وسام المقابر

walidلن يغفر الله لنا إذا نسينا أن في ميلاد السيد المسيح، كان الميلاد الأول للإنسانية.

لكننا نسينا، وبالغنا في النسيان.

إن الأعداد المتنامية لجياع العرب، تجعلنا نرتعش خوفاً من نهاية مأساوية لإنسانية تغمض عيونها عن صور مزلزلة لأطفال، تحولت أرجلهم إلى ما يشبه الحبال. وأيديهم إلى خيوط مهترئة. وعيونهم إلى مغارات غائرة.

ليس سهلاً أن ينخر الذباب العظم الحي، المغلف بالجلد المتقرح.

ليس سهلاً أن يطبق الصمت على الأفواه الرضيعة، التي أصبحت أضعف من أن تبكي.

ليس سهلاً أن يفرّغ رجل، ما بقي لديه من طاقة، بحفر قبر لنفسه، بانتظار نفسه الأخير.

وسط ذهول مخيف، مما تحمله وكالات الأنباء من أخبار وصور، لأشباح من أهلنا في اليمن والعراق وسوريا وليبيا والسودان، يصح السؤال عما إذا كانت الإنسانية بعدها على قيد الحياة. وأن ثمة مؤمنين يؤمنون بها داخل الأديان. وأن الدول الغربية ما زالت تقيم وزناً لـ “قيمها الفاضلة”… أو ما بقي من فضلاتها.

لقد انهمرت دموع الملايين من شعوبنا المنكوبة، بغزارة لم تعرفها أكثر مواسم الشتاء مطراً. وكبرت المآسي إلى أن أصبح الموت، هو الدواء المجاني الوحيد المتاح، الذي ينقذ من الأمراض والجوع والذل والإذلال.

ألا يدرك القادرون من أثرياء العرب، أن بمقدور هؤلاء الجياع، منح كل هؤلاء الأثرياء، “وسام المقابر” من الدرجة الأولى، لو قاموا بحفر المدافن، لمواطنين انحصرت أكبر طموحاتهم بالحصول على قبر في مقبرة.

لا نعتب على الجثث العربية الحية، إذا انطفأت أحلام أصحابها بالنجاة من حروبنا الأهلية، المؤهلة للإستمرار والتمدد من دولة إلى دولة. العتب على أولئك، الذين لم يقصروا في إشادة القصور، والذين لهم في مراحيضهم الذهبية قدوة حسنة لتكريم مؤخراتهم السامية.

ترى لماذا لا يتم تأكيد “الأخوة العربية” بأن يقوم رجال المال والأعمال العرب، بدفن الموتى من  الجوع والأمراض، والذين لا يملكون ثمن القبر، تحت أساسات قصورهم واستراحاتهم.

ألا يعلم هؤلاء أن الله بذلك، يكون قد أتم عليهم نعمته ورضي لهم بالإسلام دينا.

أليس بذلك إخفاء لمعالم جرائم الفقر والإبادة، في أمة لا تتوانى دولها عن شراء الأسلحة بمليارات الدولارات سنوياً، على طريقة هواة جمع الطوابع البريدية القديمة.

من وجع اليمن وسوريا والعراق وليبيا والسودان، يمكن القول أن الحالة العربية دامية، رغم أن لا دماء في ما بقي من أجساد عظمية جافة.

إنه الموت باليباس الإنساني… فهل يحيي الله الإنسانية… وهي اليوم رميم؟.

وليد الحسيني

أي إيران نختار؟

walidالموقف مع إيران أو ضدها بالغ التعقيد.

لا بد أن نكون معها عندما تستهدفها الولايات المتحدة وإسرائيل. وضدها عندما تستهدفنا هنا وهناك.

إنها معادلة صعبة … وأصعب ما فيها دخول القضية الفلسطينية على الخط.

لقد علّم العربُ إيران على المتاجرة بفلسطين، فسبقتهم إلى أسواقها!

ها هي تلبس قناعاً فلسطينياً يلزمنا بالإندفاع خلفها. وكأن لا أحد من العرب أمامها … حتى منظمة التحرير بكل فصائلها.  فهي تحتكر حلم التحرير إعلامياً وخطابياً. وتتشدد في طرد إسرائيل من المنطقة. ومسحها من خريطة الطريق إلى فلسطين من نهرها إلى بحرها.

ومما يزيد الموقف من إيران تعقيداً، أننا إذا نبشنا التاريخ، نكتشف أنه، وقبل 23 عاماً من نكبة فلسطين، ارتكب الفرس بحق الأمة العربية نكبة الأحواز. فكما أعلن البريطاني بلفور وعداً أعطى فيه فلسطين العربية لليهود، فقد سبق وغد بريطاني آخر وهب الأحواز العراقية للفرس.

على متن طراد إنكليزي في العام 1925، تم تسليم الشيخ خزعل الكعبي حاكم الأحواز لجنود الشاه.

أسروه ثم أعدموه.

