“اسرائيل أولاً”

وقّع دونالد ترامب صكّ نقل ملكية القدس الى إسرائيل.

أكثركم اعتبرها جريمة تعادل نكبة 1948، وتتفوّق على هزيمة 1967.

فعلتم ما فعلناه في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي.

في تلك الفترة، استهوانا التظاهر والتنديد والشجب والغضب. وعزمنا العزم على إلقاء إسرائيل في البحر.

قلدتمونا تماماً هتافاً وتظاهراً وتنديداً وشجباً وغضباً. وتجاوزتم عزمنا، فعزمتم على تدمير إسرائيل كاملة بالصواريخ التي لا تعد ولا تحصى.

نعترف أنّ هتافاتنا لم تستعد فلسطين. ولا تنديدنا رد كيد إسرائيل. ولا غضبنا أرعبها.

كان لجيلنا أعذاره. فهو لم يملك الجحافل ولا الإمكانات المادية والتسليحية والصاروخية. لهذا لجأ الى أضعف الإيمان وهو المقاومة بالقلب واللسان.

لكن ما أعذاركم، وأنتم أصحاب القوة وأبطال “توازن الرعب”.

اعتقدنا أنّ ردكم على الضياع الثاني للقدس، سيكون بتنفيذ وعدكم بتحويل إسرائيل الى حفنة من الرماد. فإذا بردكم لا يختلف عن ردنا قبل أكثر من ستين عاماً.

تظاهراتكم تشبه تظاهراتنا. وهتافاتكم هي هتافاتنا… لهذا نخاف عليكم أن تبلغوا فشلنا… وأكثر.

لن نستغرب. فالتاريخ الذي يكرر نفسه يصل الى النتيجة نفسها.

في ذلك الزمن رفعنا رايات الحرية والاشتراكية والوحدة.

الحرية أسّست سجوناً تتسع لكل أصحاب الرأي.

الاشتراكية خرج من رحمها الفساد والرشى والثروات المشبوهة.

الوحدة استولدت الإنفصال والإقليمية والإنعزالية.

لجأنا في ذلك الزمن الى الأحزاب القومية لإنقاذ أحلامنا الكبرى… فانشققنا وانقسمنا.

قادنا الفشل الحزبي الى التمسّك بالقيادات التاريخية… فانكسرنا وانهزمنا.

قفزنا بثقة عمياء الى ضفة المقاومة.. فدخلنا في حروب “الأخوة الأعداء”.

وممن فشل الى آخر… إنتهى كل شيء.

وعندما ساد الصمت الجماهيري وعمّ السكوت ساحات النضال، انتشر الفراغ وأطل “الإسلام السياسي” طارحاً نفسه كبديل لهذا الماضي الفاشل.

مع هذا الإجتياح المتنكر بالإسلام، ظهرت جماهير لا تشبهنا، وأفكار لا نعرفها.

فجأة وجدنا أنفسنا أمام تنظيمات وأحزاب تحلل الدم وتحرّم الرحمة.

الفرق بيننا وبينكم، اننا كنا حركات إنسانية. وكنا نتظاهر في وضح النهار وبوجوه وعناوين معروفة. اما أنتم فأعمالكم تشهد على “إنسانيتكم” المتوحشة.

نحن خسرنا قضايانا، لكننا لم نخسر شعوبنا. لم نفجّر سوقاً شعبية بزبائنها، ولا مدرسة بأطفالها، ولا شارعاً بمتنزهيه، ولا جسراً يربط في ما بيننا.

نحن خسرنا… وأنتم ماذا ربحتم؟

أنظروا حولكم وستعرفون.

أنظروا الى سوريا وليبيا والعراق واليمن.

أنظروا الى القرى والمدن المهجرة والمباني المدمّرة والمزارع المحروقة.

أنظروا الى أطفال فقدوا أمهاتهم، وإلى أمهات فقدن أطفالهن.

نحن لم ننجح في إلقاء إسرائيل في البحر. لكنكم نجحتم في إلقاء الأمة العربية في بحر الظلمات.

نذكركم، ويبدو أنكم نسيتم، بشعاركم “الموت لإسرائيل”، ونسألكم، وقد فتحت بوابات القدس للصهيونية، ونسألكم، وأنتم تملكون ما تملكون من صواريخ بالستية و”انتصارات إلهية”، لماذا لا يتقدم شعار “إسرائيل أولاً” على “سوريا أولاً” أو “العراق أولاً” أو “اليمن أولاً”؟

تقولون إنّ فلسطين هي البوصلة. فأين هي البوصلة، وأين هي فلسطين… بل أين هي القدس؟

من المحزن أن يكون الجواب بالأقوال لا الأفعال. فـ”إسرائيل أولاً” خطاب… أما الخطب ففي مكان آخر.

وليد الحسيني

Advertisements

أميركا والإرهاب… «الجهاد» المشترك

walidلا يشك أي مراقب منصف بأن «الربيع العربي» انتهى الى إعادة الاعتبار لصدام حسين وبن علي ومبارك والقذافي، بعد أن صدق فيه قول الشاعر العباسي ابن بسام البغدادي «رب يوم بكيت منه فلما… صرت في غيره بكيت عليه».

أما محاولات تبرير تمكن الإرهاب من العصف ببلاد «الربيع العربي» بالقول: أن الثورات لا تكتمل أهدافها، إلا بعد المرور في حالات من الفوضى العارمة والصراعات الدموية… فهو قول يبرر نصرة الإرهاب، وتعميق الانقسامات بين شعوب هذه «الدول الربيعية»، وصولاً الى تقسيم هذه الدول نفسها.

إن «الربيع» الذي اخرج مارد الإرهاب من القمقم لن يستطيع إعادته إليه.

كل الدلائل تشير الى أن الإرهاب يتمدد بسرعة مذهلة.

وكل الدلائل تشير الى أن الحرب العالمية ضده غير جادة، لأن الذكاء الأميركي الشيطاني بارع في تحقيق الأحلام الشيطانية مع الإغداق بالوعود الكاذبة عن ضرب الإرهابيين ودحرهم.

وكل الدلائل تشير الى أن غارات التحالف الدولي في سوريا والعراق أدت الى زيادة أعداد الملتحقين بداعش والنصرة.

لا ندري كيف يكون التركيز الأميركي على قصف عين العرب في سوريا والأنبار في العراق، والزعم أن القضاء على الإرهاب يبدأ منهما. في حين تترك ليبيا كعاصمة دولية للإرهاب العالمي. وتترك سيناء كغرفة عمليات إرهابية لإشغال مصر، الأقدر عسكرياً والأكثر تأثيراً في تأمين الأمن القومي العربي.

كل هذا يجعلنا نؤكد أن العمامة واللحية المسترسلة وسكاكين داعش هي من جملة الأسلحة الأميركية السرية، التي يحرص البنتاغون على تصديرها الى المنطقة.

من كل هذا نستخلص أن استعداء أميركا لا يعني عدم نصرتها، ولو كانت هذه النصرة من دون علم أصحابها. فأميركا والإرهاب يسعيان معاً لعدم استقرار الشرق الأوسط. والإثنان يعملان على إعادة تشكيل دول المنطقة.

إنه إذاً «الجهاد المشترك» بين من يصفه المتطرفون بالمشرك، وبين من يصفهم نصير «الإعتدال» بالمتطرفين.

ولأميركا تجارب كثيرة في هذا التزاوج مع الإسلام المتطرف. فبمثله أبعدت الاتحاد السوفياتي القديم عن أفغانستان. وبمثله همشت الأرتوذكس في أوروبا، عندما انتصرت للمسلمين على أرتوذكس يوغوسلافيا. وبمثله استعانت بالعمائم لإسقاط صدام حسين. وبمثله اغتالت القذافي.

