إزدواجية الندم واللاندم

walidلا يمكن لعربي أن يندم على تأييد ثورة الخميني، التي أطاحت بشاه إيران حليف إسرائيل بأوامر أميركية.

والعربي نفسه، لا يمكنه إلا أن يندم على تأييده ثورة الخميني، بعد أن أطاحت باستقرار المنطقة. وأشعلت نزاعاً شيعياً سنياً، كانت نيرانه قد أنطفأت بمرور الزمن.

ويستمر هذا العربي في تعامله مع إيران بإزدواجية الندم واللاندم.

فهو إذ لا يندم على اعتزازه بتأسيس طهران لجيش إسلامي قاهر، فإنه سرعان ما يندم، عندما يكتشف أن جيشها القاهر لم يقهر غير السوريين، بدفعهم إلى هجرات قسرية خارج سوريا، أو إلى النزوح داخلها، من أرض مرعبة إلى أرض أقل رعباً.

وهو لا يندم على الإشادة بدعم إيران لغزة المحاصرة. إلا أنه يندم لاحقاً، حين يجد أن الدعم رافقه نفخ إنفصالي، شجع حماس على فصل القطاع عن الضفة. وبذلك تكون طهران قد تسببت بشرخ فلسطيني لا يلتئم.

وهو لا يندم على مباركته إقامة إيران علاقات “أخوية” مع العراق، لولا أن الندم سيطر على العراقيين، بعد أن جرّعتهم الميليشيات الفارسية، كأس السم التي جرّعها صدام حسين للإمام الخميني في حرب عودة أمجاد القادسية. وبنجاح ميليشيات الحشد الشعبي في إلحاق مجموعات كبيرة من الشيعة بـ “قم”، نجحت إيران بالسيطرة على مقدرات العراق وقدره.

وهو طبعاً، وبالتأكيد، لن يندم على إمتنانه لدور إيران في دعم حزب الله في حرب تموز، غير أن اللبنانيين عانوا، بعد حين، من استمرار تدفق المال والسلاح لحزب الله، مما تسبب بإقامة دولتين: دولة حاكمة في بعبدا… ودولة متحكمة بدولة بعبدا.

وهذا العربي، الذي يحمل أثقالاً تاريخية من عداء أميركا وإسرائيل له، لن يتردد في ترديد شعارات خامنئي المطالبة بالموت لأميركا… والموت لإسرائيل. وعملاً بتلازم الندم واللاندم في مواجهة السياسات الإيرانية، فلا مفر له من الندم بتحول صرخة الموت التي لم تقتل أميركياً ولا إسرائيلياً، بل تحولت إلى فعل “الموت للعرب” بأسلحة وميليشيات إيرانية، تعبث في أكثر البلاد العربية، سواء في بلد بسطت عليه يدها… أو في بلد مدت إليه أصابعها.

وكأن إيران لا تكفيها صناعة الزلازل في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. فها هي اليوم تعرض المنطقة، بدولها وشعوبها، إلى زلزال، يعجز مقياس ريختر، عن قياسه.

لا شك أن أميركا يحكمها اليوم رئيس لا يطيق الدبلوماسية. ومصاب بهلوسة العظمة والجبروت والإبتزاز.

ولا شك أن إيران يحكمها من يتشبه بترامب. أي أن الشرق الأوسط يعيش اليوم صراع الهلوسات العظمى.

لكن ثمة فوارق بين هلوسة تمتلك الإمكانات… وهلوسة تمتلك أوهام الصواريخ المدمرة وغرور الحرس الثوري.

إنها حرب إذا وقعت، لن تجد إيران حليفاً لها. فهي حرب ستشعل أسواق النفط، الذي تحتاجه الصين. وتحتاج معه إلى تهدئة، ولو أدت إلى إجتياح أميركا لإيران.

وهي حرب ستفرض على بوتين الحياد. فالتدخل فيها لا يشبه التدخل في سوريا أو في جزيرة القرم. إنه دخول إلى حرب عالمية لن ترتكب روسيا بالتأكيد حماقة اشتعالها.

هي حرب، لن تتجاوز الإستعراض العسكري، ومع ذلك، فإن إيران ستدفع ثمنها كما لو أنها حرب فعلية. فكل الحقائق الميدانية تشير إلى أن ترامب سيحقق نصراً بلا حرب.

إذاً على إيران ان تنقذ نفسها بالعودة إلى حجمها الطبيعي… فالبالونات التي نبالغ بنفخها ستنفجر في النهاية بوجه نافخها.