وإذا تمادينا في نبش التاريخ، نكتشف أيضاً أنه قبل مجزرة دير ياسين في فلسطين، كانت ثمة مجازر كثيرة مماثلة في الأحواز. استوطنت على أثرها عائلات إيرانية إحدى جنات الأرض وأكثرها ثروة وغلالاً. وبذلك يكون الإستيطان الفارسي في بلاد العرب، قد سبق الاستيطان الإسرائيلي بربع قرن.

لهذا لا نحتاج للتأكيد على أن الأحواز هي “النكبة الأولى”. وعليه تكون فلسطين هي نكبتنا الثانية.

فأي إيران نختار؟

تلك التي تعلن ليلاً نهاراً عزمها على إخراج المغتصب الصهيوني … أم تلك التي تكاد تمحو من ذاكرتنا وجود المغتصب الفارسي؟

هذه الإزدواجية الإيرانية أصابتنا بالحول.

ها نحن نراها قد جهّزت “فيلق القدس” … وفي ذات الوقت، نرى الفيلق الجرار يجر نفسه إلى سوريا والعراق واليمن، مبتعداً عن القدس ومسجدها الأقصى.

من النادر إختلاط الشك باليقين. فهذا أمر يتسبب بتناقض المشاعر، بحيث يستحيل التمييز بين الخطأ والصح في المواقف.

وإذا عدنا إلى حول الإزدواجية الإيرانية، فإنه لم ينجح في حرف أنظارنا عن جزر الإمارات المحتلة. ولا عن الأطماع في البحرين. ولا عن استهداف السعودية بالصواريخ البالستية. ولا عن بناء أحصنة طروادة في اليمن ولبنان والعراق.

لقد وضعتنا إيران في “حيص بيص”. وعليها أن تخرجنا من ريبتنا، وذلك بأن تبتعد عن سياسات مريبة.

عليها أن تسعى إلى علاقات عربية صحيحة وصحية، تنصرها في مواجهة ما يهددها ويهدد إقتصادها.

ليقف العرب إلى جانبها، من واجبها أن تجنِّب المنطقة المذهبية وشرها المستطير. وإذا كنا أخوة في الدين حقاً … فلنكن حقاً أخوة في الدنيا.

وليد الحسيني

كنز الإرهاب

walidإنحصرت “لعبة الأمم” بين لاعبين: أميركي وروسي.

فقد هبط عليهما “كنز الإرهاب” لتقاسم النفوذ.

ولكل منهما طريقته الخاصة في إثارة الجروح، التي يزعم أنه يعمل لشفائها.

عدالتهما أبشع أشكال الظلم. وحيادهما أسوأ أنواع الإنحياز.

ها هي دماؤنا تضيع على طريق السعي عبرهما إلى الإستقرار والقضاء على ما نعانيه من فوضى وإرهاب.

نوزع بيضنا الهش في سلتيهما… وننتظر بلا جدوى أن يَسْلم البيض من التكسير.

لقد تمكن اللاعبان من مسح إرهاب إسرائيل من ذاكرتنا الشعبية والرسمية، وأقنعا الأمة العربية، من محيطها إلى خليجها، بأن بضعة آلاف من الدواعش والنصرة هي التي تهدد الأمن العربي ومصير المنطقة.

إن مجمل التفاهمات الواقعية بين أميركا وروسيا، وما يجري بينهما من تنسيق سري في الموضوع السوري، نرى أنه لم يقدم شيئاً إلا لإسرائيل بتحصين أمنها ومطامحها.

حتى الشياطين لا تملك هذا القدر من الغدر. فها نحن نقع بين فكي كماشة، يشترك في صناعتها الروسي والأميركي. وها هي بلادنا تتحول من دول إلى مجموعة قواعد عسكرية لهذا الطرف وذاك. وليست مصادفة أن يشرع الكنيست الإسرائيلي قانونه العنصري فور إطمئنانه على أمن وأمان حدوده المغتصبة من سوريا.

مأساتنا مزدوجة. فمن حيث الشكل، الأميركي حليف لبعضنا، والروسي حليف لبعضنا الآخر. ومن حيث المضمون، فإن الحليفين المزعومين، حليفان بالمطلق لإسرائيل.

علينا أن نملك شجاعة القراءة لهذه التفاهمات، التي تبدو غامضة، وهي في غاية الوضوح.

اللاعبان، إياهما، يلعبان في ساحاتنا لعبة المصالح الكبرى.

إشعال اليمن لإشغال السعودية.

تعطيل العراق بالفتن المذهبية.

إغراق سوريا بدمائها.

تحويل حماس إلى سكين تفصل رأس غزة عن جسمها الفلسطيني.

عزل مصر وتحويلها من طرف إلى وسيط.

لقد وفرت روسيا وأميركا، ويمكن بعد تردد، أن نضيف إليهما إيران، مناخاً مناسباً لتمدد معدة إسرائيل الجغرافية في أرض فلسطين.

