ديمقراطية “غير مطابقة للمواصفات”

متظاهرون ضد التمديد لمجلس النواب

متظاهرون ضد التمديد لمجلس النواب

يملك لبنان من المصطلحات “الديمقراطية” ما لم يعرفه العالم منذ ظهور أول ديمقراطية إبان الثورة الفرنسية حتى الآن.

“التمديد” مثلاً، استعملناه حتى الإدمان.  علكناه مرات عدة في مجلس النواب، وأكثر من مرة في رئاسة الجمهورية.  واجتررناه في تمديدات بالجملة للقيادات العسكرية والأمنية والقضائية … وأحياناً كثيرة لمجالس إدارات المؤسسات العامة.

هذا الحل “غير المطابق” للدستور، لم نسمع أو نقرأ عن تطبيقاته، حتى في أعتى الديكتاتوريات في العالم، حيث كانت تحافظ على الشكل الديمقراطي بإجراء انتخابات واستفتاءات تُفرَز نتائجها في إدارات المخابرات، وتأتي دائما مطابقة للنتائج المقررة سلفاً قبل إجراء الانتخابات نفسها.

مثال آخر عن اختراعاتنا الديمقراطية، “الثلث المعطّل”.  فلو سمع به عبد الرزاق السنهوري، العالم الدستوري الأول في الوطن العربي، لضحك حتى انقلب على قفاه، تماماً كما قلب “الثلث المعطّل” الديمقراطية على قفاها.

هذه البدعة تسمح لديكتاتورية الأقلية في أن تمارس “ديمقراطيتها” على الأكثرية، حتى ولو بلغت الثلثين.

مثال ثالث، “الفراغ”.  وهو دواء لبناني فريد من نوعه.  بالتأكيد لا يطابق المواصفات العالمية.  وبالتأكيد يؤدي إلى تفاقم الداء.

تصوّروا دولة، أي دولة في العالم، بلا رئيس.  ومع أنه تصوّر مستحيل، فإن ذلك أقصر الطرق إلى الفوضى والإنهيار.

ومع نموذج “الفراغ” الذي لم تسبقنا إليه حتى قبائل الأدغال، تم اكتشاف إختراع ديمقراطي آخر ملحق به، وهو “المقاطعة”.  فالنواب الكرام، الذين لا يتأخروا عن قبض رواتبهم من أجل عقد الجلسات النيابية، يقاطعون ويقطعون الطريق اليوم عن انتخاب الرئيس … ليتحوّل التشريع إلى ضحية إضافية، ولتصبح مصالح الناس والوطن في مهب الاختلاف على جنس ملائكة بعبدا.

مثال رابع، “الإجماع”.  وهو اختراع لبناني مدمّر أدّى إلى الشلل الدستوري والحكومي والحياتي.  وإذا كان رب العباد رفض فرض “الإجماع” على البشرية، فجعلها شعوباً وقبائل تتحالف وتتحارب، فإننا في لبنان جعلنا من “الإجماع” شرطاً لاتخاذ القرارات، ومصدراً من مصادر تعطيل السلطات والمؤسسات.

وإذا غابت عن الذاكرة أمثلة كثيرة، فإن الرئيس نبيه بري أخرج من كم حاوي الديمقراطية أرنب “تشريع الضرورة”.

و”الضرورة” في لبنان عادة ما تكون ضرراً لفريق ومصلحة لفريق آخر.  أي أننا حوّلنا التشريع إلى قوانين بسمنة وقوانين بلا سمنة وبلا زيت.

بعد كل هذه الأمثلة، لا بد من الاعتراف أن الديمقراطية لولا “فقهائها” اللبنانيين، لبقيت مجمّدة في مفهومها القديم والبالي، والمتمثل في حكم الأكثرية وسن القوانين واحترام مواعيد الاستحقاقات الانتخابية.

سامر الحسيني

Advertisements

مناورة «المؤتمر التأسيسي»: متاريس الفراغات

كتب المحرر السياسي:

كما الأحداث تتطور نحو الأسوأ، كذلك الخلافات السياسية.

