دعوة إلى الحقيقة: كل ما يُعرف… يجب أن يقال

walidلم يعد التمويه صالحاً لإخفاء حقيقة ما يجري، كما لم يعد الإدعاء كافياً لتحويل الصراع الدائر من صراع قذر إلى صراع يحمل خليطاً متناقضاً من رايات الحرية والعروبة والإسلام وفلسطين.

لقد ذاب الثلج وبان المرج مملوءاً بالأشواك الجارحة والمسمومة. وصار لزاماً القول أن كل ما يُعرف يجب أن يقال.

قد يصعب تحديد من بدأ هذا المشهد الكارثي، الذي يكاد يعم الوطن العربي من محيطه إلى خليجه. لكن من السهل تحديد من خطط لهذه السنوات الشيطانية.

سنكون محقين لو اتهمنا أميركا وإسرائيل. إلا أن هذا الإتهام، حتى لو كان ثابتاً ومؤكداً، لا يلغي إتهام أنفسنا جميعاً، بأننا كنا أدواته الطيعة والمطيعة.

لقد خططوا لصراعاتنا، أن تكون في مكان ما، سنية ـ شيعية… فكانت رغم التمويه. وفي مكان آخر أن تكون عربية ـ فارسية… فكانت رغم الإدعاء بغير ذلك.

الجميع  ينهي عن عمل ويأتي بمثله. والجميع يشرب من نهر الجنون ولا يرتوي. والجميع كجهنم، يسأل هل من مزيد؟.

ثمة استثناءات لا يعترف أحد بها اليوم. وهي إن تكلمت فكلامها منتهي الصلاحية، ومتهم بأنه بقايا لغة خشبية يفترض إنقراضها. فالعروبة أصبحت تهمة ملعونة في ظل انتشار المذهبيات وانكفاء العرب كل داخل دولته.

صحيح أننا من هذه الإستثناءات، التي تشكل عملة مسحوبة من التداول، في زمن عملات فاعلة يتداولها من يتعامل بتفاعل مع هذا «الربيع» الذي لن يترك لنا ربع وطن.

ومع ذلك سنصيح في قلب الريح العاصفة بالأمة والمنطقة.

ما عاد مهماً ما يفكر من هم فوق، المهم أن قاع الشعوب العربية أصبح مسكوناً بالمذهبية. وهذا سيجعل الفتنة المشتعلة، أشد من «الفتنة الكبرى»، التي تلطخ تاريخنا القديم، والتي تتجدد اليوم، بأسلحة أكثر فتكاً. فالسيف استبدل بالصواريخ الحاصدة للأرواح بالجملة. والدرع استبدل بالحزام الناسف. والرمح استبدل بالقنابل الموجهة. والحصان استبدل بالدبابة.

في قاع الشعوب العربية أيضاً قناعة لا تتزحزح بأن ما يجري في المشرق العربي هو حرب عربية ـ فارسية، حتى ولو ارتدت ثوب فلسطين المثقوب بالتخلي إلى حد الخيانة، وبالإلتزام إلى حد الخطابة.

إن ما يُعرف ويجب أن يقال: أننا نمضي إلى بئس المصير.

في زمن التبشير بالثورة كنا ندعو شعوبنا النائمة إلى الاستيقاظ والانتفاض على الإستبداد والدعوة إلى الحرية والوحدة.

كنا ندعو إلى الاستيقاظ للنهوض بالمستقبل. واليوم، وحفاظاً على حد أدنى من المستقبل، ندعو جادين الشعوب العربية الهائجة، وندعو «ثيران» ثورات العرب والإسلام إلى العودة للنوم مستعيدين قول الشاعر معروف الرصافي:

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم.

نعم ناموا يا عرب وفوزوا بإنسانيتكم وأوطانكم وأرواحكم… ناموا وإياكم أن تستيقظوا.

وليد الحسيني

Advertisements

دعوة إلى الحقيقة: كذبت أميركا حتى لو صدقت

walidحرث «الربيع العربي» الأرض. قلب تربتها رأساً على عقب. نثر فيها بذور «الحرية والديمقراطية». ألقى فوقها سماد «العدالة والكرامة». سقاها بدم أغزر من شلالات نياغارا.

