العروبة المفقودة

walidغابت العروبة، فحضرت المآسي تباعاً.

هي لم تهاجر، بل نحن هجرناها.

توهمناها سبباً لانكسراتنا وهزائمنا وتخلفنا.

اعتبرناها مرضاً ورثناه من جاهلية قريش وداحس والغبراء.

وعدتنا بانتصارات… لم تأت.

تحت نظرها كانت نكبة فلسطين ونكسة حزيران.

دفعتنا إلى استعداء الغرب، وبالذات سيدة الكون الولايات المتحدة. وقد دفعنا هذا العداء إلى كتم شبقنا لمعاشرة العصر المتطور.

كثيرون منا ندموا على قضاء سنوات الشباب قبالة نوافذها، يغني لها ويتغنى بأمجادها.

من منّا لم يقل فيها أعظم الكلام؟.

من منّا لم يغمرها بعيون الشعر. ويشعل بحبها روائع الغناء؟.

لا أحد يدري إلى أين رحلت.

كل ما هو مؤكد أنها لم تعد بيننا.

غريب!!.

مع أنها غادرتنا، ومع اعتقادنا أننا بغيابها أغلقنا أبواب الريح… لنستريح، فإذا بنا نواجه الكوارث الكبرى من كل صوب.

ها نحن من دونها مذاهب شتى ودول مشتتة. منها من يتذابح… ومنها من ينتظر.

ها هي الكراهية تبلغ أشدها، حتى انحدرت إلى أصغر مستويات التمييز العنصري ما بين مسيحي في الحدت وشيعي في الشياح.

والعنصرية لم تقف مواصيلها عند رتبة رئيس بلدية الحدت، بل تعدته إلى الرتب الأعلى، والأكثر علواً. فتم الإعتداء على كرامة النازح السوري وإنسانيته. وقد بالغ العنصريون بكراهيتهم إلى حد منع هذا النازح من التجول ليلاً بتهمة مبنية على نية السرقة المسبقة، أو الشك بأنه إرهابي محتمل.

والعنصرية في لبنان، التي انتعشت بغياب العروبة، قد تكون أقل ضرراً وضراوة من العنصرية التي تمارس القتل والتهجير في بلاد مثل العراق وسوريا، وكانتا يوماً من ذوات “أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة”.

هذا غيض من فيض الكوارث الزاحفة حثيثاً إلينا. فثمة ما هو أكثر إيذاء من المذهبية والعنصرية. فمن يستطيع أن يتجاهل الإنحراف الخطير بالإسلام وسماحته؟… وإلا كيف ولدت “القاعدة”؟. وكيف خرجت من سلالتها داعش والنصرة؟… وكيف توالت الإنحرافات بـ “حوثية” ملعونة، وبـ “حشد شعبي” ملغوم… وبكثير مثلهما، حيث لا يمكن العد… ولا ينفع الحصر.

منذ أن قدمنا استقالتنا من العروبة، فإن ما أتى عظيم، وما سيأتي أعظم.  في زمانها، كنا نستعد فقط لحرب ضد إسرائيل. من بعدها لم نترك حرباً أهلية لم نخضها بجدراة، وأحقاد كانت دفينة… فآن أوان إعلانها.

كانت العروبة تضمنا إلى صدرها بطوائفنا ومذاهبنا واقلياتنا. وبرحيلها تقطعت أوصالنا. وتزنّرت كل طائفة، وكل مذهب، وكل أقلية، بأحزمة ناسفة في محاولة لتفجير “الوطن الكبير” وتحويله إلى أوطان بلا أمان… وإلى شعوب نازحة بلا مأوى.

في زمانها، ولّى عهد الإستعمار. ومن دونها تحولت الأرض العربية إلى ملاعب عسكرية لأكابر الدول ولأصاغرها.

هنا تلعب أميركا.

هنا تلعب روسيا.

هنا تلعب إيران.

هنا تلعب تركيا.

صحيح أن البوح اليوم بحب العروبة يثير السخرية، لكن لا يمكن الخروج من سخرية القدر العربي إلا بالعودة إليها.

لم يعد الأمر مجرد حنين للأيام الخوالي… إنها، أي العروبة، هي المنقذ الوحيد من محرقة الفوضى والتفرقة. فهي دون سواها من يجمع ولا يفرق. ومن يرى أنه لا فضل لسني على شيعي، ولا لمسلم على مسيحي، ولا لمؤمن على علماني إلا بالعودة إلى العروبة التي تتسع للجميع ولا تستثني أحداً.

وليد الحسيني

الآمرون الناهون

walidهل فعلاً يُحكم العالم من تل أبيب؟.

رغم أن ديمقراطيتهم تنفي ذلك، إلا أن الواقع لا يخبرنا بغير ذلك.

غريب!!.

في أي أوروبا مررت، وفي أي الأميركيتين تنقلت، تجد العداء لليهود مستمراً، منذ أن صلبوا السيد المسيح. لكن عند الإنتقال إلى الحكومات، تبدو كراهية العرب هي الإستراتيجية الثابتة.

في حروبنا مع إسرائيل، باعنا الغرب أسلحة ناقصات عقل وتقنية. وتخلص الشرق من مخلفاته العسكرية في أسواقنا المتلهفة لأي سلاح.

إنها فلسفة المصالح. فنحن في كل الحسابات بقرة نفطية حلوب. لو أحسنا بذر عوائدها، كما نحسن تبذيرها، لكانت وسيلة لإنتاج مجتمع منتج، يستطيع أن ينتقل بنا من مرتبة “بياع كاز” إلى منافس لاقتصاديات الدول الكبرى.

لكن، ولأن مصالحهم لا تحتمل مصالحنا، كان هذا الإجماع الدولي على تفتيت الأمة العربية وتفكيكها إلى مذهبيات تلد ميليشيات. وإلى ميليشيات تلد حروباً أهلية.

يبدو أننا لا نستطيع إلا أن نكون كما تريدنا الولايات المتحدة.

مجاهدون ضد السوفيات في افغانستان… جاهدنا.

داعمون لمصانع أسلحتها… دعمنا.

متفاوضون مع إسرائيل… تفاوضنا.

متعاهدون، متصالحون، معترفون… تعاهدنا وتصالحنا واعترفنا.

