحشية. ولكن جميعها مر تحت مبرر “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

لم يعد من الجائز التشجيع على الاستشهاد المجاني في انتظار لفت الأنظار.

الثورة لا تكون بتحويلها إلى احتفالية دموية.

يوم كانت، كانت “ثورة … ثورة حتى النصر”. فلا النصر أتى ولا الثورة استمرت.

سقط في أوسلو “الكفاح المسلح”. وسقطت في غزة وحدة السلاح.

حتى الأنفاق “الغزاوية” أصبحت ممراً سرياً لتنقل السلع والتجار، لا لنقل السلاح والمقاتلين.

إلى أن يكتشف المحرضون الثورة مرة أخرى، عليهم أن يتوقفوا عن دفع الأبرياء والسذج إلى الاستشهاد العبثي.

ضحايا مسيرات العودة ثوار حقيقيون … لكن نسأل “فتح” و”حماس” وغيرهما: أين الثورة؟

وليد الحسيني

هل تكون قمة الحسم؟

walidتعوّدنا على قمم عربية تتخذ قرارات، كانت قد اتخذتْ من قبل.

بيانات ختامية منسوخة من أرشيف جامعة الدول العربية.

فقرة لكل دولة. أي مجموعة فقرات ورثتها قمم الألفية الثالثة من قمم الألفية الثانية.

مثلاً، لا مفرّ من تكرار فقرة متهالكة تساند فلسطين بدفق من التعاطف والعواطف. ولا مهرب من فقرة تطالب إيران بالانسحاب من الجزر الإماراتية الثلاث. ولا شيء يمنع توزيع السين والسوف، على باقي الأعضاء، حيث لكل دولة في الطيب نصيب.

وتعودنا أيضاً على قمم تلقي الرماد فوق نار الخلافات العربية، الذي لا يلبث أن تذره رياح الخلافات المتجددة.

العرب اليوم على مشارف قمة تعقد في السعودية، في ظروف كارثية تفترسهم دولة وراء دولة.

لهذا يجب أن تكون قمة غير كل القمم. فالسعودية التي تحولت في عهدها الجديد إلى مملكة الحسم والحزم، من حقها أن لا تعود إلى السير في طريق المسايرات.

إن الحسم والحزم في قاعة القمة وبيانها الختامي، هو الذي يؤدي إلى الحسم والحزم في سوريا والعراق واليمن وفلسطين وليبيا والبحرين.

أحياناً يكون ما نعتقد أنه فشل … هو النجاح. ففي ظل خرابٍ يتنقل كالإعصار في الأرض العربية، تنتفي مبررات “وحدة الصف” أمام الإلتزام بإنقاذ ما يجب إنقاذه.

قادة الأمة يعلمون جيداً أن دولاً عربية عدة قد علقت في الشباك الإيرانية. وأنها سترفض أي قرارات تتخذ لمواجهة المد الفارسي. وهذا يعني إما إصدار قرارات بلا أنياب، أو التضحية بالإجماع العربي.

على القادة أن يسألوا أنفسهم:

ما نفع الإجماع إذا كان سيصيب الجميع بالشلل … وإذا كان سيفضي إلى هزيمة عربية جماعية؟

يدرك القادة أن قمتهم تنعقد في ظروف مأساوية غير مسبوقة. ويدركون أن إخلاصهم للأمة يحملهم مسؤولية الخلاص. وهذا لا يتم إلا باتخاذ قرارات غير مسبوقة أيضاً … حتى لو امتنع الممتنعون عن التصويت … واعترض المعترضون على القرارات … وانسحب المنسحبون احتجاجاً ورفضاً.

في هذه المرحلة العربية المخيفة، الفشل لا يعني غياب الإجماع … والإجماع لا يعني النجاح.

القرارات المائعة هي نتيجة مثالية لدول الممانعة.

الأمة العربية تنطلق حثيثاً باتجاه الهلاك.

العراق تحوّل من بلاد ما بين النهرين، إلى بلاد ما بين الثلاثة أنهر، بعد أن شقت أميركا، وبعدها إيران، نهراً ثالثاً تجري فيه دماء العراقيين. وهو أطول من الفرات وأكثر اتساعاً من دجلة.

وفلسطين تعفّنت من الصبر ومرور الأزمنة. وفاقت عداوات “فتح” و”حماس” عداوتهما لإسرائيل … فقد كثر الإقتتال … وقلّ الإستشهاد.

