تشيني الجديد: ليز تخوض معركة “المحافظين الجدد”

“لا يمكننا الفوز إذا لم نحارب …  لقد تعلّمت هذا الدرس على يد أميركي عظيم، والدي، ديك تشيني”.  هذا ما قالته ليز تشيني (46 عاماً) قبل سنوات من إعلان ترشحها لانتخابات مجلس الشيوخ المقررة في العام 2014، لتدخل بذلك رسميا معترك السياسة الذي غادره في 2009 والدها، العدو اللدود للديمقراطيين.  فهل يساعد ترشيحها الحزب الجمهوري وخصوصاً المحافظين الجدد على تحقيق عودتهم إلى السلطة؟

لا تشبه ليز ديك تشيني والدها، لكن مع ذلك يبقى وجوده واضحا في حياتها، فقد جرى وصفها على الساحة العامة باعتبار

ليز تشيني تعانق والدها

ليز تشيني تعانق والدها

ها “الابنة المفضلة” لدى نائب الرئيس الأسبق.

مثلما الحال مع والدها، تتحدث ليز بنبرة متحفظة، تكاد تكون أكاديمية. كما تشارك والدها الميل نحو الحديث عن الرئيس باراك أوباما بنبرة صارمة تنطوي على شعور بالازدراء، وتعبر عن توبيخ ساخر، وليس مجرد نقد. فمثلا، تتساءل ليز في إحدى ندوات الحزب الجمهوري: «سيدي الرئيس، في إطار سيناريو يضم قنبلة موقوتة، ومع وجود خطر يتهدد حياة أميركيين، هل أنت مستعد فعلا للامتناع عن إخضاع إرهابي ما لأساليب التحقيق المطورة لاستخلاص معلومات من شأنها منع وقوع الهجوم؟».

وتلقى ليز ترحيباً واسعاً في وسط الجمهوريين الذين يعتبرونها «نجمة في الحزب الجمهوري» وتمثل «مستقبل رسالة تشيني»، فيما يجادل البعض حول ما إذا كان لقب عائلة تشيني يشكل قيمة مضافة أم عبئا بالنسبة للمحامية والمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية المتميزة بحضورها المتكرر على شاشات التلفزيون وفي الحلقات النقاشية التي تتناول المرشحين الجمهوريين المستقبليين.

كما تدور تساؤلات حول ما إذا كانت «رسالة تشيني» على صعيد الأمن القومي، التي يجري ترجمتها بصورة رئيسة في صورة توجه عدواني وقائم على التدخل، تعد أمرا ينبغي أن يتباهى به الحزب علانية أم يدفنه. الواضح أن ليز تشيني، على الأقل، تحولت إلى محور لحشد الآراء المحافظة بشأن الأمن القومي. بمعنى أوسع، يجري الترويج لابنة نائب الرئيس الأسبق باعتبارها نجما صاعدا داخل الحزب الجمهوري لا يخجل من الارتباط باسم تشيني. (يذكر أن ليز متزوجة من المحامي فيليب بيري، لكنها تتمسك باستخدام لقبها قبل الزواج). ولا يبدو أن مواقف ليز تشيني الصارمة تجاه قضايا الأمن القومي تختلف عن تلك الخاصة بوالدها.

وقالت ماري تشيني، الشقيقة الأصغر لليز: «أعتقد بأن من الصعب التوصل إلى أي اختلاف بين آراء ليز وتلك الخاصة بوالدي. ولا يرجع ذلك إلى أنه جرى تلقينها هذه الآراء، وإنما لأنه على صواب». وجدير بالذكر أن الأضواء سلطت على ماري تشيني خلال فترة تولي والدها منصب نائب الرئيس وأثارت انتقادات قوية من جانب بعض المحافظين لإنجابها طفلا في إطار علاقة مثلية تربطها بصديقة.

تعتمد ليز تشيني في عملها على شبكة الانترنت على حساب يتبع محرك البحث «ياهو»، وتتلقى من خلاله عشرات الطلبات لعقد مقابلات معها شهريا، وتقبل منها بالفعل الكثير.  وعادة ما تشارك ليز في التجمعات الهادفة لحشد الأموال لصالح مرشحين جمهوريين خلال الاستحقاقات الانتخابية. والملاحظ أن ليز تبدي تأييدها لآراء والدها بقوة شديدة أشبه بتلك التي ميزت والدتها لين. وفي إطار مقابلة أجراها معها لاري كينغ قبل خروجه من محطة «سي إن إن»، قالت ليز إن أوباما «رئيس أميركي يبدو خائفا من الدفاع عن أميركا».