لكن زمن السمع والطاعة يتطور. فلم تعد أميركا هي الآمر الناهي الوحيد. فوضعنا العربي المترنح والمثقل بالجراح والصراعات والإنقسامات، جعل منطقتنا مجمعاً دولياً لنفوذ متعدد الولاءات ومتضارب الإتجاهات.

منا من بقيت الولايات المتحدة آمره وناهيه.

ومنا من فرضت عليه روسيا أوامرها ونواهيها.

ومنا من لجأ مجبراً إلى سلطنة الباب العالي مستجيراً من الرمضاء بالنار.

ومنا من انتزعته المذهبية من قوميته العربية، المكبلة بالخلافات، إلى القومية الفارسية الفالتة بالطموحات.

إننا اليوم فعلاً، كما تنبأ الرسول الكريم، القصعة التي تكالبت عليها الأمم.

ولأن لا حل لهذا الحال… يدفعنا الدفاع عن النفس إلى التفكير بمصيرنا اللبناني الذي يساق حثيثاً باتجاه المجهول.

صحيح أن ساعة الحكومة آتية لا ريب فيها، لكنها كساعة القيامة علمها عند ربي. فجبران باسيل لا يتعب من الصعود إلى قمة التعطيل. وسمير جعجع يرفض النزول إلى قعر التسهيل.

وسط التأرجح الممل والمحبط بين التسهيل والتعطيل، لا يمكن إقناع اللبنانيين بأن الرئيس القوي لا يقوى على “الصهر الأقوى”.

التشاطر لم يعد شطارة. فما يعطيه رئيس الجمهورية من تسهيلات باليمين… يخطفه رئيس التيار باليسار.

الآن بلغت الأزمة منتهاها. وباستمرارها يخسر العهد كل ما تعهد به.

وعلى الجميع إدراك أن نجاة لبنان من مصير محيطه حالة شاذة… فلا تخسروها فتخسروا لبنان، بسياسات فيها الكثير من الشذوذ الوطني… وبالذات في بلد يتقاسم القرار فيه الآمرون والناهون من أميركان وروس وإيرانيين وأتراك… ودول شتى.

وليد الحسيني

دعوة إلى الحقيقة: كل ما يُعرف… يجب أن يقال

walidلم يعد التمويه صالحاً لإخفاء حقيقة ما يجري، كما لم يعد الإدعاء كافياً لتحويل الصراع الدائر من صراع قذر إلى صراع يحمل خليطاً متناقضاً من رايات الحرية والعروبة والإسلام وفلسطين.

لقد ذاب الثلج وبان المرج مملوءاً بالأشواك الجارحة والمسمومة. وصار لزاماً القول أن كل ما يُعرف يجب أن يقال.

قد يصعب تحديد من بدأ هذا المشهد الكارثي، الذي يكاد يعم الوطن العربي من محيطه إلى خليجه. لكن من السهل تحديد من خطط لهذه السنوات الشيطانية.

سنكون محقين لو اتهمنا أميركا وإسرائيل. إلا أن هذا الإتهام، حتى لو كان ثابتاً ومؤكداً، لا يلغي إتهام أنفسنا جميعاً، بأننا كنا أدواته الطيعة والمطيعة.

لقد خططوا لصراعاتنا، أن تكون في مكان ما، سنية ـ شيعية… فكانت رغم التمويه. وفي مكان آخر أن تكون عربية ـ فارسية… فكانت رغم الإدعاء بغير ذلك.

الجميع  ينهي عن عمل ويأتي بمثله. والجميع يشرب من نهر الجنون ولا يرتوي. والجميع كجهنم، يسأل هل من مزيد؟.

ثمة استثناءات لا يعترف أحد بها اليوم. وهي إن تكلمت فكلامها منتهي الصلاحية، ومتهم بأنه بقايا لغة خشبية يفترض إنقراضها. فالعروبة أصبحت تهمة ملعونة في ظل انتشار المذهبيات وانكفاء العرب كل داخل دولته.

صحيح أننا من هذه الإستثناءات، التي تشكل عملة مسحوبة من التداول، في زمن عملات فاعلة يتداولها من يتعامل بتفاعل مع هذا «الربيع» الذي لن يترك لنا ربع وطن.

ومع ذلك سنصيح في قلب الريح العاصفة بالأمة والمنطقة.

ما عاد مهماً ما يفكر من هم فوق، المهم أن قاع الشعوب العربية أصبح مسكوناً بالمذهبية. وهذا سيجعل الفتنة المشتعلة، أشد من «الفتنة الكبرى»، التي تلطخ تاريخنا القديم، والتي تتجدد اليوم، بأسلحة أكثر فتكاً. فالسيف استبدل بالصواريخ الحاصدة للأرواح بالجملة. والدرع استبدل بالحزام الناسف. والرمح استبدل بالقنابل الموجهة. والحصان استبدل بالدبابة.

في قاع الشعوب العربية أيضاً قناعة لا تتزحزح بأن ما يجري في المشرق العربي هو حرب عربية ـ فارسية، حتى ولو ارتدت ثوب فلسطين المثقوب بالتخلي إلى حد الخيانة، وبالإلتزام إلى حد الخطابة.

إن ما يُعرف ويجب أن يقال: أننا نمضي إلى بئس المصير.

في زمن التبشير بالثورة كنا ندعو شعوبنا النائمة إلى الاستيقاظ والانتفاض على الإستبداد والدعوة إلى الحرية والوحدة.

كنا ندعو إلى الاستيقاظ للنهوض بالمستقبل. واليوم، وحفاظاً على حد أدنى من المستقبل، ندعو جادين الشعوب العربية الهائجة، وندعو «ثيران» ثورات العرب والإسلام إلى العودة للنوم مستعيدين قول الشاعر معروف الرصافي:

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم.

نعم ناموا يا عرب وفوزوا بإنسانيتكم وأوطانكم وأرواحكم… ناموا وإياكم أن تستيقظوا.

وليد الحسيني

دعوة إلى الحقيقة: كذبت أميركا حتى لو صدقت

walidحرث «الربيع العربي» الأرض. قلب تربتها رأساً على عقب. نثر فيها بذور «الحرية والديمقراطية». ألقى فوقها سماد «العدالة والكرامة». سقاها بدم أغزر من شلالات نياغارا.

