«الثورات» تأكل دولها

walidما يراه العرب في يقظتهم، هو أسوأ من أسوأ الكوابيس.

في العراق، أي بلاد ما بين النهرين، تفجّر نهر ثالث من الدماء، هو أغزر من دجلة وأطول من الفرات.

في ليبيا، توقف حفر آبار النفط، وعمّ فيها حفر القبور. وتوقف استيراد العمال الأجانب للبناء، وحل مكانه تصدير الليبيين الى المنافي للإذلال.

في اليمن، ومنذ أن دمرت «الجرذان» سد مأرب، قبل أكثر من 2500 سنة، لم يبنَ سد الى أن قامت «الجرذان البشرية» ببناء عشرات السدود المنيعة، التي تمنع اليمنيين من الاتفاق، وتسد عليهم أبواب الحياة، وتقطع عن شعب «القات»… القوت.

كان سد مأرب يحصر المياه لحصاد الغلال، لكن سدود اليوم تحصر اليمنيين لحصاد أرواحهم وأرزاقهم.

في تونس، البلد الذي يعيش على السياحة، يموت اليوم، شيئاً فشيئاً، بموت السياحة. بعد أن ساحت في أرجائه خلايا إرهابية بلغت سمعة وحشيتها أسماع العالم.

في مصر، الإغتيالات تتنقل بين رجال الأمن، والمتفجرات تتنقل بين المقرات الأمنية، وسيناء، رغم نجاحات الجيش المصري، ما زالت تنبعث منها رائحة الموت، وما زالت تبعث بجثث شهداء الجيش وقوى الأمن الى مدن ونجوع مصر. مما يعني أن مصر لم تتعافَ تماماً من وباء الربيع العربي، وأن استقرارها ما زال هشاً.

في سوريا، لم تعد «الغوطة» متنفساً لأهالي دمشق، بعد أن تحولت الى «منتزه» لمعارك دموية تكتم أنفاس أهل دمشق وريفها. ولم يعد «سهل الغاب» مصدراً للرزق، فهو اليوم غاب متوحش يحرق الأرزاق ويقطع الأعناق. ولم تعد حلب عاصمة سوريا التجارية، إذ عمّت فيها، وعمتها، تجارة الموت والدمار. ولم تعد الجزيرة صومعة الغذاء التي تطعم سوريا قمحاً، إذ تحولت حقولها نفسها الى طعام لنيران المعارك.

وبهذا الواقع الأسود نرى كيف تأكل «ثورات» الربيع العربي دولها وشعوبها بشراهة لم يعرفها التاريخ من قبل. وبما أن هذا الواقع الأسود بلا نهاية وهو مستمر في الانزلاق الى مزيد من الانقسام والحقد والدموية، فلا شيء يحول دون انتقاله الى دول عربية أخرى، نخشى أن يكون لبنان أولها. لأنه الأكثر تورطاً والأقل مناعة. وتأتي هذه الخشية وسط استهتار سياسي، وعصبية مذهبية، وفراغ مؤسساتي يهدد بالتسلل الى الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات العسكرية، إذا ما قرر العماد عون تنفيذ وعيده بمقاطعة مبنى ساحة النجمة والسرايا الكبير.

وإذا لم يعِ العرب، فإن مسلسل «الربيع الدامي» سيعم في الدول العربية، وسنكون، كما قال شوقي، «كلنا في الهم شرق».

وليد الحسيني

 

Advertisements

الحل في لبنان يمرّ من عدن

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

كتب المحرر السياسي:

يبدو أن “عين التينة” ما زالت تشكّل مصدات للرياح العاتية التي هبّت بين تيار المستقبل وحزب الله.  فالحوار بين الفريقين ما زال قائماً في قصر رئيس مجلس النواب نبيه بري، رغم التصريحات النارية المتبادلة بين الرئيس سعد الحريري وأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله.