إن نجاح الجيش في ضرب الإرهاب في طرابلس، لا يعني القضاء عليه. فما زال للإرهاب جولات تهدد لبنان. وقد تكون  متعددة الأمكنة ومعززة بالإمكانيات الإضافية.

ولا يجب الإتكاء كثيراً على نفي «البيئة الحاضنة» للقول أن الإرهاب لن يتمكن من العودة الى العبث في أمن البلد واستقراره. فالإرهاب لا يحتاج الى الحضانة، لأنه يعتمد سياسة الكر والفر، فأغلب عملياته تأخذ بنظرية «إضرب… واهرب». بدليل أنه هرب من عرسال وما زال يهددها ويهدد جوارها. وقد يكون هروبه من طرابلس أحد تكتيكاته حيث لا تُستبعد عودته ولو بعد حين.

الإرهاب يتقن إقتناص الفرص، وفرصته الآخذة في التزايد تكمن في الخلافات السياسية المتفاقمة، والتي تشكل له «البيئة الحاضنة» الحقيقية.

لا شك في أن «المزايدات» بين التيارات السياسية المختلفة توفر ثغرات آمنة لعبور الإرهاب الى العمق اللبناني. وهي أكثر حماية للإرهابيين من سكان بضعة أحياء أغلب بيوتها آيلة الى السقوط، ويعيشون في خوف من الإرهابيين والدولة معاً.

هذا يعني أن الخلافات السياسية تغذي الإرهاب، وأن الإرهاب يغذي الخلافات السياسية. فكلاهما ينمو على حساب الآخر.

ولأن الغموض والسرية يكتنفان النشاط الإرهابي، يصبح الكلام عنه نوعاً من التنظير و«التبصير». في حين أن الخلافات السياسية مكشوفة وبلا ستر يغطيها. وهي كالأمراض المستعصية لا دواء لها، وكل محاولات المعالجة التي طرحها الرئيس الحريري، لم تمنع اتساع انتشارها في «المجتمعات» اللبنانية، التي كانت في يوم ما مجتمعاً واحداً.

وإذا كان الاهتمام بالفراغ الرئاسي قد تراجع الى ذيل طابور الاهتمامات الوطنية، فإن الفراغ النيابي، سيشكل الطعنة القاتلة للبنان وكيانه وميثاقه وطائفه ودستوره.

من الواضح أن هناك من يسعى الى تراكم الفراغات. والتمديد للمجلس الحالي لن يوقف الاستمرار في السعي الى الفراغ الكبير والقاتل عندما يطرح «التمديد الثالث». وهو أمر آت لا ريب فيه، مع الاصرار على عدم انتخاب الرئيس. وهو اصرار لا يبدو أن ثمة أملاً في الرجوع عنه، إلا إذا انقلبت طاولة الأحداث وتبدلت اتجاهات الرياح.

لم تعد الغاية من سياسة «تراكم الفراغات» خافية على المراقبين. فأنصار هذه السياسة يعملون على تعطيل المؤسسات في انتظار التوقيت المناسب لتوجيه الضربة القاضية، عندما لا يكون من حل للمأزق اللبناني الكبير سوى انتخاب المؤتمر التأسيسي لوضع دستور جديد للبنان، يجعل الأكثرية النسبية تتحكم بالأقليات الكبيرة والصغيرة، والتي بتوافقها، عبر العرف اللبناني التاريخي، تشكلت صيغة العيش المشترك.

لا شك في أن القفزة الى مثل هذ النوع من الديمقراطيات في بلد يختلط فيه حابل الطوائف بنابل المذاهب، سيكون قفزة نحو تهديد السلم الأهلي، لسبب لا يمكن انكاره. فلبنان بلد يعيش على العصبيات الدينية، ومشهود له بتبدل التحالفات وفق المصالح الطائفية والمذهبية. وليس أمام المذهب الذي، يسعى الى الحكم، سوى التحالف مع مذهب آخر على حساب باقي المذاهب، التي ستجد نفسها مضطرة للتحالف بدورها لمواجهة التسلط الحاكم.