لا نشك في أن الزواج الأخطر من كل ما سبق، هو الزواج العرفي، المعقود اليوم بين أميركا والتنظيمات الإرهابية الناشطة في سوريا والعراق… والمتسللة الى لبنان وأحساء السعودية.

صحيح أنه زواج غير شرعي ومن غير شهود.

وصحيح أنه بين متقاتلين.

لكن الأصح أنه زواج يهدف الى إنجاب الفوضى في بلاد العرب والتقسيم في دول المنطقة.

والاصح إذاً أنه زواج بني على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة.

والأصح أخيراً أنه زواج بين أعداء يلتقون على هدف واحد.

وليد الحسيني

“جنيف صفر”: ماذا بعد الصورة التذكارية؟

كتب المحرر السياسي

بعد جنيف الأول وجنيف الثاني، لا تزال الأزمة السورية عالقة في جنيف صفر.  صفر للمعارضة على فشلها في دفع بندها الوحيد حول تنحي الرئيس السوري بشار الأسد.  وصفر للحكومة على عدم تمكنها من فرض بند تشكيل جبهة دولية لمكافحة الإرهاب.  ولأنها “الخطوة الأولى في مشوار الألف جنيف”، بقيت الصور التذكارية أهم خروقات المؤتمر الدولي، إلى جانب ابتسامة اليأس التي لم تفارق وجه الأخضر الابراهيمي.

يوضح دبلوماسي عربي عائد من جنيف لـ”الكفاح العربي” أن انطلاق “جنيف 2 لم يطلق عجلة الحل للأزمة السورية”.  فوحدة المسارات الإيرانية – السورية، باتت أمراً واقعاً يتحكم بدفة الحل السوري، ولا بد من انت

وفد الحكومة السورية إلى جنيف

وفد الحكومة السورية إلى جنيف

ظار نضوج التسوية الايرانية.  ويقول الدبلوماسي الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن المسار النووي الايراني لا يزال في مرحلة الاختبار، وهناك محططات كثيرة لا يمكن تجاوزها لاستكمال الاتفاق النووي المبدئي وتحويله إلى اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن.

ويرى المراقبون أن ايران اليوم غير مستعجلة للانخراط في الحل السوري، وهي تعتبر حوارها مع الغرب لا يزال في مراحله الأولى بعد عقود من العداء وانعدام الثقة.  فالانفتاح الايراني الذي يقوده تيار الرئيس حسن روحاني، ليس قوياً بالقدر الكافي لفرض تسويات اقليمية تتماشى مع هذا الانفتاح على الغرب.

ورغم عدم الاعلان رسمياً عن فشل “جنيف 2″، أملاً بجولات حوارية مقبلة، إلا أن كثيرا من الخبراء يرون أن كل شيء صيغ لكي يفشل. فالفشل مطلوب لأن ظروف التفاوض والتسوية لم تكتمل بعد.  فمن جهة، تجد السلطة نفسها أقوى على الارض وأكثر تماسكاً من المعارضة. ومن جهة ثانية، تعتمد المعارضة على حشد التحالفات الدولية والعربية لتعويض تراجعها العسكري، وتكثيف الضغط على حلفاء النظام السوري للقبول بمرحلة انتقالية تغيّر الحكم القائم في دمشق.

بعد الجولة الأولى، تستطيع السلطة السورية أن تقول إنها مدّت يدها للمعارضة فأفشلها “الائتلاف” لمواصلة العمل العسكري. ويستطيع أيضاً “الائتلاف” التذرع برفض النظام بحثّ تنحي الرئيس بشار الأسد وقيام الهيئة الانتقالية فيحمِّله مسؤولية الفشل ويتمسّك بمطالبه التقليدية بمزيد من الدعم السياسي والعسكري.

وبين الجدل حول جلوس طرفي المفاوضات في غرفة واحدة أم في غرفتين منفصلتين، بقيت أجواء “جنيف 2” ملبدّة بخطابات متباعدة حاول المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي جاهداً إعادة صياغتها بكلام يقرب وجهات النظر لكن دون جدوى.  فبقي وليد المعلم متمسكاً بأولوية مكافحة الارهاب ووقف عمليات تسليح المعارضة، مقابل أولوية “الائتلاف” لنقل الصلاحيات إلى هيئة انتقالية وتنحي الاسد.

ورغم تشديد الطرفان على عدم الانسحاب، بدا الابراهيمي المستمع الوحيد في حوار الطرشان، والأكثر تمسكاً بشعرة التفاؤل.

الحل يمر في ايران

يجمع المراقبون على أن الحل السوري يمرّ في إيران.  ويعتبر هؤلاء مغالطات استبعاد ايران من “جنيف 2” بعد سحب الدعوة اليها، شكّلت مخرجاً مريحاً لطهران لجهة عدم احراجها للقبول بأي تسويات قد يفرضها الراعيان الروسي والأميركي في جنيف.

فإيران تعتمد دبلوماسية “النفس الطويل” في إعادة ترميم علاقاتها مع الغرب.  وورش بناء الجسور التي يقودها الرئيس روحاني مع واشنطن، تحتاج إلى محطات زمنية طويلة، لا يمكن مدّها الآن إلى ملفات إقليمية مشتعلة تمسك الجمهورية الاسلامية مفاتيح الحل والربط فيها.

يدرك المرشد الأعلى للثورة الاسلامية علي خامنئي أن التركيز على الملف النووي ودعم السياسة الروحانية في كسر الحصار على ايران هو من الأولويات الاستراتيجية لفرض النفوذ الايراني اقليمياً.  وأن تطور الملف النووي سيؤدي إلى فرض ايران لحلول اقليمية تراعي مصالحها وأهدافها في المنطقة، لا سيما في العراق وسوريا.

وهنا لا بد من تسليط الضوء على نقطة مفصلية في التحالفات الاقليمية، التي تشكل موسكو محورها على جبهة قوى الممانعة.  إذ يعتبر المحللون أن السياسة السورية وإن كانت تبدي ارتياحاً للدعم الروسي المطلق للنظام في دمشق، إلا أنها لا تخفي حذرها الباطني من الصفقات الدولية المحتملة في المستقبل بين موسكو وواشنطن.  لذلك، تبقى السلطة في سوريا غير معتمدة بالمطلق على التطمينات الروسية، التي يتم الاستناد اليها في الفيتوات الثلاثة في مجلس الأمن، لكن مع ابقاء استقلالية القرار السوري في الأمور المرتبطة بتغيير النظام في أي مرحلة حكم انتقالي مقبل.

وتحاول واشنطن ومعارضو الأسد توجيه دفة المفاوضات إلى وجهة تثبت لموسكو أن الرئيس السوري وليس المعارضة، يشكل العقبة الأبرز التي تحول دون استقرار سوريا. وثمة سابقة غيَّرت فيها موسكو سياستها. ففي 2009، عارضت طهران عرض روسيا تخزين اليورانيوم الإيراني على أرضها، على رغم قبولها إياه قبل أيام. وأغضب هذا الموقف روسيا، فأيدت عقوبات “أممية” قاسية على طهران في حزيران (يونيو) 2010.