من الملاحظ أنه للمرة الأولى، يقوم بالهجمات رئيسا الفريقين.  فقد تعوّدنا أن تناط هذه المعارك بالصف الثاني.  إذ لم يسبق تولّي الحريري ونصر الله هذه المهمة بنفسيهما.  وهذا يعني أن الجانبين استعملا الطلقة الأخيرة، في طلاق هو الأبغض عند اللبنانيين.

لكن ما هو الدافع الذي رفع لغة التخاطب إلى هذا السقف العالي؟

من الواضح أن عاصفة اليمن قد اجتاحت لبنان، لتضاف إلى عاصفة سوريا، التي ما زالت تهدد البنيان اللبناني بالانهيار سياسياً وأمنياً … وبدرجة أكبر اقتصادياً بفضل النزوح السوري الكبير.

لا شك في أن حزب الله هو من بدأ بتعريض لبنان إلى ترددات الزلزال اليمني وذلك عبر الهجوم العنيف على السعودية خاصة، ودول الخليج عامة، الذي تولاه مباشرة السيد حسن نصر الله من خلال كلمة تلفزيونية أعدّت خصيصاً لهذا الغرض.

كان من الطبيعي أن يرد تيار المستقبل على الحملة غير المسبوقة، ضد دول يعمل فيها أكثر من 80 في المئة من المغتربين اللبنانيين، دون أن نغفل السبب السياسي الذي قسّم لبنان بين محورين، المحور الإيراني والمحور السعودي.

وباشتعال هذه الحرب التي يأمل اللبنانيون أن تبقى محصورة في إطاريها الإعلامي والخطابي، بات من الصعب أن ينأى لبنان بنفسه عن عاصفة اليمن، تماماً كما فشل في أن ينأى بنفسه عن عاصفة سوريا.

إذاً، نحن الآن نتنشق دخاناً يمنياً وسورياً، ونعرف جيداً أن “لا دخان بلا نار”.  وهنا يبرز السؤال المفجع عما إذا كانت النار ستنتقل، في لحظة ما، من الشاشات التلفزيونية والكلمات الملتهبة إلى الشارع الذي يغلي، رغم المياه الباردة التي يحاول حوار عين التينة إلقاءها على الجمر المذهبي، الذي يغطي الأرض اللبنانية.

من الواضح أن التهدئة بين الفريقين مستحيلة، إلا إذا سبقتها تهدئة دولية تنحسر معها “عاصفة الحزم”، وتدخل معها إيران نادي حسن الجوار.  وهي تهدئة تبدو بعيدة جداً، حتى ولو نجح الرئيس الأميركي باراك أوباما في إقفال الملف النووي الإيراني وثم رفع العقوبات، ومن ثم الإفراج عن 150 مليار دولار، هي مجموع الودائع الإيرانية المجمدة في دول الغرب.

لقد كرّر التاريخ نفسه مراراً مع العرب.  فالجراح العربية التي تُفتح من النادر أن يُسمح لها بالإلتئام.  إنها جراح مفتوحة نعتادها ونتعايش معها.

هذا ما تعلّمناه من النموذج الفلسطيني، وهذا ما تعلّمناه من إزالة آثار حرب 1967، التي ما زالت كاملة في الجولان المحتل وناقصة بإذلال في كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.

وهذا ما تعلّمناه في حرب لبنان الأهلية عام 1975، التي اختفت متاريسها وحافظت على وجودها، وإن تبدّلت اطرافها واختلفت أهدافها وأساليبها.

ولا يبدو كذلك أن جرح فبراير الليبي قابل للشفاء، حيث أن كل الدلائل تشير إلى استمرار القتل والتدمير والتهجير.  والجراح ايضاً مفتوحة في سوريا والعراق، والإرهاب ما زال ينمو في قلب مصر وعلى حدودها الليبية والفلسطينية.

في كل هذه الجراح يفتقد العرب، حتى الضمادات التي توقف نزيف الدم المتدفق بعبثية، وبعبث إسرائيلي وأميركي غير محدود، إلى درجة يمكن القول، دون أي مبالغة، أن إسرائيل لو استعملت كل قنابلها النووية لما استطاعت أن تدمّر وتقتل بحجم وكم ما فعله “الربيع النووي” في الوطن العربي.

