صياح الديكة

walidأين الحقيقة؟.

تسمع باسيل، فتتهم جعجع. وتسمع جعجع، فتدين باسيل.

تشاهد أخبار تلفزيون “المنار”، فتظن أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني يحاصر “البنتاغون”. وتشاهد أخبار تلفزيون الـ “إم.تي.في”، فتحزن على وضع الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي قد تفرض عليه العقوبات الأميركية، بيع آخر سجادة عجمية في قصره الرئاسي، لإطعام شعبه.

تقرأ تصريحات وزير الإقتصاد منصور بطيش، فتترحم على الليرة اللبنانية. وتقرأ تصريحات حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، فتعتقد، إلى حد اليقين، أن متانة العملة الوطنية، جعلتها عملة تنافس بثقة عالية الدولار واليورو معاً.

تتابع بقلق إتهام أهل السياسة باخضاع القضاء لتعليماتهم. وتفاجأ بالقاضي بيتر جرمانوس، يخضع الأجهزة الأمنية كافة لتعلمياته هو، متجاوزاً بسلطاته، كل السلطات الأخرى، السياسية منها والرسمية… والدينية.

تشعر بأن طبلتي أذنيك، قد تثقبا من دوي طبول الحرب على الفساد، وتبحث في سجلات النيابات العامة، فلا تجد إسماً “عليه القيمة” يقيم في سجن روميه.

تستبشر بمواسم سياحية، ستحسدك عليها سويسرا، ويجد السائح نفسه طريدة يسهل اصطيادها، من ساعة الوصول إلى ساعة المغادرة، سواء عبر إحتكار “تكسي المطار” للزبائن أو عبر فواتير الفنادق والمطاعم والملاهي الليلية… والمستشفيات.

وتغمر اللبناني السعادة، لسماعه غزلاً سياسياً في التعايش والوحدة الوطنية، لم يبلغه نزار قباني في غزله النسائي. ويغمره الحزن وهو يسمع حفلات الهجاء السياسي، تشغل وتشعل مواقع التواصل الإجتماعي، وأعمدة الصحف، وحوارات الإذاعات والتلفزة.

بعد كل ما سبق ذكره، وما نسيت الذاكرة أن تذكره، نطرح السؤال مجدداً، أين الحقيقة؟.

رغم كل ما يبدو من تناقضات بين الفعل وضده، فإن الحقيقة، للأسف، هي في الجانب السلبي، حيث أن الإيجابي منها، مجرد ألوان زائفة، تحاول تزيين الواقع القبيح.

وكما يقال بأن المعدة بيت الداء، يمكن القول، بلا مبالغة، بأن فساد الكلام السياسي، هو بيت الفساد، بكل أصنافه وأنواعه.

فمن فساد القول أن يهاجم المسؤول الهدر وهو الهادر الأول. وأن لا يسمح لنفسه الإدلاء بتصريح يخلو من الحرص على وحدة اللبنانيين، وفي التصريح نفسه، يغمز، تلميحاً أو تصريحاً، بخصمه اللدود. فهو لا يجد، اشد عداوة له، من الذي يخالفه الرأي والموقف، وينافسه في المصالح واقتناص الفرص.

إذاً، نحن في زمن ينطبق عليه ما قاله المتنبي عن زمانه:

قد أُفسدَ القولُ حتى أُحمد الصممُ

هذه هي الحقيقة، التي نتقاذفها بين أقوال لا نفعلها وأفعال لا نقولها.

أخيراً، نصيحة لسعد الحريري، نعلم مسبقاً أنه لن يأخذ بها:

توقف عن الشرب من نهر الإعتدال لتتجنب الخسائر… واشرب مثلهم من نهر الجنون والتطرف، لتشاركهم الأرباح… والصياح، كالديكة فوق مزابل الـ 18 طائفة… أو الـ 19 إذا أضفنا مزبلة المجتمع المدني.

وليد الحسيني

Advertisements

في حرب الفساد: أيها الطبيب طبّب نفسك

walidتتراكم المشاكل فوق لبنان، تماماً كما يتراكم الذباب فوق المزابل.

حيث ينظر اللبناني يجدها حوله. فهي تتسكع في كل مؤسسات الدولة. وتتسلل إلى بيوت اللبنانيين بلا إستثناء. وتنفخ في نارها المذهبيات بلا رحمة. وتتفرج عليها القيادات بلا مسؤولية.

هذا هو لبنان، الذي تزلزل الأرض فيه زلزالها. وتخرج من باطنها أثقالها. ولا يسأل أحد ما لها؟.

ترى من أي المشاكل نبدأ، وكلها ينافس كلها؟.

بعشوائية، سنتناول ما تيسر من مشكلات، وما تجذر من خلافات.

وقبل استعراض ما هو متاح للعرض، لا بد من التنبيه إلى أن “فريق الممانعة”، ومنذ زمن، بدأ باختراع “العرف” في حربه ضد “الطائف”. وما أن يخترع عرفاً، حتى يفاجئنا باستيلاد عرف جديد. إلى أن كادت البلاد تحكم بالأعراف. وإلى أن أصبح الدستور في ذيل مصادر التشريع.

آخر عرف مستحدث كان عندما خبط الرئيس بكفه، فاهتزت طاولة مجلس الوزراء، وطارت أهم أوراق الطائف. وهي الورقة التي تحصر القرارات الكبرى بيد الحكومة مجتمعة.