فقانونها العنصري، الذي أدانت البشرية نظيره الجنوب أفريقي في زمن مضى، هو نفسه يمر اليوم من دون إدانات. بل توفّر له ظروف النجاح والتنفيذ من خلال ظروف “الربيع العربي” ونتائجه القاتلة.

لا شك في أن هذا القانون، الذي ينأى بالفلسطيني عن حقوقه الإنسانية والسياسية، يأتي ممهداً ومكملاً لصفقة القرن، أو صفعة القرن، التي يعدها الرئيس ترامب. فالقانون سيمنح الصفقة شرعية، والصفقة ستمنح القانون قوة تنفيذية.

وليس من قبيل الشك، بل علم اليقين، بأن روسيا مطلعة على التفاصيل، وضالعة بالإعداد. وأن ذلك تم في قمة هلسنكي، وفي لقاءات بوتين ونتنياهو المفعمة بالتفاهمات.

يتم كل هذا بعد أن نضجت مرحلة الإستسلام الكبيرة… وبعد أن ألغينا مقولة “الحياة وقفة عز”… لأننا أصبحنا أمة لا تقوى على الوقوف.

 

وليد الحسيني

أين الثورة؟

walidالمنافسة محتدمة على لقب “أم النكبات”.

فلسطين تعتبره حقاً تاريخياً لها.

وسوريا تعتبره إنجازاً، وصل بها إلى أن تكون فتيلاً لشبه حرب عالمية، بعد أن استوطنت فيها جيوش روسيا وتركيا وإيران، وأغار عليها حلفاء كبار. فهي اليوم مركز صراع القوى العظمى في العالم. ولا أحد بمقدوره التنبؤ بالمصير الذي يمكن أن ينتج عن مواجهات العناد والحماقة بين بوتين وترامب.

والعراق الذي غزته أميركا تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل، تحقق فيه الدمار الشامل دولةً ومدناً وشعباً. فسجّل بذلك نقاطاً كارثية تدخله عن جدارة في سباق “أم النكبات”.

واليمن يكاد يتحول إلى “وطن المقابر”، بعد أن فتكت به الحوثية والمجاعات والأمراض. وهذا يعني أن المؤرخين سيقبلون، مرغمين، ترشيحه إلى لقب “أم النكبات”.

وإلى أن يحسم أمر هذا اللقب المخيف، تبقى فلسطين النكبة الأم.

فهي منكوبة بجرائم إسرائيل التي لا تتوقف. ومع ذلك لا بد من أن يقال ما لا يسمح بأن يقال … وإن أغضب ذلك “الممانعين”.

نقول، لا يمكن التمادي بالاستشهاد المجاني.

إن ما حصل وقد يحصل منه المزيد، بدءاً من يوم الأرض، وصولاً إلى “جمعة العودة”، هو مأساة من صناعة فلسطينية. فحب الظهور على “ظهور الشهداء” يشكل مسرحية دموية، يحافظ فيها أبطال الخشبة على نجوميتهم، في حين يتغيّر دور الجمهور من مشاهد … إلى شهيد.

حصيلة ثلاث جمع عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.

تباهى المحرضون بالأرقام … وانتظروا بغباء تاريخي أن تصب لعنات الرأي العام العالمي على إسرائيل. وأن يغضب مجلس الأمن فيصدر قراراً “نافذاً” ضد إسرائيل.

تناول المحرضون قهوة الصباح. تصفحوا الصحافة العالمية. تابعوا نشرات التلفزيونات.

الأخبار روتينية. مسيرات العودة والشهداء والجرحى لا يثيرون اهتماماً دولياً ولا استنكاراً شعبياً.

أكثر من سبعين سنة مضت، إرتكب خلالها العدو مجازر لا تحصى. وكانت أشد فظاعة ووحشية. ولكن جميعها مر تحت مبرر “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

لم يعد من الجائز التشجيع على الاستشهاد المجاني في انتظار لفت الأنظار.

الثورة لا تكون بتحويلها إلى احتفالية دموية.

يوم كانت، كانت “ثورة … ثورة حتى النصر”. فلا النصر أتى ولا الثورة استمرت.

سقط في أوسلو “الكفاح المسلح”. وسقطت في غزة وحدة السلاح.

حتى الأنفاق “الغزاوية” أصبحت ممراً سرياً لتنقل السلع والتجار، لا لنقل السلاح والمقاتلين.

إلى أن يكتشف المحرضون الثورة مرة أخرى، عليهم أن يتوقفوا عن دفع الأبرياء والسذج إلى الاستشهاد العبثي.

ضحايا مسيرات العودة ثوار حقيقيون … لكن نسأل “فتح” و”حماس” وغيرهما: أين الثورة؟

وليد الحسيني

هل تكون قمة الحسم؟

walidتعوّدنا على قمم عربية تتخذ قرارات، كانت قد اتخذتْ من قبل.

بيانات ختامية منسوخة من أرشيف جامعة الدول العربية.

فقرة لكل دولة. أي مجموعة فقرات ورثتها قمم الألفية الثالثة من قمم الألفية الثانية.