وليد الحسيني

Advertisements

“ما فيش فايدة”

walidمن كل خطب وكلمات الزعيم سعد زغلول، كانت كلمته “ما فيش فايدة” هي الباقية في ذاكرة الناس، لأنها الكلمة الأصح والأصلح لذلك الزمن المصري، ولهذا الزمن العربي… وربما لأزمان مقبلة.

لبنانياً: “ما فيش فايدة” أن يتخلى اللبناني عن أن يحب لأخيه ما يحبه لعدوه. و”ما فيش فايدة” في الإنتصار على الفساد، لأن لا أحد يستطيع الإنتصار على شعبه. و”ما فيش فايدة” في القضاء على المذهبية طالما أنها تبيض ذهباً. و”ما فيش فايدة” في التخلص من النفايات في الشوارع، إذا لم يتم التخلص منها في الدولة وفي أهل السياسة. و”ما فيش فايدة” في إيقاف الهدر، وحكوماتنا تنفق كأنها تملك ثروة السعودية، في حين أن مداخيلها توازي مداخيل الصومال.

عراقياً: “ما فيش فايدة”، فكأس السم التي تجرعها الخميني في الحرب مع العراق، يردها خامنئي للعراقيين بتجريعهم كؤوس الحنظل. و”ما فيش فايدة” في أن يتوقف الحشد الشعبي عن حشد همجيته في مناطق السنة، ليوقظ الفتنة النائمة منذ أكثر من ألف عام. “ما فيش فايدة” في استعادة السيادة، في ظل الوجود العسكري الأميركي والنفوذ الشعبي الإيراني. و”ما فيش فايدة” في أن تعود المياه إلى مجاريها في دجلة والفرات وشط العرب، بعد أن شفطت، السدود التركية والحفريات الإيرانية، مصادر الحياة، التي جعل الله منها كل شيء حي.

مصرياً: “ما فيش فايدة” وقد ألهاهم التكاثر السكاني عن التكاثر الإنمائي.

سورياً: “ما فيش فايدة” في خروج الميليشيات. و”ما فيش فايدة” في إعادة الإعمار. و”ما فيش فايدة” في النصر الكامل على الإرهاب، ولا في الهزيمة الكاملة للإرهابيين.

فلسطينياً: “ما فيش فايدة” في التحرير، وقد دفنت منظمة التحرير الكفاح المسلح في ثلوج أوسلو. و”ما فيش فايدة” في توحيد البندقية الفلسطينية، منذ أن اعتنقت “حماس”، عبر جناحها المسلح “كتائب القسّام”، إستراتيجية الإنقسام.

يمنياً: “ما فيش فايدة” في الوصول إلى صنعاء مهما طال السفر. و”ما فيش فايدة” في أن يعود الحوثيون إلى إنتمائهم اليمني، بعد أن عمّدوا إيرانيتهم بالدم. و”ما فيش فايدة” في أن يحصل اليمنيون على كفاف يومهم من الخبز… والقات.

ليبياً: “ما فيش فايدة” بانقضاء شهر فبراير، الذي تسبب بالنكبة. فرغم أنه أقصر أشهر السنة، إلا أنه أطولها ليبياً، فهو ممتد منذ 8 سنوات. و”ما فيش فايدة” في أن يحل قريباً عن ظهر ليبيا، التي تحولت إلى فاقة بعد غنى، وإلى ذل بعد عز.

عربياً: كي لا يطول السرد ما بين المحيط والخليج، نقول باختصار: كما في البدء كانت الكلمة… ففي النهاية لا كلمة تعلو عربياً على كلمة سعد زغلول “ما فيش فايدة”.

وليد الحسيني

“قمصان عثمان”

walidكل التسهيلات التي أغدقت على الرئيس سعد الحريري لإعانته على فك عقد تشكيل الحكومة، خرجت من رحم المثل الشعبي “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل … وكول حتى تشبع”.

رغم ذلك فقد شبع الشيخ سعد. لكن أصحاب التنازلات الملغومة لم يشبعوا من تقديم “المسهلات”، التي أدت إلى نتائج عكسية، فتسببت بـ”كتام” حكومي مزمن.

لقد علمنا الماضي بقديمه، والحاضر بجديده، أننا أدوات نزاعاتنا الداخلية، لا أسبابها.

إذاً، الفرج يأتي من عنده “تعالى”.

و”تعالى” هنا ليس الله كما نعتقد ونؤمن، بل إنه تلك الدول المهيمنة على قراراتنا.