وعندما حان موسم الحصاد رأينا المناجل «الثورية» تحصد الرؤوس اليانعة. وشاهدنا «بيادر» الجثث المتراكمة. وفاحت في حدائقنا رائحة احقاد لا تتآكل، لكنها تأكل كل شيء. وقرأنا الفاتحة في الحقول والمزارع التي تحولت إلى مقابر.

ماذا فعلت أيها «الربيع» في الأمة العربية؟.

هل غدرت بها… أم غدرت بك؟.

تحاكمك… أم تحاكمها؟.

هل حقاً حرثت الأرض… أم نبشت عصور التتار والهمجية؟.

هل ما نثرت كانت بذور الحرية… أم بذور الشر المستطير؟.

وهل ما نشرته فوق الأرض العربية، كان سماداً يضاعف غلال العدالة والكرامة… أم سماً قاتلاً لهما؟.

لقد وعدت… وكنت الأكثر عداوة لوعودك.

أسقطت «ديكتاتوريات» وطنية ومتحضرة… وأقمت على أنقاضها ديكتاتوريات متخلفة وجاهلة وباغية ومتوحشة.

وعدت بالحرية… وأخذت كامل حريتك بالقمع والذبح.

قبلك كان المعارض يذهب الى السجن… وفي زمانك يتشرد في المنافي… أو يذهب إلى القبر.

ومع ذلك ننتظر الأسوأ، فجرائم «الربيع» متمادية… فهو يتطلع إلى كوارث لم يحققها بعد… وإلى دول لم يصلها بعد.

وسط متابعة هذا الغضب النازل كالصواعق على الأمة العربية، لا نجد خطة حقيقية لمواجهته، ولا حتى للحد من انتشاره. فصحوة الضمير الأميركي على محاربة «داعش» وبعض «النصرة»، هي بالواقع صحوة انتقائية من المبكر معرفة أهدافها الغامضة… وربما المخفية.

لقد بشرنا أوباما بأنها حرب طويلة الأمد، وقد تتجاوز الثلاث سنوات.

بمعنى آخر أنها حرب غير جادة وغير مجدية. فثلاث سنوات داعشية تكفي لإزالة أي موروث حضاري. كما تكفي لمد الهمجية إلى حيث لا تنفع في ردها غارات الحلف الأربعيني.

ولا يمكن لعاقل أن يصدّق ما زعمه البنتاغون عن استراتيجية ضد الإرهاب. فالإرهاب مهما تفرّع وتجزأ، يبقى واحداً. لهذا يمكن القول إن الصمت عن الإرهاب في ليبيا أو شمال سيناء أو حوثية اليمن، هو نوع من الغباء… لكنه الغباء الأميركي المتعمد. فعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة حريصة على إبقاء التطرف الإسلامي حياً وفاعلاً، أكثر من حرص أيمن الظواهري خليفة القاعدة، وأبو بكر البغدادي خليفة داعش.

لو صدقت أميركا، لما شكلت البيئة الدبلوماسية الحاضنة لـ«الربيع العربي»… ولما غضت النظر عما يفعله الإخوان المسلمون من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه.

لقد كذبت في إعلان حربها ضد الإرهاب… حتى لو صدقت في شن غاراتها الحنونة على دواعش سوريا والعراق من دون أن تطاول التنظيمات الإرهابية الأخرى… وكأن ثمة إرهاب بسمنة وثمة إرهاب بزيت.

لهذا نقول، متيقنين جازمين، أن في ما خفي في حرب أميركا ضد الإرهاب ما هو أعظم… وستأتيك الأيام أيها العربي بما كنت جاهلاً… وبذلك نستطيع أن نبشر الإرهابيين بالسلامة… وأن يستبشر العرب بالخراب.

وليد الحسيني

حديث الشارع: عودة الإسلام إلى ما قبل ظهور الإسلام

isis cartoonsالتكفيريون يكفرون.

ها هي «داعش» وأخواتها و«إخوانها» يزوّرون الإسلام ويحاولون إقناعنا بأن ألف وأربعمئة سنة إسلامية كنا نمارس خلالها الإسلام الخاطئ والمنحرف!.

يصرّون على أن نصوص القرآن والسِنّة لا تدعو، كما يقول علماء وفقهاء التفسير، إلى الرحمة والتسامح واحترام أبناء الديانات السماوية وحفظ دور عبادتهم. وكذلك تحريم دم المسلم على المسلم. ولا تنص كذلك على حسن معاملة الأسرى.

كل هؤلاء «الجهلة» دعونا الى أن نكون كالملائكة… وبفضلهم قال التاريخ عنا أنه لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب.

اليوم نرى إسلاماً يدعو الى الهمجية والوحشية وتدمير الكنائس وجوامع الصالحين وقطع رؤوس الأسرى.

اليوم أتم الداعشيون وأخوانهم علينا نعمتهم ورضيوا لنا بـ«إسلامهم» ديناً… وهكذا بات علينا أن نتبع هدى إسلامهم الجديد الذي يعيد الإسلام الى ما قبل ظهور الإسلام… وهذا يتم في زمن الدواهش… والدواعش… وتنظيمات ارتكاب الفواحش.

«شوارعي»

حديث الشارع: الآكلون لحومهم

كادت أن تنقرض قبائل آكلة لحوم البشر. إلا أن «الربيع العربي» بعث بها من جديد. وأحيا أنياب وحوشها وقد كانت رميم.

إلا أن العرب، وهم يأكلون لحومهم وأوطانهم، فإنهم يفعلون ذلك وفق آداب المائدة… أي بالشوكة والسكين.

بشوكة الحريات التي نغرز أسنانها الحادة في أجساد بعضنا بعضاً، وبسكين الديمقراطية التي نقطع بها الجسد والوطن قطعاً قطعاً ليسهل بلعها على الدول التي تتربص بنا.

كل ما نفعله هو خير لهذه الأمة. فبالشوكة والسكين ـ أي بالحرية والديمقراطية ـ نستبق الانفجار السكاني بتفجير السكان، وبالتالي، إعادة التوازن بين عدد السكان والموارد الغذائية.

وبالشوكة والسكين ـ أي بالحرية والديمقراطية ـ نعالج انحباس المطر بارهاق الدم لنروي أرضنا العطشى.

أما الأمن والاستقرار والكرامة الوطنية فهي جميعها رجس من أعمال الديكتاتوريات… فاجتنبوه. 