وتعتبر ليز من أشد المدافعين عن أساليب التحقيق التي تنتهجها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عبر التعذيب والإيهام بالغرق، حيث تقول: الإيهام بالغرق ليس تعذيبا، ويمكننا المضي قدما على هذا النحو. إن غياب الخطورة هنا أمر مهم.

من ناحية أخرى، يقول دان سينور، عضو الحزب الجمهوري الذي تولى منصب المتحدث الرسمي باسم «سلطة الائتلاف المؤقتة» في العراق خلال فترتي رئاسة بوش: «هناك الكثير من المفكرين الاستراتيجيين الجمهوريين ممن يكررون أحاديث آخرين يعتقدون بأن ديك تشيني ينبغي أن يبتعد عن الأضواء. بينما في حقيقة الأمر أعطى تشيني صوتا مهما للانتقادات الصقورية للإدارة الحالية. وأرى أن ليز تمثل باقتدار الموجة التالية من الأصوات».

وتبدي ليز ولاء شديدا ودفاعا مستميتا عن والدها، وتولي جزءا كبيرا من طاقتها للقضايا المتعلقة ـ على نحو مباشر أو غير مباشر ـ بالحفاظ على (أو إصلاح) تراثه. وقد أقنعته بكتابة مذكراته، وتعاونت معه من كثب بهذا الشأن.

من جهته، وصف لورانس بي. ويلكرسون، الكولونيل المتقاعد بالجيش، ليز، بنبرة سلبية، بأنها من «المؤمنين المخلصين» وشخص «يعتني كثيرا بوالديه». يذكر أن ويلكرسون كان من بين أشد منتقدي تشيني عندما كان كولين باول وزيرا للخارجية.

توحي جميع الدلائل أن أسرة تشيني شديدة الترابط، وتميل إلى الانعزال في بعض الأحيان. ويعيش أفراد الأسرة جميعا على بعد قرابة 15 دقيقة من بعضهم بعضا في شمال فيرجينيا. ويجتمعون لتناول العشاء مساء الآحاد، عادة في منزل ليز، ويسافرون معا لقضاء بعض الوقت بمنزلي الأسرة في جاكسون هول في ويميونغ وإيسترن شور في ماريلاند.

ضد سوريا وإيران

وكانت ليز قد تولّت منصباً يحتل موقع القلب في السياسات الأميركية الشرق أوسطية، من دون أن يكون لها أية خبرة في شؤون المنطقة، مستقلة بذاتها، تمارس دورها متحررة من أي ضبط قد يفرضه عليها عملها في وزارة الخارجية الأميركية.  وقد لعبت دوراَ على جبهات دبلوماسية متعددة، من العراق إلى تغيير النظام في سوريا وإيران، وشكّلت امتداداً لنفوذ والدها.

وفي الـ39 من عمرها كانت ليز تشيني تنسّق عمل هيئة “مجموعة عمليات إيران – سوريا” التي أنشئت لوضع استراتيجية أكثر عدائية لإرساء الديموقراطية في هاتين الدولتين.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد عيّنت تشيني للاشراف على برنامج يتكلف خمسة ملايين دولار لـ” تسريع العمل على الإصلاحيين في سوريا “، يتضمن منحاً، تتجاوز قيمة الواحدة منها مليون دولار، إلى المنشقين السوريين. كما أن تشيني أشرفت أيضاً، على برنامج منح مشابه لتغيير النظام في إيران بقيمة سبعة ملايين دولار، رغم أن قيمة تمويل جهد كهذا كان يتوقع أن ترتفع إلى ما لا يقل عن 85 مليون دولار ليشمل برنامج دعاية ودعماً لمجموعات المعارضة الإيرانية.

جاءت (تشيني) بمعرفة قليلة جداً عن الشرق الأوسط ، تقول مارينا اوتاواي، الباحثة في معهد كارنيجي، والتي سبق وعملت مع ليز على قضايا الإصلاح الديموقراطي، مشيرة إلى أن لديها تفويضا للقيام (بعمل) إرساء الديموقراطية، لكنها غير معتادة كثيراً على الموضوع. لقد اختاروا عمداً شخصاً غير متخصص بشؤون الشرق الأوسط… لكي لا تتدخل المعرفة الفعلية والحقيقية بقضايا المنطقة بالسياسة .