مثلاً، لا مفرّ من تكرار فقرة متهالكة تساند فلسطين بدفق من التعاطف والعواطف. ولا مهرب من فقرة تطالب إيران بالانسحاب من الجزر الإماراتية الثلاث. ولا شيء يمنع توزيع السين والسوف، على باقي الأعضاء، حيث لكل دولة في الطيب نصيب.

وتعودنا أيضاً على قمم تلقي الرماد فوق نار الخلافات العربية، الذي لا يلبث أن تذره رياح الخلافات المتجددة.

العرب اليوم على مشارف قمة تعقد في السعودية، في ظروف كارثية تفترسهم دولة وراء دولة.

لهذا يجب أن تكون قمة غير كل القمم. فالسعودية التي تحولت في عهدها الجديد إلى مملكة الحسم والحزم، من حقها أن لا تعود إلى السير في طريق المسايرات.

إن الحسم والحزم في قاعة القمة وبيانها الختامي، هو الذي يؤدي إلى الحسم والحزم في سوريا والعراق واليمن وفلسطين وليبيا والبحرين.

أحياناً يكون ما نعتقد أنه فشل … هو النجاح. ففي ظل خرابٍ يتنقل كالإعصار في الأرض العربية، تنتفي مبررات “وحدة الصف” أمام الإلتزام بإنقاذ ما يجب إنقاذه.

قادة الأمة يعلمون جيداً أن دولاً عربية عدة قد علقت في الشباك الإيرانية. وأنها سترفض أي قرارات تتخذ لمواجهة المد الفارسي. وهذا يعني إما إصدار قرارات بلا أنياب، أو التضحية بالإجماع العربي.

على القادة أن يسألوا أنفسهم:

ما نفع الإجماع إذا كان سيصيب الجميع بالشلل … وإذا كان سيفضي إلى هزيمة عربية جماعية؟

يدرك القادة أن قمتهم تنعقد في ظروف مأساوية غير مسبوقة. ويدركون أن إخلاصهم للأمة يحملهم مسؤولية الخلاص. وهذا لا يتم إلا باتخاذ قرارات غير مسبوقة أيضاً … حتى لو امتنع الممتنعون عن التصويت … واعترض المعترضون على القرارات … وانسحب المنسحبون احتجاجاً ورفضاً.

في هذه المرحلة العربية المخيفة، الفشل لا يعني غياب الإجماع … والإجماع لا يعني النجاح.

القرارات المائعة هي نتيجة مثالية لدول الممانعة.

الأمة العربية تنطلق حثيثاً باتجاه الهلاك.

العراق تحوّل من بلاد ما بين النهرين، إلى بلاد ما بين الثلاثة أنهر، بعد أن شقت أميركا، وبعدها إيران، نهراً ثالثاً تجري فيه دماء العراقيين. وهو أطول من الفرات وأكثر اتساعاً من دجلة.

وفلسطين تعفّنت من الصبر ومرور الأزمنة. وفاقت عداوات “فتح” و”حماس” عداوتهما لإسرائيل … فقد كثر الإقتتال … وقلّ الإستشهاد.

وسوريا قلب العروبة النابض، يكاد يتوقف قلبها من شدة أهوال القتل والتشريد والتهجير والتدمير … والإحتلالات.

والبحرين مازالت تقاوم مؤامرات السطو على “لؤلؤة الخليج”.

وليبيا استوطنها التطرف الدموي، وأدخلها إلى مسلخ بشري أغلقت أبوابه بإحكام.

واليمن تحوّل من جار للسعودية إلى جائر عليها … وإلى منصة صاروخية تستهدف قلعة الإسلام.

ألا تستحق كل هذه العاهات والزلازل قمة حاسمة وحازمة؟

فبماذا تجيب قمة الرياض؟

وليد الحسيني

شعرة معاوية هي الحل

walidمع كل أزمة يسأل اللبناني: ماذا يفعل لو كان معنا؟

لكنه لن يكون. المخلّص قد مات، فرفيق الحريري لن يعود. إلا أن الحرب على مشروعه ما زالت مستمرة. وها هو سعد الحريري يواجه العواصف، التي تحاول قطع طريق الإعتدال.

إن العقل المضاد للتعقل، يعتبر المعركة أسهل في مواجهة الحريري الإبن، مما كانت عليه بحضور الحريري الأب.

أيام الأب لم يكن “حزب الله” قد مد يده المسلحة إلى اليمن، جار السعودية وخاصرتها الرخوة. لهذا لم يكن الحوار، بين مؤسس “المستقبل” و”الحزب”، يشكل مأخذاً سعودياً يصل إلى حد الغضب.

اليوم “الحزب” وإيران هناك. وهناك استغل بعض اللبنانيين، ثغرة الحرص على الاستقرار اللبناني للوقيعة بين بيروت الزرقاء والرياض التي لا يمكن أن تتساهل في أمنها الإقليمي.