وعندما حان موسم الحصاد رأينا المناجل «الثورية» تحصد الرؤوس اليانعة. وشاهدنا «بيادر» الجثث المتراكمة. وفاحت في حدائقنا رائحة احقاد لا تتآكل، لكنها تأكل كل شيء. وقرأنا الفاتحة في الحقول والمزارع التي تحولت إلى مقابر.

ماذا فعلت أيها «الربيع» في الأمة العربية؟.

هل غدرت بها… أم غدرت بك؟.

تحاكمك… أم تحاكمها؟.

هل حقاً حرثت الأرض… أم نبشت عصور التتار والهمجية؟.

هل ما نثرت كانت بذور الحرية… أم بذور الشر المستطير؟.

وهل ما نشرته فوق الأرض العربية، كان سماداً يضاعف غلال العدالة والكرامة… أم سماً قاتلاً لهما؟.

لقد وعدت… وكنت الأكثر عداوة لوعودك.

أسقطت «ديكتاتوريات» وطنية ومتحضرة… وأقمت على أنقاضها ديكتاتوريات متخلفة وجاهلة وباغية ومتوحشة.

وعدت بالحرية… وأخذت كامل حريتك بالقمع والذبح.

قبلك كان المعارض يذهب الى السجن… وفي زمانك يتشرد في المنافي… أو يذهب إلى القبر.

ومع ذلك ننتظر الأسوأ، فجرائم «الربيع» متمادية… فهو يتطلع إلى كوارث لم يحققها بعد… وإلى دول لم يصلها بعد.

وسط متابعة هذا الغضب النازل كالصواعق على الأمة العربية، لا نجد خطة حقيقية لمواجهته، ولا حتى للحد من انتشاره. فصحوة الضمير الأميركي على محاربة «داعش» وبعض «النصرة»، هي بالواقع صحوة انتقائية من المبكر معرفة أهدافها الغامضة… وربما المخفية.

لقد بشرنا أوباما بأنها حرب طويلة الأمد، وقد تتجاوز الثلاث سنوات.

بمعنى آخر أنها حرب غير جادة وغير مجدية. فثلاث سنوات داعشية تكفي لإزالة أي موروث حضاري. كما تكفي لمد الهمجية إلى حيث لا تنفع في ردها غارات الحلف الأربعيني.

ولا يمكن لعاقل أن يصدّق ما زعمه البنتاغون عن استراتيجية ضد الإرهاب. فالإرهاب مهما تفرّع وتجزأ، يبقى واحداً. لهذا يمكن القول إن الصمت عن الإرهاب في ليبيا أو شمال سيناء أو حوثية اليمن، هو نوع من الغباء… لكنه الغباء الأميركي المتعمد. فعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة حريصة على إبقاء التطرف الإسلامي حياً وفاعلاً، أكثر من حرص أيمن الظواهري خليفة القاعدة، وأبو بكر البغدادي خليفة داعش.

لو صدقت أميركا، لما شكلت البيئة الدبلوماسية الحاضنة لـ«الربيع العربي»… ولما غضت النظر عما يفعله الإخوان المسلمون من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه.

لقد كذبت في إعلان حربها ضد الإرهاب… حتى لو صدقت في شن غاراتها الحنونة على دواعش سوريا والعراق من دون أن تطاول التنظيمات الإرهابية الأخرى… وكأن ثمة إرهاب بسمنة وثمة إرهاب بزيت.

لهذا نقول، متيقنين جازمين، أن في ما خفي في حرب أميركا ضد الإرهاب ما هو أعظم… وستأتيك الأيام أيها العربي بما كنت جاهلاً… وبذلك نستطيع أن نبشر الإرهابيين بالسلامة… وأن يستبشر العرب بالخراب.

وليد الحسيني

حديث الشارع: عودة الإسلام إلى ما قبل ظهور الإسلام

isis cartoonsالتكفيريون يكفرون.

ها هي «داعش» وأخواتها و«إخوانها» يزوّرون الإسلام ويحاولون إقناعنا بأن ألف وأربعمئة سنة إسلامية كنا نمارس خلالها الإسلام الخاطئ والمنحرف!.

يصرّون على أن نصوص القرآن والسِنّة لا تدعو، كما يقول علماء وفقهاء التفسير، إلى الرحمة والتسامح واحترام أبناء الديانات السماوية وحفظ دور عبادتهم. وكذلك تحريم دم المسلم على المسلم. ولا تنص كذلك على حسن معاملة الأسرى.