الأوبامية: إعادة إنتشار أميركي في الشرق الأوسط الجديد

كتب جهاد منير

هل تنجح زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الى الرياض الشهر المقبل، في إعادة ترميم العلاقات العربية – الأميركية التي تصدّعت جراء الاتفاق النووي مع إيران؟  وهل فعلاً انحسر الدور الأميركي في الشرق الأوسط  بعد انسحاب الجيش الأميركي من العراق وقريباً من أفغانستان وتراجع البيت الأبيض عن ضربته العسكرية لسوريا؟ هل هذا الغضب هو نتيجة تغيير واشنطن لسياساتها الشرق أوسطية؟ إنها الأوبامية الجديدة في “الشرق الأوسط الجديد”.

هذه المرة الغضب العربي من الموقف الأميركي ليس ذا طابع شعبي، بل الحكومات هي التي تتململ.  وإذا نظرنا من زوايا بعض العواصم الخليجية، فإن عدم اضطلاع الولايات المتحدة بدور كبير في سوريا، والاتفاقية التي أبرمت مع إيران حول برنامجها النووي، وتكاثر الحديث حول تراجع اهتمام الولايات المتحدة بنفط الشرق الأوسط، كل هذا يؤشر إلى تراخي الالتزام الأميركي نحو حلفائها في المنطقة.

“لا يمكن أن تعود دول الخليج للثقة بالولايات المتحدة كما فعلت خلال العقود الستة الماضية”، كما يقول عبدالخالق عبدالله، أحد المحللين السياسيين في الإمارات العربية المتحدة.

وهنا يأتي التحذير الجماعي الأول من نوعه الذي أطلقته كافة أجهزة المخابرات الأميركية (16 جهازاً) من أن دول الخليج قد تقرر الابتعاد عن واشنطن. وهذا التقويم الاستخباراتي يشكل أول اعتراف بعزوف العرب عن واشنطن، وهو الأمر الذي سعت إدارة أوباما إلى أن تخفف من وطأته خلال الشهور القليلة الماضية، لاسيما أن السعودية سبق لها أن حذرت من أمر كهذا.

لكن، هل فعلاً غيّرت أميركا سياساتها؟

لا شك في أن الانفتاح الاميركي على ايران أثار موجة من الاسئلة والتساؤلات حول مجمل السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، بل في العالم.

ومع عدم التقليل من نظريات المؤامرة وأخواتها، إلا أننا ندرك أن التباينات الاميركية الداخلية كانت حاسمة في محطات عديدة بالنظر الى المصالح المختلفة لمراكز القوى الاساسية، مثل وزارات الخارجية والدفاع والبنتاغون والمخابرات.  إذ علينا ان نلحظ الصراع الاميركي الداخلي بين التيار الذي يمثله بريجنسكي حتى الان، ويرى أن الصين “اوراسيا” هي قلب العالم، ولا بد من تطويقها بحزام أخضر اسلامي تلعب تركيا دورا اساسيا فيه، وبين التيار الذي يهتم بالشرق الاوسط “النفط + اسرائيل” ودول اقليمية اخرى.

وليس بالضرورة كما عودتنا السياسة الاميركية، ان تأخذ الادارة الاميركية موقفا قاطعا من هذه الاستراتيجية او تلك، فثمة “تقاليد” عنوانها سياسة الاحتواء المزدوج، وانتظار تداعيات ذلك، كما حدث مع الحرب العراقية – الايرانية عندما انتقلت من سياسة رامسفيلد مع العراق، الى سياسة اللعب على الحبلين واستنزاف الطرفين مقدمة لاختراقهما او العدوان عليهما.

وعليه، فإن الانفتاح الاميركي على ايران لا يؤشر على استراتيجية جديدة عنوانها القطيعة التدريجية المبرمجة مع حلفائها التاريخيين والبحث عن أدوات ومداخل لترويض ايران من الداخل، بقدر ما يؤشر على شكل جديد من الاحتواء المزدوج، الذي يتيح لها ابتزاز الطرفين وإجبارهما على اتخاذ سياسات وخطوات تنتج بحد ذاتها معطيات ووقائع جديدة داخلية واقليمية، وذلك بالنظر الى ان مصالح واشنطن النفطية لا تزال قوية جدا مع حلفائها التاريخيين، اضافة الى ان ايران دخلت نادي القوى الصاعدة في منطقة شديدة الحساسية بين قلب العالم “روسيا، الصين” من جهة والشرق الاوسط من جهة أخرى.

لا شك في أن التحول الاستراتيجي لإدارة أوباما نحو آسيا والمحيط الهادئ لا يعني التخلي عن دور أساسي في الشرق الأوسط الذي يتميز بكونه مسرح تجاذبات مصيري في رسم ملامح النظام العالمي في العقدين المقبلين على الأقل.

ومن خلال حصيلة ولايته الأولى وبدايات ولايته الثانية يبدو أن أوباما سيكون الرئيس الذي تخلى عن دور أميركا التقليدي في زعامة العالم، ربما بسبب شعوره بأن بلاده تفتقر إلى الضمانة الأخلاقية أو الموارد المادية لمواصلة الدور الريادي، خاصة لجهة الاستمرار في لجم المخاطر التي تهدد العالم اليوم.

والملفت أن خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أوباما أخيراً يبيّن الخلل في الإرادة السياسية عند ساكن البيت الأبيض، إذ تميّز بتطرق هامشي للسياسة الخارجية مع تغيير سلم الأولويات في النظرة للشرق الأوسط. في موازاة  تراجع التأثير الإسرائيلي، برزت العلامة الفارقة في التركيز على المناخ الجديد مع طهران إلى حد التلويح بمنع الكونغرس من فرض عقوبات إضافية عليها خلال فترة التفاوض، وهذا الحماس للانفتاح على إيران قابله تراجع حيال النزاع السوري، وشبه تجاهل للشأن الفلسطيني.

بيد أن مراقبة خريطة النزاعات ونقاط التوتر والتواجد على الأرض وفي البحار تبيّن لنا مدى الانخراط الأميركي في شؤون “الشرق الأوسط الكبير”، انطلاقا من جنوب السودان إلى اليمن، ومن تونس إلى لبنان مرورا بملفات إيران وأمن الخليج والعراق وسوريا والنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. لا يمكن لبلد بحجم أميركا- ومقدار هيمنتها على الشرق الأوسط منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي- أن تتملّص من التزاماتها بسهولة وأن تستدير بين يوم وآخر بمعدل 180 درجة.

إنها إذن لعبة الرقص على خطوط التماس والتوازنات بين المصلحة العليا ومصالح الأصدقاء أو الوكلاء، وإنها أيضا المسعى لخلق شراكات أو ترتيب تسويات بهدف التمويه نسبيا على التخبط وعدم القدرة على إدارة الأمور خاصة بعد التخلي عن منطق التلويح بالعصا العسكرية من دون إبراز بدائل أخرى.

يبدو للمراقب أن الشرق الأوسط تخترقه حاليا أربعة محاور أساسية:

– المحور الأول هو المحور الإيراني الذي يضم العراق والحكومة السورية وحزب الله.

– المحور الثاني يضم السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن.

– المحور الثالث يضم تركيا وقطر والإخوان المسلمين.

– المحور الرابع يتمثل بإسرائيل.

قبل الترتيبات الأخيرة مع إيران، كانت واشنطن تعطي الأولوية لصلاتها مع المحور الرابع ومن ثم للمحورين الثاني والثالث. ومنذ الخريف الماضي، أصبح بإمكانها الحوار والتفاعل مع المحور الأول وكان ذلك يتم سابقا من خلال تقاطع المصالح خاصة حيال العراق. لكن هذا التحول لا يزال في بداياته وليس من الضرورة أن يكون التطبيع مع إيران مدخلا لتحول عميق يصبح فيه “الشيطان الأكبر سابقا” شريك زعيمة “محور الشر”، كما كانت توصف الجمهورية الإسلامية.

