من أين لكم هذه “السندويشات”؟

walidما يجري الآن في لبنان والعراق، أخطر على إيران من العقوبات الأميركية.

اليوم يهتز نفوذ طهران في أقدم مواطئ أقدامها. فهل سيستسلم قاسم سليماني لهزيمة تلوح في ساحات المدن اللبنانية والعراقية؟.

هل سيقبل أن تسقط من يد مرشده، أقوى أوراقه الإقليمية؟.

لن يفعل… ولن يقبل.

ولهذا، وفجأة، وبلا مناسبة، أطل السيد حسن نصرالله وأنذر اللبنانيين بلاءات ثلاث.

لا إستقالة. لا تغيير. لا إسقاط للعهد. وأرفق ذلك بتحذير من حرب أهلية. وجدّد رفع أصبعه مذكراً بأنه الأقوى في لبنان، والأقدر على الحسم.

وفي اليوم نفسه، وربما في الساعة  نفسها، خرج “الحشد الشعبي” في العراق ليواجه حشود الشعب بالرصاص والقنص، فاستشهد في ليلة ليلاء العشرات وجرح الآلاف، في محاولة قمع تفضح من دفع إليها ولا تخفي دوافعها.

لا شك في أن إصرار قائد فيلق القدس، على إجهاض الثورات المضادة لثورته “الإسلامية” قد نقل قرار حل المعضلة اللبنانية، من بعبدا إلى طهران.

من هنا، لن يجد سعد الحريري من يحسده على موقعه وموقفه.

فهو إن استقال يكون كمن يقدم عود الثقاب للحرس الثوري وفروعه لإشعال البلد. وإن لم يستقل يكون كمن يتجرع السم خوفاً على لبنان من تجرّع الدماء.

المعادلة صعبة… والقرار بشأنها معقد.

الشعب طلب العلا وسهر الليالي في الساحات. وهتافاته أيقظت الحكومة، التي تعوّدت أن تنام ملء جفونها في العسل.

الهوة تتسع، ولا يمكن ردمها.

في مكان ما تنمو أحلام المتظاهرين وتكبر… وفي مكان آخر تتقلص قدرات الدولة وتصغر.

وفق هذه الثنائية المتعاكسة، لا مخرج يخرج الجماهير من الشارع، ويحافظ على الشرعية في الوقت نفسه.

ألا تلاحظون “الطباق والجناس” بين الشارع والشرعية؟.

الكلمتان مصدرهما واحد. ورغم التزاوج اللغوي بينهما، فإن الطلاق واقع لا محالة، إذا بقيت الأحوال على هذا الحال.

لقد قدمت “الشرعية” ورقة تغلّب فيها الممكن على المستحيل. ولم ينقصها سوى أن يتعهد سعد الحريري للبنانيين بدخول الجنة.

لكن جماهير الغضب لم تجد فيها إلا ورقة توت، تستر عورة عجز الحكومة عن التلبية الفاعلة للمطالب الفعلية.

أمام مشهدية إختلاط الممكن بما ليس بالإمكان، سيبقى سقف المطالب عالياً، وسيبقى سقف الإمكانات واطياً، طالما أن عين المتظاهرين بصيرة… ويد الحكومة قصيرة.

إن الخوف على لبنان، كما الخوف على العراق، ليس من باب التهويل. فقاسم سليماني لن يسلم للشعبين حق تقرير المصير. وكل ما نخشاه أن يتناسل الخطر القائم إلى أخطار داهمة. وعندها لا يجدي أن يسأل المتظاهرون أهل السلطة: من أين لكم هذا العناد؟… ولا أن يسأل حزب الله المتظاهرين: من أين لكم هذه “السندويشات”؟.

 

                                               وليد الحسيني

بسوريا بلبنان… نفديكِ يا إيران

walidأكثر الهتافات إهانة للإنسان هتاف: بالروح بالدم… نفديك يا “فلان”.