كل هؤلاء «الجهلة» دعونا الى أن نكون كالملائكة… وبفضلهم قال التاريخ عنا أنه لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب.

اليوم نرى إسلاماً يدعو الى الهمجية والوحشية وتدمير الكنائس وجوامع الصالحين وقطع رؤوس الأسرى.

اليوم أتم الداعشيون وأخوانهم علينا نعمتهم ورضيوا لنا بـ«إسلامهم» ديناً… وهكذا بات علينا أن نتبع هدى إسلامهم الجديد الذي يعيد الإسلام الى ما قبل ظهور الإسلام… وهذا يتم في زمن الدواهش… والدواعش… وتنظيمات ارتكاب الفواحش.

«شوارعي»

حديث الشارع: الآكلون لحومهم

كادت أن تنقرض قبائل آكلة لحوم البشر. إلا أن «الربيع العربي» بعث بها من جديد. وأحيا أنياب وحوشها وقد كانت رميم.

إلا أن العرب، وهم يأكلون لحومهم وأوطانهم، فإنهم يفعلون ذلك وفق آداب المائدة… أي بالشوكة والسكين.

بشوكة الحريات التي نغرز أسنانها الحادة في أجساد بعضنا بعضاً، وبسكين الديمقراطية التي نقطع بها الجسد والوطن قطعاً قطعاً ليسهل بلعها على الدول التي تتربص بنا.

كل ما نفعله هو خير لهذه الأمة. فبالشوكة والسكين ـ أي بالحرية والديمقراطية ـ نستبق الانفجار السكاني بتفجير السكان، وبالتالي، إعادة التوازن بين عدد السكان والموارد الغذائية.

وبالشوكة والسكين ـ أي بالحرية والديمقراطية ـ نعالج انحباس المطر بارهاق الدم لنروي أرضنا العطشى.

أما الأمن والاستقرار والكرامة الوطنية فهي جميعها رجس من أعمال الديكتاتوريات… فاجتنبوه. 

«شوارعي»

عندما يتحوَّل الشعب الواحد إلى شعوب متعددة

walidالانقسام الذي وصلنا إليه، أخطر من التقسيم الذي تسعى إليه «الفوضى الخلاقة» بربيعها العربي وشرقها الأوسطي الجديد.

قد لا تنجح «الفوضى الخلاقة»، التي تجتاح المنطقة، في تقسيم دول الوطن العربي إلى دول إضافية، لكنها نجحت في تقسيم الشعب الواحد إلى شعوب متعددة. وهذا يعني أن الوحدة الجغرافية لكل دولة ليست أكثر من حلبة لصراعات دموية طويلة الأمد. وهذا يعني بدوره أننا سنعيش في دول فاشلة غير قادرة على الحكم، لأنها غير قادرة على توفير الاستقرار والأمن.

على ضوء تطورات العنف السائدة في دول عربية عدة، والمهيأة للإنتقال إلى ما تبقى، لن تبقى للجنسية دلالة وطنية. فدولنا أغلبها، ونخشى أن تكون جميعها، تنحو نحو دول الجنسيات المتعددة.

سني، سلفي، أصولي، شيعي علوي، قبطي، ماروني، آشوري، درزي، كردي، عربي، تركماني… وما قد يكون سقط سهواً.

هذه ليست مبالغة، فبداياتها تتسع شيئاً فشيئاً وبسرعة جنونية.

إذاً، لم نعد نحلم بالوحدة العربية، كما نادى بها جيلنا. فأقصى أحلامنا اليوم أن تحافظ أجيال الأبناء والأحفاد على تثبيت اتفاقية «سايكس ـ بيكو» الاستعمارية، التي قسمتنا وشوَّهتنا من المحيط إلى الخليج.

ها نحن نقبل قسراً بالقسمة الجغرافية القائمة الآن. وأملنا أن لا نحوّل هوية 22 دولة عربية إلى هويات تتوزعها الانتماءات المذهبية والعرقية.

نظن أن في أوطاننا الـ«22» ثمة وطنيين. هم بالتأكيد الأكثر عدداً، لكنهم، بالتأكيد أيضاً، الأكثر خوفاً وتهرباً من المسؤولية.