كذلك، قال عضو سابق في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، عندما سئل بشأن مدى معرفة تشيني بقضايا الشرق الأوسط، إنها كانت تحضر، بشكل غير محترف، صفوف اللغة العربية التي كان يجريها المعهد، كما كانت تحضر مؤتمراتنا السنوية . غير أن ذلك كان كافياً على ما يبدو لتعيينها نائبة لمساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى عام 2002.

وخلال عمليات التحضير للحرب على العراق، كان لليز دور خلف الستار في الخارجية عبر تسلمها الملف الذي يغطي القضايا الاقتصادية للشرق الأوسط، بينها النفط. لكن مصادر من داخل الوزارة تؤكد ان أهميتها الحقيقية كانت في أنها تؤدي دور الثقب في داخل الخارجية لصالح مكتب نائب الرئيس. كان لمجرد وجودها تأثير منبه على العديد من متخصصي الشؤون العربية في الوزارة، وغالبيتهم معروفون بأنهم كانوا ضد الحرب وبأن المحافظين الجدد ينظرون إليهم على أنهم مشتبه فيهم.

غادرت الخارجية عام 2003 لتؤدي دوراً في الحملة الانتخابية التي أعيد بنتيجتها انتخاب جورج بوش رئيساً لولاية ثانية، ولإنجاب طفلها الرابع. لكنها سرعان ما عادت، عام 2005 بدور أهم، لتكون المسؤول الرقم 2 في سياسات الشرق الأوسط. تولت إدارة تعرف اختصاراً ببيداس ، وهو منصب إداري معروف بمدى نفوذه في إدارة الشرق الأدنى في الخارجية.

يقول واين وايت، الذي شغل منصب نائب مدير مكتب الاستخبارات والأبحاث في الوزارة خلال حرب العراق، قبل أن يغادره عام 2005  “الشيء الذي قلناه جميعا في ما بيننا، همساً، عندما رقيت إلى بيداس بعدما كانت نائبة مساعدة الوزير: الآن نرى الخطة “. يضيف : لقد حصلت أولاً على تدريبها كنائبة مساعد الوزير، حيث حصلت على مهمات أكثر سهولة، نوع من التدريب، وهو ما يحصل للأشخاص في هذا الموقع ممن ليست لديهم خلفية حول الشرق الأوسط ومن ثم، (تنقل) فجأة إلى بيداس. ويوضح باتت في موقع يخولها أن تمنع أي شيء من أن يتحرك، سواء عبر مذكرة أو توصية، وهو ما تريده كثيراً .

ويعتبر وايت إن ” بيداس مثل ستالين في الحزب الشيوعي في أوائل عشرينيات القرن الماضي، يسيطر على الأشخاص، قادر على الترقية أو عدم الترقية، وضع أناس في مواقع أساسية. إنه منصب نافذ جداً ” .

وبرغم أن ديفيد ولش كان يعتبر رئيس ليز تشيني، بصفته نائب وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، إلا أن صلتها بوالدها، إضافة إلى قنوات اتصالاتها المباشرة مع كبار مسؤولي الخارجية، مثل نائب وزيرة الخارجية روبرت زوليك، تجعل من السهل عليها تجاوزه.

ومن أبرز ما قامت به تشيني فور عودتها إلى الخارجية عام 2005 كان عقد اجتماع مثير للجدل مع حفنة من المنفيين السوريين للحديث عن تغيير النظام في دمشق. كان قائد المجموعة تلك فريد الغادري، وهو سوري مؤيد لإسرائيل حافظ على صلات مع المحافظين الجدد في واشنطن.

Advertisements

الأزمة الحكومية: «التمديد» الثاني

تمام سلام أمام عقدة التأليف

تمام سلام أمام عقدة التأليف

كتب المحرر السياسي

يبدو أن كل السجالات الساخنة حول قانون الانتخابات الأصلح «مسيحياً»، كانت تهدف الى تحضير الأجواء، لتمديد غير دستوري لمجلس نواب، فاز نوابه وفق قانون الستين، تحت ذريعة رفض قانون الستين.

وبدل أن يحافظ الجميع على نصوص الدستور، ويرفض أن يحولها الى «خرقة» يسهل خرقها، أخذ هؤلاء بنصوص «أبو النواس»، فداووا الأزمة بالتي كانت هي الداء. فبينما يعترضون على قيام مجلس نواب بانتخابات جديدة، يوافقون على استمرار نياباتهم على أساس انتخابات قديمة، تتجاهل تبدل مزاج الناخب وموقفه السياسي، وتلغي صوت الناخبين الجدد، الذين بلغوا سن الرشد الانتخابي.

