إعلانات بالدم

walidعندما يروّج بوتين للسلاح الروسي بقوله أن المعارك في سوريا جعلت العالم يعرف جيداً قدرة وقوة وأسماء أسلحته، يكون قد حوّل المأساة السورية إلى شاشة إعلانات.

هذا السلوك التجاري المعيب، يُفقد روسيا مصداقية الإدعاء بأنها جاءت إلى سوريا من أجل محاربة الإرهاب، والمحافظة على وحدتها وشرعيتها.

إنه يعلن بصراحة مخزية أن الأرض السورية، بمدنها وريفها، كانت حقل تجارب لأسلحته الجبارة. أنه بذلك يكون قد أثبت للدول الباحثة عن السلاح، أن موسكو هي المصدر المثالي للتسلح.

هذا استثمار رائع لمأساة مروّعة. فما تكلّفته روسيا في حربها السورية، ستعوّضه أضعافاً في صفقات السلاح المتوقع أن تنهمر طلباتها على الكرملين.

هذه ليست الدعاية الوحيدة التي قدمتها سوريا للقيصر الروسي. فقد منحته أيضاً دعاية سياسية عالية الجودة، حيث أتاحت له إستعمال “الفيتو” مراراً، مؤكداً من خلال مجلس الأمن، أن روسيا حليف لا يعوّض، في حين أن التحالف مع الغرب ليس أكثر من ثرثرة عاطفية.

وهكذا تكون سوريا قد وفّرت لبوتين قاعدة عسكرية في حميميم، وقاعدة سياسية قي نيويورك.

في حميميم وطرطوس، تحقق روسيا حلمها بالوصول إلى المياه الدافئة. وفي نيويورك، تمت لها السيطرة المطلقة على قرارات مجلس الأمن، ساحبةً بذلك البساط من تحت أقدام ترامب الأميركي وماكرون الفرنسي وتيريزا ماي البريطانية.

أكثر من سبعين عاماً والشركاء الخمسة في الإنتصار على النازية، يحكمون العالم بالفيتو.

يمارسون ديكتاتوريات الدول العظمى على دول لم تسهم في خوض حروبهم، ولم تقتل الملايين. في حين أن القتلة أخذوا من فظاعة ماضيهم مكافأة الحق في إدارة العالم، وحماية السلم العالمي والحريات وحقوق الإنسان.

وهم اليوم، يكررون، إلى حدٍ ما، ماضيهم العنفي. فبسبب صراع مصالحهم، يفتعلون الأزمات والحروب الأهلية. ويتحالفون مع ديكتاتوريات كرتونية. ويتسببون بنزوح الملايين هرباً من النزاعات المسلحة، هادرين بذلك أدنى الحقوق البشرية لهذه الأسر المشردة، عبر حرمانها من المأوى والرغيف والطبابة والمدرسة.

إذا بقي النظام الأممي على حاله، وهو باقٍ بكل تأكيد، فإن دول العالم الثالث ستبقى حطباً متروكاً لنيران الفيتو.

لكن الفيتو نفسه، قد يتحوّل إلى حزام ناسف ينفجر بحامليه. ودلائله تبدو في التنافس القذر، بين روسيا وأميركا، على لقب الدولة الأعظم. خصوصاً وأن خطوط التماس المباشر بينهما أصبحت متعددة ومتقاربة، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن أو كوريا أو أوكرانيا.

هذه ليست عودة إلى الحرب الباردة فقط. فمع وجود بوتين وترامب، وما يحملانه من عنجهية ومن جنون العظمة، نخشى من ارتكاب حماقات كبرى، تتحوّل معها حربهم الباردة إلى حرب ساخنة جداً.

وليد الحسيني

Advertisements

“جنيف صفر”: ماذا بعد الصورة التذكارية؟

كتب المحرر السياسي

بعد جنيف الأول وجنيف الثاني، لا تزال الأزمة السورية عالقة في جنيف صفر.  صفر للمعارضة على فشلها في دفع بندها الوحيد حول تنحي الرئيس السوري بشار الأسد.  وصفر للحكومة على عدم تمكنها من فرض بند تشكيل جبهة دولية لمكافحة الإرهاب.  ولأنها “الخطوة الأولى في مشوار الألف جنيف”، بقيت الصور التذكارية أهم خروقات المؤتمر الدولي، إلى جانب ابتسامة اليأس التي لم تفارق وجه الأخضر الابراهيمي.