وسوريا قلب العروبة النابض، يكاد يتوقف قلبها من شدة أهوال القتل والتشريد والتهجير والتدمير … والإحتلالات.

والبحرين مازالت تقاوم مؤامرات السطو على “لؤلؤة الخليج”.

وليبيا استوطنها التطرف الدموي، وأدخلها إلى مسلخ بشري أغلقت أبوابه بإحكام.

واليمن تحوّل من جار للسعودية إلى جائر عليها … وإلى منصة صاروخية تستهدف قلعة الإسلام.

ألا تستحق كل هذه العاهات والزلازل قمة حاسمة وحازمة؟

فبماذا تجيب قمة الرياض؟

وليد الحسيني

إعلانات بالدم

walidعندما يروّج بوتين للسلاح الروسي بقوله أن المعارك في سوريا جعلت العالم يعرف جيداً قدرة وقوة وأسماء أسلحته، يكون قد حوّل المأساة السورية إلى شاشة إعلانات.

هذا السلوك التجاري المعيب، يُفقد روسيا مصداقية الإدعاء بأنها جاءت إلى سوريا من أجل محاربة الإرهاب، والمحافظة على وحدتها وشرعيتها.

إنه يعلن بصراحة مخزية أن الأرض السورية، بمدنها وريفها، كانت حقل تجارب لأسلحته الجبارة. أنه بذلك يكون قد أثبت للدول الباحثة عن السلاح، أن موسكو هي المصدر المثالي للتسلح.

هذا استثمار رائع لمأساة مروّعة. فما تكلّفته روسيا في حربها السورية، ستعوّضه أضعافاً في صفقات السلاح المتوقع أن تنهمر طلباتها على الكرملين.

هذه ليست الدعاية الوحيدة التي قدمتها سوريا للقيصر الروسي. فقد منحته أيضاً دعاية سياسية عالية الجودة، حيث أتاحت له إستعمال “الفيتو” مراراً، مؤكداً من خلال مجلس الأمن، أن روسيا حليف لا يعوّض، في حين أن التحالف مع الغرب ليس أكثر من ثرثرة عاطفية.

وهكذا تكون سوريا قد وفّرت لبوتين قاعدة عسكرية في حميميم، وقاعدة سياسية قي نيويورك.

في حميميم وطرطوس، تحقق روسيا حلمها بالوصول إلى المياه الدافئة. وفي نيويورك، تمت لها السيطرة المطلقة على قرارات مجلس الأمن، ساحبةً بذلك البساط من تحت أقدام ترامب الأميركي وماكرون الفرنسي وتيريزا ماي البريطانية.

أكثر من سبعين عاماً والشركاء الخمسة في الإنتصار على النازية، يحكمون العالم بالفيتو.

يمارسون ديكتاتوريات الدول العظمى على دول لم تسهم في خوض حروبهم، ولم تقتل الملايين. في حين أن القتلة أخذوا من فظاعة ماضيهم مكافأة الحق في إدارة العالم، وحماية السلم العالمي والحريات وحقوق الإنسان.

وهم اليوم، يكررون، إلى حدٍ ما، ماضيهم العنفي. فبسبب صراع مصالحهم، يفتعلون الأزمات والحروب الأهلية. ويتحالفون مع ديكتاتوريات كرتونية. ويتسببون بنزوح الملايين هرباً من النزاعات المسلحة، هادرين بذلك أدنى الحقوق البشرية لهذه الأسر المشردة، عبر حرمانها من المأوى والرغيف والطبابة والمدرسة.

إذا بقي النظام الأممي على حاله، وهو باقٍ بكل تأكيد، فإن دول العالم الثالث ستبقى حطباً متروكاً لنيران الفيتو.

لكن الفيتو نفسه، قد يتحوّل إلى حزام ناسف ينفجر بحامليه. ودلائله تبدو في التنافس القذر، بين روسيا وأميركا، على لقب الدولة الأعظم. خصوصاً وأن خطوط التماس المباشر بينهما أصبحت متعددة ومتقاربة، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن أو كوريا أو أوكرانيا.

هذه ليست عودة إلى الحرب الباردة فقط. فمع وجود بوتين وترامب، وما يحملانه من عنجهية ومن جنون العظمة، نخشى من ارتكاب حماقات كبرى، تتحوّل معها حربهم الباردة إلى حرب ساخنة جداً.