فلكل دولة لها “مربط خيل” في لبنان، مصالح كبرى. في حين أن مصالحنا لديها تختصر بالصغيرة … وربما بالحقيرة.

وهكذا فإن الفرج بالإفراج عن الحكومة، لن يأتي إلا من هناك.

والذي هناك، مازال يتمسك بالأزمة الحكومية، معتبراً أنها الثغرة التي ينفذ من خلالها لتخفيف ثقل العقوبات الأميركية. حيث من السهل على لبنان تبرير خرق هذه العقوبات بغياب الحكومة، وبالتالي غياب الرقابة والمتابعة والملاحقة. وبذلك يكون لبنان مسكّناً لبعض آلام إيران الاقتصادية. فالأسواق اللبنانية باستطاعتها توفير ولو القليل، من الدولارات والمواد المحظورة، سواء عن طريق مطار طارت عنه عيون الدولة، أو عن طريق حدود برية لا حدود فيها لنفوذ “حزب الله”.

وسط كل هذه الوقائع، هل يحق لنا أن نجاري تفاؤل سعد الحريري بحل قريب للأزمة الحكومية؟

جميعهم يعلن ولهه بالشيخ سعد. ولا يقبل بغيره رئيسا مكلفاً! ورغم هذا الإجماع، فإن جميعهم لا يتوقف عن فرقعة الشروط والعقد في وجه تشكيل الحكومة.

كان الله بعونه. فهو يكاد أن يكون المسؤول الوحيد عن بناء “سفينة نوح” لإنقاذ لبنان من الطوفان المدمر، الذي يتحدث عنه “المعرقلون” بجدية الساعة الآتية بلا ريب.

لن يمكنوه، طالما أن قميص عثمان أصبح قمصاناً بالجملة. فوراء قميص الوزير السني “الفائض عن الحاجة” يتلطى هذا الحزب. ووراء قميص إشتهاء هذه الوزارة يتلطى ذلك الحزب. ووراء قميص رفض الثلث المعطل يتلطى حزب ثالث.

ومن قميص عثماني مستورد إلى قميص عثماني مفبرك، تزداد أزمة التأليف تعقيداً.

وبسبب “فيترينة” قمصان عثمان، فاضى صبر عون والحريري عن حده. ويبدو أن الكي بالحسم هو أنجح دواء لهذا الداء المستعصي.

والسؤال: ماذا يمنع الرئيس المكلف من العودة إلى تقاليد الماضي الديمقراطي في تأليف الحكومات؟

يومها، كان إعلان أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب يشكل مفاجأة للكتل والأحزاب والوزراء أنفسهم.

إذاً، وإذا لم يتراجع “المعرقلون” عن عرقلاتهم، فلتشكل حكومة الأمر الواقع بأسماء وتوزيعات يختارها الحريري متوافقاً مع عون … ولا نظن أن عاقلاً سيتجرأ على الإنسحاب منها. إلا إذا كان ضميره الوطني قد مات تماماً.

صحيح أن حكومة الأمر الواقع مغامرة كبرى، لكنهم لم يتركوا للرئيسين خياراً سواها … بعد أن استوى لبنان وبلغ درجة الاهتراء.

وليد الحسيني

سجل أنا عربي

walidأسوأ ما يمر على الأمم أن يتكرر الماضي، بأخطائه، في المستقبل. فنتذكره تماماً كما حدث. ونسرده تماماً كما سيحدث.

لقد سبق، وأغرى الإنكليز، الشريف حسين بالوحدة العربية، إذا قاتل إلى جانبهم ضد العثمانيين. فكانت ثورته. وكان تنصل الإنكليز، الذين قسّمونا واقتسمونا مع الفرنسيين.

قطّعونا إلى دول. واختاروا لكل دولة أقلياتها، كي تبقى الفتن حاضرة عند الطلب.

وكما فعلها بنا الإنكليز، يفعلها بنا الإيرانيون اليوم.

إغراء لا يقاوم بتحرير فلسطين.

لكن “فيلق القدس” ضل الطريق، فزحف إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن… وتربّص بدول الخليج.

لم نشهد زحفاً يحرر فلسطين ويدمر إسرائيل.

وكما الإنكليز، إفتعلت طهران، صراعاً سنياً – شيعياً، لتبقى الفتن أيضاً حاضرة عند الطلب.