يوضح دبلوماسي عربي عائد من جنيف لـ”الكفاح العربي” أن انطلاق “جنيف 2 لم يطلق عجلة الحل للأزمة السورية”.  فوحدة المسارات الإيرانية – السورية، باتت أمراً واقعاً يتحكم بدفة الحل السوري، ولا بد من انت

وفد الحكومة السورية إلى جنيف

وفد الحكومة السورية إلى جنيف

ظار نضوج التسوية الايرانية.  ويقول الدبلوماسي الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن المسار النووي الايراني لا يزال في مرحلة الاختبار، وهناك محططات كثيرة لا يمكن تجاوزها لاستكمال الاتفاق النووي المبدئي وتحويله إلى اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن.

ويرى المراقبون أن ايران اليوم غير مستعجلة للانخراط في الحل السوري، وهي تعتبر حوارها مع الغرب لا يزال في مراحله الأولى بعد عقود من العداء وانعدام الثقة.  فالانفتاح الايراني الذي يقوده تيار الرئيس حسن روحاني، ليس قوياً بالقدر الكافي لفرض تسويات اقليمية تتماشى مع هذا الانفتاح على الغرب.

ورغم عدم الاعلان رسمياً عن فشل “جنيف 2″، أملاً بجولات حوارية مقبلة، إلا أن كثيرا من الخبراء يرون أن كل شيء صيغ لكي يفشل. فالفشل مطلوب لأن ظروف التفاوض والتسوية لم تكتمل بعد.  فمن جهة، تجد السلطة نفسها أقوى على الارض وأكثر تماسكاً من المعارضة. ومن جهة ثانية، تعتمد المعارضة على حشد التحالفات الدولية والعربية لتعويض تراجعها العسكري، وتكثيف الضغط على حلفاء النظام السوري للقبول بمرحلة انتقالية تغيّر الحكم القائم في دمشق.

بعد الجولة الأولى، تستطيع السلطة السورية أن تقول إنها مدّت يدها للمعارضة فأفشلها “الائتلاف” لمواصلة العمل العسكري. ويستطيع أيضاً “الائتلاف” التذرع برفض النظام بحثّ تنحي الرئيس بشار الأسد وقيام الهيئة الانتقالية فيحمِّله مسؤولية الفشل ويتمسّك بمطالبه التقليدية بمزيد من الدعم السياسي والعسكري.

وبين الجدل حول جلوس طرفي المفاوضات في غرفة واحدة أم في غرفتين منفصلتين، بقيت أجواء “جنيف 2” ملبدّة بخطابات متباعدة حاول المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي جاهداً إعادة صياغتها بكلام يقرب وجهات النظر لكن دون جدوى.  فبقي وليد المعلم متمسكاً بأولوية مكافحة الارهاب ووقف عمليات تسليح المعارضة، مقابل أولوية “الائتلاف” لنقل الصلاحيات إلى هيئة انتقالية وتنحي الاسد.

ورغم تشديد الطرفان على عدم الانسحاب، بدا الابراهيمي المستمع الوحيد في حوار الطرشان، والأكثر تمسكاً بشعرة التفاؤل.

الحل يمر في ايران

يجمع المراقبون على أن الحل السوري يمرّ في إيران.  ويعتبر هؤلاء مغالطات استبعاد ايران من “جنيف 2” بعد سحب الدعوة اليها، شكّلت مخرجاً مريحاً لطهران لجهة عدم احراجها للقبول بأي تسويات قد يفرضها الراعيان الروسي والأميركي في جنيف.

فإيران تعتمد دبلوماسية “النفس الطويل” في إعادة ترميم علاقاتها مع الغرب.  وورش بناء الجسور التي يقودها الرئيس روحاني مع واشنطن، تحتاج إلى محطات زمنية طويلة، لا يمكن مدّها الآن إلى ملفات إقليمية مشتعلة تمسك الجمهورية الاسلامية مفاتيح الحل والربط فيها.

يدرك المرشد الأعلى للثورة الاسلامية علي خامنئي أن التركيز على الملف النووي ودعم السياسة الروحانية في كسر الحصار على ايران هو من الأولويات الاستراتيجية لفرض النفوذ الايراني اقليمياً.  وأن تطور الملف النووي سيؤدي إلى فرض ايران لحلول اقليمية تراعي مصالحها وأهدافها في المنطقة، لا سيما في العراق وسوريا.