على هذه الأكثرية، الموصومة بالخوف والموصوفة بالصامتة، أن تتخلى عن صمتها وخوفها.

إن الابتعاد عن الشر لن ينقذ المبتعدين من شروره إذا ما عمَّ وانتشر.

لو أن التطرف وجد من يرد عنترياته، لما قدر لشعب أي دولة عربية أن يتحول الى شعوب متعددة ومن جنسيات عرقية ومذهبية متباعدة ومتخاصمة. فالوطن السائب يؤدي إلى الخراب، وهذا ما حصل. فإلى متى نترك وطننا العربي ينجرف نحو التحلل والتفكك؟.

لا يمكن أن يعادي انسان الديمقراطية. أو يعترض على الحرية. لكن أيضاً لا يمكن لإنسان أن يقبل بديمقراطية العنف. وبحرية السلاح الذي يحلل دم المختلف بالرأي والعقيدة!.

لا يمكن القبول بأن تتحوَّل الأهداف المشروعة إلى أهداف انتحارية!. ففي كل بلد من بلدان «الربيع العربي» نشاهد الديمقراطية والحرية والعدالة ترتدي الأحزمة الناسفة وتنفجر في ساحات ثورات، كنا نعتقد أنها ستتحول الى مزارع تتفتح فيها ورود الديمقراطيات والحريات… والأحلام الوردية.

وليد الحسيني

العدد السنوي: ما لم يتعلّمه العرب من مانديلا

كتب كريم الخطيب:

الحرية بالنسبة لنيلسون مانديلا “لا تعطى على جرعات”.  فرئيس جنوب أفريقيا الراحل حديثاً لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان صاحب تجربة عالمية فريدة في حل “النزاعات الإثنية” وإعادة البناء الوطني.

 

تكتسب تجربة مانديلا (1918 – 2013) في جنوب أفريقيا أهميتها الكبرى من أنها أرست وقت تحقُّقها في التسعينيات، نقيضاً لما كان سائداً، من ضرب لوحدة المجتمعات على قاعدة “التعددية الثقافية الليبرالية”، وفرط للعديد من بلدان العالم إلى مكوناتها “الإثنية”.

وحده مانديلا، في قيادة دولة جنوب أفريقيا، أصرّ على الإبقاء على نموذج الدولة الوطنية وتجديده.

خلال سنوات سجنه الممتدة على ثلاثة عقود، أُتيح له الاختلاء طويلاً بنفسه، ما أعطاه كل ذلك السلام الداخلي الذي كان يشع منه، ويلمسه من يلتقي به.

كانت ذروة الانتصار للمسار الذي أرساه مانديلا، انتخابه رئيساً للجمهورية بـ60% من الأصوات، على أساس النظام الأكثري التقليدي، في مواجهة مع الأقلية البيضاء وجنونها وعنصريتها ورفعها كل الحواجز، وإقامتها كل أنواع التمييز بين المواطنين.  أصر مانديلا على أن الكلّ متساوون، ولم يشأ إدخال أي تمييز على أسس عرقية أو ثقافية في نظامه.

إنجازه الآخر الهائل هو إقامة «لجنة الحقيقة والمصالحة»، التي كانت لجنة قضائية تستمع إلى اعترافات المنخرطين في أعمال العنف السابقة، وبينهم مجرمون وأعداء للإنسانية. لم تكن اللجنة تحاكمهم، بل تفسح المجال لكي يتواجهوا مع ضحاياهم السابقين. كانت الاعترافات بالجرائم المرتكبة تحصل أمام المجتمع بأسره. والقاعدة أن المجرم السابق، كان يبكي أمام الجمهور، ويُعلن التوبة ويطلب الصفح.