نعود إلى لبنان الذي يدّعي النجاح في تحييد نفسه عن هذا المشهد الكارثي، الذي وصل حتى إلى دول الخليج عبر اضطرارها لخوض حرب “عاصفة الحزم”.

لقد حشر لبنان انفه على أراض في حربي سوريا واليمن، ولهذا انتشرت في سمائه السياسية والأمنية سحابات دخان هاتين الحربين، في انتظار أن تصل إلى أرضه نيرانهما، طال الانتظار أو قصر.

وإذا كانت الأحداث السورية تتصف ببطء انتقالها إلى لبنان، رغم التداخل الجغرافي والسكاني والسياسي والاقتصادي، فإن أحداث اليمن قد تكون هي الأسرع في الوصول إلينا.  ويعود ذلك إلى أن موادها اللبنانية أسرع انتشاراً واشتعالاً، لأن حرب اليمن تمسّ مباشرة لبنان السعودي ولبنان الإيراني.  وكذلك لأنها هي الحرب الأخطر في المنطقة.  فمن نتائجها إنتاج منطقة شرق اوسطية جديدة.  حيث ستغيب الشمس المهزومة وستشرق الشمس المنتصرة.  أي أنها حرب ستحسم نفوذ أحد المحورين، محور دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، أو محور دول الممانعة إيران وسوريا والعراق ونصف لبنان.

من هنا يبدو حوار عين التينة مجرد حوار يائس.  إشكاليته الكبرى أنه لا يستطيع الانتقال من الشكل إلى المضمون.  حيث أن مضمون الخلاف اللبناني – اللبناني ليس لبنانياً … فهو في الواقع خلاف بين كبيرين في المنطقة السعودية وإيران … وبذلك لا نبالغ إذا قلنا أن الحل في لبنان يمرّ من عدن، وأن الطريق إليه هو الطريق إلى صنعاء، وإن طال السفر.

“نأي بالنفس” … عن واقع لبنان

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

فقدت الجغرافيا دورها، ولم تعد الحدود تفصل بين الدول العربية، بعد أن نجحت العواصف المسلحة في التنقل بحرية من دولة إلى أخرى.

وسط هذا الاشتعال الجماعي، يخدع لبنان الرسمي نفسه بتمسكه بسياسة “النأي بالنفس”، في حين أنه غارق في مستنقع الحرب السورية التي امتد حريقها إلى أطراف جروده البقاعية، بشراكة الدم التي يتباهى بها “حزب الله” مع النظام السوري.

وها هو لبنان البعيد عن اليمن، يقترب من صنعاء وإن طال السفر.  ففي سابقة لم تسجّل على السيد حسن نصرالله، خصّ أحداث اليمن بإطلالة تلفزيونية مفاجئة، هاجم فيها دول الخليج، مركّزاً على السعودية.

وهكذا فجأة أضيف إلى الانقسامات اللبنانية إنقسام جديد، يثبت أن نأي الحكومة بنفسها، هو بالفعل نأي عن الواقع اللبناني، المتورط بكل أفرقائه في أحداث قريبة وبعيدة، يفترض نظرياً أن لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.  ولكن في واقع الأمر أن للبنان أكثر من ناقة وجمل في قوافل الجمال والنوق المحمّلة بالتطرف والدمار والقتل سواء في سوريا أو في اليمن أو في العراق.  ولا ندري متى يكون لليبيا نصيب في الانقسامات اللبنانية؟

وسياسة “النأي بالنفس” فرضت على حكومتنا أن تكون مع الشيء وضده.  فالرئيس تمام سلام أيّد في قمة شرم الشيخ الأخيرة قرارات القمة الداعمة لـ”عاصفة الحزم” في اليمن، وفي الخطاب نفسه رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

لا يمكن اعتبار الموقف الرسمي اللبناني الـ”مع” والـ”ضد” في آن، موقفاً متناقضاً، لأنه في الحقيقة موقف ينسجم مع سياسة الضرورة اللبنانية، التي تقتضي إزدواجية المواقف إرضاء لهذا الفريق وذاك الفريق.  وإلا فإن الانفجار الحكومي واقع لا محالة، مما يهدد بتحويل البلاد إلى ورقة تتطاير في مهب الفراغ الشامل.