هذا الهتاف لم يأخذه أحد على محمل الجد، إلى أن تطور بقوة “فائض القوة”، وأصبح “بالعراق بسوريا بلبنان… نفديكِ يا إيران”. وهكذا يكون قد انتقل من مرتبة “النفاق السياسي”، إلى مرتبة “الإلتزام الإيديولوجي”.

لا خطأ في الإستنتاج. فأهم عبارات الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله توحي بذلك.

لقد قالها جازماً، بأنه عندما يجد الجد، وتشن أميركا حربها على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يسقط الحياد والنأي بالنفس وكل الخطوط الحمراء.

وبشرّنا حاسماً، بأن “دول محور المقاومة” ستلبي، بلا تردد، نداء الدفاع عن دولة إمام هذا الزمان.

وبما أن التبعية لإيران، لم تعد سراً من أسرار السيادة والإستقلال، فأقل واجبات “دول المحور”، أي العراق وسوريا ولبنان، الدفاع عن إيران إذا هاجمها الوحش الأميركي.

فإيران، بصريح خطاب سيد المقاومة، “هي قلب هذا المحور. ومركزه الأساسي. وداعمه الأقوى. وعنوانه. وعنفوانه. وقوته. وجوهره”.

لا نجادل بحرية المعتقد ولا بحق العقائديين بربط قدرهم بقدر من يرونه أهلاً لذلك.

لكن ما يستحيل أن تسمح الحرية به، قيام قلّة من أمة، بإلحاق أمة بكاملها في أمة أخرى.

الأمر بالنسبة للأمة العربية، أكبر وأخطر من الولاء لولاية الفقيه. وبالذات عندما يتم إخضاع الحاضر لاستنساخ الماضي. فتماماً، كما خرافة “إستحضار الأرواح”، يستحضر العثمانيون والفرس إمبراطوريتيهما.

وإذا كان الرئيس التركي الطيب أردوغان، قد خطط وفشل في استعادة إمبراطورية أجداده، فإن المرشد الأعلى السيد خامنئي تجاوز التخطيط والتنفيذ إلى السيطرة.

وبالتمعن في مصير “الفشل العثماني”، نجد أن أردوغان لم يفز سوى بفتات “الأخوان المسلمين”. في حين أن “النجاح الإيراني” مكّن خامنئي من الإستيلاء الجزئي على أربع دول عربية حتى الآن، وفق ما يؤكده معاونوه الذين لا ينطقون إلا بما يمليه عليهم الجالس على عرش الإسلام في هذه الحقبة الفارسية.

لا يحق لعربي أن يعتب على الإمام خامنئي إذا قرر غسل عار هزيمة الفرس في قادسية سعد بن أبي وقاص. ولا إذا قرر تقيؤ جرعة السم، التي تجرعتها إيران في قادسية صدام حسين.

العتب، الذي قد يصل إلى التخوين، يقع على المرتدين عن عروبتهم… والزاحفين على بطونهم وجيوبهم باتجاه طهران.

والمخزي، أن أهل “الردة العربية”، هم من جماهير ناصرية تطعن اليوم بخناجرها ظهر عبد الناصر. ومن قوميين عرب يقوضون بصفاقة مبادئ مؤسسهم جورج حبش. ومن بعثيين لم يتركوا في رسالة ميشال عفلق الخالدة سطراً لأمة عربية واحدة.

والمخزي، أن من بقي على عروبته، هو إما في صمته مرغم خوفاً. أو في حبه مكره تزلفاً لمن طغى وتجبر.

وأخيراً، من المفيد تذكير جميع الخاضعين لولاية الفقيه، بأن “الخضوع لغير الله مذلة”.

إذاً، علاما ولمن تهتفون “هيهات منا الذلة”؟!.

 

                                                                                         وليد الحسيني

“المزاجية الدفاعية”

walidفاجأنا فخامة الرئيس بقوله “إن مقاييس الإستراتيجية الدفاعية قد تغيّرت، بسبب تغيّر ظروف وأوضاع المنطقة عسكرياً وأمنياً وسياسياً”.