في المقابل، ما كان بمقدور سعد الحريري، المسؤول والمؤتمن، أن يخاطر بالبلد ويخوض معركة مع حزب الله، قد تتحول من معركة سياسية الى معركة دموية خاسرة.

وتعميقاً للوقيعة، يتم اليوم ضخ كمية من غزل النصر الإلهي بالحريري، في رسالة إلى السعودية واضحة الأغراض. وكل ذلك بهدف تعزيز القلق السعودي من اعتدال زعيم “المستقبل”.

إلا أن للأمور نفسها حسابات أخرى. فاستقرار لبنان يشكل فرصة للمنازلة السياسية. وستكون الانتخابات النيابية المقبلة محطة رئيسية، قد تؤدي الى خلل في محور الممانعة، وبالذات بين قطبي التيار والحزب.

لقد كان الحريري صريحاً وصارماً باعلانه الانفصال الانتخابي عن حزب الله. ومع هذا الموقف، يصبح من الصعب على العونيين اللعب على حبلين متباعدين. مما يعني التخلي نسبياً عن الإزدواجية السياسية. حتى لو نجحوا في تشكيل لوائح مختلطة في بعض الدوائر، التي لا يملك “المستقبل” نفوذاً فيها.

غير أن مازق التيار البرتقالي سيكون كبيراً في الدوائر التي يحتدم فيها الصراع بين الإعتدال والممانعة. وهنا لن يغفر حزب الله لحليف كنيسة مار مخايل خسارته لمقاعد نيابية، كانت ستوفر له الأكثرية التي تقصم ظهر “المستقبل” وتقصي الحريري عن السرايا.

يبدو أن الرايات “البرتقالية” ترتفع انتخابياً باتجاه “السماء الزرقاء”. وهذا يشير إلى أن هزة الانتخبات، بين حليفي الممانعة، ستكون على درجة من القوة، سينتج عنها هزات ارتدادية، ربما تتسبب بشقوق تبعد المسافات بين الأرضيتين.

وعلى هذا، فإذا لم تع السعودية جدوى اعتدال الحريري قبل الانتخبات، فإنها ستعيها بعدها. فما يمكن أن يربحه تيار المستقبل في السياسة، من المؤكد أنه كان سيخسره في الحرب.

مرة أخرى، يثبت أن “شعرة معاوية” هي الحل.

وليد الحسيني

فرقة الكورال

walidللعرب أعداء. أما الأصدقاء، إذا وجدوا، فهم ليسوا من فئة “الصديق وقت الضيق”.

قائمة الأعداء طويلة، وهي إلى مزيد.

في التفاصيل:

إكتشف كولومبوس أميركا … وأميركا إكتشفت إسرائيل فوقعت في حبها وحبائلها.

وأميركا نجحت في أن تمثل علينا دور الحامي … وأن تمارس على ثرواتنا دور الحرامي.

روسيا، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، أشاحت بنظرها كلياً عن دول أوروبا الشرقية، وركزت بأبصارها وأطماعها على بعض الدول العربية.

تركيا، حملت خنجرها العثماني العتيق … وتحيّنت فرص الطعن في الظهر العربي.

الاتحاد الأوروبي، يعطينا من طرف اللسان حلاوة، ويعطي إسرائيل من القلب الموقف والمال والسلاح. وإذا خطى خطوة نحونا، يخطي خطوات نحوها.

دول عدم الإنحياز، أصيبت بالصدأ، ونامت على صدى صوت عبد الناصر.

منظمة المؤتمر الإسلامي، لم تعد تعرف من الإسلام سوى أداء “صلاة الميت”.

أما إيران، فقد زادت في طنبور الغناء عداء، منذ أن برعت في إشعال النيران في الديار العربية.

ترتدي “قناع فلسطين” داعية العرب إلى الاندفاع خلفها نحو القدس. فهي تمسك بأكبرأحلامنا، وتتشدد في إزالة إسرائيل ومسحها من خريطة ما بين النهر والبحر.

في الوقت نفسه، تكشف إيران عن وجهها الإمبراطوري، فتصيب وعينا القومي بالهلع.

هي محتلة لجزر الإمارات. وطامعة في دولة البحرين. ومتدخلة حتى الثمالة في حروب سوريا والعراق واليمن. ومحرضة على السعودية. ومهيمنة على لبنان. ومتورطة في تكريس الإنشقاق بين غزة والضفة. ولا يزعجها الإرهاب في سيناء.

تشكل في العراق “حشداً” اختلط فيه “الشعبي” بالشيعي، فأشعل فتنة تهدد بقايا قوتنا العربية، المصابة أساساً بالوهن والتبعثر.

وفي اليمن لا يقاتل الحوثيون بطيور أبابيل. فثمة من يمدهم بالمال والسلاح والخبرة. ولا يمكن إلقاء هذا المدد على المَشجَب الإسرائيلي. على اعتبار أن التعاطف الإيراني المعلن مع الحوثية يخلع هذا المَشجَب من جذوره، لإيماننا الثابت بأن إيران لا يمكن أن تتلاقى مع المؤامرة الاسرائيلية في أي مكان وأي زمان.