لهذا يستحق الرئيس سلام الشكر على كلمته في القمة، التي تفادى بازدواجية مواقفها، نقل الصراع اليمني إلى السرايا.

وكما لا يمكن إخفاء الشمس بالغربال، لا يمكن إخفاء تورط لبنان في حروب المنطقة الآخذة بالتحول إلى حروب سنية – شيعية، بعد أن غيّب الفكر القومي، وبعد أن أصبح الصراع بين ابن تيمية والجعفر الصادق … حتى لو أنكرنا ذلك.

وإذا كانت الأحداث السورية قد تمكّنت إلى حد ما من تغطية الصراع المذهبي بعروبة النظام وشعار مقاومة إسرائيل، فإن اليمن كشف بشكل صريح عن أن الصراع فارسي – عربي … سني – شيعي.  وبذلك نستطيع القول: رحم الله العروبة التي جمعتنا ذات زمن.

سامر الحسيني

دعوة إلى الحقيقة: كذبت أميركا حتى لو صدقت

walidحرث «الربيع العربي» الأرض. قلب تربتها رأساً على عقب. نثر فيها بذور «الحرية والديمقراطية». ألقى فوقها سماد «العدالة والكرامة». سقاها بدم أغزر من شلالات نياغارا.

وعندما حان موسم الحصاد رأينا المناجل «الثورية» تحصد الرؤوس اليانعة. وشاهدنا «بيادر» الجثث المتراكمة. وفاحت في حدائقنا رائحة احقاد لا تتآكل، لكنها تأكل كل شيء. وقرأنا الفاتحة في الحقول والمزارع التي تحولت إلى مقابر.

ماذا فعلت أيها «الربيع» في الأمة العربية؟.

هل غدرت بها… أم غدرت بك؟.

تحاكمك… أم تحاكمها؟.

هل حقاً حرثت الأرض… أم نبشت عصور التتار والهمجية؟.

هل ما نثرت كانت بذور الحرية… أم بذور الشر المستطير؟.

وهل ما نشرته فوق الأرض العربية، كان سماداً يضاعف غلال العدالة والكرامة… أم سماً قاتلاً لهما؟.

لقد وعدت… وكنت الأكثر عداوة لوعودك.

أسقطت «ديكتاتوريات» وطنية ومتحضرة… وأقمت على أنقاضها ديكتاتوريات متخلفة وجاهلة وباغية ومتوحشة.

وعدت بالحرية… وأخذت كامل حريتك بالقمع والذبح.

قبلك كان المعارض يذهب الى السجن… وفي زمانك يتشرد في المنافي… أو يذهب إلى القبر.

ومع ذلك ننتظر الأسوأ، فجرائم «الربيع» متمادية… فهو يتطلع إلى كوارث لم يحققها بعد… وإلى دول لم يصلها بعد.

وسط متابعة هذا الغضب النازل كالصواعق على الأمة العربية، لا نجد خطة حقيقية لمواجهته، ولا حتى للحد من انتشاره. فصحوة الضمير الأميركي على محاربة «داعش» وبعض «النصرة»، هي بالواقع صحوة انتقائية من المبكر معرفة أهدافها الغامضة… وربما المخفية.

لقد بشرنا أوباما بأنها حرب طويلة الأمد، وقد تتجاوز الثلاث سنوات.

بمعنى آخر أنها حرب غير جادة وغير مجدية. فثلاث سنوات داعشية تكفي لإزالة أي موروث حضاري. كما تكفي لمد الهمجية إلى حيث لا تنفع في ردها غارات الحلف الأربعيني.