صحيح أن الصراع في لبنان يبدأ سياسياً، لكنه سرعان ما يتحول الى صراع دموي في الشارع، وسرعان ما يستبدل فيه رفع اليافطات برفع السلاح.

إن الديمقراطية، بمفهومها الأكثري، تحتاج الى مجتمعات مدنية وعلمانية، كما في البلاد الراقية، لا الى مجتمع طائفي ومذهبي ومسكون بكراهية الآخر، كما في لبنان.

إن نفي فكرة المؤتمر التأسيسي، لا يلغي العمل من أجله. ومثل هذا التحول الكبير في النظام اللبناني، يحتاج الى وقت لم يحن أوانه بعد. وأبطال هذا التحول يدركون جيداً أن عليهم الانتظار لحين استكمال «تراكم الفراغات» ووصولها بالتالي الى الفراغ الأكبر، أي الفراغ النيابي، الذي به يتم تكريس الفراغ الرئاسي، والذي من بعده يصبح الفراغ الحكومي قائماً حتماً وبحكم الدستور.

وإذا كان التمديد الثاني لمجلس النواب قد مرّ بإجماع، لا ينقصه إلا عون وبعض الممتنعين عنه والراغبين به، فإن ذلك قد تم لأن ظروف «تراكم الفراغات» لم تنضج بعد. فما زالت أحداث المنطقة ملتهبة ولا تسمح بالانقلاب على الطائف. لكن الأمور، من الممكن أن تكون ملائمة عندما يحين موعد التمديد الثالث، وعندئذٍ يمكن الانقضاض على المجلس النيابي، وعندئذٍ أيضاً يكتمل «تراكم الفراغات» ولا يعود في الدستور ما يحمي المؤسسات أو يعيد بناءها. ومع الوصول الى هذا الباب الدستوري المغلق، يصبح اللجوء الى انتخاب المؤتمر التأسيسي هو الحل الوحيد المتاح لإعادة صيغة الدولة الجديدة لدولة قديمة قضى الفراغ على كل مؤسساتها.

وإلى أن تمر السنتان والسبعة أشهر، التي نفخها النائب نقولا فتوش في عمر المجلس النيابي، فإن لبنان سيستمر في معايشة القلق والعجز عن إيجاد الحلول لمشاكله العويصة، سواء انتخاب الرئيس، أو تثبيت الأمن، أو السيطرة على تجمعات النازحين السوريين، أو الخروج من الأزمات المعيشية والاقتصادية، التي يبدو أنها مواصلة السير في طريق التفاقم.

إن اللبناني السوي في عقله ووطنيته، لا يجد سبباً مقنعاً يمنع انتخاب الرئيس وفقاً للأصول الدستورية، ولا سبباً مقنعاً يبرر التمديد لمجلس لا يجلس نوابه على كراسيهم.

وما يدهش هذا اللبناني السوي، أن كل فريق يحمّل الآخر وزر الفراغ الرئاسي.

وفي المسرح السياسي اللبناني يصبح من يحضر الى جلسات الانتخاب معطلاً لها والممتنع عن حضورها مسهلاً لاكتمال نصابها.

وفي هذا المسرح «اللامعقول»، يرشح فريق 8 آذار العماد ميشال عون ويمتنع عن انتخابه، طالما أن المرشح المنافس سمير جعجع.

وفي مسلسل «اللامعقول» يطالب فريق 8 آذار بتخلي الفريق الآخر عن مرشحه، في حين يتمسك هو بمرشحه، ويرفض البحث عن مرشح ثالث يملأ الفراغ، الذي بدأ يحتله التطرف، أو يستغله على الأقل.

وسط هذه التراجيديا السياسية تبرز الدعوات الى الحوار، وقد جربه الرئيس بري من قبل، والرئيس سليمان من بعد، ولم يؤد سوى الى أمنيات رملية في زمن ممطر وعاصف جعلها تتطاير وكأنها لم تكن.