إذاً هي ليست استراتيجية. إنما “مزاجية دفاعية”. فالإستراتيجيا تعني الإلتزام بالخطة. أما المزاجية فهي التي تتغيّر بتغيّر المواقف.

وقياساً على المقاييس الرئاسية المتبدلة، تكون استراتيجية لبنان الدفاعية ملحقة باستراتيجيات متعددة الجنسيات.

وبالعودة إلى زمن “القسم الرئاسي”، الذي تعهدت إحدى فقراته، بإجراء حوار يؤدي إلى إقرار استراتيجية دفاعية، فإن الأوضاع والظروف في المنطقة لم تتغيّر طيلة السنوات الثلاث، التي تلت القسم.

المتغيّر الوحيد الطارئ، يتمثل بفرض عقوبات أميركية متصاعدة على إيران.

هذا يعني أن المحنة الإيرانية هي سبب المتغيّرات التي حررت الرئيس من قسمه.

ومع ذلك، سنعتبر أن لا رابط بين تصريح فخامته، وبين خطاب سماحته. فالأمر ليس أكثر من صدفة زمنية، لا تتجاوز أياماً معدودات، فصلت بين التلويح بالتراجع الرئاسي عن “الإستراتيجية الدفاعية”، وبين إقدام السيد حسن نصرالله على الإلتزام، ومن ثم، إلزام لبنان باستراتيجية إيران الدفاعية.

قالها السيد متوعداً وواعداً بأن أي إعتداء أميركي على إيران، سيشعل المنطقة بكاملها.

طبعاً، ورغم بعد المسافة، فإن لبنان جزء من المنطقة، التي يعد صاحب الوعد الصادق بإشعالها.

واحتراماً للمقامات، نشير إلى أن ما ورد غامضاً في التصريح، وواضحاً في الخطاب، ليس أكثر من توارد خواطر بريئة.

لكن المشترك بينهما يؤكد على جدية المتغيّرات، التي فجأة قذفت باستراتيجيتنا الدفاعية إلى مصارعة الأمواج الهائجة في مضيق هرمز.

إذاً، وبسبب ما استجدّ من ظروف وأوضاع في المنطقة، لا بد من توسيع مهمات دفاعاتنا الإستراتيجية، بحيث نضيف إلى مواجهتنا للعدو الإسرائيلي، مواجهة أشد وأعنف للعدو الأميركي، الذي بعثه إلى منطقتنا ترامب الموصوف إيرانياً بـ”الشيطان الأكبر”.

وعلى ضوء تطور الصراع ما بين أميركا وإيران، لا مفر من الإبقاء على قائمة أعداء لبنان مفتوحة. فثمة إحتمال كبير بضم السعودي والإماراتي إليها، في حال انحيازهما المرجح إلى صفوف العدو الأميركي.

في النتيجة، تم كشف المستور. وتبين أن لبنانية الإستراتيجية الدفاعية… كلام بكلام. فحكاية “إبريق الزيت” أحبطت آمال اللبنانيين بإيجاد صيغة تجعل سلاح المقاومة خاضعاً، ولو بالشراكة، لإمرة الدولة.

فحكاية “إبريق الزيت” ليست إلا ظاهرة صوتية، تظهر فقط في أحلام فريق الرابع عشر من آذار. في حين أن سلاح حزب الله لا يحلم. إنه صاحٍ في سوريا واليمن والعراق. وصواريخه الإيرانية الدقيقة ستبقى القرش الإيراني الأبيض، إذا ما حان، أميركياً، يومها الأسود.

في حالتنا اللبنانية المهترئة، لا مخرج لنا إلا أن يسأل المؤمنون بلبنان الله حماية إيران، إذا أرادوا أن يشملهم الله بحمايته.

ومع ذلك، ما زال رجال العهد القوي يرددون بقوة: لبنان أولاً.

ترى هل يرددون ذلك لخطأ في الحسابات السياسية، أم لجهل في وجود ثانياً وثالثاً في حساب الأرقام؟.

الله أعلم… وجبران باسيل يعلم أيضاً… لكنه لا يعترف.