حل ساذج يستخف بالعقل اللبناني، ويؤكد أن الدستور ليس إلا كتاباً، يترتب على من يريد قراءته، أن يفتش عليه في سلة مهملات مجلس النواب.

قضي الأمر ومدد مجلس النواب لنفسه… والذرائع شتى. وهي باطلة كما التمديد.

وفي استعراض سريع لهذه الذرائع، التي ضاق بها اللبناني ذرعاً، يمكن القول، إن المعترضين على قانون الستين، قدموا ترشيحاتهم انفاذاً لقانون  الستين، وإمعاناً في «التمسكن» الدستوري، وصولاً الى «التمكن» للانقلاب على الدستور والقانون نفسه. ومن ضمن  التبريرات الادعاء باستحالة اجراء الانتخابات في ظل التوتر  الأمني والمذهبي. مما يقتضي التمديد للمجلس النيابي منعاً للفراغ. وهذا عذر أقبح من ذنب التمديد. فمن الواضح أن التوتر الأمني، المنحصر شمالاً بين باب التبانة وجبل محسن، هو توتر مفتعل لتبرير فعل التمديد. ولن نفاجأ بعودة الهدوء الى هذا المحور المشتعل، بعد انعقاد جلسة مخالفة الدستور في ساحة النجمة، حتى ولو تم خرقه بين الفترة والأخرى إبعاداً للشكوك. وحيث يكون أدى واجبه في تمرير رغبات القابضين على مفاتيح تقاسم النفوذ والمصالح.

وعلى فرض استحالة إجراء الانتخابات في منطقة خط التماس بين «الجبل والتبانة»، فهل تستحق هذه الاستحالة في شارع صغير، أو حيين صغيرين، إلغاء الانتخابات في كل لبنان؟.

لكن الأزمة الدستورية ما زالت قادرة على العودة، وبقوة، بعد أن طعن رئيس الجمهورية بقانون التعسف باستعمال المجلس النيابي لحقه التشريعي.

لكن الطعن، على الأرجح، لن يصل الى إبطال التمديد على اعتبار أن أعضاء المجلس الدستوري، أصحاب القرار الأخير، ليسوا من فصيل الملائكة، بل هم من الفصائل اللبنانية المتعددة الإنتماءات والاختلافات. وعلى ضوء ذلك، فمن المشكوك فيه، الى حد اليقين، بأن قرار الإبطال لن يحظى بالأصوات السبعة من مجموع العشرة.

إذاً، قضي الأمر وبات على اللبنانيين التعايش مع قانون انتخابات ميت، ومع مجلس نيابي مشلول وعاجز عن التشريع.

وهكذا تكون عاصفة الانتخابات اللبنانية قد خمدت، مفسحة الأجواء لعاصفة تأليف الحكومة، التي قد تكون أقدر، من العاصفة الأولى، على اجتياح المؤسسات وتفريغها وصولاً الى الفراغ الذي كان الذريعة الأساس في تشريع التمديد.

من الواضح أن تأخر الرئيس المكلف تمام سلام بتشكيل حكومة الأمر الواقع، قد أدى الى ظهور عقد أكثر تعقيداً مما كان يواجهه في البدايات. فحزب الله، الذي تخلى عن عون في رفض التمديد، ملزم بتعويضه عن ذلك في التشكيلة الحكومية. والتعويض، كما هو معلن، لا يستطيع الرئيس سلام دفع أثمانه في العدد وفي اصرار الجنرال البرتقالي على حقيبتي  الطاقة والاتصالات.

وضغط حزب الله على الرئيس المكلف، تقابله ضغوط خارجية ومحلية على مشاركة حزب الله نفسه في الحكومة الموعودة. فثمة «فيتوات» كثيرة تبلغها الرئيس سلام، ترفض هذه المشاركة. أبرزها، وأكثرها ثقلاً على التشكيلة، «فيتو» دول الخليج، والسعودية تحديداً. يليه «الفيتو» الأوروبي والأميركي، مع الاعتقاد أن الفيتو المحلي مقدور عليه لأنه غير جدي ولا يتصف بالواقعية.

ومن الجبال التي تواجه الرئيس سلام، والتي يصعب عليه تسلقها وصولاً الى التأليف، تشدده برفض اعطاء الثلث المعطل لأي من فريقي 8 و14 آذار. إذ لا يخفى على أحد أن قيادات الثامن من آذار لا تثق بحيادية وزراء ما يوصف بالوسطيين أو المستقلين. وهم وزراء جنبلاط والرئيس سليمان والرئيس سلام. فهذه القيادات تعرف جيداً أن رياح هؤلاء الوزراء تجري بما تشتهي سفن 14 آذار.