أما المَشجَب الأميركي، الذي نعلّق عليه هو الآخر مصائبنا، فهو أيضاً مَشجَب مُخلّع، وبالكاد يحمل أزماته الداخلية ونكساته الخارجية.

إنطلاقاً من كل هذا، لا يبقى من رصيد الحوثيين سوى إيران، التي تزعم أن التدخل السعودي في اليمن حرب “وهابية” ضد الشيعة. وهكذا يتم صب الزيت على جمر المذهبية في الوطن العربي.

إن جرثومة المذهبية التي تنتشر محيطاً وخليجاً، هي أخطر من كل ما واجهناه من أخطار، منذ الاستيطان العثماني في كل الوطن العربي، إلى الاستيطان الصهيوني في كل فلسطين.

أخيراً، تخلى العرب منذ أزمنة بعيدة عن وهم استعادة جغرافيا الخلافة العربية، التي حكمت في قديم الزمان بلاداً باسم الإسلام. ونتمنى على إيران التخلي بدورها عن الطموح المستحيل بقيام إمبراطورية فارسية، أيضاً بإسم الإسلام. فذاك زمان مضى، وهذا زمن لن يأتي.

نتمنى أن نجنح معاً إلى السلم والاستقرار والأمان. وأن نتجه فعلاً إلى فلسطين … بالأفعال، لا بالأقوال. فقد قلنا وقلتم كثيراً … إلا أن فلسطين لا تحتاج إلى فرقة “كورال” … بل إلى فرق عسكرية.

وليد الحسيني

«الثورات» تأكل دولها

walidما يراه العرب في يقظتهم، هو أسوأ من أسوأ الكوابيس.

في العراق، أي بلاد ما بين النهرين، تفجّر نهر ثالث من الدماء، هو أغزر من دجلة وأطول من الفرات.

في ليبيا، توقف حفر آبار النفط، وعمّ فيها حفر القبور. وتوقف استيراد العمال الأجانب للبناء، وحل مكانه تصدير الليبيين الى المنافي للإذلال.

في اليمن، ومنذ أن دمرت «الجرذان» سد مأرب، قبل أكثر من 2500 سنة، لم يبنَ سد الى أن قامت «الجرذان البشرية» ببناء عشرات السدود المنيعة، التي تمنع اليمنيين من الاتفاق، وتسد عليهم أبواب الحياة، وتقطع عن شعب «القات»… القوت.

كان سد مأرب يحصر المياه لحصاد الغلال، لكن سدود اليوم تحصر اليمنيين لحصاد أرواحهم وأرزاقهم.

في تونس، البلد الذي يعيش على السياحة، يموت اليوم، شيئاً فشيئاً، بموت السياحة. بعد أن ساحت في أرجائه خلايا إرهابية بلغت سمعة وحشيتها أسماع العالم.

في مصر، الإغتيالات تتنقل بين رجال الأمن، والمتفجرات تتنقل بين المقرات الأمنية، وسيناء، رغم نجاحات الجيش المصري، ما زالت تنبعث منها رائحة الموت، وما زالت تبعث بجثث شهداء الجيش وقوى الأمن الى مدن ونجوع مصر. مما يعني أن مصر لم تتعافَ تماماً من وباء الربيع العربي، وأن استقرارها ما زال هشاً.

في سوريا، لم تعد «الغوطة» متنفساً لأهالي دمشق، بعد أن تحولت الى «منتزه» لمعارك دموية تكتم أنفاس أهل دمشق وريفها. ولم يعد «سهل الغاب» مصدراً للرزق، فهو اليوم غاب متوحش يحرق الأرزاق ويقطع الأعناق. ولم تعد حلب عاصمة سوريا التجارية، إذ عمّت فيها، وعمتها، تجارة الموت والدمار. ولم تعد الجزيرة صومعة الغذاء التي تطعم سوريا قمحاً، إذ تحولت حقولها نفسها الى طعام لنيران المعارك.

وبهذا الواقع الأسود نرى كيف تأكل «ثورات» الربيع العربي دولها وشعوبها بشراهة لم يعرفها التاريخ من قبل. وبما أن هذا الواقع الأسود بلا نهاية وهو مستمر في الانزلاق الى مزيد من الانقسام والحقد والدموية، فلا شيء يحول دون انتقاله الى دول عربية أخرى، نخشى أن يكون لبنان أولها. لأنه الأكثر تورطاً والأقل مناعة. وتأتي هذه الخشية وسط استهتار سياسي، وعصبية مذهبية، وفراغ مؤسساتي يهدد بالتسلل الى الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات العسكرية، إذا ما قرر العماد عون تنفيذ وعيده بمقاطعة مبنى ساحة النجمة والسرايا الكبير.

وإذا لم يعِ العرب، فإن مسلسل «الربيع الدامي» سيعم في الدول العربية، وسنكون، كما قال شوقي، «كلنا في الهم شرق».

