نتائج وأزمات

walidأسدلت الديمقراطية ستارة الانتخابات. وغادر الجمهور المسرح. وبدأت حسابات “الحقل والبيدر”.

ترى هل أخرجت النتائج المثل الشعبي عن نصه المعروف، وصارت الملائكة هي التي تكمن في التفاصيل؟

الحسابات صعبة. والبحث عن الملائكة يطول.

أما وقد انتهى التبصير، وجاء يوم المصير، فإن الأمر يحتاج إلى وقت لتفكيك لوائح تحالفات الضرورة، قبل أن يبدأ تركيب تحالفات نيابية جديدة. يبدو أنها بحاجة إلى زمن لتبرأ من جراحها الانتخابية، بعد معارك ضارية، استعملت فيها أمضى خناجر الطعن في الظهر … وأحياناً في القلب.

تقول قراءة الغد، أنه بمجرد اكتمال التفكيك والتركيب، يعود لبنان إلى أزماته التقليدية عند تشكيل الحكومات وتوزيع الحقائب.

أول أزمة محلولة. فتكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة حسمه “الحاصل” الانتخابي و”صوته التفضيلي” على مستوى لبنان.

لكن ماذا بعد؟

هنا تظهر الأزمات المستعصية. فالعقد القديمة أصبحت أكثر تعقيداً. خصوصاً أن فريقاً جديداً دخل مزاد المحاصصة.

لقد قرر “حزب الله”، وعلى لسان أمينه العام، أن يكون مشاركاً فاعلاً في أي حكومة مقبلة. فزمن القبول بوزارات “جوائز الترضية” قد ولّى. أي أن الحزب سيطالب بحقائب سيادية وما يوازيها أهمية.

هذا التحوّل يفتح أبواباً خلافية كانت مغلقة. ويتسبب بخلل في العلاقات الشيعية – الشيعية. فقد كانت “حركة أمل” تستحوذ على حصة الطائفة في حقائب السيادة والخدمات.

صحيح أنه خلل يمكن تسويته بالتراضي، لكنه يرفع سقف مطالب الثنائي الشيعي باستهداف حقائب وازنة تحقق التوازن الحكومي بين “أمل” و”حزب الله”.

إذا أسقطنا وزارات الدرجة الثانية، فسنجد أن صراع الكتل الرئيسية سيشتد على عشر حقائب، ما بين سيادية وما يعادلها. وهو صراع مسلّح بطموحات عنيدة، لا تمانع في تعطيل المصالح العامة، بما فيها مؤتمرات “سيدر” وروما وبروكسل. وهذا يؤكد أن “أم الولد” الحريصة على ولدها، ليست بالضرورة هي نفسها “أم البلد” الحريصة على بلدها.

تقول قراءة الغد أيضاً، أن حقيبة المالية ستكون هي “الشرف الرفيع” الذي لا يَسلم ولا يُسلّم، حتى لو أريق على جوانبه الدم. فهذه الوزارة، بعد أن فرضها علي حسن خليل على الشاردة والواردة، أصبحت الحقيبة المشتهاة، التي تكاد صلاحياتها تجعل من وزيرها الرئيس الرابع.

في أجواء حروب تقاسم النفوذ في الوزارات النافذة، لا مخارج للحل إلا بتدخل عون ووسطية الحريري وأرانب بري.

وكي لا يأخذنا الفراغ إلى الاستقرار المهزوز والإقتصاد الهالك، يجب البحث باكراً في “لسان العرب” عن صيغة للبيان الوزاري تنقذه من ذهبية العقد “الجيش والشعب والمقاومة”.

وليد الحسيني

Advertisements

شهر الملائكة

walidشهر ما قبل الانتخابات تحوّل فيه كل ساسة لبنان إلى ملائكة.

المرشحون جميعهم أنقياء … أتقياء … شرفاء.

جميعهم، ولا أستثني أحداً، ضد الفساد والطائفية والمذهبية والتبعية.

جميعهم مع نظافة البيئة والكف والضمير.

جميعهم مع الاستقلال والسيادة والحرية ورفع اليد عن قصور العدل والمرجعيات القضائية.

سبحان الله. في لحظة انتخابية نادرة، هبطت القدسية والشفافية على شياطين السياسة.

وعود يقدمها النائب الموعود، تحتاج إلى مال قارون. وأخرى تدفع السويسريين إلى المطالبة بأن تكون سويسرا “لبنان الغرب”.

لقد إختار المرشحون لانتخابات 2018 التضحية بأنفسهم وأوقاتهم وأموالهم من أجل الوطن … وذلك بالفوز على الوطن.

ملائكة … ملائكة … ملائكة في كل دائرة وفي كل لائحة انتخابية.

أيها الناخب، إن مهمتك صعبة. فالكل سواسية في حرصه على مصالحك ومستقبلك وكهربائك ومائك وبيئتك ولقمة عيشك. فمن تختار؟

لكنها ستكون سهلة جداً لو تعلّمت من الماضي وعلمت أن النواب كالمنجمين، يكذبون ولو صدقوا.

هذه الانتخابات تشكّل في الحقيقة وثيقة اتهام شاملة.

نبدأ من قانونها الذي قصقص لبنان، كما تقص الراقصات فساتين رقصهنّ، مكثرات من الشقوق لإظهار “مفاتن” المذهبية و”إغراءات” الطائفية.