لا شك في أن الرئيس المكلف سيستعين بالرئيس بري، لحلحلة هذه العقد المستعصية. لكن سحر زعيم حركة أمل قد لا يتمكن، وهو الاحتمال الأرجح، من مداواة «العمى الوطني» المنتشر بين القيادات السياسية. وبذلك سيجد الرئيس سلام نفسه أمام خيارين كلاهما أكثر مرارة من الآخر: إما أن يعتذر وتدخل البلاد في فراغ حكومي، تذرع التمديد بتجنبه، أو أن يشكل حكومة الأمر الواقع، فتدخل البلاد في انفجارات أمنية، تذرع التمديد أيضاً بتجنبها… وهكذا يكون التمديد لمجلس النواب، قد أنقذ النواب، ولم ينقذ البلاد من الفراغ والأخطار الأمنية… وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.

حديث الشارع

لا نحتاج إلى أجهزة تنصّت لنكتشف الخفايا والخبايا … و”النوايا”.

الجميع عيونهم على قانون الستين … والجميع “يتفون” عليه.

الجميع مع التمديد، تحاشياً لمفاجآت الصناديق … وتوفيراً للإنفاق المالي، في زمن العسرة والندرة وانكماش “الكاش”.

الجميع يقدم التنازلات، ويستمر في تسلّق سلالم المطالب البديلة … والمستحيلة.

الجميع يبكي على حالتنا … ويضحك علينا.

الجميع مع النأي بالنفس … ويدفعنا إلى أن نفتدي سوريا بالروح والدم … والنفس.

الجميع ضد الجميع … والجميع يؤدي خدمة للجميع … فعلى أي جميع يجتمع اللبنانيون … وقد أجمعوا على الاختلاف؟

“شوارعي”

أزمة الحكم في لبنان: فراغ أم انهيار؟

كتب المحرر السياسي

خرق الدستور صفة أساسية للسلطة الاستبدادية. ويبدو أن مجلس النواب اللبناني يتجه الى ممارسة الاستبداد بخرقه الفاضح للدستور، الذي حدد ولاية النائب بأربع سنوات، والذي لم يتحدث إطلاقاً عن التمديد، حتى ولو كان ليوم واحد. فكيف إذا كان التوجه الى تمديد لا يقل عن سنتين، وقد يصل، كما أعلن الرئيس بري، الى أربع سنوات.

لا يحتاج تأكيد هذا الخرق المكشوف الى جهابذة القانون، ولا الى قرار من المجلس الدستوري بعدم دستوريته. فالشعب الذي هو مصدر السلطات، انتخب نوابه لأربع سنوات بلا زيادة أو نقصان، على أن يتم بعدها محاسبة ممثليه في انتخابات جديدة.

إن التذرع  بالظروف القاهرة والقسرية لتمرير التمديد، هو ذريعة لا وجود لها. فتعذر التوافق على قانون انتخابي لا يلغي وجود قانون الستين ودستورية نفاذه. وإذا كان هذا القانون سيئاً الى حد البطلان، فإنه القانون الذي انتخب بموجبه المجلس الحالي. وعملاً بالقاعدة القانونية التي تقول ما بني على باطل فهو باطل، يكون المجلس الحالي باطلاً، ويكون، بالتالي، التمديد لنفسه باطل الأباطيل.

لكن ما فائدة النص الدستوري في بلد لا شرعية فيه لغير الأهواء.

ساحة النجمة

ساحة النجمة

فأين الدستور في دولة بلا ميزانيات منذ أكثر من سبع سنين؟.

وأين الدستور في ميليشيات مسلحة تنتشر تحت أنظار الدولة، وبتغطية من حكوماتها وأجهزتها؟.

وأين الدستور من حق الملكية وبلديات كثيرة تمنع اللبناني من مذهب معين من شراء بيت في منطقة نفوذ مذهب آخر؟.

وأين الدستور ودعاة الفتن المذهبية طلقاء في الساحات وأجهزة الإعلام؟.

وكثيرة هي الأين… والأين… وأين.

إذاً، التمديد ليس تهويلاً على المختلفين. فالاختلاف متعمد بذاته وصولاً الى التمديد.