«شوارعي»

عندما يتحوَّل الشعب الواحد إلى شعوب متعددة

walidالانقسام الذي وصلنا إليه، أخطر من التقسيم الذي تسعى إليه «الفوضى الخلاقة» بربيعها العربي وشرقها الأوسطي الجديد.

قد لا تنجح «الفوضى الخلاقة»، التي تجتاح المنطقة، في تقسيم دول الوطن العربي إلى دول إضافية، لكنها نجحت في تقسيم الشعب الواحد إلى شعوب متعددة. وهذا يعني أن الوحدة الجغرافية لكل دولة ليست أكثر من حلبة لصراعات دموية طويلة الأمد. وهذا يعني بدوره أننا سنعيش في دول فاشلة غير قادرة على الحكم، لأنها غير قادرة على توفير الاستقرار والأمن.

على ضوء تطورات العنف السائدة في دول عربية عدة، والمهيأة للإنتقال إلى ما تبقى، لن تبقى للجنسية دلالة وطنية. فدولنا أغلبها، ونخشى أن تكون جميعها، تنحو نحو دول الجنسيات المتعددة.

سني، سلفي، أصولي، شيعي علوي، قبطي، ماروني، آشوري، درزي، كردي، عربي، تركماني… وما قد يكون سقط سهواً.

هذه ليست مبالغة، فبداياتها تتسع شيئاً فشيئاً وبسرعة جنونية.

إذاً، لم نعد نحلم بالوحدة العربية، كما نادى بها جيلنا. فأقصى أحلامنا اليوم أن تحافظ أجيال الأبناء والأحفاد على تثبيت اتفاقية «سايكس ـ بيكو» الاستعمارية، التي قسمتنا وشوَّهتنا من المحيط إلى الخليج.

ها نحن نقبل قسراً بالقسمة الجغرافية القائمة الآن. وأملنا أن لا نحوّل هوية 22 دولة عربية إلى هويات تتوزعها الانتماءات المذهبية والعرقية.

نظن أن في أوطاننا الـ«22» ثمة وطنيين. هم بالتأكيد الأكثر عدداً، لكنهم، بالتأكيد أيضاً، الأكثر خوفاً وتهرباً من المسؤولية.

على هذه الأكثرية، الموصومة بالخوف والموصوفة بالصامتة، أن تتخلى عن صمتها وخوفها.

إن الابتعاد عن الشر لن ينقذ المبتعدين من شروره إذا ما عمَّ وانتشر.

لو أن التطرف وجد من يرد عنترياته، لما قدر لشعب أي دولة عربية أن يتحول الى شعوب متعددة ومن جنسيات عرقية ومذهبية متباعدة ومتخاصمة. فالوطن السائب يؤدي إلى الخراب، وهذا ما حصل. فإلى متى نترك وطننا العربي ينجرف نحو التحلل والتفكك؟.

لا يمكن أن يعادي انسان الديمقراطية. أو يعترض على الحرية. لكن أيضاً لا يمكن لإنسان أن يقبل بديمقراطية العنف. وبحرية السلاح الذي يحلل دم المختلف بالرأي والعقيدة!.

لا يمكن القبول بأن تتحوَّل الأهداف المشروعة إلى أهداف انتحارية!. ففي كل بلد من بلدان «الربيع العربي» نشاهد الديمقراطية والحرية والعدالة ترتدي الأحزمة الناسفة وتنفجر في ساحات ثورات، كنا نعتقد أنها ستتحول الى مزارع تتفتح فيها ورود الديمقراطيات والحريات… والأحلام الوردية.

وليد الحسيني

العدد السنوي: ما لم يتعلّمه العرب من مانديلا

كتب كريم الخطيب:

الحرية بالنسبة لنيلسون مانديلا “لا تعطى على جرعات”.  فرئيس جنوب أفريقيا الراحل حديثاً لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان صاحب تجربة عالمية فريدة في حل “النزاعات الإثنية” وإعادة البناء الوطني.

 

تكتسب تجربة مانديلا (1918 – 2013) في جنوب أفريقيا أهميتها الكبرى من أنها أرست وقت تحقُّقها في التسعينيات، نقيضاً لما كان سائداً، من ضرب لوحدة المجتمعات على قاعدة “التعددية الثقافية الليبرالية”، وفرط للعديد من بلدان العالم إلى مكوناتها “الإثنية”.

وحده مانديلا، في قيادة دولة جنوب أفريقيا، أصرّ على الإبقاء على نموذج الدولة الوطنية وتجديده.

خلال سنوات سجنه الممتدة على ثلاثة عقود، أُتيح له الاختلاء طويلاً بنفسه، ما أعطاه كل ذلك السلام الداخلي الذي كان يشع منه، ويلمسه من يلتقي به.

كانت ذروة الانتصار للمسار الذي أرساه مانديلا، انتخابه رئيساً للجمهورية بـ60% من الأصوات، على أساس النظام الأكثري التقليدي، في مواجهة مع الأقلية البيضاء وجنونها وعنصريتها ورفعها كل الحواجز، وإقامتها كل أنواع التمييز بين المواطنين.  أصر مانديلا على أن الكلّ متساوون، ولم يشأ إدخال أي تمييز على أسس عرقية أو ثقافية في نظامه.

إنجازه الآخر الهائل هو إقامة «لجنة الحقيقة والمصالحة»، التي كانت لجنة قضائية تستمع إلى اعترافات المنخرطين في أعمال العنف السابقة، وبينهم مجرمون وأعداء للإنسانية. لم تكن اللجنة تحاكمهم، بل تفسح المجال لكي يتواجهوا مع ضحاياهم السابقين. كانت الاعترافات بالجرائم المرتكبة تحصل أمام المجتمع بأسره. والقاعدة أن المجرم السابق، كان يبكي أمام الجمهور، ويُعلن التوبة ويطلب الصفح.