تمتع مانديلا بصفات شخصية أتاحت له أن يقرأ بدقة معنى التطورات في بلاده والعالم. سواء في مرحلة النضال المسلح أو مرحلة السجن أو مرحلة الحوار والمصالحة. لقد خبر بنفسه معنى القهر البشري الذي يولده التمييز العنصري، والاستغلال المادي الذي وفره نظام الأقلية البيضاء منذ وصول الحزب الوطني العنصري إلى الحكم في 1947 في جنوب أفريقيا. وأدرك أنه لا يمكن تحريك النضال ضد هذا النظام المتكامل، قانونياً وسياسياً واقتصادياً، من دون اكتساب الأصدقاء والحلفاء في الداخل والخارج. ليجعل من قضية السود في جنوب أفريقيا جزءاً من قضية التحرر في العالم، خصوصاً القارة الأفريقية، في خمسينات وستينات القرن الماضي. فاشترك مانديلا مع رفاقه في أوسع حركة تحريض وتعبئة على النظام، وصلت بهم جميعاً إلى السجن. لكن قضية التمييز العنصري باتت قضية دولية وجزءاً من جبهة المواجهة في الحرب الباردة. أي أنها باتت على جدول أعمال القوتين العظميين في العالم.

وعندما فاقت جرائم النظام العنصري كل احتمال وتصور، لم تعد بريطانيا القوة المستعمرة السابقة لجنوب أفريقيا والولايات المتحدة القوة الحامية لنظام التمييز العنصري قادرتين على تحمل الأعباء السياسية لهذا النظام وممارساته غير القابلة لأي تبرير، بدأ نظام العقوبات الدولية على نظام بريتوريا، وراح هذا النظام يتصاعد ليشمل الجوانب السياسية. ليستخلص أركان النظام أن ما يوفره لهم نظام التمييز العنصري يخسرونه أضعافاً مضاعفة بفعل العقوبات الدولية والمقاطعة السياسية. وهذا ما التقطه مانديلا منذ أن قابله في 1989 رئيس النظام آنذاك بيتر بوتا. فأطلق موقفه الشهير المتعلق بالحوار والمصالحة والتسامح في الداخل، والاقتراب من المفاهيم الليبرالية في السياسة والاقتصاد، بما يخرجه من محور الكتلة الاشتراكية التي بدأت تظهر عليها معالم الانهيار وبما يجعله حليف القوى المنتصرة في الحرب الباردة.

وباتت المصالحة وحدها خشبة الخلاص للأقلية البيضاء، وصولاً إلى إنهاء سلمي لنظام التمييز العنصري وإقامة الديمقراطية التعددية، ليصبح مانديلا أول رئيس أسود للبلاد منتخب ديمقراطياً في 1994.

لقد أدرك مانديلا أن خيار الصفح والمصالحة وحده يجنب الاقتتال في بلده. ورد أكثر من مرة على منتقديه الذين كانوا يأخذون عليه تقديم الكثير من المبادرات حيال البيض: “لو لم تكن (المصالحة) سياستنا الأساسية، لكنا شهدنا حمام دم”.

أما درس مانديلا الأروع في التاريخ الإنساني؛ فهو يتمثل في دعوته ـ قبل عامين فقط ـ ثلاثة من سجانيه البيض إلى حفلة عيد ميلاده، لأنه مؤمن أن قيم الصفح والعفو تجمع الأمم من الانقسام والفرقة.

“الربيع العربي”

ويثير رحيل الزعيم الأفريقي في هذا الوقت تحديدا تساؤلات حول إمكانية تطبيق فكرة التسامح ونبذ الإقصاء السياسي في العالم العربي الذي بات الانقسام واضحا في دوله، لا سيما بعد “ثورات الربيع العربي”.

في أعقاب اندلاع أولى “ثورات الربيع العربي” في تونس ثم مصر، أرسل مانديلا برسالة لشباب البلدين نبههم فيها إلى أن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.

وانتقد مانديلا في رسالته التي بدت وكأنها قراءة للمستقبل، إضاعة الوقت عقب الثورات في السباب بين الفصائل السياسية المختلفة وتبني فكر الإقصاء والتشفي داعيا لتنحية الخلافات جانبا والتركيز على المرحلة الانتقالية.

لكن بالرغم من وضوح رسالة المناضل القديم المبنية على خبرات واسعة، إلا أن التطورات السياسية في دول الربيع العربي توضح زيادة حالة الانقسام والفجوة والإقصاء بشكل يومي، مما يعني أن نهج مانديلا السياسي المبني على التسامح يصعب تطبيقه في العالم العربي.

11 أيلول

بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، قدم مانديلا تعازيه في الضحايا، وأعلن دعمه لـ”الحرب على الإرهاب”، وهو ما دفع جورج بوش لمنحه وسام “الحرية الرئاسي” ووصفه بـ”رجل الدولة الأكثر احترامًا في عصرنا”.