وهنا لا بد من تسليط الضوء على نقطة مفصلية في التحالفات الاقليمية، التي تشكل موسكو محورها على جبهة قوى الممانعة.  إذ يعتبر المحللون أن السياسة السورية وإن كانت تبدي ارتياحاً للدعم الروسي المطلق للنظام في دمشق، إلا أنها لا تخفي حذرها الباطني من الصفقات الدولية المحتملة في المستقبل بين موسكو وواشنطن.  لذلك، تبقى السلطة في سوريا غير معتمدة بالمطلق على التطمينات الروسية، التي يتم الاستناد اليها في الفيتوات الثلاثة في مجلس الأمن، لكن مع ابقاء استقلالية القرار السوري في الأمور المرتبطة بتغيير النظام في أي مرحلة حكم انتقالي مقبل.

وتحاول واشنطن ومعارضو الأسد توجيه دفة المفاوضات إلى وجهة تثبت لموسكو أن الرئيس السوري وليس المعارضة، يشكل العقبة الأبرز التي تحول دون استقرار سوريا. وثمة سابقة غيَّرت فيها موسكو سياستها. ففي 2009، عارضت طهران عرض روسيا تخزين اليورانيوم الإيراني على أرضها، على رغم قبولها إياه قبل أيام. وأغضب هذا الموقف روسيا، فأيدت عقوبات “أممية” قاسية على طهران في حزيران (يونيو) 2010.

رسم خرائط بالدم والبارود: “تانغو” روسي – أميركي في سوريا

كتب إسماعيل يوسف

عام 2013 كان عام التبدلات السياسية المتسارعة على المستويات المحلية والاقليمية والدولية، مما جعل التغيُّر الدائم، هو الثابت الوحيد في “ربيع عربي” متقلّب لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فما هي التعديلات التي اعتمدتها ورش رسم خرائط “الشرق الأوسط الجديد” في الغرف العالمية المغلقة؟

غالباً ما تظهر إيران في حالِ اشتباك دائم مع الولايات المتحدة، إلا أن تاريخ ثورتها حافِل بالصّفقات المُذهلة مع “شياطين” واشنطن: من إيران غـيت، إلى الحلف غير المقدّس في حرب أفغانستان، ومن تواطُـؤ إيران مع أميركا في غزْو العراق عام 2003 إلى تقاسُم الغنائم بينهما لاحقاً في بلاد الرافديْن، وصولاَ إلى اتفاق جنيف النووي الأخير الذي يفتح أبواب الصفقات الدولية والتسويات الاقليمية على مصراعيها في أكثر من بلد عربي، وفي مقدمتها سوريا.

نبدأ من “جنيف” السوري الذي حدّد موعد جزئه الثاني، من دون أن تحسم امكانيات انعقاده.  مصدر دبلوماسي متابع للمفاوضات التحضيرية، قال لـ”الكفاح العربي” أن “الط

النزيف السوري يتواصل

النزيف السوري يتواصل

ريق إلى “جنيف 2″ حافل بالحواجز والمطبّات والمفاجآت، رغم قِصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عنه (أواخر الشهر الحالي)”. وتابع المصدر: رغم الاصرار الأميركي ـ الروسي الملزم لجميع الأطراف على تلبية الدعوة، إلا أن التوقعات المسبقة لا تزال في حدها الأدنى، لا بل أقل من الأدنى، حول تحقيق أي اختراق سياسي يحرّك عجلة الحوار بين النظام والمعارضة من أجل التوصل إلى اتفاق حول صيغة المرحلة الانتقالية ووقف الاعمال العسكرية.

وأشار المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن “الروسي يرى في المؤتمر فرصة للاتصال المباشر الأول من نوعه بين الأميركي (وزير الخارجية جون كيري) والسوري (وزير الخارجية وليد المعلم) منذ بداية الأحداث في سوريا.  وأوضح المصدر أن “هذه اللقاءات المرتقبة بين الوفدين السوري والأميركي، من شأنها إعادة وصل ما انقطع بين دمشق وواشنطن، خصوصاً إذا ما تحقّقت المساعي الروسية مع الولايات المتحدة في تشكيل جبهة عالمية جديدة ضد الارهاب، تكون سوريا والعراق إحدى ركائزها في الساحة الاقليمية”.