تمتع مانديلا بصفات شخصية أتاحت له أن يقرأ بدقة معنى التطورات في بلاده والعالم. سواء في مرحلة النضال المسلح أو مرحلة السجن أو مرحلة الحوار والمصالحة. لقد خبر بنفسه معنى القهر البشري الذي يولده التمييز العنصري، والاستغلال المادي الذي وفره نظام الأقلية البيضاء منذ وصول الحزب الوطني العنصري إلى الحكم في 1947 في جنوب أفريقيا. وأدرك أنه لا يمكن تحريك النضال ضد هذا النظام المتكامل، قانونياً وسياسياً واقتصادياً، من دون اكتساب الأصدقاء والحلفاء في الداخل والخارج. ليجعل من قضية السود في جنوب أفريقيا جزءاً من قضية التحرر في العالم، خصوصاً القارة الأفريقية، في خمسينات وستينات القرن الماضي. فاشترك مانديلا مع رفاقه في أوسع حركة تحريض وتعبئة على النظام، وصلت بهم جميعاً إلى السجن. لكن قضية التمييز العنصري باتت قضية دولية وجزءاً من جبهة المواجهة في الحرب الباردة. أي أنها باتت على جدول أعمال القوتين العظميين في العالم.

وعندما فاقت جرائم النظام العنصري كل احتمال وتصور، لم تعد بريطانيا القوة المستعمرة السابقة لجنوب أفريقيا والولايات المتحدة القوة الحامية لنظام التمييز العنصري قادرتين على تحمل الأعباء السياسية لهذا النظام وممارساته غير القابلة لأي تبرير، بدأ نظام العقوبات الدولية على نظام بريتوريا، وراح هذا النظام يتصاعد ليشمل الجوانب السياسية. ليستخلص أركان النظام أن ما يوفره لهم نظام التمييز العنصري يخسرونه أضعافاً مضاعفة بفعل العقوبات الدولية والمقاطعة السياسية. وهذا ما التقطه مانديلا منذ أن قابله في 1989 رئيس النظام آنذاك بيتر بوتا. فأطلق موقفه الشهير المتعلق بالحوار والمصالحة والتسامح في الداخل، والاقتراب من المفاهيم الليبرالية في السياسة والاقتصاد، بما يخرجه من محور الكتلة الاشتراكية التي بدأت تظهر عليها معالم الانهيار وبما يجعله حليف القوى المنتصرة في الحرب الباردة.

وباتت المصالحة وحدها خشبة الخلاص للأقلية البيضاء، وصولاً إلى إنهاء سلمي لنظام التمييز العنصري وإقامة الديمقراطية التعددية، ليصبح مانديلا أول رئيس أسود للبلاد منتخب ديمقراطياً في 1994.

لقد أدرك مانديلا أن خيار الصفح والمصالحة وحده يجنب الاقتتال في بلده. ورد أكثر من مرة على منتقديه الذين كانوا يأخذون عليه تقديم الكثير من المبادرات حيال البيض: “لو لم تكن (المصالحة) سياستنا الأساسية، لكنا شهدنا حمام دم”.

أما درس مانديلا الأروع في التاريخ الإنساني؛ فهو يتمثل في دعوته ـ قبل عامين فقط ـ ثلاثة من سجانيه البيض إلى حفلة عيد ميلاده، لأنه مؤمن أن قيم الصفح والعفو تجمع الأمم من الانقسام والفرقة.

“الربيع العربي”

ويثير رحيل الزعيم الأفريقي في هذا الوقت تحديدا تساؤلات حول إمكانية تطبيق فكرة التسامح ونبذ الإقصاء السياسي في العالم العربي الذي بات الانقسام واضحا في دوله، لا سيما بعد “ثورات الربيع العربي”.

في أعقاب اندلاع أولى “ثورات الربيع العربي” في تونس ثم مصر، أرسل مانديلا برسالة لشباب البلدين نبههم فيها إلى أن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.

وانتقد مانديلا في رسالته التي بدت وكأنها قراءة للمستقبل، إضاعة الوقت عقب الثورات في السباب بين الفصائل السياسية المختلفة وتبني فكر الإقصاء والتشفي داعيا لتنحية الخلافات جانبا والتركيز على المرحلة الانتقالية.

لكن بالرغم من وضوح رسالة المناضل القديم المبنية على خبرات واسعة، إلا أن التطورات السياسية في دول الربيع العربي توضح زيادة حالة الانقسام والفجوة والإقصاء بشكل يومي، مما يعني أن نهج مانديلا السياسي المبني على التسامح يصعب تطبيقه في العالم العربي.

11 أيلول

بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، قدم مانديلا تعازيه في الضحايا، وأعلن دعمه لـ”الحرب على الإرهاب”، وهو ما دفع جورج بوش لمنحه وسام “الحرية الرئاسي” ووصفه بـ”رجل الدولة الأكثر احترامًا في عصرنا”.

وتغير موقف مانديلا بداية من عام 2002، ثُم عارض في كلمة أمام “المنتدى الدولي للمرأة” عام 2003، هجوم الولايات المتحدة على العراق. وقال إن بوش الابن يرغب في إغراق العالم في هولوكوست، متهمًا جورج بوش بالغطرسة وغياب الرؤية والذكاء.

القضية الفلسطينية

كانت هناك علاقة قوية بين منظمة التحرير الفلسطينية، وحزب المؤتمر الأفريقي، الذي ينتمي إليه مانديلا للمطالبة بإنهاء الفصل العنصري ضد السود، ودافع مانديلا عن هذه العلاقة بسبب دعم المنظمة الفلسطينية للحزب الأفريقي.

طالب عام 1999 خلال زيارة لفلسطين، بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، كما طالب من الدول العربية أن تعترف بـ”حق إسرائيل في الوجود ضمن حدود آمنة”.

“ماديبا” أيضًا سبق له أن قارن بين نضال الفلسطينيين ونضال السود في جنوب أفريقيا. وقال إن هجوم قوات الاحتلال على أسطول فك حصار غزة عام 2010 “لا يغتفر تمامًا”، ووصف الحصار بأنه “غير مفيد وغير قانوني ويشجع المتطرفين”.

 القذافي الصديق

القذافي هو اسم أحد أحفاد زعيم جنوب أفريقيا الراحل، فكان العقيد الليبي الراحل صديقًا مقربًا لمانديلا، لأنه مول العديد من الحركات المكافحة للعنصرية وحكم الأقلية بالقارة السمراء.

العقيد الليبي الراحل، كان قد مول حملة نيلسون مانديلا الانتخابية، ولذك رفض مانديلا أن يقطع علاقات جنوب أفريقيا مع ليبيا عندما وصل للرئاسة، بالرغم من الضغوط التي مارسها عليه حكام غربيين، وقال مانديلا: “أولئك الذين تؤذي مشاعرهم صداقتي بالقذافي.. ليقفزوا في الماء”.