والمضحك المبكي يكمن في أن مبرر التمديد يقوم على رفض إجراء انتخابات على أساس قانون الستين. في حين يتم التمديد لمجلس نيابي انتخب وفق قانون الستين المفترض أنه مرفوض.

فكيف إذاً نرفض مجيء نواب بقانون الستين، ونبقي على نواب جاؤوا بقانون الستين؟.

كيف نعتبره ميتاً في اقتراع الشعب لمجلس جديد، وحياً في اقتراع النواب بالتمديد للمجلس القديم؟.

كيف يكون ميتاً وحياً في آن؟.

ما هذه المهزلة؟.

سؤال لا قيمة له في بلد يعيش على المهازل.

لكن ماذا عن «حارس الدستور»؟… ونعني رئيس الجمهورية.

لا يكفي أن يهدد بعدم التوقيع على قانون تمديد مجلس النواب لنفسه، ومن ثم الطعن به أمام المجلس الدستوري. فهذا التهديد، حتى ولو نُفذ، يكون الوقت قد نَفَذَ، ومن ثم دخلت البلاد في نفق غياب السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويرافق ذلك غياب الجهة المعنية بملء فراغات المؤسسات الأمنية، التي يشاء حظ لبنان السيئ أن تبلغ قياداتها سن التقاعد في ظل فراغ السلطات، والتي يشرف أيضاً وكلاؤهم على بلوغها بعدهم بأشهر قليلة… هذا إذا كانت ثمة سلطة تملك صلاحية التكليف في حكومة تصريف الأعمال المحكومة بدورها بالثلث المعطَّل… والانسجام المعطَّل.

إذاً، حراسة الدستور لا تكون برفض التوقيع على الخرق الدستوري، بل بالتوقيع على تشكيل حكومة تمام سلام، وبالتالي، الدعوة الى انتخابات وفق القانون النافذ.

لكن مع انتشار سياسة «كسر العظم» في الوسط  السياسي اللبناني، فإن الأمور قد تتجه الى مزيد من المواجهات حين يحين موعد انعقاد مجلس النواب في 19 أيار (مايو) الحالي، حيث من المؤكد العودة الى القانون الأرثوذكسي وطرحه على التصويت، كقانون انتخابي وحيد أتم طريقه الدستوري بإقراره في اللجان النيابية المشتركة. وفي هذه الحالة فإن فرصته  للفوز بالأكثرية ستكون مرجحة إذا ما أصر نواب الكتائب والقوات على المزايدة المسيحية الداعمة له. وبذلك تعوض الأكثرية السابقة كفة أكثريتها بتأييد القانون الأرثوذكسي، عبر «التحالف المسيحي»، الذي يعوض خسارة أصوات كتلة النائب وليد جنبلاط.

إلا أن فوز القانون الأرثوذكسي في مجلس النواب، لا يعني الانتصار في المعركة المفتوحة. وهو فوز سيؤدي بالتأكيد الى معركة أشد ضراوة، سيكون قصر بعبدا ساحتها الساخنة.

لقد سبق للرئيس ميشال سليمان التصريح بأنه لن يوقع على قانون بهذه الخطورة. وأنه سيحيله الى المجلس الدستوري طاعناً بدستوريته.

وبدل تراجع الفرقاء الى حل وسط، يندفع الصراع الى منزلق دستوري خطير.

فإذا أبطل المجلس الدستوري القانون الأرثوذكسي. وهو إبطال أقرب الى اليقين. وبما أننا سنصل، ما بين الإقرار والإبطال، الى فراغ  تشريعي تصبح فيه البلاد بلا مجلس نيابي، فلا مفر عندئذٍ من تطبيق قانون الستين في انتخابات لن يقبلها فريق كبير من اللبنانيين، حتى ولو أدى ذلك الى النزول الى الشارع. وهو خطر يعرفه اللبنانيون جيداً ويعرفون نتائجه الدامية.

ومثل هذا السيناريو الواقعي، الذي نكاد نبلغ تنفيذه، سيعني بالضرورة سقوط قانون الستين في انفجار الشارع. وهذا سيعني أيضاً أن النظام اللبناني معرض للانهيار برمته. وأن الديمقراطية في لبنان ستلفظ آخر أنفاسها.

يبقى ثمة أمل في فتح طريق للبنان، غير هذا الطريق المخيف الذي نتدافع إلى سلوكه.

الأمل في أن يستعيد سحر الرئيس بري فاعليته وأن يخرج من كمه حلاً آمناً بدل الوحش المفترس الذي يخرج من أكمام السياسيين اللبنانيين.