 

وليد الحسيني

قمم في مواجهة الكوارث

walidالقمة ليست دائماً بلا فائدة. وبالذات إذا انعقدت في أسوأ الأيام. فهل تكون قمم مكة الثلاث هي الإستثناء؟

لم يسبق أن اجتاحت العرب المحن، من محيطهم إلى خليجهم، كما اليوم.

الخطر يستعد لخلع أبواب الخليج. والكوارث تتوالى بلا رحمة في أغلب المشرق العربي ومعظم مغربه.

لا شك أن العرب يدفعون، في هذا الزمان، ثمن انتصاراتهم في تلك الأزمنة.

يبدو أن أمة الفرس تنتقم من قادسية سعد بن أبي وقاص. وأمة الغرب تنتقم من صلاح الدين في تحرير القدس. وأمة الأتراك تنتقم من الشريف حسين في تمرده على امبراطوريتهم المريضة.

أمم تتكالب على الأمة!.

كل هذا كان متاحاً، بعد أن انقلب العرب على عروبتهم. واستلوا الألسنة والأقلام لتعريتها.

إنتكاس القومية العربية، أيقظ الأحقاد والأطماع لقوميات منتكسة تاريخياً. فعمل الفرس والعثمانيون على تحويل الإسلام إلى أحصنة طروادة.

الإيرانيون أخذوا من أمراض المسلمين المذهبية. فاستعانوا بها لجعل طهران عاصمة العواصم العربية الأربع.

بفضل المذهبية انتزعوا العراق من تاريخه. وبسلاحها تحكموا بلبنان. وببلائها زادوا اليمن ابتلاء. وبنجدتها استباحوا سوريا. ومن بوابة المسجد الأقصى سجدت لهم حماس في غزة.

أما الأتراك، فقد اختاروا الإنحراف بالإسلام، فركبوا موجة التطرف. فبركبانها إحتلوا بعض سوريا. وبمراكبها حاولوا مُلْكاً في ليبيا، بعد أن سقطت ممالكهم في مصر محمد مرسي وفي تونس الغنوشي.

أما الغرب فقد أسلم أمره لواشنطن وسلّم بأوامرها. وها هو ترامب يصطف في طابور الموالاة لاسرائيل، متقدماً على كل من سبقه. ومؤكداً أن الأميركي لا يكون أميركياً إلا إذا كان صهيونياً. وكما بلفور أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، أعطى ترامب اسرائيل القدس والجولان. وترحرح في صهيونيته فأنجز لها صفقة القرن بقرون اسرائيلية هائجة.

صحيح أن العروبة لم تستعد فلسطين. ولم تُشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي إلى الفضاء. ولم تزرع أرض السودان قمحاً ورزقاً. ولم تهب شعباً ديمقراطية كاملة، ولا حتى حريات ناقصة. لكن غيابها أبعد فلسطين إلى ما بعد بعد أدلب وصنعاء. وأشاد مفاعلاً مذهبياً مدمراً. وقذف فضاء مكة، قبلة المسلمين، بالصواريخ الباليستية، وأنزل من فضاء سوريا البراميل المتفجرة. واستبدل زرع الأرض بالحقول الخضراء، بزرعها بحقول الألغام. واستجاب لحرية الرأي، فلم يقطع الألسنة، فقد اكتفى بقطع الرؤوس التي تحملها.

لقد أدرك الملك سلمان ان الكوارث العربية قد أينعت رؤوسها، وحان قطعها، قبل أن تقطع رأس الأمة العربية، وتدفنه مهشماً ما بين طهران واستنبول وواشنطن. لهذا دعا لعقد قمتين عربية وخليجية. ففي الأيام الصعبة، نحتاج إلى اتخاذ القرارات الصعبة، والإجراءات الأصعب. فهل تتم ترجمة هذه القرارات للفارسية، وهل هي قابلة للترجمة على أرض الواقع؟.

سؤال نتمنى أن تكون إجابته: نعم.

وليد الحسيني

إزدواجية الندم واللاندم

walidلا يمكن لعربي أن يندم على تأييد ثورة الخميني، التي أطاحت بشاه إيران حليف إسرائيل بأوامر أميركية.