وليد الحسيني

 

الحل في لبنان يمرّ من عدن

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

كتب المحرر السياسي:

يبدو أن “عين التينة” ما زالت تشكّل مصدات للرياح العاتية التي هبّت بين تيار المستقبل وحزب الله.  فالحوار بين الفريقين ما زال قائماً في قصر رئيس مجلس النواب نبيه بري، رغم التصريحات النارية المتبادلة بين الرئيس سعد الحريري وأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله.

من الملاحظ أنه للمرة الأولى، يقوم بالهجمات رئيسا الفريقين.  فقد تعوّدنا أن تناط هذه المعارك بالصف الثاني.  إذ لم يسبق تولّي الحريري ونصر الله هذه المهمة بنفسيهما.  وهذا يعني أن الجانبين استعملا الطلقة الأخيرة، في طلاق هو الأبغض عند اللبنانيين.

لكن ما هو الدافع الذي رفع لغة التخاطب إلى هذا السقف العالي؟

من الواضح أن عاصفة اليمن قد اجتاحت لبنان، لتضاف إلى عاصفة سوريا، التي ما زالت تهدد البنيان اللبناني بالانهيار سياسياً وأمنياً … وبدرجة أكبر اقتصادياً بفضل النزوح السوري الكبير.

لا شك في أن حزب الله هو من بدأ بتعريض لبنان إلى ترددات الزلزال اليمني وذلك عبر الهجوم العنيف على السعودية خاصة، ودول الخليج عامة، الذي تولاه مباشرة السيد حسن نصر الله من خلال كلمة تلفزيونية أعدّت خصيصاً لهذا الغرض.

كان من الطبيعي أن يرد تيار المستقبل على الحملة غير المسبوقة، ضد دول يعمل فيها أكثر من 80 في المئة من المغتربين اللبنانيين، دون أن نغفل السبب السياسي الذي قسّم لبنان بين محورين، المحور الإيراني والمحور السعودي.

وباشتعال هذه الحرب التي يأمل اللبنانيون أن تبقى محصورة في إطاريها الإعلامي والخطابي، بات من الصعب أن ينأى لبنان بنفسه عن عاصفة اليمن، تماماً كما فشل في أن ينأى بنفسه عن عاصفة سوريا.

إذاً، نحن الآن نتنشق دخاناً يمنياً وسورياً، ونعرف جيداً أن “لا دخان بلا نار”.  وهنا يبرز السؤال المفجع عما إذا كانت النار ستنتقل، في لحظة ما، من الشاشات التلفزيونية والكلمات الملتهبة إلى الشارع الذي يغلي، رغم المياه الباردة التي يحاول حوار عين التينة إلقاءها على الجمر المذهبي، الذي يغطي الأرض اللبنانية.

من الواضح أن التهدئة بين الفريقين مستحيلة، إلا إذا سبقتها تهدئة دولية تنحسر معها “عاصفة الحزم”، وتدخل معها إيران نادي حسن الجوار.  وهي تهدئة تبدو بعيدة جداً، حتى ولو نجح الرئيس الأميركي باراك أوباما في إقفال الملف النووي الإيراني وثم رفع العقوبات، ومن ثم الإفراج عن 150 مليار دولار، هي مجموع الودائع الإيرانية المجمدة في دول الغرب.

لقد كرّر التاريخ نفسه مراراً مع العرب.  فالجراح العربية التي تُفتح من النادر أن يُسمح لها بالإلتئام.  إنها جراح مفتوحة نعتادها ونتعايش معها.

هذا ما تعلّمناه من النموذج الفلسطيني، وهذا ما تعلّمناه من إزالة آثار حرب 1967، التي ما زالت كاملة في الجولان المحتل وناقصة بإذلال في كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.

وهذا ما تعلّمناه في حرب لبنان الأهلية عام 1975، التي اختفت متاريسها وحافظت على وجودها، وإن تبدّلت اطرافها واختلفت أهدافها وأساليبها.

ولا يبدو كذلك أن جرح فبراير الليبي قابل للشفاء، حيث أن كل الدلائل تشير إلى استمرار القتل والتدمير والتهجير.  والجراح ايضاً مفتوحة في سوريا والعراق، والإرهاب ما زال ينمو في قلب مصر وعلى حدودها الليبية والفلسطينية.

في كل هذه الجراح يفتقد العرب، حتى الضمادات التي توقف نزيف الدم المتدفق بعبثية، وبعبث إسرائيلي وأميركي غير محدود، إلى درجة يمكن القول، دون أي مبالغة، أن إسرائيل لو استعملت كل قنابلها النووية لما استطاعت أن تدمّر وتقتل بحجم وكم ما فعله “الربيع النووي” في الوطن العربي.

نعود إلى لبنان الذي يدّعي النجاح في تحييد نفسه عن هذا المشهد الكارثي، الذي وصل حتى إلى دول الخليج عبر اضطرارها لخوض حرب “عاصفة الحزم”.