ولا بد من الإعتراف، ولو مجاملة، من أن “حزب الله” حفظ لبنان من الإرهاب. فلولاه لكان أبو بكر البغدادي، لا ميشال عون، حاكماً في قصر بعبدا. ولكان أيمن الظواهري، لا سعد الحريري، رئيساً لحكومة لبنان. ولكان أبو محمد الجولاني، لا نبيه بري، سيد نفسه في مجلس النواب.

لقد نجا الوطن من هذا الإرهاب الأكبر. ولنفترض أن كل ذلك تم بفضل إرادة وشجاعة “حزب الله”. حيث نقل الحرب إلى حيث يجب أن تكون بعيداً عن لبنان. فمنع تسلله وقطع نسله.

ومع هذا، لا معنى لنشرة الأرصاد السياسية، التي تتحدث عن طقس مشمس، بينما تغطي السحب السوداء السماء اللبنانية بكاملها.

لقد أخذ “حزب الله”، من حربه في سوريا، الحد الأقصى من الإنتصارات على الإرهاب. إلا أنه نشر، بكثير من “ذكاء القوة”، الكثير من أصناف الإرهاب المتعدد الوسائل والرسائل.

أليس منع تشكيل الحكومة هو نوع من إرهاب الفراغ؟.

أليس تأليف محاور درزية، وتأليب المحاور السنية، هو إرهاب مذهبي؟.

أليس تهديد وليد جنبلاط بعدم التعرض لإيران، هو إرهاب سياسي؟.

رغم هذا… وغير هذا… وكل هذا… فإن الخطورة ليست هنا.

الموضوع أن العروبة نفسها في خطر.

ولتعذرنا فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة… فلا نريد أياً منها بلا عروبة.

لا تأكلوا برؤوسنا حلاوة. فالمساحات شاسعة بين التنظير الشكلي للعروبة، والتطبيق الفعلي للهيمنة الفارسية.

ومن الراحل محمود دوريش نستعير صرخته:

سجل أنا عربي.

ومن الراحل سيد مكاوي نستعير:

الأرض بتتكلم عربي.

ومن معجزات السماء نستعير معجزة النزول باللغة العربية.

وأخيراً نؤكد ما يؤكده التاريخ أن العروبة لن تتقلص… وأن “الآخر” لن يتمدد.

وليد الحسيني

“باصقات اللهب”

walidلا مكان للشك في حضور اليقين. فالاستخفاف بالدستور ظاهر بحدّة في تصريحات أكثر من مقاول إعلامي ومبتذل سياسي. مما يؤكد أن كثيرين من اللبنانيين ليسوا لبنانيين، إلا بالقدر الذي تسمح به إيران.

إن إضعاف الدولة سياسة ثابتة. فكل الحوارات والتفاهمات تلفظ أنفاسها على عتبات عنجهية القوة. ومع ذلك يتحدث أبطال تعطيل المؤسسات عن الديمقراطية، تماماً كما يتحدث الحداد، الذي يصنع أبواب السجن، عن الحرية.

إن ما نسمعه من غناء “جوقة الإيرانيين” من “تطريب فلسطيني” هو غناء يستعير كلماته على قاعدة “أجمل الشعر أكذبه”.

إن استخدام سحر فلسطين، والقدس بالذات، كمفتاح للسيطرة على لبنان، هو سحر فقد مفاعيله. فالشعب لم يعد فرقة من “الكومبارس”، يحركها المخرج باصبعه.

نحن اليوم لا نشاهد مسرحية. فالخوف حقيقي. والإنهيار حقيقة. والبطالة والفقر والجوع والإفلاس … كلها مشاهد واقعية.

من دون تأنيب لضمير وطني، يستمر “الممثلون” بمسرحيتهم، التي يمكن أن تتحول، عند أي تصرف أحمق، إلى مسرحية دموية تعرض على خشبة الواقع.

من هنا نسأل:

ماذا تفعلون بلبنان؟

كأن المطلوب من سعد الحريري أن يخجل من التمسك بالدستور.

وكأن لبنان يجب أن يدمن الفراغ الحكومي.

وكأن “العهد القوي” يجب أن يخضع لمن مدّه بالقوة.

نرجع إلى المهم.

اليوم يكاد البلد يعود إلى “جاهلية” الحرب الأهلية. فبعد أن سقطت أشباه العقد من التأليف الحكومي، كشف “حزب الله” عن صواريخه السياسية الدقيقة، فأصاب الحكومة الموعودة بوعيد قيام الساعة.