مانديلا لم يكتف بهذا الموقف مع القذافي، بل لعب دورًا مهمًا لإنهاء عزلة ليبيا مع الغرب، بعد أن توسط في صفقة مع المملكة المتحدة حول تفجير لوكربي عام 1988، وهي الصفقة التي اعتبرها مانديلا إحدى اكبر إنجازاته في مجال السياسة الخارجية.

وعندما أسس القذافي جائزة “القذافي الدولية لحقوق الإنسان” والتي قرر أن يتم منحها لشخصيات من العالم الثالث تصدوا للاستعمار والإمبريالية، كان الفائز في السنة الأولى صديق العقيد الليبي المقرب، نيلسون مانديلا.

مصر عبد الناصر

مثلت مصر لمانديلا نموذجًا يستحق الإعجاب، فيروي في مذكراته التي أسماها “مسيرة طويلة نحو الحرية”، أنه تحول من شاب يرى أن التقدم يكمن فيما يقدمه الغرب، إلى مناضل يعتد بجنسيته الأفريقية.

وأضاف: “كانت مصر قد تملكت مخيلتي، وكنت دائما أرغب في زيارة الأهرام وأبو الهول وعبور نهر النيل أعظم أنهار إفريقيا، ذهبت إلى القاهرة وقضيت يومي الأول في المتحف أفحص القطع الفنية، وأجمع معلومات عن نمط الرجال الذين أسسوا حضارة وادي النيل القديمة، ولم يكن اهتمامي اهتمام هاويا للآثار، فإن من المهم للأفارقة القوميين أن يتسلحوا بالبرهان الذي يدحضون به ادعاءات البيض بأن الأفارقة لم تكن لهم في الماضي حضارة تضارع مدنية الغرب، واكتشفت في صباح واحد أن المصريين كانوا يبدعون أعمالا فنية ومعمارية عظيمة، بينما كان الغربيون في الكهوف”.

ويضيف مانديلا أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أطلقه جمال عبد الناصر، كان نموذجًا مهمًا، وكان له الريادة في بدء برنامج سريع للتصنيع، وجعل التعليم ديمقراطيًا وبنى جيشًا حديثًا.

إسرائيل عدوة

في نظر مانديلا كانت إسرائيل عدواً. فهي التي أنشأت أعمق تحالف سياسي واقتصادي وعسكري مع نظام التفرقة العنصرية. وهي التي خالفت الاتفاقات الدولية حتى آخر لحظة ورفضت التجاوب مع مظاهر مقاطعة النظام العنصري.

إذا غفر الله لنا…فلمن جهنم؟

غريبة، بل عجيبة، علاقة العرب بالفرص.

لقد أضعنا كل الفرص التي تبني، واقتنصنا كل الفرص التي تدمر.

أضعنا فرصة المد القومي أيام جمال عبد الناصر. فلم نحقق الوحدة التي كانت تشهد  إجماعاً شعبياً وقيادة تاريخية. وبدل أن تتمدد الجمهورية العربية المتحدة، وتصل شيئاً فشيئاً المحيط بالخليج، تآمرنا عليها الى أن لفظت أنفاسها، فماتت معها أحلام الوحدة، واستيقظت الإقليمية، وسقطت العروبة في مسلخ الاستهزاء والتشفي.

ومن قبل ومن بعد، أضعنا فرصة الإسلام كرسالة حضارية، وقطعنا طريقه الى الاعتدال، وشوّهنا صورته بممارسة الإرهاب والعنف، وأخذناه الى التطرف، الى حد قطع الرؤوس بالسيوف، وقتل الأبرياء بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة.

أضعنا، وما زلنا، الثروة القدرية الهائلة، التي أخرجها الله لنا من باطن الأرض، فأعدنا تخزينها في بطون الفساد.

لقد تصاعدت أسعار النفط وبلغت مداخيلنا العربية أرقاماً خيالية، لا دور لنا فيها سوى الدهشة، ولا حصة لنا فيها سوى الفتات.

اشترينا في عصرنا النفطي أسلحة بآلاف المليارات، وفي هذا الافتراض لا نبالغ. وكنا دائماً نحولها الى خردة بسبب إحجامنا عن استعمالها في وجه العدو. وها نحن نشتري كل سلاح حديث ومتطور لنضيفه بعد سنوات الى مستودعات الخردة العسكرية الهائلة، مبعثرين بذلك الثروة القدرية بين مصانع الغرب وسماسرة الشرق.

بنينا مدناً وأبراجاً في الصحاري الفارغة، التي يملكها أصحاب العقول الفارغة، محاكاة لنيويورك المكتظة بالناس والانتاج.

لم نحول السودان الى مطعم العرب، بنيله المهدور وتربته العاطلة من العمل.

لم نحول مصر الى دولة صناعية كبرى، ولا لبنان الى معلم سياحي عالمي، ولا سوريا الى خليط مدرار من الزراعة والصناعة والسياحة. ولم نعد العراق الى أرض السواد التي أطعمت لزمن طويل الامبراطورية العباسية. ولم نستثمر في تونس الخضراء. ولم نكترث بطاقات المغرب المكبوتة. ولم نعن فلسطين على طرد المغتصب… لم نفعل سوى إضاعة الفرص.

لكننا، وباندفاع مستميت، اقتنصنا فرص الانتحار والدمار،  وفتحنا لها خزائننا، ووضعنا في خدمتها ما نملكه من عبقريات الغدر والتطرف، وغرقنا بجنون في مخططاتها الجهنمية.

دمرنا ليبيا وسوريا. وها نحن نضع مصر على حافة الحرب الأهلية. وها نحن نعرض اليمن لمحنة انفصال الجنوب عن الشمال. وها نحن نحول دولة السودان الى دول.

هذه السياسات الغبية تؤكد انتسابنا الى ملوك الأندلس الذين أعطاهم الله ملكاً لم يحافظوا عليه كالرجال.

لقد أعطانا الله الإسلام، فشوّهنا به صورتنا، وقد كان وسيلتنا الى المفاخرة على الأمم بما منحنا من عدالة ورحمة وإنسانية.

ثم أعطانا الله النفط، فهدرنا ثروته في الفساد والخراب.