والعربي نفسه، لا يمكنه إلا أن يندم على تأييده ثورة الخميني، بعد أن أطاحت باستقرار المنطقة. وأشعلت نزاعاً شيعياً سنياً، كانت نيرانه قد أنطفأت بمرور الزمن.

ويستمر هذا العربي في تعامله مع إيران بإزدواجية الندم واللاندم.

فهو إذ لا يندم على اعتزازه بتأسيس طهران لجيش إسلامي قاهر، فإنه سرعان ما يندم، عندما يكتشف أن جيشها القاهر لم يقهر غير السوريين، بدفعهم إلى هجرات قسرية خارج سوريا، أو إلى النزوح داخلها، من أرض مرعبة إلى أرض أقل رعباً.

وهو لا يندم على الإشادة بدعم إيران لغزة المحاصرة. إلا أنه يندم لاحقاً، حين يجد أن الدعم رافقه نفخ إنفصالي، شجع حماس على فصل القطاع عن الضفة. وبذلك تكون طهران قد تسببت بشرخ فلسطيني لا يلتئم.

وهو لا يندم على مباركته إقامة إيران علاقات “أخوية” مع العراق، لولا أن الندم سيطر على العراقيين، بعد أن جرّعتهم الميليشيات الفارسية، كأس السم التي جرّعها صدام حسين للإمام الخميني في حرب عودة أمجاد القادسية. وبنجاح ميليشيات الحشد الشعبي في إلحاق مجموعات كبيرة من الشيعة بـ “قم”، نجحت إيران بالسيطرة على مقدرات العراق وقدره.

وهو طبعاً، وبالتأكيد، لن يندم على إمتنانه لدور إيران في دعم حزب الله في حرب تموز، غير أن اللبنانيين عانوا، بعد حين، من استمرار تدفق المال والسلاح لحزب الله، مما تسبب بإقامة دولتين: دولة حاكمة في بعبدا… ودولة متحكمة بدولة بعبدا.

وهذا العربي، الذي يحمل أثقالاً تاريخية من عداء أميركا وإسرائيل له، لن يتردد في ترديد شعارات خامنئي المطالبة بالموت لأميركا… والموت لإسرائيل. وعملاً بتلازم الندم واللاندم في مواجهة السياسات الإيرانية، فلا مفر له من الندم بتحول صرخة الموت التي لم تقتل أميركياً ولا إسرائيلياً، بل تحولت إلى فعل “الموت للعرب” بأسلحة وميليشيات إيرانية، تعبث في أكثر البلاد العربية، سواء في بلد بسطت عليه يدها… أو في بلد مدت إليه أصابعها.

وكأن إيران لا تكفيها صناعة الزلازل في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. فها هي اليوم تعرض المنطقة، بدولها وشعوبها، إلى زلزال، يعجز مقياس ريختر، عن قياسه.

لا شك أن أميركا يحكمها اليوم رئيس لا يطيق الدبلوماسية. ومصاب بهلوسة العظمة والجبروت والإبتزاز.

ولا شك أن إيران يحكمها من يتشبه بترامب. أي أن الشرق الأوسط يعيش اليوم صراع الهلوسات العظمى.

لكن ثمة فوارق بين هلوسة تمتلك الإمكانات… وهلوسة تمتلك أوهام الصواريخ المدمرة وغرور الحرس الثوري.

إنها حرب إذا وقعت، لن تجد إيران حليفاً لها. فهي حرب ستشعل أسواق النفط، الذي تحتاجه الصين. وتحتاج معه إلى تهدئة، ولو أدت إلى إجتياح أميركا لإيران.

وهي حرب ستفرض على بوتين الحياد. فالتدخل فيها لا يشبه التدخل في سوريا أو في جزيرة القرم. إنه دخول إلى حرب عالمية لن ترتكب روسيا بالتأكيد حماقة اشتعالها.