ونستمع إلى خطابات المرشحين وبرامجهم، فنجد أنها مجرّد وعود سريعة الذوبان.

ونمرّ على الإعلام الذي شاط ريقه للمال الانتخابي، فقبِل أن يتحوّل إلى “كباريه” مرئي ومسموع ومقروء.

لا أحد يجادل أينشتاين في “النسبية”. لكن النسبية في علم الفيزياء قد تم تزويرها في علم القانون اللبناني. فلو تحدّث أينشتاين لبنانياً، لتراجع عن نظريته واعتذر من العلم والعلماء.

في ما مضى من انتخابات كنا نتفاءل. وكان التفاؤل ينتهي دائماً إلى خيبة. ومن خيبة إلى أخرى، وصلنا إلى قانون النسبية الذي يشكل “أم الخيبات”. فإذا كان الواقع ثقيلاً، وهو أكثر من ذلك، فإن القانون الجديد، بما يحمل من عاهات، سيبقي الطائفية والمذهبية على قيد الحياة. بل سيجعلهما الحياة بكاملها.

إن صدور هذا القانون، الذي يبشر لبنان بأزمات أكبر مما نتخيّل، لم يبصر النور إلا بعد أن نجح المعطّلون للاستحقاق الانتخابي، في تعطيله لمواسم عدة.

وعندما خاف الأقوياء على إستقرار النظام الديمقراطي، وبالتالي، استقرار البلد، خضعوا لإجماع القهر. وقبلوا بقانون العيوب الكبرى.

في قرارة أنفسهم، لا ينكر سعد الحريري ولا وليد جنبلاط، وربما أيضاً نبيه بري، ولا سمير جعجع ولا “كتائب” الجميل … أنهم قبلوا بالنسبية والصوت التفضيلي مكرهين، للحفاظ على بقية ضئيلة من ديمقراطية أكلها الفراغ والتعطيل. فالعقول السوداء رأت أن هذا القانون يمنحها الجائزة الكبرى في يانصيب الوطن. وأنه يسهّل لها الاستيلاء على الأكثرية سواء بالترهيب أو بتحالفات الخوف.

إذاً، ها نحن نقترب من الانتخابات سائلين الله أن يحمي لبنان. لكن ممن ولمن؟! … هذا ما يريد أن يعرفه الله.

وليد الحسيني

محدلة الأكثري في زمن النسبي

samer husseini

سامر الحسيني

لم تعد المعركة الانتخابية المقبلة مقتصرة على 128 مقعداً نيابياً. فلكل فريق حساباته وتحالفاته التي تتجاوز الخلافات التقليدية والمصالح الاقليمية، بحثاً عن أوزان استراتيجية تحكم لبنان في المرحلة المقبلة.

لا أحد يشكك في أن لـ”حزب الله” الوزن الراجح في ميزان السلطة المتجددة بعد تمديدين. فلعبة المقاعد وتوزيعها تبقى رهينة “ثنائيته” مع”حركة أمل”؛ و”ربط نزاعه” مع “تيار المستقبل”؛ و”وثيقة تفاهمه” مع “التيار الوطني الحر” التي تحصّن الجنرال ميشال عون و”ولي عهده” جبران باسيل في قصر بعبدا.

إنها تفاهمات وتحالفات الضرورة، التي تحقق المكاسب وتحافظ على المكتسبات.

فبينما ينشغل اللبنانيون في فك ألغاز القانون النسبي واحتساب الحاصل الانتخابي والأصوات التفضيلية في كل دائرة، نرى اللاعبين الخمسة الكبار يدوّرون الزوايا ويردمون “خنادقهم الآذارية”، بحثاً عن انتصارات تعوّض خسائرهم العسكرية والمالية والسياسية.

فـ”حزب الله” المنهك من حروبه الاقليمية يريد عودة هادئة لفائض قوته لا تصطدم أو تستفز شركائه في الوطن.

و”تيار المستقبل” المتألم من طعنات حلفاء الداخل والخارج، يضمد جراحه بمزيد من الاعتدال والنأي بالنفس.

و”حركة أمل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”التيار الوطني الحر” يدركون جيداً أن وحدها التفاهمات الداخلية تجنب لبنان دفع ثمن التسويات الاقليمية الكبرى في المنطقة.

وإذا كان القانون النسبي يفرض على الناخب اللبناني الاقتراع للوائح مغلقة، فإن النتيجة السياسية للانتخابات تحددها التفاهمات والتحالفات المفتوحة على أكثر من اتجاه.

في انتخابات 2018 تتداخل الخرائط الاقليمية بالخرائط المحلية. فما حصده “حزب الله” في صناديق الذخيرة في سوريا والعراق، يحاول أن يستثمره في صناديق الاقتراع في لبنان، لفرض معادلاته “الذهبية” من جديد.

وإذا كانت صفارات قطار التسوية الإقليمية بدأت تُسمع في موسكو وواشنطن، فإن  انتظار وصوله إلى محطته اللبنانية يستوجب بقاء الغالبية الحاكمة في مقاعدها الرئاسية والنيابية.

من هنا فإن تركيبة الحكم الخماسية، وإن لم تتحالف في قوائم مشتركة، إلا أن تفاهماتها لمرحلة ما بعد الانتخابات، تحيي “محدلة الأكثري” في زمن القانون النسبي.

سامر الحسيني