ولا يمكن لعاقل أن يصدّق ما زعمه البنتاغون عن استراتيجية ضد الإرهاب. فالإرهاب مهما تفرّع وتجزأ، يبقى واحداً. لهذا يمكن القول إن الصمت عن الإرهاب في ليبيا أو شمال سيناء أو حوثية اليمن، هو نوع من الغباء… لكنه الغباء الأميركي المتعمد. فعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة حريصة على إبقاء التطرف الإسلامي حياً وفاعلاً، أكثر من حرص أيمن الظواهري خليفة القاعدة، وأبو بكر البغدادي خليفة داعش.

لو صدقت أميركا، لما شكلت البيئة الدبلوماسية الحاضنة لـ«الربيع العربي»… ولما غضت النظر عما يفعله الإخوان المسلمون من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه.

لقد كذبت في إعلان حربها ضد الإرهاب… حتى لو صدقت في شن غاراتها الحنونة على دواعش سوريا والعراق من دون أن تطاول التنظيمات الإرهابية الأخرى… وكأن ثمة إرهاب بسمنة وثمة إرهاب بزيت.

لهذا نقول، متيقنين جازمين، أن في ما خفي في حرب أميركا ضد الإرهاب ما هو أعظم… وستأتيك الأيام أيها العربي بما كنت جاهلاً… وبذلك نستطيع أن نبشر الإرهابيين بالسلامة… وأن يستبشر العرب بالخراب.

وليد الحسيني

الجنّة تحت أقدام الإرهاب

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

في هذا الزمن العربي الموتور والمجنون، أصبح أحب “الحلال” هو الحرام.  فمشايخ البِدَعْ الإسلامية حلّلوا للمسلم على المسلم دمه وعرضه وماله.

هكذا أصبح مفتاح الجنّة أن يقتل، أو يذبح، مسلم مسلماً.  أو أن يهتك عرضه، أو ينهب ماله.

ونجح مشايخ البدع في إقناع “ثوار الربيع العربي” أن الجنّة حكر على المجرمين.  وأنهم كلّما ازدادوا إجراماً، كلّما ازدادت قصورهم في الآخرة.  وأنهم كلّما أمعنوا في هتك أعراض المسلمين، كلّما ازدادت الحوريات في قصورهم التي شيدها الله لهم في الجنّة.

عندما قال الله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، كان يقصد أيام الرسول الكريم.  وربما كانت هذه الآية هي الاستثناء الوحيد من القاعدة الفقهية التي تقول أن كلام الله يصلح لكل زمان ومكان.  إذ كيف نكون خير أمة في زمن يسفك فيه المسلم دماء المسلمين؟  وكيف نكون خير أمة في مكان كسوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان ومصر … ورؤوس المسلمين برسم الذبح، ونساؤهم برسم السبي، وأموالهم برسم السرقة؟

كان لا بد من هذه المقدمة، وقد بدأت تلسعنا في لبنان نيران الإرهاب المشتعلة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.

صحيح أننا لا نستطيع أن نؤكد بأن حريق الإرهاب وصل فعلاً إلى لبنان.  والصحيح أيضاً أننا لا نستطيع أن ننفي علاماته التي بدأت تجتاحنا شمالاً وغرباً، والتي وصلت غيوم دخانها الأسود إلى الساحل والجبل.

ماذا نفعل، ونحن ما بين انتظار الخطر وما بين وقوعه؟

لا شيء.

نتلهى بهيبة الدولة … والدولة بكاملها في مهب البهدلة.

نتلهى بالتمديد للمجلس النيابي … ولا نفعل شيئاً للحد من تمدّد “داعش” و”النصرة”.

نتلهى بتبادل اتهامات الفراغ الرئاسي … ونترك البلاد في فراغ بدأ يملأه الإرهاب والتطرف.

نتلهى بنبذ الفتنة والمذهبية والطائفية … ونترك للفتنة والمذهبية والطائفية أن تنبذ وتستخفّ باستقرارنا وسلمنا الأهلي.