وتغير موقف مانديلا بداية من عام 2002، ثُم عارض في كلمة أمام “المنتدى الدولي للمرأة” عام 2003، هجوم الولايات المتحدة على العراق. وقال إن بوش الابن يرغب في إغراق العالم في هولوكوست، متهمًا جورج بوش بالغطرسة وغياب الرؤية والذكاء.

القضية الفلسطينية

كانت هناك علاقة قوية بين منظمة التحرير الفلسطينية، وحزب المؤتمر الأفريقي، الذي ينتمي إليه مانديلا للمطالبة بإنهاء الفصل العنصري ضد السود، ودافع مانديلا عن هذه العلاقة بسبب دعم المنظمة الفلسطينية للحزب الأفريقي.

طالب عام 1999 خلال زيارة لفلسطين، بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، كما طالب من الدول العربية أن تعترف بـ”حق إسرائيل في الوجود ضمن حدود آمنة”.

“ماديبا” أيضًا سبق له أن قارن بين نضال الفلسطينيين ونضال السود في جنوب أفريقيا. وقال إن هجوم قوات الاحتلال على أسطول فك حصار غزة عام 2010 “لا يغتفر تمامًا”، ووصف الحصار بأنه “غير مفيد وغير قانوني ويشجع المتطرفين”.

 القذافي الصديق

القذافي هو اسم أحد أحفاد زعيم جنوب أفريقيا الراحل، فكان العقيد الليبي الراحل صديقًا مقربًا لمانديلا، لأنه مول العديد من الحركات المكافحة للعنصرية وحكم الأقلية بالقارة السمراء.

العقيد الليبي الراحل، كان قد مول حملة نيلسون مانديلا الانتخابية، ولذك رفض مانديلا أن يقطع علاقات جنوب أفريقيا مع ليبيا عندما وصل للرئاسة، بالرغم من الضغوط التي مارسها عليه حكام غربيين، وقال مانديلا: “أولئك الذين تؤذي مشاعرهم صداقتي بالقذافي.. ليقفزوا في الماء”.

مانديلا لم يكتف بهذا الموقف مع القذافي، بل لعب دورًا مهمًا لإنهاء عزلة ليبيا مع الغرب، بعد أن توسط في صفقة مع المملكة المتحدة حول تفجير لوكربي عام 1988، وهي الصفقة التي اعتبرها مانديلا إحدى اكبر إنجازاته في مجال السياسة الخارجية.

وعندما أسس القذافي جائزة “القذافي الدولية لحقوق الإنسان” والتي قرر أن يتم منحها لشخصيات من العالم الثالث تصدوا للاستعمار والإمبريالية، كان الفائز في السنة الأولى صديق العقيد الليبي المقرب، نيلسون مانديلا.

مصر عبد الناصر

مثلت مصر لمانديلا نموذجًا يستحق الإعجاب، فيروي في مذكراته التي أسماها “مسيرة طويلة نحو الحرية”، أنه تحول من شاب يرى أن التقدم يكمن فيما يقدمه الغرب، إلى مناضل يعتد بجنسيته الأفريقية.

وأضاف: “كانت مصر قد تملكت مخيلتي، وكنت دائما أرغب في زيارة الأهرام وأبو الهول وعبور نهر النيل أعظم أنهار إفريقيا، ذهبت إلى القاهرة وقضيت يومي الأول في المتحف أفحص القطع الفنية، وأجمع معلومات عن نمط الرجال الذين أسسوا حضارة وادي النيل القديمة، ولم يكن اهتمامي اهتمام هاويا للآثار، فإن من المهم للأفارقة القوميين أن يتسلحوا بالبرهان الذي يدحضون به ادعاءات البيض بأن الأفارقة لم تكن لهم في الماضي حضارة تضارع مدنية الغرب، واكتشفت في صباح واحد أن المصريين كانوا يبدعون أعمالا فنية ومعمارية عظيمة، بينما كان الغربيون في الكهوف”.

ويضيف مانديلا أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أطلقه جمال عبد الناصر، كان نموذجًا مهمًا، وكان له الريادة في بدء برنامج سريع للتصنيع، وجعل التعليم ديمقراطيًا وبنى جيشًا حديثًا.