يبدو، يقيناً، أن الأزمة اللبنانية متشابكة بأزمات المنطقة… وبناء عليه أبشر بطول أزماتك يا لبنان.

 

الديمقراطية القاتلة

walidهل يرفض دمنا العربي الحامي الديمقراطية؟.

بالتأكيد… نعم.

يقولون أن «الربيع العربي» قام من أجلها… وعندما اقتربنا منها، انتخبت أصواتنا أصوات الرصاص والقنابل والمتفجرات والسيارات المفخخة… وبذلك حقق الإرهاب فوزاً ساحقاً، على الأقل في ليبيا ومصر وسوريا والعراق واليمن… وما قد يلي.

ومع ذلك ما زلنا نصر على امتلاك هذا الوباء الديمقراطي القاتل. حتى ولو كان جحيم الديكتاتوريات أكثر رحمة من نعيم الديمقراطيات المرعب والدموي.

وإذا أخذنا أولى ديمقراطياتنا العربية، التي ورثناها عن الاستعمار الفرنسي، والتي لم يقم اللبنانيون بجهد للوصول إليها، فإن هذه الديمقراطية اللبنانية تتعرض اليوم لتشوهات خطيرة.

وهكذا نجد أن ديمقراطيتنا أصيبت بأمراض «الربيع العربي»، وأنها فتحت طريقاً سريعاً للفوضى وعدم الاستقرار.

وهكذا نجد أيضاً أن إخضاع مواد الدستور للتفسيرات المزاجية، قد عطل الدستور. مما حول مؤسساتنا الى مزرعة مزدهرة للمذهبيات التي تطرح مواسمها من الأحقاد على مدار السنة ومن دون انقطاع.

هذه هي حال «الديمقراطية اللبنانية» التي ستزداد سوءاً بسوء تفسيرنا للنصوص الدستورية، وإخضاعها للتأويل المتعدد بتعدد الفرقاء.

وسط ترسيخ الانقسامات، وإغلاق أبواب التفاهمات، لا نجد عقلاً وطنياً كاملاً. فعقلنا يكتفي بتأجيل الصراعات لا بتعطيلها.

حتى فرص التأجيل معرضة للغياب مع غياب رأس الدولة. فثمة دائماً من يملأ الفراغ. وفي تهربنا من انتخاب الرئيس، نفتح لبنان لرياح دولية لا يملك أحد منا التحكم بها.

يبدو أننا لا ندرك حجم الخطر الذي نقدم عليه من خلال شغور قصر بعبدا. ومن يجزم بأن مجلس النواب يستطيع في وقت لاحق سد الفراغ الذي صنعه بنفسه؟.

هذا الفراغ إن طال، سيطاول المجلس نفسه، الذي لا يستطيع أن يشرِّع قانوناً لانتخاباته لأنه، وإلى أن ينتخب الرئيس، هو هيئة انتخابية لا تشريعية. وبالمنطق نفسه هو لا يستطيع التمديد لفترة ثالثة. أي أن الفراغ سيتسع ليشمل، الى جانب السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية. وهكذا يكون البلد معلقاً في الهواء الذي مع تداخل الرياح الإقليمية والدولية العاتية، قد يؤثر في الكيان اللبناني ونموذجه الذي نصفه بالفريد، والذي غالباً ما ندّعي التمسك به.

ومن المستهجن أن يشعر فريق سياسي بالأمان والاطمئنان لمجرد استعراض كل فريق لـ«ملايينه» البشرية. إن مثل هذا الاستقواء الغوغائي، هو تقليد لصراخ عنترة بن شداد لإرعاب خصمه قبل مبارزته. لكن من الصعب أن نجد عناترة في زعاماتنا إذا حل النزال.

لقد ثبت عربياً، وبالذات لبنانياً، أن الجماهير قطعان من الأغنام تنطلق وراء أجراس الكبش قائد القطيع… والمسكينة لا تعرف أن كل الطرق تؤدي الى المسلخ.

وليد الحسيني