وبصورة مفاجئة ومفجعة، تقدم صفوف التعقيد الحكومي، أحد السنة نيران “حزب الله”. وكسلاح “باصقات اللهب” القديمة، بصق على الأخلاق في بلد “الإطارات المشتعلة”.

صحيح أن المحاكمات تهدئ القلوب المتعطشة للقصاص. إلا أن القضاء يخرج عن صلاحياته، عندما يتطاول على أحد رموز تحرير فلسطين وإنقاذ الكون من الإرهاب!

وبالإنتقال من المهم إلى الأهم:

أولاً، نذكّر فيصل كرامي أن والده الراحل عمر كرامي إستغنى، مستقيلاً، عن رئاسة الوزراء من أجل لبنان. فهل كثير عليه الإستغناء عن “وزير دولة” من أجل إنقاذ لبنان في أخطر مرحلة؟

ثانياً، لا أحد يستطيع أن يعين سعد الحريري على صبره الحكومي وثوابته الدستورية، غير رئيس الجمهورية، الأمين على الدستور، والشريك في تشكيل الحكومة.

ثالثاً، لبنان مدعو جبراً لدخول معركة تبدو غامضة، مع أنها كثيرة الوضوح. وتبدو غبية وهي حادة الذكاء. فإيران توجه القذائف عبر حلفائها، إلى العهد الذي صنعته ذات يوم، مما يستدعي تحذير “التيار الوطني الحر” من خلال مؤسسه الجنرال عون، ورئيسه جبران باسيل، من أن الجلوس على الهامش في هذه اللحظات الشديدة الخطورة، سينهي العهد قبل أوانه، وسيجعل حلم باسيل بالرئاسة المقبلة، كمن ضيّع في الأوهام عمره.

وليد الحسيني

أي إيران نختار؟

walidالموقف مع إيران أو ضدها بالغ التعقيد.

لا بد أن نكون معها عندما تستهدفها الولايات المتحدة وإسرائيل. وضدها عندما تستهدفنا هنا وهناك.

إنها معادلة صعبة … وأصعب ما فيها دخول القضية الفلسطينية على الخط.

لقد علّم العربُ إيران على المتاجرة بفلسطين، فسبقتهم إلى أسواقها!

ها هي تلبس قناعاً فلسطينياً يلزمنا بالإندفاع خلفها. وكأن لا أحد من العرب أمامها … حتى منظمة التحرير بكل فصائلها.  فهي تحتكر حلم التحرير إعلامياً وخطابياً. وتتشدد في طرد إسرائيل من المنطقة. ومسحها من خريطة الطريق إلى فلسطين من نهرها إلى بحرها.

ومما يزيد الموقف من إيران تعقيداً، أننا إذا نبشنا التاريخ، نكتشف أنه، وقبل 23 عاماً من نكبة فلسطين، ارتكب الفرس بحق الأمة العربية نكبة الأحواز. فكما أعلن البريطاني بلفور وعداً أعطى فيه فلسطين العربية لليهود، فقد سبق وغد بريطاني آخر وهب الأحواز العراقية للفرس.

على متن طراد إنكليزي في العام 1925، تم تسليم الشيخ خزعل الكعبي حاكم الأحواز لجنود الشاه.

أسروه ثم أعدموه.

وإذا تمادينا في نبش التاريخ، نكتشف أيضاً أنه قبل مجزرة دير ياسين في فلسطين، كانت ثمة مجازر كثيرة مماثلة في الأحواز. استوطنت على أثرها عائلات إيرانية إحدى جنات الأرض وأكثرها ثروة وغلالاً. وبذلك يكون الإستيطان الفارسي في بلاد العرب، قد سبق الاستيطان الإسرائيلي بربع قرن.

لهذا لا نحتاج للتأكيد على أن الأحواز هي “النكبة الأولى”. وعليه تكون فلسطين هي نكبتنا الثانية.

فأي إيران نختار؟

تلك التي تعلن ليلاً نهاراً عزمها على إخراج المغتصب الصهيوني … أم تلك التي تكاد تمحو من ذاكرتنا وجود المغتصب الفارسي؟

هذه الإزدواجية الإيرانية أصابتنا بالحول.

ها نحن نراها قد جهّزت “فيلق القدس” … وفي ذات الوقت، نرى الفيلق الجرار يجر نفسه إلى سوريا والعراق واليمن، مبتعداً عن القدس ومسجدها الأقصى.

من النادر إختلاط الشك باليقين. فهذا أمر يتسبب بتناقض المشاعر، بحيث يستحيل التمييز بين الخطأ والصح في المواقف.