إسرائيل عدوة

في نظر مانديلا كانت إسرائيل عدواً. فهي التي أنشأت أعمق تحالف سياسي واقتصادي وعسكري مع نظام التفرقة العنصرية. وهي التي خالفت الاتفاقات الدولية حتى آخر لحظة ورفضت التجاوب مع مظاهر مقاطعة النظام العنصري.

إذا غفر الله لنا…فلمن جهنم؟

غريبة، بل عجيبة، علاقة العرب بالفرص.

لقد أضعنا كل الفرص التي تبني، واقتنصنا كل الفرص التي تدمر.

أضعنا فرصة المد القومي أيام جمال عبد الناصر. فلم نحقق الوحدة التي كانت تشهد  إجماعاً شعبياً وقيادة تاريخية. وبدل أن تتمدد الجمهورية العربية المتحدة، وتصل شيئاً فشيئاً المحيط بالخليج، تآمرنا عليها الى أن لفظت أنفاسها، فماتت معها أحلام الوحدة، واستيقظت الإقليمية، وسقطت العروبة في مسلخ الاستهزاء والتشفي.

ومن قبل ومن بعد، أضعنا فرصة الإسلام كرسالة حضارية، وقطعنا طريقه الى الاعتدال، وشوّهنا صورته بممارسة الإرهاب والعنف، وأخذناه الى التطرف، الى حد قطع الرؤوس بالسيوف، وقتل الأبرياء بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة.

أضعنا، وما زلنا، الثروة القدرية الهائلة، التي أخرجها الله لنا من باطن الأرض، فأعدنا تخزينها في بطون الفساد.

لقد تصاعدت أسعار النفط وبلغت مداخيلنا العربية أرقاماً خيالية، لا دور لنا فيها سوى الدهشة، ولا حصة لنا فيها سوى الفتات.

اشترينا في عصرنا النفطي أسلحة بآلاف المليارات، وفي هذا الافتراض لا نبالغ. وكنا دائماً نحولها الى خردة بسبب إحجامنا عن استعمالها في وجه العدو. وها نحن نشتري كل سلاح حديث ومتطور لنضيفه بعد سنوات الى مستودعات الخردة العسكرية الهائلة، مبعثرين بذلك الثروة القدرية بين مصانع الغرب وسماسرة الشرق.

بنينا مدناً وأبراجاً في الصحاري الفارغة، التي يملكها أصحاب العقول الفارغة، محاكاة لنيويورك المكتظة بالناس والانتاج.

لم نحول السودان الى مطعم العرب، بنيله المهدور وتربته العاطلة من العمل.

لم نحول مصر الى دولة صناعية كبرى، ولا لبنان الى معلم سياحي عالمي، ولا سوريا الى خليط مدرار من الزراعة والصناعة والسياحة. ولم نعد العراق الى أرض السواد التي أطعمت لزمن طويل الامبراطورية العباسية. ولم نستثمر في تونس الخضراء. ولم نكترث بطاقات المغرب المكبوتة. ولم نعن فلسطين على طرد المغتصب… لم نفعل سوى إضاعة الفرص.

لكننا، وباندفاع مستميت، اقتنصنا فرص الانتحار والدمار،  وفتحنا لها خزائننا، ووضعنا في خدمتها ما نملكه من عبقريات الغدر والتطرف، وغرقنا بجنون في مخططاتها الجهنمية.

دمرنا ليبيا وسوريا. وها نحن نضع مصر على حافة الحرب الأهلية. وها نحن نعرض اليمن لمحنة انفصال الجنوب عن الشمال. وها نحن نحول دولة السودان الى دول.

هذه السياسات الغبية تؤكد انتسابنا الى ملوك الأندلس الذين أعطاهم الله ملكاً لم يحافظوا عليه كالرجال.

لقد أعطانا الله الإسلام، فشوّهنا به صورتنا، وقد كان وسيلتنا الى المفاخرة على الأمم بما منحنا من عدالة ورحمة وإنسانية.

ثم أعطانا الله النفط، فهدرنا ثروته في الفساد والخراب.

ترى هل يغفر الله لنا ما فعلناه؟.

وهل هو رحيم وغفور لهذه الدرجة؟.

إذا كان كذلك… فلمن أُعدت جهنم؟.

وليد الحسيني