هي حرب، لن تتجاوز الإستعراض العسكري، ومع ذلك، فإن إيران ستدفع ثمنها كما لو أنها حرب فعلية. فكل الحقائق الميدانية تشير إلى أن ترامب سيحقق نصراً بلا حرب.

إذاً على إيران ان تنقذ نفسها بالعودة إلى حجمها الطبيعي… فالبالونات التي نبالغ بنفخها ستنفجر في النهاية بوجه نافخها.

وليد الحسيني

“ما فيش فايدة”

walidمن كل خطب وكلمات الزعيم سعد زغلول، كانت كلمته “ما فيش فايدة” هي الباقية في ذاكرة الناس، لأنها الكلمة الأصح والأصلح لذلك الزمن المصري، ولهذا الزمن العربي… وربما لأزمان مقبلة.

لبنانياً: “ما فيش فايدة” أن يتخلى اللبناني عن أن يحب لأخيه ما يحبه لعدوه. و”ما فيش فايدة” في الإنتصار على الفساد، لأن لا أحد يستطيع الإنتصار على شعبه. و”ما فيش فايدة” في القضاء على المذهبية طالما أنها تبيض ذهباً. و”ما فيش فايدة” في التخلص من النفايات في الشوارع، إذا لم يتم التخلص منها في الدولة وفي أهل السياسة. و”ما فيش فايدة” في إيقاف الهدر، وحكوماتنا تنفق كأنها تملك ثروة السعودية، في حين أن مداخيلها توازي مداخيل الصومال.

عراقياً: “ما فيش فايدة”، فكأس السم التي تجرعها الخميني في الحرب مع العراق، يردها خامنئي للعراقيين بتجريعهم كؤوس الحنظل. و”ما فيش فايدة” في أن يتوقف الحشد الشعبي عن حشد همجيته في مناطق السنة، ليوقظ الفتنة النائمة منذ أكثر من ألف عام. “ما فيش فايدة” في استعادة السيادة، في ظل الوجود العسكري الأميركي والنفوذ الشعبي الإيراني. و”ما فيش فايدة” في أن تعود المياه إلى مجاريها في دجلة والفرات وشط العرب، بعد أن شفطت، السدود التركية والحفريات الإيرانية، مصادر الحياة، التي جعل الله منها كل شيء حي.

مصرياً: “ما فيش فايدة” وقد ألهاهم التكاثر السكاني عن التكاثر الإنمائي.

سورياً: “ما فيش فايدة” في خروج الميليشيات. و”ما فيش فايدة” في إعادة الإعمار. و”ما فيش فايدة” في النصر الكامل على الإرهاب، ولا في الهزيمة الكاملة للإرهابيين.

فلسطينياً: “ما فيش فايدة” في التحرير، وقد دفنت منظمة التحرير الكفاح المسلح في ثلوج أوسلو. و”ما فيش فايدة” في توحيد البندقية الفلسطينية، منذ أن اعتنقت “حماس”، عبر جناحها المسلح “كتائب القسّام”، إستراتيجية الإنقسام.

يمنياً: “ما فيش فايدة” في الوصول إلى صنعاء مهما طال السفر. و”ما فيش فايدة” في أن يعود الحوثيون إلى إنتمائهم اليمني، بعد أن عمّدوا إيرانيتهم بالدم. و”ما فيش فايدة” في أن يحصل اليمنيون على كفاف يومهم من الخبز… والقات.

ليبياً: “ما فيش فايدة” بانقضاء شهر فبراير، الذي تسبب بالنكبة. فرغم أنه أقصر أشهر السنة، إلا أنه أطولها ليبياً، فهو ممتد منذ 8 سنوات. و”ما فيش فايدة” في أن يحل قريباً عن ظهر ليبيا، التي تحولت إلى فاقة بعد غنى، وإلى ذل بعد عز.

عربياً: كي لا يطول السرد ما بين المحيط والخليج، نقول باختصار: كما في البدء كانت الكلمة… ففي النهاية لا كلمة تعلو عربياً على كلمة سعد زغلول “ما فيش فايدة”.