حتى الآن اتضح إصرار الطرفين الأميركي والإيراني على عزل التفاوض بشأن الملف النووي عن المواضيع الإقليمية. لكن هذا العزل غير قابل للاستمرار لفترة طويلة. ومن الأمور الأكثر استعجالا موضوع أفغانستان حيث سينسحب الأميركيون الآن وهم بحاجة إلى الإيرانيين والروس من أجل إتمام ذلك الانسحاب، كما حصل سابقا في العراق. وهذا يفسر جزئيا عدم رفع السقف الأميركي في النزاع السوري والحرص على الاستمرار في مسار جنيف بالرغم من بداياته الصعبة. والأرجح أن تستمر واشنطن في السعي إلى تقاسم العمل مع روسيا، على أن يمارس كل جانب نفوذه عند الشركاء الإقليميين المؤثرين في الساحة السورية.

في السعي للفصل بين الملفات تتعامل واشنطن مع روسيا على أنها قوة إقليمية في الشرق الأوسط (أولويتها في الساحة السورية)، لكنها ليست قوة دولية في المنطقة. وفي المقابل تسعى موسكو إلى عدم ترك واشنطن تستفرد بثمار أية تسوية مستقبلية شاملة مع إيران.

مع استمرار تهميش العامل الفلسطيني وتحجيم الدور التركي وعدم التنبه لأهمية دور مصر ومجلس التعاون الخليجي، يبدو النهج “الأوبامي” مراهنا في الدرجة الأولى على إعادة تركيب سياسة واشنطن في الإقليم من خلال البوابتين الإسرائيلية والإيرانية.

يكتب ميكا زينكو من مركز “دوغلاس ديلون للعمل الوقائي” التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية، في مقال له في مجلة “فورن افيرز”، انه منذ منح التفويض المفتوح باستخدام القوة العسكرية للرئيس الأميركي في أعقاب هجمات أيلول (سبتمبر), أصبح هناك توسع فضفاض في مصطلح استخدام القوة العسكرية ليشمل عمليات سرية شبه عسكرية، تعتمد على القدرات التكنولوجية أكثر منها على القدرات البشرية، وتتراوح ما بين قتل الأهداف إلى تفجير الصراعات الداخلية في الدول المستهدفة، إلى تعطيل شبكات الكمبيوتر الخاصة بدول أجنبية، إضافة إلى القيام بهجمات عسكرية غير مسبوقة تتحدى القانون الدولي.  كل هذا دون أن تفقد الولايات المتحدة جنديا واحدا من جنودها.

وهنا ربما يجب أن نذكر كيف اعتمد اوباما أثناء حملته الانتخابية في عام 2008، على فكرة انه المرشح المناهض للحرب، مكثراً من خطبه الرنانة حول أخطاء جورج بوش في العراق وأفغانستان، التي أدت إلى انفجار الأزمات الاقتصادية بسبب ميل صقور المحافظين الجدد لسفك الدماء.  ولكن يبدو انه وبمجرد توليه المنصب، كما يصفه المحلل نيك تيرس في مقال لمجلة ناشن، فقد أصبح أوباما شيخ الصقور شريطة أن تكون الحروب بعيدا عن المحاسبة الرسمية من قبل الكونغرس.

ووفقا لعدد من المحللين فان المحصلة النهائية من العمليات السرية أو حروب الظل كما يحلو للبعض تسميتها، هي اشتعال مناطق بالكامل في صراعات طائفية عرقية ودفع دول نحو حافة الهاوية، وارتفاع معدلات الاقتتال الأهلي وانتشار القاعدة والجماعات التابعة لها بشكل غير منطقي وغير مفهوم .

وإذا أجرينا مسحا جغرافيا لتمدد الحركات المرتبطة بتنظيم القاعدة، فسنجد أن هذه الحركات أصبحت تتحكم بمساحات أكبر من الأرض، ولها تواجد ظاهر وملموس في رقعة شاسعة تمتد من المحيط الأطلسي حتى المحيط الهندي صعودا إلى منطقة القوقاز في أعالي قارة آسيا وعلى تخوم أوروبا.

ولا شك أن هذا التمدد قد جعل تلك التنظيمات أكثر سطوة وجعل أطروحاتها أكثر وقعا على نوع معين من الجماهير، إلا أن كل ذلك لا يبدو أنه يشكل مصدر إزعاج حقيقي لأوباما، حتى بعد أن ثبت بطلان وسذاجة تنبؤات إدارته بانهيار تنظيم القاعدة.

ولا تبدو على الرئيس علامات القلق الشديد لحقيقة ماثلة على الأرض، وهي أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أصبح اليوم وبعد ثلاث سنوات من انسحاب القوات الأميركية من العراق يسيطر على مدن وبلدات بكاملها في كل من العراق وسوريا.

فالوقائع على الأرض تسجل أن أوباما رئيس يعطي الأولوية للشؤون الملحة في الداخل، ويضعها قبل الشؤون الخارجية في سلم أولوياته.  وهو يدرك جيدا أن الولايات المتحدة أنفقت ما يقدر بخمسة تريليونات دولار على “الحرب على الإرهاب” في 12 سنة منذ اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وهي كذلك مستمرة في اعتماد ميزانية عسكرية ضخمة توازي ميزانيات دول العالم مجتمعة.

عقوبات أميركية على مصرف لبناني

كشفت مصادر مصرفية لـ”الكفاح العربي” أن وزارة الخزانة الأميركية أبلغت البنك المركزي وقف تعاملاتها بالدولار الأميركي مع أحد المصارف اللبنانية، لعدم تقيّده بالشروط الأميركية الصارمة في التعامل مع حسابات السوريين في لبنان.  وأوضحت المصادر أن المسؤولين اللبنانين وبالتعاون مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يحاولون احتواء الموقف الأميركي بعيداً عن الأضواء، تجنباً لأي خضّة اقتصادية قد تزيد من حدة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في ال

هل ينجح مصرف لبنان في احتواء الأزمة الجديدة؟

هل ينجح مصرف لبنان في احتواء الأزمة الجديدة؟

بلاد.

رسم خرائط بالدم والبارود: “تانغو” روسي – أميركي في سوريا

كتب إسماعيل يوسف

عام 2013 كان عام التبدلات السياسية المتسارعة على المستويات المحلية والاقليمية والدولية، مما جعل التغيُّر الدائم، هو الثابت الوحيد في “ربيع عربي” متقلّب لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فما هي التعديلات التي اعتمدتها ورش رسم خرائط “الشرق الأوسط الجديد” في الغرف العالمية المغلقة؟

غالباً ما تظهر إيران في حالِ اشتباك دائم مع الولايات المتحدة، إلا أن تاريخ ثورتها حافِل بالصّفقات المُذهلة مع “شياطين” واشنطن: من إيران غـيت، إلى الحلف غير المقدّس في حرب أفغانستان، ومن تواطُـؤ إيران مع أميركا في غزْو العراق عام 2003 إلى تقاسُم الغنائم بينهما لاحقاً في بلاد الرافديْن، وصولاَ إلى اتفاق جنيف النووي الأخير الذي يفتح أبواب الصفقات الدولية والتسويات الاقليمية على مصراعيها في أكثر من بلد عربي، وفي مقدمتها سوريا.