يومها إحتج سعد الحريري باللجوء إلى “الصمت الصارخ”. مفضلاً، بدافع الحرص على البلد، معالجة تجاوز الصلاحيات في اجتماعات مغلقة. فكانت له العودة عن “الغضب الرئاسي”، وبالتالي، العودة إلى شرعية الطائف وأحكامه.

والسؤال: هل هي عودة نهائية إلى الأصل… أم أن “عرف الخبيط” سيعود إلى بدعة الأعراف في ذات يوم… وفي ذات أزمة؟.

وفي مسلسل المشاكل، برز إنقسام اللبنانيين حول ركوب “سفينة نوح الإيرانية”.

فريق يؤمن بما تحمله سفينة المعجزات من حلول لمشاكلنا المستعصية. فهي تحمل صواريخاً للجيش، ستردع العدو وتمنع خروقاته الشبه يومية. وهي تحمل أدوية يستطيع الفقير شراءها من دون إذلال على أبواب الضمان أو وزارة الصحة. وهي تحمل أيضاً مواد وآليات تشق الطرق والأنفاق وتبني الجسور… وتقضي بذلك على أزمات السير المزمنة. والأهم أنها تحمل محطات كهربائية عملاقة، تنقذ لبنان بكامله من العتمة وشبيحة المولدات.

فريق آخر سأل ببراءة: لماذا لا تفرّغ “سفينة نوح الإيرانية” حمولتها السخية في إيران نفسها؟. أليس “جحا أولى بلحم ثوره”؟. هذا إذا كان هناك فعلاً ثور يكفي لحمه الشعب الإيراني، الذي يعاني أكثر مما نعاني؟.

ويعتب هذا الفريق على الحكومة اللبنانية، التي رفضت الهبات المقدس سرها. ويسأل ببراءة أيضاً: لماذا لم “تلحق بإيران لباب الدار”؟. فالحكومة، بامتناعها عن قبول الكرم الإيراني المتدفق، تكون قد منحت إيران دعاية مجانية لفعل، كل الظن واليقين، أنها لن تفعله.

ونختار، من “كوكتيل المشاكل اللبنانية، مشكلة “النزوح السوري”. حيث “فريق الممانعة” يزعم، مؤكداً وواثقاً، أن حلم النازحين السوريين هو الحصول على “مرقد عنزة” في بلد ترقد فيه العنصرية والأحقاد.

يفوت فريق الدعوة إلى العودة القسرية والجماعية، أن السوري الذي يبحث عن جنسية تحترم إنسانيته، نزح إلى أوروبا وكندا. أما من اختار لبنان، فقد اختاره لأنه أقصر طرق العودة إلى المنزل والوطن. مما يعني أن “التوطين” كذبة تتفوق على كل الأكاذيب الرائجة.

أما أم المشاكل، الزاحفة حثيثاً نحو الفتنة المذهبية، فتتمثل بتصدر “حزب الله” مواقع الحرب على الفساد.

إنتحل صفة “المايسترو” في فرقة عزف “سمفونية” الإبراء المستحيل. وهو الذي يستحيل إبراءه من هدر المال العام.

نتذكر أنه في عام 2006 استدرج عرضاً للبطولة. وفاز يومها فعلاً بالميدالية الذهبية، عندما قهر الجيش الذي لا يقهر. لكنه لم يفز بقهره في مزارع شبعا. وبالتالي، فإن مليارات الدولارات، التي هدرت في تدمير البنية والأبنية، والتي رافقها استشهاد مئات الأبرياء، تكون قد ضاعت بلا جدوى وطنية.

وها هو الحزب يعيد تشغيل اسطوانة الإحدى عشر ملياراً. ويقول أنها تبخرت ما بين الهدر والنهب. لكنه، وهو الحزب الشجاع، تنقصه شجاعة الإعتراف بتعطيل طرق الصرف العادية، عندما حاصر مبنى الحكومة، وأغلق مجلس النواب، وساهم بذلك بعدم إقرار الموازنات، التي تحدد الإعتمادات وتعتمد أصول الصرف والإنفاق.

ولأن الدولة لا تملك خياراً غير الاستمرار بدورها وواجباتها، فقد اضطرت الحكومة إلى التصرف، فكان الصرف قانونياً، حتى ولو تجاوز القانون، بتجاوز أعباء الإنفاق القاعدة الإثني عشرية.

ويفوت “حزب الله” فتح ملف سرقات أضعاف الإحدى عشر ملياراً. هي مجموع ما سلب من عائدات جمركية وما هرب من بضائع عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، التي جميعها تخضع لقوة تحاول أن تبقى مجهولة.

أما الهبات التي وضعت في حسابات هيئة الإغاثة، لا في حسابات وزارة المال، فذلك يعود لأن الواهب دفعها لأهداف إنسانية، لا لتنفق في أنفاق وزواريب المالية العامة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر. فإن الهبات التي تلقاها “حزب الله” بعد حرب تموز، ويفوق حجمها مرات ومرات ما تلقته هيئة الإغاثة، التي وزعت ما ملكت صناديقها الهزيلة، بلا انحياز لمنطقة، وبلا تفضيل لمذهب. في حين أن هبات ما ملكت ايمانكم وزعت بين ناس السمنة والزيت… وسطح الصيف والشتاء.

أليس هذا وذاك فساد يقوم على شراء الولاءات وإذكاء المذهبيات؟.

أما وقد قرر “حزب الله” أن يكون الطبيب الوحيد في حملة اللقاح ضد الفساد، فمن حق اللبناني أن يستعيد القول المعروف: أيها الطبيب طبّب نفسك.

وليد الحسيني