ترى هل يغفر الله لنا ما فعلناه؟.

وهل هو رحيم وغفور لهذه الدرجة؟.

إذا كان كذلك… فلمن أُعدت جهنم؟.

وليد الحسيني

أذن بحجم العالم: دور الموساد في فضيحة التجسس الأميركية

كتب كريم الخطيب:

لم تسمع “الأذن” الأميركية صراخ الاحتجاجات الأوروبية على فضيحة التجسس الالكتروني العالمية، التي وإن أحرجت البيت الأبيض، إلا أنها لم تدفع وكالة الأمن القومي إلى إطفاء أزرار التنصت على الحلفاء والأعداء.

يثير كشف المعلومات عن برامج المراقبة الواسعة لوكالة الامن القومي – التي تشمل مواطنين اميركيين وقادة دول اجنبية على حد سواء – القلق في الولايات المتحدة بشأن دور وكالة يعتقد البعض انها اصبحت خارجة عن السيطرة.

فمنذ حزيران (يونيو) ادت تسريبات ادوارد سنودن المستشار السابق في الوكالة المكلفة مراقبة الاتصالات والتي كشفت تسجيل معطيات هاتفية لمواطنين اميركيين ومراقبة مكالمات ملايين الفرنسيين والتنصت على الهاتف الجوال للمستشارة الالمانية… الى فتح الباب امام كل الاحتمالات ووضعت ادارة الرئيس باراك اوباما في موقع الدفاع.

على الصعيد الداخلي اضطرت الادارة للاخذ بالاعتبار المخاوف المتعلقة باحترام الحياة الخاصة.  اما في الخارج فقد اضعف الكشف عن هذه المعلومات موقف اوباما ازاء حلفائه الاوروبيين والبرازيل والمكسيك ما حدا بالادارة الى ان تتساءل حول الضرورة التي يشدد عليها مسؤولو الاستخبارات لجمع هذا الكم من المعطيات تحت مسمى مكافحة الارهاب.

يقول المراقبون أن كل شيء تبدل منذ اعتداءات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 وصدور القانون الوطني (باتريوت اكت).

وشبهت مجلة “فورين بوليسي” الجنرال كيث الكسندر رئيس وكالة الامن القومي بـ”رعاة البقر” (كاوبوي) ونقلت عن مسؤول سابق في الاستخبارات ان الجنرال لا يأبه كثيرا بالتقيد بالقانون بقدر ما يهمه انجاز العمل.

ورأى غريغ نجيم من مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، وهو مركز ناشط من اجل حرية الانترنت انه “بالرغم من كل الاليات التي وضعت لحماية الحياة الخاصة، الحقيقة هي ان المراقبة لا تنجح”.  واضاف “ان احد الاسباب الرئيسية لهذا الفشل هو ان مسؤولي الاستخبارات خدعوا الكونغرس والشعب” بشأن ضخامة جمعهم للمعلومات. “حتى انهم ضللوا” المحكمة الفدرالية المكلفة مراقبة انشطة الاستخبارات.

أين إسرائيل؟

هل كان يحتاج الأمر إلى إدوارد سنودن لكشف مستنقع التجسس الأميركي؟ ربما، على الأقل بالنسبة لـ 35 رئيساً حول العالم، معظمهم حلفاء استراتيجيون لـ”الأخ الأكبر”.

لكن ما لم يقله إدوارد سنودن صراحة، نقلته صحيفة (لوموند) الفرنسية عنه في تقرير لها كاشفة أن جهاز (الموساد) الإسرائيلي متورط بالتجسس على الاتصالات وانه تنصت على أكثر من 70 مليون اتصالاً هاتفياً ورسالة نصية في الشهر الواحد.

وأضافت الصحيفة ان الاتهامات كانت في البداية موجهة نحو وكالة الأمن القومي الأميركية بأنها وراء التجسس على الاتصالات الفرنسية خلال الحملة الانتخابية للرئيس السابق نيكولا ساركوزي ولكنها قالت ان ما لديها من وثائق تشير الى تورط الموساد.

وقالت الصحيفة ان كاتب التقرير وهو الصحافي الأميركي غلين غرينوالد الذي على اتصال دائم مع الموظف السابق في وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن اللاجىء حاليا في روسيا أكد أن الموساد الإسرائيلي وراء عمليات التجسس.

يشار إلى أن اتهام إسرائيل بالتورط في التجسس على الاتصالات ليس هو الأول من نوعه، فقد كانت صحيفة (لوموند ديبوماتيك) الشهرية نشرت في كانون الثاني (يناير) 2012 تقريرا عن وجود محطة تجسس إسرائيلية في صحراء النقب للتنصت على المنطقة، وهي الأكبر والأضخم في العالم.

وذكرت الصحيفة أن مهمة محطة التجسس تتمثل في اعتراض المكالمات الهاتفية والرسائل والبيانات الإلكترونية التي يتم إرسالها عبر الأقمار الاصطناعية وكابلات الاتصالات البحرية الموجودة في البحر الأبيض المتوسط.

وحينها استند معد التقرير للصحيفة إلى مجندة بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في الكشف عن أكبر وأضخم قاعدة من نوعها في العالم، والتي تتمثل مهمتها في اعتراض المكالمات التليفونية والرسائل والبيانات الإلكترونية، التي يتم إرسالها عبر الأقمار الصناعية وكابلات الاتصالات البحرية الموجودة في البحر الأبيض المتوسط، كما أن لديها القدرة على جمع المعلومات الإلكترونية، ورصد اتصالات الحكومات والمنظمات والشركات والأفراد على حد سواء.

ونقل عن المجندة السابقة بوحدة 8200 التابعة للمخابرات العسكرية الإسرائيلية، دون أن يكشف عن اسمها، أن القاعدة تتجسس على عدد من الدول من بينها دول معادية لإسرائيل وأخرى تعتبر صديقة لها، وذكرت أن القاعدة التي تقع بمنطقة (أوريم) بجنوب إسرائيل على بعد 30 كيلومترا من سجن مدينة بئر السبع، تعترض الاتصالات الصادرة من الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا، وتشرف على تشغيلها وحدة 8200.