نتلهى وكأن لبنان مدينة ملاهي … ولا نكترث بالخطر الآتي حتماً وحكماً.

والمضحك في زمن الكوارث الزاحفة إلينا كالأفاعي، أن كل فريق يعلن عن مد يده إلى الآخر من أجل تحقيق وحدة وطنية قادرة على مواجهة الإرهاب، الذي أصبح أقرب إلى رقابنا من حبل الوريد.

والمضحك، في زمن شرّ البلية ما يضحك، أن الأيادي الممدودة لم تلتق ولن تلتقي.

الاتفاق الوحيد الذي يبدو أنه سيجمع بين الفرقاء المتخاصمين هو فتح جلسات مجلس النواب لـ”تشريعات الضرورة”.  أي أنه سيكون بإمكان نوابنا “سن” القوانين، في وقت يسنّ فيه الإرهاب أسنانه وأنيابه ليمزّقنا، وأضراسه ليطحننا.  وما على الشعب اللبناني المستكين سوى النزول إلى الشوارع والاحتجاج بحرق الدواليب استباقاً لاحتراق الوطن.

سامر الحسيني

الديمقراطية القاتلة

walidهل يرفض دمنا العربي الحامي الديمقراطية؟.

بالتأكيد… نعم.

يقولون أن «الربيع العربي» قام من أجلها… وعندما اقتربنا منها، انتخبت أصواتنا أصوات الرصاص والقنابل والمتفجرات والسيارات المفخخة… وبذلك حقق الإرهاب فوزاً ساحقاً، على الأقل في ليبيا ومصر وسوريا والعراق واليمن… وما قد يلي.

ومع ذلك ما زلنا نصر على امتلاك هذا الوباء الديمقراطي القاتل. حتى ولو كان جحيم الديكتاتوريات أكثر رحمة من نعيم الديمقراطيات المرعب والدموي.

وإذا أخذنا أولى ديمقراطياتنا العربية، التي ورثناها عن الاستعمار الفرنسي، والتي لم يقم اللبنانيون بجهد للوصول إليها، فإن هذه الديمقراطية اللبنانية تتعرض اليوم لتشوهات خطيرة.

وهكذا نجد أن ديمقراطيتنا أصيبت بأمراض «الربيع العربي»، وأنها فتحت طريقاً سريعاً للفوضى وعدم الاستقرار.

وهكذا نجد أيضاً أن إخضاع مواد الدستور للتفسيرات المزاجية، قد عطل الدستور. مما حول مؤسساتنا الى مزرعة مزدهرة للمذهبيات التي تطرح مواسمها من الأحقاد على مدار السنة ومن دون انقطاع.

هذه هي حال «الديمقراطية اللبنانية» التي ستزداد سوءاً بسوء تفسيرنا للنصوص الدستورية، وإخضاعها للتأويل المتعدد بتعدد الفرقاء.

وسط ترسيخ الانقسامات، وإغلاق أبواب التفاهمات، لا نجد عقلاً وطنياً كاملاً. فعقلنا يكتفي بتأجيل الصراعات لا بتعطيلها.

حتى فرص التأجيل معرضة للغياب مع غياب رأس الدولة. فثمة دائماً من يملأ الفراغ. وفي تهربنا من انتخاب الرئيس، نفتح لبنان لرياح دولية لا يملك أحد منا التحكم بها.

يبدو أننا لا ندرك حجم الخطر الذي نقدم عليه من خلال شغور قصر بعبدا. ومن يجزم بأن مجلس النواب يستطيع في وقت لاحق سد الفراغ الذي صنعه بنفسه؟.

هذا الفراغ إن طال، سيطاول المجلس نفسه، الذي لا يستطيع أن يشرِّع قانوناً لانتخاباته لأنه، وإلى أن ينتخب الرئيس، هو هيئة انتخابية لا تشريعية. وبالمنطق نفسه هو لا يستطيع التمديد لفترة ثالثة. أي أن الفراغ سيتسع ليشمل، الى جانب السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية. وهكذا يكون البلد معلقاً في الهواء الذي مع تداخل الرياح الإقليمية والدولية العاتية، قد يؤثر في الكيان اللبناني ونموذجه الذي نصفه بالفريد، والذي غالباً ما ندّعي التمسك به.