وليد الحسيني

“قمصان عثمان”

walidكل التسهيلات التي أغدقت على الرئيس سعد الحريري لإعانته على فك عقد تشكيل الحكومة، خرجت من رحم المثل الشعبي “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل … وكول حتى تشبع”.

رغم ذلك فقد شبع الشيخ سعد. لكن أصحاب التنازلات الملغومة لم يشبعوا من تقديم “المسهلات”، التي أدت إلى نتائج عكسية، فتسببت بـ”كتام” حكومي مزمن.

لقد علمنا الماضي بقديمه، والحاضر بجديده، أننا أدوات نزاعاتنا الداخلية، لا أسبابها.

إذاً، الفرج يأتي من عنده “تعالى”.

و”تعالى” هنا ليس الله كما نعتقد ونؤمن، بل إنه تلك الدول المهيمنة على قراراتنا.

فلكل دولة لها “مربط خيل” في لبنان، مصالح كبرى. في حين أن مصالحنا لديها تختصر بالصغيرة … وربما بالحقيرة.

وهكذا فإن الفرج بالإفراج عن الحكومة، لن يأتي إلا من هناك.

والذي هناك، مازال يتمسك بالأزمة الحكومية، معتبراً أنها الثغرة التي ينفذ من خلالها لتخفيف ثقل العقوبات الأميركية. حيث من السهل على لبنان تبرير خرق هذه العقوبات بغياب الحكومة، وبالتالي غياب الرقابة والمتابعة والملاحقة. وبذلك يكون لبنان مسكّناً لبعض آلام إيران الاقتصادية. فالأسواق اللبنانية باستطاعتها توفير ولو القليل، من الدولارات والمواد المحظورة، سواء عن طريق مطار طارت عنه عيون الدولة، أو عن طريق حدود برية لا حدود فيها لنفوذ “حزب الله”.

وسط كل هذه الوقائع، هل يحق لنا أن نجاري تفاؤل سعد الحريري بحل قريب للأزمة الحكومية؟

جميعهم يعلن ولهه بالشيخ سعد. ولا يقبل بغيره رئيسا مكلفاً! ورغم هذا الإجماع، فإن جميعهم لا يتوقف عن فرقعة الشروط والعقد في وجه تشكيل الحكومة.

كان الله بعونه. فهو يكاد أن يكون المسؤول الوحيد عن بناء “سفينة نوح” لإنقاذ لبنان من الطوفان المدمر، الذي يتحدث عنه “المعرقلون” بجدية الساعة الآتية بلا ريب.

لن يمكنوه، طالما أن قميص عثمان أصبح قمصاناً بالجملة. فوراء قميص الوزير السني “الفائض عن الحاجة” يتلطى هذا الحزب. ووراء قميص إشتهاء هذه الوزارة يتلطى ذلك الحزب. ووراء قميص رفض الثلث المعطل يتلطى حزب ثالث.

ومن قميص عثماني مستورد إلى قميص عثماني مفبرك، تزداد أزمة التأليف تعقيداً.

وبسبب “فيترينة” قمصان عثمان، فاضى صبر عون والحريري عن حده. ويبدو أن الكي بالحسم هو أنجح دواء لهذا الداء المستعصي.

والسؤال: ماذا يمنع الرئيس المكلف من العودة إلى تقاليد الماضي الديمقراطي في تأليف الحكومات؟

يومها، كان إعلان أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب يشكل مفاجأة للكتل والأحزاب والوزراء أنفسهم.

إذاً، وإذا لم يتراجع “المعرقلون” عن عرقلاتهم، فلتشكل حكومة الأمر الواقع بأسماء وتوزيعات يختارها الحريري متوافقاً مع عون … ولا نظن أن عاقلاً سيتجرأ على الإنسحاب منها. إلا إذا كان ضميره الوطني قد مات تماماً.

صحيح أن حكومة الأمر الواقع مغامرة كبرى، لكنهم لم يتركوا للرئيسين خياراً سواها … بعد أن استوى لبنان وبلغ درجة الاهتراء.

وليد الحسيني