لقد حشر لبنان انفه على أراض في حربي سوريا واليمن، ولهذا انتشرت في سمائه السياسية والأمنية سحابات دخان هاتين الحربين، في انتظار أن تصل إلى أرضه نيرانهما، طال الانتظار أو قصر.

وإذا كانت الأحداث السورية تتصف ببطء انتقالها إلى لبنان، رغم التداخل الجغرافي والسكاني والسياسي والاقتصادي، فإن أحداث اليمن قد تكون هي الأسرع في الوصول إلينا.  ويعود ذلك إلى أن موادها اللبنانية أسرع انتشاراً واشتعالاً، لأن حرب اليمن تمسّ مباشرة لبنان السعودي ولبنان الإيراني.  وكذلك لأنها هي الحرب الأخطر في المنطقة.  فمن نتائجها إنتاج منطقة شرق اوسطية جديدة.  حيث ستغيب الشمس المهزومة وستشرق الشمس المنتصرة.  أي أنها حرب ستحسم نفوذ أحد المحورين، محور دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، أو محور دول الممانعة إيران وسوريا والعراق ونصف لبنان.

من هنا يبدو حوار عين التينة مجرد حوار يائس.  إشكاليته الكبرى أنه لا يستطيع الانتقال من الشكل إلى المضمون.  حيث أن مضمون الخلاف اللبناني – اللبناني ليس لبنانياً … فهو في الواقع خلاف بين كبيرين في المنطقة السعودية وإيران … وبذلك لا نبالغ إذا قلنا أن الحل في لبنان يمرّ من عدن، وأن الطريق إليه هو الطريق إلى صنعاء، وإن طال السفر.

“نأي بالنفس” … عن واقع لبنان

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

فقدت الجغرافيا دورها، ولم تعد الحدود تفصل بين الدول العربية، بعد أن نجحت العواصف المسلحة في التنقل بحرية من دولة إلى أخرى.

وسط هذا الاشتعال الجماعي، يخدع لبنان الرسمي نفسه بتمسكه بسياسة “النأي بالنفس”، في حين أنه غارق في مستنقع الحرب السورية التي امتد حريقها إلى أطراف جروده البقاعية، بشراكة الدم التي يتباهى بها “حزب الله” مع النظام السوري.

وها هو لبنان البعيد عن اليمن، يقترب من صنعاء وإن طال السفر.  ففي سابقة لم تسجّل على السيد حسن نصرالله، خصّ أحداث اليمن بإطلالة تلفزيونية مفاجئة، هاجم فيها دول الخليج، مركّزاً على السعودية.

وهكذا فجأة أضيف إلى الانقسامات اللبنانية إنقسام جديد، يثبت أن نأي الحكومة بنفسها، هو بالفعل نأي عن الواقع اللبناني، المتورط بكل أفرقائه في أحداث قريبة وبعيدة، يفترض نظرياً أن لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.  ولكن في واقع الأمر أن للبنان أكثر من ناقة وجمل في قوافل الجمال والنوق المحمّلة بالتطرف والدمار والقتل سواء في سوريا أو في اليمن أو في العراق.  ولا ندري متى يكون لليبيا نصيب في الانقسامات اللبنانية؟

وسياسة “النأي بالنفس” فرضت على حكومتنا أن تكون مع الشيء وضده.  فالرئيس تمام سلام أيّد في قمة شرم الشيخ الأخيرة قرارات القمة الداعمة لـ”عاصفة الحزم” في اليمن، وفي الخطاب نفسه رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

لا يمكن اعتبار الموقف الرسمي اللبناني الـ”مع” والـ”ضد” في آن، موقفاً متناقضاً، لأنه في الحقيقة موقف ينسجم مع سياسة الضرورة اللبنانية، التي تقتضي إزدواجية المواقف إرضاء لهذا الفريق وذاك الفريق.  وإلا فإن الانفجار الحكومي واقع لا محالة، مما يهدد بتحويل البلاد إلى ورقة تتطاير في مهب الفراغ الشامل.

لهذا يستحق الرئيس سلام الشكر على كلمته في القمة، التي تفادى بازدواجية مواقفها، نقل الصراع اليمني إلى السرايا.

وكما لا يمكن إخفاء الشمس بالغربال، لا يمكن إخفاء تورط لبنان في حروب المنطقة الآخذة بالتحول إلى حروب سنية – شيعية، بعد أن غيّب الفكر القومي، وبعد أن أصبح الصراع بين ابن تيمية والجعفر الصادق … حتى لو أنكرنا ذلك.

وإذا كانت الأحداث السورية قد تمكّنت إلى حد ما من تغطية الصراع المذهبي بعروبة النظام وشعار مقاومة إسرائيل، فإن اليمن كشف بشكل صريح عن أن الصراع فارسي – عربي … سني – شيعي.  وبذلك نستطيع القول: رحم الله العروبة التي جمعتنا ذات زمن.

سامر الحسيني