إذا، ليس الهدف من “جنيف 2” وقف حرب الاستنزاف السورية، أو إطلاق حوار وطني لتحديد آليات المرحلة الانتقالية وإعادة بناء ما دمرته الحرب.  الهدف، وفق المصدر الدبلوماسي، “هو حفظ ماء وجهي الراعيين الدوليين (أميركا وروسيا) واستكمال الجهود التي أنجزت حتى الآن اتفاقاً نووياً مع إيران وكيميائياً مع سوريا، وربما الوصول إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى”، التي تشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما فيها القضية الفلسطينية التي أخرجتها الإدارة الأميركية أخيراً من ثلاجة المفاوضات المجمّدة وأمهلت الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني أقل من سنة للتوصل إلى اتفاق إطار للسلام بين الجانبين”.

وحول الجدول الزمني لهذه التغيّرات، توقّع المصدر أن تشهد الأشهر الستة المقبلة تطوّرات دراماتيكية على الصعيدين السياسي والعسكري، قد تحدّد الشكل النهائي لخريطة “الشرق الأوسط الجديد”، من دون أن يعني ذلك نهاية الصراعات المشتعلة طائفياً ومذهبياً وعرقياً في مختلف أنحاء المنطقة.

ويختم المصدر حديثه لـ”الكفاح العربي” أن ما يجري اليوم من تبدّل لسياسات واشنطن تجاه سوريا هو ليس تغييراً بقدر ما هو “إعادة نظر” في الحسابات التي كانت تعتمد الخيار الاسلامي الديمقراطي قبل أن يثبت فشله وتطرّفه في دول “الربيع العربي”، لا سيما في مصر وتونس وليبيا.

التبدّل الأميركي

من الصعب تحديد النقطة الزمنية لتراجع سياسة إدارة أوباما تجاه سوريا.  هل كانت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حين وجّهت مجموعات مسلحة تابعة لتنظيم “القاعدة” صفعة مدوية للجيش الحر المدعوم من الولايات المتحدة، عبر الاستيلاء على مخازن أسلحة أميركية، مما دفع بواشنطن إلى توقيف عمليات تسليحها لمعارضي النظام؟  أم أن تفكك السياسة الأميركية بدأ في أيلول (سبتمبر) الماضي، حين ظهر الرئيس أوباما أمام العالم كـ”رئيس متردد” غير قادر على فرض “خطوطه الحمراء” بعد اتهام النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه؟  أم أن ضعف السياسة الأميركية ظهر قبل ذلك بكثير، أي منذ عدم ترجمة الوعود بتسليح المعارضة، والاكتفاء بإرسال مشاريع قرارات إلى مجلس الأمن، اصطدمت بجدار الفيتو الروسي – الصيني؟

هذا العجز الأميركي حفَّـز المعسكر الإيراني – السوري – حزب الله (وخلفهما العراقي بقيادة روسيا أولاً ودول البريكس ثانياً) إلى الاستفادة من الحرب الباردة الجديدة، والسعي إلى قلب الموازين ضد المعارضة السورية المشتتة سياسياً وعسكرياً.

الاستراتيجية الروسية

يجمع المراقبون أن ما يحكى عن تراجع أميركي في الشرق الأوسط لا يعكس حقيقة سياسة البيت الأبيض في المنطقة.  فالاتفاق الأميركي – الروسي يأخذ أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود السورية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.  فالتنافس الدولي يخضع اليوم لسلسلة من الاختبارات بين القوى العظمى التي ترى في “الربيع العربي” نافذة لإعادة بسط نفوذها في الشرق الأوسط، وملء الفراغ العربي الذي انتجته “فوضى السلاح والتكفير”.

هنا لا بد من العودة إلى وثيقة “استراتيجية الأمن القومي الروسية حتى عام 2020″، التي صدرت عام 2009 لفهم ما تريده موسكو اليوم.  تدعو الوثيقة إلى تحويل “روسيا المُنبعثة” إلى دولة كبرى مجدداً وإلى أن تكون إحدى القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم، وهي تحدد الأهداف والتهديدات والمهام والإجراءات، لتحقيق هذا الهدف على المدى القصير والمتوسط  والطويل (2020)، لكنها تربط هذا الهدف ومعه مبدأ الأمن القومي، ربطاً مُحكماً بالنمو الاقتصادي الثابت، مُشدِّدة على رفع مستويات معيشة المواطنين الروس، وعلى أولوية الإبداع والابتكار التكنولوجيين، و”العلم” و”الثقافة” و”الصحة العامة”، وحتى على “الروحانية”، في إطار “الذاكرة التاريخية الروسية”.

