قمم في مواجهة الكوارث

walidالقمة ليست دائماً بلا فائدة. وبالذات إذا انعقدت في أسوأ الأيام. فهل تكون قمم مكة الثلاث هي الإستثناء؟

لم يسبق أن اجتاحت العرب المحن، من محيطهم إلى خليجهم، كما اليوم.

الخطر يستعد لخلع أبواب الخليج. والكوارث تتوالى بلا رحمة في أغلب المشرق العربي ومعظم مغربه.

لا شك أن العرب يدفعون، في هذا الزمان، ثمن انتصاراتهم في تلك الأزمنة.

يبدو أن أمة الفرس تنتقم من قادسية سعد بن أبي وقاص. وأمة الغرب تنتقم من صلاح الدين في تحرير القدس. وأمة الأتراك تنتقم من الشريف حسين في تمرده على امبراطوريتهم المريضة.

أمم تتكالب على الأمة!.

كل هذا كان متاحاً، بعد أن انقلب العرب على عروبتهم. واستلوا الألسنة والأقلام لتعريتها.

إنتكاس القومية العربية، أيقظ الأحقاد والأطماع لقوميات منتكسة تاريخياً. فعمل الفرس والعثمانيون على تحويل الإسلام إلى أحصنة طروادة.

الإيرانيون أخذوا من أمراض المسلمين المذهبية. فاستعانوا بها لجعل طهران عاصمة العواصم العربية الأربع.

بفضل المذهبية انتزعوا العراق من تاريخه. وبسلاحها تحكموا بلبنان. وببلائها زادوا اليمن ابتلاء. وبنجدتها استباحوا سوريا. ومن بوابة المسجد الأقصى سجدت لهم حماس في غزة.

أما الأتراك، فقد اختاروا الإنحراف بالإسلام، فركبوا موجة التطرف. فبركبانها إحتلوا بعض سوريا. وبمراكبها حاولوا مُلْكاً في ليبيا، بعد أن سقطت ممالكهم في مصر محمد مرسي وفي تونس الغنوشي.

أما الغرب فقد أسلم أمره لواشنطن وسلّم بأوامرها. وها هو ترامب يصطف في طابور الموالاة لاسرائيل، متقدماً على كل من سبقه. ومؤكداً أن الأميركي لا يكون أميركياً إلا إذا كان صهيونياً. وكما بلفور أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، أعطى ترامب اسرائيل القدس والجولان. وترحرح في صهيونيته فأنجز لها صفقة القرن بقرون اسرائيلية هائجة.

صحيح أن العروبة لم تستعد فلسطين. ولم تُشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي إلى الفضاء. ولم تزرع أرض السودان قمحاً ورزقاً. ولم تهب شعباً ديمقراطية كاملة، ولا حتى حريات ناقصة. لكن غيابها أبعد فلسطين إلى ما بعد بعد أدلب وصنعاء. وأشاد مفاعلاً مذهبياً مدمراً. وقذف فضاء مكة، قبلة المسلمين، بالصواريخ الباليستية، وأنزل من فضاء سوريا البراميل المتفجرة. واستبدل زرع الأرض بالحقول الخضراء، بزرعها بحقول الألغام. واستجاب لحرية الرأي، فلم يقطع الألسنة، فقد اكتفى بقطع الرؤوس التي تحملها.

لقد أدرك الملك سلمان ان الكوارث العربية قد أينعت رؤوسها، وحان قطعها، قبل أن تقطع رأس الأمة العربية، وتدفنه مهشماً ما بين طهران واستنبول وواشنطن. لهذا دعا لعقد قمتين عربية وخليجية. ففي الأيام الصعبة، نحتاج إلى اتخاذ القرارات الصعبة، والإجراءات الأصعب. فهل تتم ترجمة هذه القرارات للفارسية، وهل هي قابلة للترجمة على أرض الواقع؟.

سؤال نتمنى أن تكون إجابته: نعم.

وليد الحسيني

Advertisements

“خاشقجي” ليس “بو عزيزي”

walidخمسون عاماً في الصحافة، لم أسلك خلالها خطوة واحدة نحو دول الخليج.

لا علاقات ولا معارف.