وقالت (لوموند ديبولماتيك) إن المعلومات التي تجمعها القاعدة ترسل للوحدة 8200، وإن القاعدة تخضع لحماية أمنية مشددة، فتبدو أسوارها عالية، وبواباتها كبيرة ومحمية بالعديد من كلاب الحراسة، معتبرةً أن أهم الإنجازات التي قامت بها الوحدة المسؤولة عن تلك القاعدة هو اعتراض الاتصال الهاتفي بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك الأردني الراحل الملك حسين خلال اليوم الأول من حرب حزيران 1967، واعتراض الاتصال الهاتفي بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات و بين المجموعة التي اختطفت السفينة (اكيلي لاورو) في العام 1995.

العرب أيضاً

وبعد القنبلة التي فجرها سنودن، وتحولت إلى “كرة ثلج” آخذة في التدحرج من عاصمة إلى أخرى، وسط معلومات عن أن التجسس لم يكن فقط على حلفاء الولايات المتحدة الغربيين بل شمل الحلفاء العرب، يكشف تريستان آش، وهو ضابط متقاعد في جهاز مكافحة الإرهاب، عن خفايا العالم السري لعمليات التجسس.

 ويوضح تريستان أن “جميع بلدان الشرق الاوسط، من رؤسائها وقادتها وأحزابها، هي على لائحة التنصت اليومي، ومن دون تمييز بين عدوّ وصديق”، لافتاً الى أن “الحزب الوحيد الذي لا يملك بصمة الكترونية تتيح التجسس عليه هو حزب الله ، الذي يستخدم النظام السلكي وليس اللاسلكي”.  ويوضح الضابط أنه “من المستحيل مراقبة جميع الخطوط في الشرق الاوسط دون التواطؤ مع السلطات المحلية التي تقوم في اغلبها بتسهيل المهمة علينا”.

وبؤكد آش في مقابلة مع صحيفة “الرأي”، أنه “بعد عملية القاعدة في 9/11 أُعطيت الاوامر بجعل وتحويل كل سفارة في العالم الى مركز تنصت معزَّز، وتم تزويد البعثات الديبلوماسية بأجهزة تنصت عالية الدقة حتى اصبحْتَ ترى داخل كل سفارة قاعدة شبيهة بمحطة الناسا الفضائية. ولهذا بات لكل سفارة دور مهم بالمراقبة والتنصت، وكذلك السفن الحربية العسكرية المتمركزة قبالة الشواطئ المستهدفة، والتي سهلت عملية الاستقبال والتجسس الالكتروني على كل رئيس دولة أو مسؤول سياسي أو عسكري، وعلى عائلات هؤلاء، فأصبحوا جميعاً تحت المراقبة الايجابية بغرض حمايتهم، أو سلبية بغرض التجسس عليهم وجمع المعلومات لتحديد نقاط الضعف وأفضل طرق التعامل معهم. وهذه الخريطة الشخصية تساعد أجهزة المخابرات المتخصصة لمعرفة ماذا يكره هذا الرئيس، وما المشاكل العائلية التي يتعرض لها؟ هل يزور الطبيب، ولماذا؟ هل أحد من افراد عائلته بحاجة للعلاج؟ هل يحتاج الى ارسال اولاده أو اقربائه للتعليم في الخارج أم لايجاد فرص عمل معينة في بلد معين؟ هل لديه عشيقة سرية واحدة أو اكثر؟ وماذا تفعل هذه العشيقة ومدى تأثيرها عليه؟ هل لديه معلومات مهمة في اجهزة الهاتف المحمول أم في اجهزة الحاسوب؟ هل يحب الترف أم يحب الالبسة الحديثة من ماركة معينة؟ هل يحاول تخفيف وزنه ولا ينجح في ذلك؟ كل هذه الاسئلة وغيرها تساعد على بناء ملف كامل عن كل شخص ليحللها الضابط المختص ويخرج بتوصيات وبخلاصة عن نقاط الضعف ونقاط القوة عن كل شخصية مستهدفة سلباً أم ايجاباً”.

ويتابع الضابط : كل الاجهزة المتوافرة اليوم تُعتبر غير موثوقة، أي يستطيع المراقب تشغيل الجهاز والكاميرا والميكروفون حتى ولو كان مغلقاً، والمضحك في الأمر أن اكثر المسؤولين لا يحتفظون بأجهزة الهاتف الخاصة بهم بل يسلّمونها الى المرافق ويبدّلون أجهزتهم باستمرار. فيكفي أن تراقب الكترونياً حركة المرافق الشخصي أو الأرقام التي يتصل بها أو تتصل بهذا المسؤول باستمرار، حتى تعاد رسم الخريطة الالكترونية من جديد للشخص الهدف”.

ويشرح ضابط المخابرات السابق أن “اوستراليا، كندا، نيوزيلندا، بريطانيا والولايات المتحدة أنشأت وحدة اسمها العيون الخمس، ولديها أجهزة اتصال في كل أنحاء العالم وحول العالم تلتقط منها كل ذبابة تحلق في السماء بغض النظر عن صاحبها. وهذه الوحدة هي مجموعة أجهزة أمنية في كل من البلدان الخمسة متخصصة بالتنصت الالكتروني، وهي GCHQ البريطانية، NSA  الاميركية، CSE  الكندية،  DSD الاسترالية، GCSB  النيوزلندية. وهذه الاجهزة المخابراتية تتعاون في ما بينها وتتبادل المعلومات وتجتمع دورياً لتطوّر نفسها وتشرح ما لديها”.  ويضيف الضابط الرفيع السابق في مكافحة الارهاب أن «اجهزة أخرى صديقة تتعامل مع العيوان الخمس، ومنها الوحدة الاسرائيلية المسماة بيهودا سموني يتاييم أو وحدة الـ8200. وهي وحدة موجودة اساساً في صحراء النقب ولديها قدرة تفوق قدرة التنصت للقاعدة البريطانية الموجودة في آيوس نيكولايس في فامأغوستا في قبرص”.

ويقول الضابط إن التنصت الالكتروني لا يقتصر على التنصت لأغراض عسكرية أو لمنع عمليات ارهابية قبل حدوثها، بل يذهب الى التجسس الصناعي ايضاً “فقد استُخدمت التكنولوجيا لمعرفة نوايا العرب بما يتعلق بالاقتصاد والنفط وشراء المعدات الحربية، والتي تُعتبر اساسية للغرب ولاقتصاده”.