نبدأ من “جنيف” السوري الذي حدّد موعد جزئه الثاني، من دون أن تحسم امكانيات انعقاده.  مصدر دبلوماسي متابع للمفاوضات التحضيرية، قال لـ”الكفاح العربي” أن “الط

النزيف السوري يتواصل

النزيف السوري يتواصل

ريق إلى “جنيف 2″ حافل بالحواجز والمطبّات والمفاجآت، رغم قِصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عنه (أواخر الشهر الحالي)”. وتابع المصدر: رغم الاصرار الأميركي ـ الروسي الملزم لجميع الأطراف على تلبية الدعوة، إلا أن التوقعات المسبقة لا تزال في حدها الأدنى، لا بل أقل من الأدنى، حول تحقيق أي اختراق سياسي يحرّك عجلة الحوار بين النظام والمعارضة من أجل التوصل إلى اتفاق حول صيغة المرحلة الانتقالية ووقف الاعمال العسكرية.

وأشار المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن “الروسي يرى في المؤتمر فرصة للاتصال المباشر الأول من نوعه بين الأميركي (وزير الخارجية جون كيري) والسوري (وزير الخارجية وليد المعلم) منذ بداية الأحداث في سوريا.  وأوضح المصدر أن “هذه اللقاءات المرتقبة بين الوفدين السوري والأميركي، من شأنها إعادة وصل ما انقطع بين دمشق وواشنطن، خصوصاً إذا ما تحقّقت المساعي الروسية مع الولايات المتحدة في تشكيل جبهة عالمية جديدة ضد الارهاب، تكون سوريا والعراق إحدى ركائزها في الساحة الاقليمية”.

إذا، ليس الهدف من “جنيف 2” وقف حرب الاستنزاف السورية، أو إطلاق حوار وطني لتحديد آليات المرحلة الانتقالية وإعادة بناء ما دمرته الحرب.  الهدف، وفق المصدر الدبلوماسي، “هو حفظ ماء وجهي الراعيين الدوليين (أميركا وروسيا) واستكمال الجهود التي أنجزت حتى الآن اتفاقاً نووياً مع إيران وكيميائياً مع سوريا، وربما الوصول إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى”، التي تشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما فيها القضية الفلسطينية التي أخرجتها الإدارة الأميركية أخيراً من ثلاجة المفاوضات المجمّدة وأمهلت الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني أقل من سنة للتوصل إلى اتفاق إطار للسلام بين الجانبين”.

وحول الجدول الزمني لهذه التغيّرات، توقّع المصدر أن تشهد الأشهر الستة المقبلة تطوّرات دراماتيكية على الصعيدين السياسي والعسكري، قد تحدّد الشكل النهائي لخريطة “الشرق الأوسط الجديد”، من دون أن يعني ذلك نهاية الصراعات المشتعلة طائفياً ومذهبياً وعرقياً في مختلف أنحاء المنطقة.

ويختم المصدر حديثه لـ”الكفاح العربي” أن ما يجري اليوم من تبدّل لسياسات واشنطن تجاه سوريا هو ليس تغييراً بقدر ما هو “إعادة نظر” في الحسابات التي كانت تعتمد الخيار الاسلامي الديمقراطي قبل أن يثبت فشله وتطرّفه في دول “الربيع العربي”، لا سيما في مصر وتونس وليبيا.

التبدّل الأميركي

من الصعب تحديد النقطة الزمنية لتراجع سياسة إدارة أوباما تجاه سوريا.  هل كانت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حين وجّهت مجموعات مسلحة تابعة لتنظيم “القاعدة” صفعة مدوية للجيش الحر المدعوم من الولايات المتحدة، عبر الاستيلاء على مخازن أسلحة أميركية، مما دفع بواشنطن إلى توقيف عمليات تسليحها لمعارضي النظام؟  أم أن تفكك السياسة الأميركية بدأ في أيلول (سبتمبر) الماضي، حين ظهر الرئيس أوباما أمام العالم كـ”رئيس متردد” غير قادر على فرض “خطوطه الحمراء” بعد اتهام النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه؟  أم أن ضعف السياسة الأميركية ظهر قبل ذلك بكثير، أي منذ عدم ترجمة الوعود بتسليح المعارضة، والاكتفاء بإرسال مشاريع قرارات إلى مجلس الأمن، اصطدمت بجدار الفيتو الروسي – الصيني؟

هذا العجز الأميركي حفَّـز المعسكر الإيراني – السوري – حزب الله (وخلفهما العراقي بقيادة روسيا أولاً ودول البريكس ثانياً) إلى الاستفادة من الحرب الباردة الجديدة، والسعي إلى قلب الموازين ضد المعارضة السورية المشتتة سياسياً وعسكرياً.

الاستراتيجية الروسية

يجمع المراقبون أن ما يحكى عن تراجع أميركي في الشرق الأوسط لا يعكس حقيقة سياسة البيت الأبيض في المنطقة.  فالاتفاق الأميركي – الروسي يأخذ أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود السورية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.  فالتنافس الدولي يخضع اليوم لسلسلة من الاختبارات بين القوى العظمى التي ترى في “الربيع العربي” نافذة لإعادة بسط نفوذها في الشرق الأوسط، وملء الفراغ العربي الذي انتجته “فوضى السلاح والتكفير”.

هنا لا بد من العودة إلى وثيقة “استراتيجية الأمن القومي الروسية حتى عام 2020″، التي صدرت عام 2009 لفهم ما تريده موسكو اليوم.  تدعو الوثيقة إلى تحويل “روسيا المُنبعثة” إلى دولة كبرى مجدداً وإلى أن تكون إحدى القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم، وهي تحدد الأهداف والتهديدات والمهام والإجراءات، لتحقيق هذا الهدف على المدى القصير والمتوسط  والطويل (2020)، لكنها تربط هذا الهدف ومعه مبدأ الأمن القومي، ربطاً مُحكماً بالنمو الاقتصادي الثابت، مُشدِّدة على رفع مستويات معيشة المواطنين الروس، وعلى أولوية الإبداع والابتكار التكنولوجيين، و”العلم” و”الثقافة” و”الصحة العامة”، وحتى على “الروحانية”، في إطار “الذاكرة التاريخية الروسية”.

مقومات هذه الاستراتيجية لإعادة بناء الدولة الكبرى، هي: التركيز الشديد على المصالح القومية والاقتصاد والتطوير التكنولوجي – العلمي، والأهم، الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبـر ما يصفه البند الثالث من الاستراتيجية بـ “المشاركة الفعالة في تقسيم العمل الدولي”.

البند السابع في الاستراتيجية، يدعو إلى سياسة خارجية براغماتية ومنفتحة، عبْر العمل على بناء شراكات أو تحالفات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو حلف الأطلسي – أوروبا، والتركيز على الشرعية الدولية ودور الأمم المتحدة.

 طبّقت روسيا هذه الاستراتيجية بنجاح في عهد بوتين. فبعد أن أعاد هذا الأخير بناء الدولة الروسية (على رغم استمرار الفساد الهائل فيها)، انطلق في سياسة خارجية نشطة، تستند في آن إلى التعاون والتنافس مع أميركا.

ركّـز بوتين على الجوانب الإقليمية والتجمُّـعات الدولية: البريكس، منظمة شنغهاي، وحتى منظمة التعاون الإسلامي، وعلى فضاء الاتحاد السوفييتي. فمارس الدبلوماسية (في روسيا البيضاء وكازاخستان وتركمنستان)، وأثار المتاعب (في أوكرانيا ودول البلطيق) أو استخدم القوّة المُباشرة (في جورجيا).