وليد الحسيني

فرقة الكورال

walidللعرب أعداء. أما الأصدقاء، إذا وجدوا، فهم ليسوا من فئة “الصديق وقت الضيق”.

قائمة الأعداء طويلة، وهي إلى مزيد.

في التفاصيل:

إكتشف كولومبوس أميركا … وأميركا إكتشفت إسرائيل فوقعت في حبها وحبائلها.

وأميركا نجحت في أن تمثل علينا دور الحامي … وأن تمارس على ثرواتنا دور الحرامي.

روسيا، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، أشاحت بنظرها كلياً عن دول أوروبا الشرقية، وركزت بأبصارها وأطماعها على بعض الدول العربية.

تركيا، حملت خنجرها العثماني العتيق … وتحيّنت فرص الطعن في الظهر العربي.

الاتحاد الأوروبي، يعطينا من طرف اللسان حلاوة، ويعطي إسرائيل من القلب الموقف والمال والسلاح. وإذا خطى خطوة نحونا، يخطي خطوات نحوها.

دول عدم الإنحياز، أصيبت بالصدأ، ونامت على صدى صوت عبد الناصر.

منظمة المؤتمر الإسلامي، لم تعد تعرف من الإسلام سوى أداء “صلاة الميت”.

أما إيران، فقد زادت في طنبور الغناء عداء، منذ أن برعت في إشعال النيران في الديار العربية.

ترتدي “قناع فلسطين” داعية العرب إلى الاندفاع خلفها نحو القدس. فهي تمسك بأكبرأحلامنا، وتتشدد في إزالة إسرائيل ومسحها من خريطة ما بين النهر والبحر.

في الوقت نفسه، تكشف إيران عن وجهها الإمبراطوري، فتصيب وعينا القومي بالهلع.

هي محتلة لجزر الإمارات. وطامعة في دولة البحرين. ومتدخلة حتى الثمالة في حروب سوريا والعراق واليمن. ومحرضة على السعودية. ومهيمنة على لبنان. ومتورطة في تكريس الإنشقاق بين غزة والضفة. ولا يزعجها الإرهاب في سيناء.

تشكل في العراق “حشداً” اختلط فيه “الشعبي” بالشيعي، فأشعل فتنة تهدد بقايا قوتنا العربية، المصابة أساساً بالوهن والتبعثر.

وفي اليمن لا يقاتل الحوثيون بطيور أبابيل. فثمة من يمدهم بالمال والسلاح والخبرة. ولا يمكن إلقاء هذا المدد على المَشجَب الإسرائيلي. على اعتبار أن التعاطف الإيراني المعلن مع الحوثية يخلع هذا المَشجَب من جذوره، لإيماننا الثابت بأن إيران لا يمكن أن تتلاقى مع المؤامرة الاسرائيلية في أي مكان وأي زمان.

أما المَشجَب الأميركي، الذي نعلّق عليه هو الآخر مصائبنا، فهو أيضاً مَشجَب مُخلّع، وبالكاد يحمل أزماته الداخلية ونكساته الخارجية.

إنطلاقاً من كل هذا، لا يبقى من رصيد الحوثيين سوى إيران، التي تزعم أن التدخل السعودي في اليمن حرب “وهابية” ضد الشيعة. وهكذا يتم صب الزيت على جمر المذهبية في الوطن العربي.

إن جرثومة المذهبية التي تنتشر محيطاً وخليجاً، هي أخطر من كل ما واجهناه من أخطار، منذ الاستيطان العثماني في كل الوطن العربي، إلى الاستيطان الصهيوني في كل فلسطين.

أخيراً، تخلى العرب منذ أزمنة بعيدة عن وهم استعادة جغرافيا الخلافة العربية، التي حكمت في قديم الزمان بلاداً باسم الإسلام. ونتمنى على إيران التخلي بدورها عن الطموح المستحيل بقيام إمبراطورية فارسية، أيضاً بإسم الإسلام. فذاك زمان مضى، وهذا زمن لن يأتي.

نتمنى أن نجنح معاً إلى السلم والاستقرار والأمان. وأن نتجه فعلاً إلى فلسطين … بالأفعال، لا بالأقوال. فقد قلنا وقلتم كثيراً … إلا أن فلسطين لا تحتاج إلى فرقة “كورال” … بل إلى فرق عسكرية.

وليد الحسيني