ومن المستهجن أن يشعر فريق سياسي بالأمان والاطمئنان لمجرد استعراض كل فريق لـ«ملايينه» البشرية. إن مثل هذا الاستقواء الغوغائي، هو تقليد لصراخ عنترة بن شداد لإرعاب خصمه قبل مبارزته. لكن من الصعب أن نجد عناترة في زعاماتنا إذا حل النزال.

لقد ثبت عربياً، وبالذات لبنانياً، أن الجماهير قطعان من الأغنام تنطلق وراء أجراس الكبش قائد القطيع… والمسكينة لا تعرف أن كل الطرق تؤدي الى المسلخ.

وليد الحسيني

لن نتراجع!!

walidما يجري في لبنان، وأبشع منه في أرجاء كثيرة من الوطن العربي، هو سقوط الأحلام وإحلال الكوابيس. وأكثر كارثة من المشهد الوحشي الفائض عن كل وحشية، ذلك الجفاف الإنساني الذي حوّل القلوب إلى حجارة صلبة بعد أن فقدت المشاعر والأحاسيس.

نرى القتل والذبح والتدمير… ونسمع من القتلة والجزارين والمدمرين كلمة «لن نتراجع».

لن نتراجع!… نسمعها في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن ولبنان.

ترى لن نتراجع عن ماذا؟.

عن هدر دم شعوب هذه البلاد؟.

عن تدمير المأوى والمؤسسة؟.

عن حرق الزرع والشجر؟.

عن التهجير؟.

عن التجويع؟.

عن تعميم الفقر؟.

عن دفع أطفالنا إلى الجهل بحرمانهم من المدرسة؟.

***

لن نتراجع!.

لكننا نرجع الى زمن التتار.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى حضارة الفحم والحطب والخيمة.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى الله لمعالجة مرضانا… وهو القائل «وجعلنا لكل داء دواء»؟.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى عصر الطوائف والقبائل والعشائر.

***

لن نتراجع؟!… وإلى متى؟… وماذا بعد؟.

فيا كل من تتقاتلون وتَقتلون… لا يحسب أحدكم أنه شهيد حي عند ربه يرزق.

الشهداء، هم الأبرياء الذين يُقتلون على أيديكم أو بسببكم.

الشهداء هم الذين أفقدتموهم الأمن والطمأنينة، وزرعتم في قلوبهم الهلع، ونصبتم في شوارعهم الأفخاخ، وفي تنقلاتهم كمائن الخطف.

***

لم ترحموا من في الأرض… فكيف يرحمكم من في السماء؟.

تحملون رايات الإسلام… وتغتالون سماحته.

تكَّبرون باسم الله… وتنفذون إرادة الشيطان.

تعتقدون أن صراخكم بقول «الله أكبر» كلما قتلتم إنساناً، أو تسببتم بمقتله، يصبح قتلاً حلالاً، وكأنه «خروف» يذبح على الطريقة الإسلامية!.

***

إلى متى سيبقى «الربيع العربي» يزكم أنوفنا برائحة الدم والبارود، وهو الذي ظننا أنه، كما كان الربيع دائماً، سيبعث لنا روائح الحرية الممزوجة بروائح الزهور والمروج الخضراء؟.

***

هل صدقتم أن الجنة في انتظاركم؟.

ومتى كان الطريق إلى الجنة محفوفة بالإجرام وارتكاب أكبر المعاصي، أي القتل بغير حق… وسلب الله من حقه في القصاص؟.

لقد أوغلتم وتغولتم… ولم يعد مجدياً استغفاركم ولا غفراننا لكم.

أخيراً:

إرجعوا إلى إنسانيتكم وإسلامكم… ولا تقنطوا من رحمة الله.

لعل وعسى.

 

وليد الحسيني