وإذا عدنا إلى حول الإزدواجية الإيرانية، فإنه لم ينجح في حرف أنظارنا عن جزر الإمارات المحتلة. ولا عن الأطماع في البحرين. ولا عن استهداف السعودية بالصواريخ البالستية. ولا عن بناء أحصنة طروادة في اليمن ولبنان والعراق.

لقد وضعتنا إيران في “حيص بيص”. وعليها أن تخرجنا من ريبتنا، وذلك بأن تبتعد عن سياسات مريبة.

عليها أن تسعى إلى علاقات عربية صحيحة وصحية، تنصرها في مواجهة ما يهددها ويهدد إقتصادها.

ليقف العرب إلى جانبها، من واجبها أن تجنِّب المنطقة المذهبية وشرها المستطير. وإذا كنا أخوة في الدين حقاً … فلنكن حقاً أخوة في الدنيا.

وليد الحسيني

“الإسفنجة” عقدة العقد

walidمن المستبعد إستبعاد العامل الخارجي عن أسباب تعطيل تشكيل الحكومة. فالحديث عن القرار اللبناني المستقل هراء قديم، كشفه الزمن منذ أزمنة. فلا فارس بيننا، إلا ولفرسه مربط خارج لبنان.

جميعنا، من شعب وزعامات وأحزاب وتيارات، يذهب في النهاية إلى “بيت الطاعة”.

يقول التاريخ أن “بيوت الطاعة” كانت في باريس لأهل اليمين. وفي موسكو لأهل اليسار. وفي القاهرة لأهل العروبة. وفي الرياض لأهل الإعتدال.

ويذكر التاريخ أن بيوت موسكو والقاهرة أقفرت من ساكنيها، بعد أن نزح فريق من اللبنانيين إلى “بيوت طاعة” أقيمت في طهران ودمشق.

يسوقنا هذا إلى الإعتراف بأن تعطيل تشكيل الحكومة يرجع لتعليمات خارجية حتى ولو أجمع الجميع على النفي.

لكن من هي الدولة المعطّلة؟… وهل يكفي إتهام السعودية، لإخفاء الآمر الناهي الحقيقي؟

عند التدقيق، تقول الأرقام أن أصدقاء السعودية هم أقلية برلمانية. وهي مهما عطّلت، فلن تحصل سوى على ثلث معطل، أو أكثر بقليل. والواقعية تفرض عليها القبول بالمقسوم. فثلث معطل بوجود الحريري، أفضل من أن تخسره بخروجه.

في دفتر الحسابات المضادة، تقول الأرقام أن حلفاء إيران يشكلون أكثرية نيابية. وأن بمقدور هذه الأكثرية الوصول إلى حكومة مغلقة، تقرر ما تقرره طهران.

والطريق إلى حكومة محررة تماماً من المعارضة، يبدأ بالتعطيل، لينتهي إلى حكومة بلا شريك. مما يسهل على لبنان التحايل على العقوبات الأميركية من دون تعطيل، وكذلك فتح المعبر الرسمي إلى سوريا عبر معبر نصيب من دون إعتراض.

وتحقيقاً لغواية هذه الغاية، تم إختراع العقد بالجملة.

عقدة مسيحية. عقدة درزية. عقدة سنية.

لكن ألا يلاحظ اللبناني، أن كل هذه العقد ما كانت لتكون، لولا “عقدة الإسفنجة” التي تريد أن تمتص حصص الآخرين.

ألا يلاحظ اللبناني، أنه كلما نجح الحريري في انتزاع تنازلات تقود إلى تسوية ما، غطست “الإسفنجة” وامتصت المياه النقية من الحوض الحكومي الموعود، ليعود لبنان إلى الخيبة والقلق والخوف.

وما لا تدركه “الإسفنجة” أنها بذلك تمتص قوة “العهد القوي”.

وما لا تدركه “الإسفنجة”، استحالة إستصدار حصر إرث الميثاق الوطني بـ “الإسفنجة” مهما كبر حجمها، وكذلك استحالة إستصدار بدل عن ضائع عن دستور الطائف، فيه من التزوير ما يعيد للرئيس صلاحيات سادت ثم بادت.

وما لا تدركه “الإسفنجة” أن لبنان جمهورية لا إمبراطورية… وأن الخطيئة لا يمكن أن تكون صواباً.

وأخطر ما لا تدركه “الإسفنجة” أنها وهي تحاول أن تمتص كل شيء… قد تمتص ميكروبات قاتلة.

                وليد الحسيني