لكن، عندما يدق الخطر أبواب الخليج العربي تصبح مواجهته مسؤولية قومية.

لا يحتاج الأمر إلى تحليل عميق، فالهيستيريا السياسية والإعلامية، تحاول أن تجعل من جمال خاشقجي بو عزيزي آخر.

الدول نفسها، التي ركبت موجة بو عزيزي، تركب اليوم موجة الخاشقجي.

نفس الأبطال والأدوار والإستثمار.

رباعي “التآمر الأول” على تونس ومصر وليبيا، هو رباعي “التآمر الثاني” على السعودية ودول الخليج.

تركيا وقطر والأخوان وتلفزيون الجزيرة.

هم… هم… بلا نقصان. بل بإضافات، قد لا تكون إيران أولها، ولن تكون آخرها.

لكن بين “التآمريْن” يختلف الوضع والظرف والمزاج الشعبي.

الشعب اليوم لا يريد إسقاط النظام، بل يريد إسقاط المؤامرة.

لا يوجد عربي يرضى لكعبة المسلمين نهايات ليبيا المأساوية. ولا مصير تونس الإقتصادي. ولا أزمات مصر الخانقة. ولا دمار سوريا واحتلالاتها المتعددة الجنسيات.

بعد كل مآسي ونكبات “الربيع العربي”، لن ينفع مستثمرو الدم اللجوء إليه إبتزازاً من قبل تركيا، أو استهدافاً من قبل قطر.

لن ينفع التهويل والتضخيم والنفخ في الأكاذيب.

صحيح أن قتل الخاشقجي جريمة بشعة، لكنها ليست سابقة. فالعالم مليء بسوابق أفظع وأبشع.

قبل الخاشقجي، عرفنا الخطف والقصف والإخفاء والتغييب والإغتيال والقتل الجماعي.

قبله، تعرض مثله رؤساء وقادة أحزاب وكتاب ومشاهير. ومع إحترامنا لقامته البشرية، فهي لا تصل إلى قامات بعضهم الفكرية والإنسانية والثقافية والثورية والنضالية.

يومها لم تتوقف لأجلهم برامج تلفزيونية. ولم تتحول نشرات الأخبار إلى خبر واحد يتناول مصيرهم. ولم يتفرغ كتاب أعمدة الصحف لقضيتهم. ولم تستنفر مجالس نواب ورئاسات دول وحكومات استنكاراً لما ارتكب بحقهم… كما توقفت وتفرغت واستنفرت واستنكرت من أجل الخاشقجي.

من الواضح أن جريمة “قنصلية اسطنبول” هي جريمة فاشلة. بعيدة جداً عن الإحتراف. وتفتقر إلى الحد الأدنى من الخبرة. مما يعني أن مرتكبيها تصرفوا بغرائز التهور والحماقة والإنفعال. وربما يكون بعضهم مدفوعاً من جهات تخطط لاتهام المملكة.

المنطق ينفي أن تفعلها دولة. فللتخلص من الخصوم ألف وسيلة آمنة. لا يحتاج أي منها إلى بعثات مكشوفة الأسماء ومعروفة الوجوه. ولا إلى طائرات خاصة تهبط في دوائر الريبة والشك.

كل هذا تم، كما لو كان هناك قرار يتعمد نشر الأدلة، لا إزالتها… والهدف تسهيل توجيه أصابع الإتهام إلى السعودية، التي يقود إتهامها إلى إشعال الخليج.

لقد تحول مقتل الخاشقجي إلى استثمار مفضوح، رأسماله الإستنكار والإستنفار… وكأن المبتزين للمال السعودي، والحاقدين على أمن السعودية، هم من الملائكة، وليسوا القيادات التي أهلكت ليبيا وأهلها. وألقت باليمن في حرب حوثية مجنونة. واستولت على سيادة العراق. وهزت تعايش لبنان. وتناتشت سوريا… وقصفت ودمرت عشوائياً. وهجرت ملايين العراقيين والليبيين والسوريين ونثرتهم شتاتاً في شتى دول العالم!!.

وأخيراً، نقول لـ “اللاعبين” بنار الخاشقجي بأن اللعب بالنار قد لا يكتفي بحرق الأصابع فقط.