أوباما فهِـم الرسالة من وراء هذا النشاط البوتيني المستجَـد، فوُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية التي استندت إلى احترام الدور الروسي في العالم وتقديم تنازلات في مجال الصواريخ الاعتراضية في أوروبا الشرقية وتقليص الأسلحة الاستراتيجية والاعتراف، نسبياً، بوضعية الاتحاد السوفييتي السابق، ودمج روسيا في النظام العالمي ومنحها دوراً في سلام الشرق الأوسط.

 في المقابل، حصلت واشنطن على دعم روسيا في عملية محاصرة إيران، وعلى تعاونها مع حلف شمال الأطلسي ضد الراديكالية الإسلامية في أفغانستان.

بيْـد أن استراتيجية إعادة التنظيم لم تكن كاملة، بسبب الشكوك الروسية بـ”السي. أي إيه” ودورها المُحتمَـل في التحريض على ما يسمى “ثورة الثلج” في روسيا.  كما أن بوتين أدرك أنه لن يستطيع مُنفرداً تعديل موازين القوى مع أميركا، وهذا أعاد موسكو إلى الحيرة القديمة بين التيارات الثلاث، الأطلسية والأوراسية والقومية – الشيوعية.

الشرق الأوسط، احتل اهتماما كبيراً  في استراتيجية الأمن القومي الروسي، قبل الربيع العربي، بسبب قلق روسيا من خاصرتها الرخوة في شمال القوقاز وآسيا الوسطى. وتجربة الشيشان (100 ألف قتيل)، لوّنت كل مقاربة بوتين للشرق الأوسط الإسلامي، خاصة في ضوء الثورة الشيشانية.

كان ثمة ثلاث أولويات في هذه الاستراتيجية: إيران وتركيا والخليج (إيران والعراق أساسا) والصِّـراع العربي – الإسرائيلي. وترافق رسم هذه الأولويات الروسية الجديدة، مع انفتاحٍ على الجميع ومحاولة إقامة توازُن بين كل القِوى الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، في مقدمتها إسرائيل.

نجحت هذه السياسة في وقف التدخلات الخارجية في الشأن الروسي، خاصة في الشيشان، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الروسي وأبرزت الدور العالمي لموسكو امام أميركا وأوروبا. ومن رحم هذه النجاحات، وُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية.

لكن، حين نشبت ثورات الربيع العربي، أُصيبت السياسة الروسية بالارتباك الشديد وشهد العالم تضارباً في المواقف الروسية. ففي تونس، دعمت موسكو الثورة. وفي  مصر، تردّدت ثم دعت النظام الجديد إلى التعاون معها. وفي ليبيا، رفضت التدخل الدولي، ثم قبِلت به، ثم عادت إلى رفضه والتنديد به. وفي البحرين، رفضت الثورة فيها وصمتت على التدخل العسكري الخليجي، ثم أبرمت صفقات تجارية مع حكومة المنامة. وفي ثورة اليمن، حذت حذو السياسة الغربية – الخليجية عينها.

الصدام الوحيد بين روسيا والغرب في خِضَم الربيع العربي، حدث فقط في سوريا. لماذا؟ من المُفيد هنا، إيراد تحليل ميدل إيست انستيتيوت، التي أوردت الأسباب التالية:

الأول، موسكو تعتقد حقاً أن واشنطن وحلفاءَها الغربيين أساءوا فهم ما يجري في سوريا. فبدلاً من احتمال أن يؤدّي سقوط نظام الأسد إلى قيام نظام ديمقراطي في سوريا، كما يعتقد الغرب، فإن روسيا تخشى أنه سيُـسفر عن بروز نظام سُـنِّي راديكالي، لن يكون فقط معادياً للغرب، بل أيضاً لروسيا. وهي تذكّــر بما حدث غَـداة التدخلات التي قادتها أميركا في أفغانستان والعراق وليبيا، وأدّت إلى بروز الأصوليات والفوضى.

الثاني، روسيا لا تعتقد أن إدارة أوباما، ولا حتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأبيض، مهتمّة حقاً بإسقاط النظام في سوريا. ولا يعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية والتعب من الحرب)، بل أولاً وأساساً، من المضاعفات السلبية التي قد تُـلقي بظلالها على إسرائيل، في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط النظام، لكانت شكّلت تحالف دولي لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أو من دونه.

الثالث، أن موسكو ترى أن الحفز الأساسي لأسقاط النظام السوري، يأتي من السعودية وقطر. وكانت أحداث الربيع العربي قد أشعلت مجدّدا مخاوف موسكو من الرياض، تلك المخاوف التي كانت سائِدة خلال حِقبة التسعينيات خلال حروب الشيشان، والتي لم تهدأ إلا بعد بدء التقارب السعودي – الروسي في عام 2003، ثم بعد أن أعلنت السعودية أنها تدعم الحلّ الروسي في الشيشان. لكن قبل هذا التاريخ، كانت موسكو تعتقد أن المملكة السعودية تُحاول نشر الإسلام السُنّي الراديكالي في الشيشان وشمال القوقاز وفي مناطق أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق. والآن، ترى موسكو أن الرياض تحاول استخدام الربيع العربي، لتحقيق مصالحها الجيو- سياسية الخاصة، من خلال دعم السلفيين في مصر وليبيا وسوريا، وقمع الشيعة في البحرين، وإحلال نظام سنّي موالٍ لها في سوريا. كما ليس واضحا لروسيا، حدود الطموحات السعودية، وهي تعتقد أن الولايات المتحدة ليست متنبِّهة لهذا الخطر.

والحصيلة؟  تصيغها مؤسسة الشرق الأوسط كالآتي: “موسكو تدعم الأسد، ليس فقط للحفاظ على عقود التسلّح واستثمارات النفط والقاعدة البحرية في طرطوس، ولا لأنها تخشى أن تنتقل سوريا من كونها حليفاً لها إلى أن تكون حليفة لواشنطن. ما تخشاه حقاً، هو أن سقوط الأسد، سيُـزيل عقبة هامة في وجه الحركة الأصولية السُنّية بقيادة السعودية، التي تسعى إلى مواصلة الانتشار.

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟ يمكن هنا الخروج بالخلاصات التالية:

–        روسيا قلِقة بالفعل من صعود الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، لكن ليس كثيرا. فهي قادرة على استيعابه في الداخل الروسي والإفادة من التناقضات المُحتملة في المنطقة.

–         ثمّة تبايُـن وحيْـرة في المواقف الروسية حيال الربيع العربي، ما أثّـر جزئياً على العلاقات مع أميركا ودفع الجمهوريين الأميركيين إلى وصف موسكو بـ “الخصم الجيو- سياسي الأول” في العالم.

–         الربيع سيدفع القيادة الروسية إلى إعادة نظر شاملة في سياستها الشرق أوسطية، التي كانت تتَّـبعها طيلة عقد: فالأزمة السورية نسَفَـت التوازنات الروسية بين تركيا وإيران، وبين إيران والسعودية، وربما لاحقاً بين إسرائيل ودول الربيع العربي.

“قنبلة” الاتفاق النووي:”الشيطان الأكبر” في التفاصيل

كتب المحرر السياسي:

غطّت “سحابة” الاتفاق النووي سماء المنطقة بأكملها.  خاسرون ورابحون كثر أعادوا حساباتهم وتحالفاتهم الاقليمية والدولية، في ظل “الصداقة بعد عداوة” التي جمعت الولايات المتحدة وإيران في اتفاق جنيف النووي، الذي لا يزال يخضع لاختبارات عدة، ويشقّ طريقه الصعب إلى صفقات سياسية أوسع قد تغير وجه الشرق الاوسط.