وليد الحسيني

هل تكون قمة الحسم؟

walidتعوّدنا على قمم عربية تتخذ قرارات، كانت قد اتخذتْ من قبل.

بيانات ختامية منسوخة من أرشيف جامعة الدول العربية.

فقرة لكل دولة. أي مجموعة فقرات ورثتها قمم الألفية الثالثة من قمم الألفية الثانية.

مثلاً، لا مفرّ من تكرار فقرة متهالكة تساند فلسطين بدفق من التعاطف والعواطف. ولا مهرب من فقرة تطالب إيران بالانسحاب من الجزر الإماراتية الثلاث. ولا شيء يمنع توزيع السين والسوف، على باقي الأعضاء، حيث لكل دولة في الطيب نصيب.

وتعودنا أيضاً على قمم تلقي الرماد فوق نار الخلافات العربية، الذي لا يلبث أن تذره رياح الخلافات المتجددة.

العرب اليوم على مشارف قمة تعقد في السعودية، في ظروف كارثية تفترسهم دولة وراء دولة.

لهذا يجب أن تكون قمة غير كل القمم. فالسعودية التي تحولت في عهدها الجديد إلى مملكة الحسم والحزم، من حقها أن لا تعود إلى السير في طريق المسايرات.

إن الحسم والحزم في قاعة القمة وبيانها الختامي، هو الذي يؤدي إلى الحسم والحزم في سوريا والعراق واليمن وفلسطين وليبيا والبحرين.

أحياناً يكون ما نعتقد أنه فشل … هو النجاح. ففي ظل خرابٍ يتنقل كالإعصار في الأرض العربية، تنتفي مبررات “وحدة الصف” أمام الإلتزام بإنقاذ ما يجب إنقاذه.

قادة الأمة يعلمون جيداً أن دولاً عربية عدة قد علقت في الشباك الإيرانية. وأنها سترفض أي قرارات تتخذ لمواجهة المد الفارسي. وهذا يعني إما إصدار قرارات بلا أنياب، أو التضحية بالإجماع العربي.

على القادة أن يسألوا أنفسهم:

ما نفع الإجماع إذا كان سيصيب الجميع بالشلل … وإذا كان سيفضي إلى هزيمة عربية جماعية؟

يدرك القادة أن قمتهم تنعقد في ظروف مأساوية غير مسبوقة. ويدركون أن إخلاصهم للأمة يحملهم مسؤولية الخلاص. وهذا لا يتم إلا باتخاذ قرارات غير مسبوقة أيضاً … حتى لو امتنع الممتنعون عن التصويت … واعترض المعترضون على القرارات … وانسحب المنسحبون احتجاجاً ورفضاً.

في هذه المرحلة العربية المخيفة، الفشل لا يعني غياب الإجماع … والإجماع لا يعني النجاح.

القرارات المائعة هي نتيجة مثالية لدول الممانعة.

الأمة العربية تنطلق حثيثاً باتجاه الهلاك.

العراق تحوّل من بلاد ما بين النهرين، إلى بلاد ما بين الثلاثة أنهر، بعد أن شقت أميركا، وبعدها إيران، نهراً ثالثاً تجري فيه دماء العراقيين. وهو أطول من الفرات وأكثر اتساعاً من دجلة.

وفلسطين تعفّنت من الصبر ومرور الأزمنة. وفاقت عداوات “فتح” و”حماس” عداوتهما لإسرائيل … فقد كثر الإقتتال … وقلّ الإستشهاد.

وسوريا قلب العروبة النابض، يكاد يتوقف قلبها من شدة أهوال القتل والتشريد والتهجير والتدمير … والإحتلالات.

والبحرين مازالت تقاوم مؤامرات السطو على “لؤلؤة الخليج”.

وليبيا استوطنها التطرف الدموي، وأدخلها إلى مسلخ بشري أغلقت أبوابه بإحكام.

واليمن تحوّل من جار للسعودية إلى جائر عليها … وإلى منصة صاروخية تستهدف قلعة الإسلام.

ألا تستحق كل هذه العاهات والزلازل قمة حاسمة وحازمة؟

فبماذا تجيب قمة الرياض؟

وليد الحسيني