تبادل التهاني بالاتفاق النووي في جنيف

تبادل التهاني بالاتفاق النووي في جنيف

“لم يحن وقت سوريا ولبنان بعد”.  هذا ما قاله دبلوماسي عربي رفيع لـ”الكفاح العربي” تعليقاً على موجة التفاؤل التي سادت المنطقة إثر الاتفاق النووي بين إيران والغرب.  فالتسوية الكميائية التي جنّبت سوريا ضربة أميركية، استكملت بتسوية نووية فكّت الحصار الدولي على إيران، من دون التوصل إلى تسويات أمنية وسياسية توقف نزيف الحرب في سوريا وتحرّك الجمود السياسي في لبنان.  ويصف الدبلوماسي الذي رفض الكشف عن اسمه المرحلة الحالية بأنها “مرحلة انتقالية لإثبات النيات الحسنة بين الأطراف الاقليمية والدولية المتصارعة، أما الصفقة الكبرى حول ملفات المنطقة المتفجرة، فتنتظر إعادة بناء جسور الثقة خلال الستة أشهر المقبلة”.

ويضيف الدبلوماسي المطلع على المفاوضات النووية في جنيف أن “المواقف الدولية انقلبت بشكل كبير، وبات المجال مفتوحاً لتسويات كبرى على مستوى المنطقة.  فالخطوط الحمراء زالت وبات الحوار الدبلوماسي هو الخيار الوحيد بعد سقوط الخيارات العسكرية التي كانت تهدد المنطقة بحرب إقليمية”.

لكن التفاؤل الحذر الذي يبديه الدبلوماسي العربي، لا يزيل الشكوك حول نجاح التفاهمات الدولية حول البرنامج النووي الايراني، وخصوصاً إذا ما أخذنا في عين الاعتبار تنامي القلق الاسرائيلي والغضب الخليجي من سياسات الانفتاح الغربي التي تقودها الولايات المتحدة تجاه إيران، والخشية من استغلال طهران للوقت الضائع الدولي، من أجل تحقيق المزيد من المكاسب السياسية وتوسيع نفوذها في المنطقة على حساب حلفاء الغرب التقليديين في المنطقة.

من هنا، يتوقع المصدر الدبلوماسي أن تتصاعد حدة التطورات الأمنية والعسكرية في المنطقة، لا سيما في سوريا ولبنان، رغم الاصرار الدولي على انعقاد “جنيف – 2” السوري بداية العام المقبل، الذي تجمع آراء المحللين بأنه لن يكون أكثر من اجتماع صوري لكن ضروري للحفاظ على مواصلة الجهود الدبلوماسية الروسية – الأميركية على أكثر من صعيد.

مخاوف وشكوك

لا شك في أن ردود الأفعال على الاتفاق النووي “الموقت” بين ايران ومجموعة “الخمس زائد واحد” اتسمت بالمبالغات والتمنيات. مؤيّدو الاتفاق بالغوا في انجازاته وبعضهم اعتبره اختراق تاريخي. ومعارضو الاتفاق بالغوا بشوائبه ورأوا ان التسليم الضمني بحق ايران في التخصيب ولو على مستوى متدن جدا هو تنازل عن مواقف أميركية وقرارات دولية رفضت في السابق اعطاء ايران مثل هذا “الحق”. بعض هؤلاء اعتبره “استسلاما” لإيران.

الاتفاق مهم فعلا ويمكن ان يتحول اختراقا تاريخيا لاحقا، وهو – في حال تطبيقه – سيؤخر ويعلق جزءا كبيرا من البرنامج النووي الايراني، إذ سيجمد العمل في منشأة أراك، ويحيّد كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 20% الى أقل من خمسة في المئة مما يعني انه سيكون صالحا فقط للاغراض غير العسكرية. كما يفرض الاتفاق رقابة متشددة وشاملة على منشآت ايران.

لكن معظم المحللين بمن فيهم مؤيدو الاتفاق يؤكدون ان الانتقال من اتفاق موقت الى اتفاق نهائي لن يكون امرا سهلا او مضمونا لان “الخمس زائد واحد” سترفض السماح لايران بالتخصيب بنسب اعلى من خمسة في المئة ربما لسنوات طويلة قبل إلغاء العقوبات. وقطعا لن يلغي الكونغرس الاميركي عقوباته بسهولة او في مقابل تنازلات لا يعتبرها كافية.

وبغض النظر عن مضمون الاتفاق، فإن حلفاء واشنطن القلقين في المنطقة يبررون مشروعية مخاوفهم من أن الاتفاق غير مشروط او مربوط بتغيير سلوك ايران الاقليمي وتدخلها في العراق وسوريا ولبنان، على حد قولهم. وثمة شعور في هذه الدول “الممانعة” للاتفاق بان الرئيس باراك أوباما الذي سيبذل كل جهده لمنع ايران من تصنيع السلاح النووي من دون اللجوء الى الخيار العسكري، قد يقبل بتسوية مع طهران تبعد عنه الكأس المرّة لاستخدام القوة حتى نهاية ولايته. وهذا ينسجم مع رغبة أوباما في خفض “أعباء” واشنطن في المنطقة والانسحاب الجزئي منها والتركيز على شرق آسيا، مع تحول اميركا أكبر دولة منتجة للطاقة في العالم. وهذا يعني فتح المجال امام ايران مرة اخرى لتصبح الدولة المهيمنة في المنطقة.  ويبرر هؤلاء عمق مخاوفهم بالتذكير بحقيقة كون الاتفاق جاء بعد مفاوضات سرية بدأت خلال ولاية محمود أحمدي نجاد، أبقت خلالها واشنطن حلفاءها – وخصوصا العرب – في الظلمة.

الرابحون والخاسرون

يبدو أن الأميركيين والإيرانيين خرجوا من هذا الاتفاق الموقت سعداء، فكلا الجانبيبن يمكنهما القول بأنهما حصلا على تنازلات، غير أن التأثير سيكون محدودا. والنجاح الحقيقي هنا هو في اجراء المزيد من المحادثات البناءة.

ويرى المراقبون أن الثقة بين طهران وواشنطن تحتاج إلى أكثر من ستة أشهر، وهي مدة زمنية كافية لتهديد الاتفاق من قبل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة القلقين والمشككين في نيات إيران.

ويعتبر المراقبون أن الاتفاق يحد بوضوح الخيارات العسكرية لإسرائيل. إذ أنه طالما هناك محادثات جارية، فالضربة الجوية لإيران ليست من ضمن الخيارات المطروحة على الطاولة.

ويصف المراقبون الاتفاق النووي الايراني بأنه “كابوس” بالنسبة لنتانياهو الذي جعل قضية البرنامج النووي الايراني فوق جميع القضايا الأخرى بما فيها المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.

قد يؤدّي الاتفاق النووي إلى أن يميل ميزان القِوى في الشرق الأوسط لصالح إيران، بعد أكثر من عامين من الإنتفاضات الشعبية والعسكرية التي أضعفت الدول العربية الكبرى.

فالاتفاق يفسح المجال أمام تراجُع حِدّة المواجهة بين واشنطن وطهران، التي طال أمدها حتى قارَبت أمد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، مما يثير قلق إسرائيل وحكّام الدول الخليجية، الذين يخشون من هيمنة إقليمية جديدة تؤثِّـر بقوة على مصالحهم.

ويقول معارضو الإتفاق، إن إيران ستزداد ثراءً وقوةً بتخفيف العقوبات التي خنقَت اقتصادها، والإلغاء التدريجي لها، الأمر الذي يشجِّع حكّامها على تكثيف دعمهم لحلفائهم في الدول العربية، لا سيما في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين.

 لكن من ناحية أخرى، يقول مؤيِّدو الإتفاق إن التقارب بين قوتين ظلَّـتا على خلاف لفترة طويلة جدا، قد يُساهم في إعادة الإستقرار إلى منطقة تعاني من الإضطرابات ويحدّ من الإحتقان الطائفي الذي دفع بالشيعة والسُنة إلى أتون مواجهات دامية. ويبدو أن انعدام الثقة كان شعورا متبادلا بين الجانبين، مثلما كان في الأزمة بين الغرب والاتحاد السوفياتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وبعد أن ضعفت دول عربية تمثل مراكز قوى تاريخية، مثل مصر وسوريا والعراق، بسبب الإنتفاضات والصراعات الطائفية، بدا فتح صفحة جديدة مع إيران مكسبا مُغريا للإدارة الأميركية، التي تسعى لتحقيق نجاح في سياستها الخارجية.

 ويراهن مؤيدو الإتفاق على إمكانية أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى تقارُب نظام رجال الدّين في إيران مع الدول الخليجية المتحالفة مع الولايات المتحدة.  ويعتقد هؤلاء أنه إذا استمرّت المفاوضات وحققت نتائج ورُفِـعت العقوبات تدريجيا، سينتعش اقتصاد إيران وستنمو حركتها الليبرالية في النهاية.  أما على المدى القصير، فيرى المتفائلون أن في الاتفاق ما يشجّع على التعاون بين الولايات المتحدة وإيران، سعيا وراء التوصل لاتِّفاق حول سوريا ووقف أعمال العنف الدائِرة فيها.

ويقول بعض الخبراء، إن الدول الخليجية ستحاول أن تضع استراتيجية دبلوماسية وأمنية مع الدول التي تتفق مع موقفها، للحدّ من آثار تصاعُـد القوة الإقليمية لإيران.   ولعل من بين المخاوف الرئيسية التي تُساوِر قادة دول الخليج، هو اعتقادهم بأن المسؤولين الإيرانيين المُعتدلين، الذين تفاوضوا على الإتفاق النووي، ليسوا هم المتشدِّدين المسؤولين عمّا يعتبرونه تدخّلا في الدول العربية.

وبين وجهات النظر المؤيدة والمعارضة، يبقى الاتفاق “الموقت” ولاحقاً “الدائم”، مهدّداً في أي وقت بالانهيار، إما بفعل مُقاومة الداخل الإيراني (الحرس الثوري) أوالأميركي (الكونغرس) أو مُمانعة الخارج (إسرائيل وتركيا ودول الخليج).  فلماذا إذاً كل هذه الحماسة الغربية والإيرانية لوصف هذه الصّفقة بأنها “إنجاز تاريخي”؟  ببساطة، لأنها تحمل في طيّاتـها فُـرص إبرام “تفاهم تاريخي” بين واشنطن وطهران، لا يكون فيه الإتفاق النووي سوى جزء مما هو أكثر تعقيدا.

بكلمات أوضح، يبدو أن الصفقة النووية، في حال سار كل شيء على ما يُرام ولم تنسِفها الألغام الكثيرة المزروعة على طريقها، ستعطي الولايات المتحدة  فرصة إعادة دمج إيران في النظام الدولي، كدولة طبيعية لا مارقة وِفق شروطها.  وستعطي إيران، ليس فقط طوق النّجاة من الإنهيار الإقتصادي – الإجتماعي وحسب، بل أيضاً دوراً إقليمياً مُعترفاً به دوليا. وإذا ما توصّل الطرفان إلى مثل هذه “الصّفقة الكبرى”، سيكون الشرق الأوسط على موعد بالفعل مع نظام إقليمي جديد وتحالفات دولية – إقليمية، قد لا تخطر على بال أحد.  لكن، دون هذه المُحصِّلة التاريخية، تقف عقبات سياسية كبرى … ومستحيلة.

هذا ما يبدو الآن تفكيراً رغائبياً في بعض طهران وبعض واشنطن، وأحلاماً كابوسية في تل أبيب والرياض. بيد أن هذه الرغبات وتلك الأحلام الكابوسية، لا تلغي بالضرورة الحقيقة بأن طهران وواشنطن قطعتا شوْطاً بعيداً في مجالين: العمل على وقْف الحرب الأيديولوجية المتواصلة بينهما منذ انتِصار الثورة الإسلامية الإيرانية في شباط (فبراير) 1979 وبدء البحث في المصالح الإقتصادية والإستراتيجية المُتبادلة.

ما بعد النووي

إن بروز ملامِح اتفاق إيراني – أميركي وقبله اتفاق روسي – أميركي، على ضرورة إغلاق ملفّ الحرب السورية، يفتح ولو بعض الأبواب والنوافذ التي كانت مُغلقة بإحكام طيلة السنوات الثلاث الماضية أمام أيّ احتمال لوقْف المذبحة السورية المفتوحة.

وعلى أي حال، يمكن القول أن المسألة السورية ستكون المُختبر الرئيسي لاستطلاع المدى الذي وصلت إليه المفاوضات السرية الأميركية – الإيرانية حيال القضايا الإقليمية، كجزء يُفترض أن لا يتجزّأ من التفاهُمات التي أنجبت الصّفقة النووية.

يدرك الجميع أن الطريق طويل، والقضايا الاقليمية الشائكة لا تحل باتفاق وابتسامات.  ما حدث في جنيف، هو عملية تحويل عداء مطلق إلى نصف عداوة ونصف صداقة.

انطلاقاً من هذه المعادلة، يضع المحللون والمراقبون النظام السوري على رأس قائمة الرابحين من الاتفاق الاولي الايراني مع الغرب.   فمن المؤكد ان رفع الحصار عن ايران سيساهم في تخفيفه عن سوريا، سواء بتراخي القبضة الغربية، او بضخ ايران مليارات الدولارات لمساعدة حليفها واقتصاده في دمشق بعد ان تعود الى تصدير النفط والغاز بالكميات المعتادة، مما يوفر السيولة اللازمة.

وهنا لا بد من ملاحظة أن الاولويات الغربية تتغير بسرعة في سوريا، وستتغير اكثر في الاشهر المقبلة بعد الاتفاق الايراني، وسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي كان صادقا، عندما قال ان اسقاط النظام لم يعد على رأسها، وانما مواجهة الجماعات الجهادية التي باتت قوة كبرى على الاراضي السورية، ولا بد من تعاون دولي للتصدي لها.

أما بالنسبة إلى إيران، قد تساعد المفاوضات بشأن سوريا في خدمة طموحاتها. فبعد أن نجحت في استئناف علاقة حذرة مع واشنطن، يبدو أن لدى طهران مصلحة كبيرة في إحراز تقدّم بشأن برنامجها النووي. ويمكن أن تكون إيران أكثر ميلاً للمصالحة والمرونة في سوريا في مقابل أن يتم إشراكها في المناقشات الدولية الخاصة بالأزمة السورية.

وإذا ما أخذنا الحوار الذي بدأ للتوّ في جنيف مع القوى الغربية بشأن البرنامج النووي لطهران، فإن ثمّة حاجة إلى قدر من الاعتدال الإيراني بشأن القضية السورية.

بطبيعة الحال، سيكون من قبيل الحماقة التكهّن في هذه المرحلة بالتقدّم الذي يمكن إحرازه في المستقبل. فلاتزال سوريا مزيجاً متفجّراً من القضايا، ويعتمد مستقبلها على سلسلة من الرهانات المحفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، يبقى السبيل الدبلوماسي هو الخيار الأفضل.