مقومات هذه الاستراتيجية لإعادة بناء الدولة الكبرى، هي: التركيز الشديد على المصالح القومية والاقتصاد والتطوير التكنولوجي – العلمي، والأهم، الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبـر ما يصفه البند الثالث من الاستراتيجية بـ “المشاركة الفعالة في تقسيم العمل الدولي”.

البند السابع في الاستراتيجية، يدعو إلى سياسة خارجية براغماتية ومنفتحة، عبْر العمل على بناء شراكات أو تحالفات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو حلف الأطلسي – أوروبا، والتركيز على الشرعية الدولية ودور الأمم المتحدة.

 طبّقت روسيا هذه الاستراتيجية بنجاح في عهد بوتين. فبعد أن أعاد هذا الأخير بناء الدولة الروسية (على رغم استمرار الفساد الهائل فيها)، انطلق في سياسة خارجية نشطة، تستند في آن إلى التعاون والتنافس مع أميركا.

ركّـز بوتين على الجوانب الإقليمية والتجمُّـعات الدولية: البريكس، منظمة شنغهاي، وحتى منظمة التعاون الإسلامي، وعلى فضاء الاتحاد السوفييتي. فمارس الدبلوماسية (في روسيا البيضاء وكازاخستان وتركمنستان)، وأثار المتاعب (في أوكرانيا ودول البلطيق) أو استخدم القوّة المُباشرة (في جورجيا).

أوباما فهِـم الرسالة من وراء هذا النشاط البوتيني المستجَـد، فوُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية التي استندت إلى احترام الدور الروسي في العالم وتقديم تنازلات في مجال الصواريخ الاعتراضية في أوروبا الشرقية وتقليص الأسلحة الاستراتيجية والاعتراف، نسبياً، بوضعية الاتحاد السوفييتي السابق، ودمج روسيا في النظام العالمي ومنحها دوراً في سلام الشرق الأوسط.

 في المقابل، حصلت واشنطن على دعم روسيا في عملية محاصرة إيران، وعلى تعاونها مع حلف شمال الأطلسي ضد الراديكالية الإسلامية في أفغانستان.

بيْـد أن استراتيجية إعادة التنظيم لم تكن كاملة، بسبب الشكوك الروسية بـ”السي. أي إيه” ودورها المُحتمَـل في التحريض على ما يسمى “ثورة الثلج” في روسيا.  كما أن بوتين أدرك أنه لن يستطيع مُنفرداً تعديل موازين القوى مع أميركا، وهذا أعاد موسكو إلى الحيرة القديمة بين التيارات الثلاث، الأطلسية والأوراسية والقومية – الشيوعية.

الشرق الأوسط، احتل اهتماما كبيراً  في استراتيجية الأمن القومي الروسي، قبل الربيع العربي، بسبب قلق روسيا من خاصرتها الرخوة في شمال القوقاز وآسيا الوسطى. وتجربة الشيشان (100 ألف قتيل)، لوّنت كل مقاربة بوتين للشرق الأوسط الإسلامي، خاصة في ضوء الثورة الشيشانية.

كان ثمة ثلاث أولويات في هذه الاستراتيجية: إيران وتركيا والخليج (إيران والعراق أساسا) والصِّـراع العربي – الإسرائيلي. وترافق رسم هذه الأولويات الروسية الجديدة، مع انفتاحٍ على الجميع ومحاولة إقامة توازُن بين كل القِوى الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، في مقدمتها إسرائيل.

نجحت هذه السياسة في وقف التدخلات الخارجية في الشأن الروسي، خاصة في الشيشان، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الروسي وأبرزت الدور العالمي لموسكو امام أميركا وأوروبا. ومن رحم هذه النجاحات، وُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية.

لكن، حين نشبت ثورات الربيع العربي، أُصيبت السياسة الروسية بالارتباك الشديد وشهد العالم تضارباً في المواقف الروسية. ففي تونس، دعمت موسكو الثورة. وفي  مصر، تردّدت ثم دعت النظام الجديد إلى التعاون معها. وفي ليبيا، رفضت التدخل الدولي، ثم قبِلت به، ثم عادت إلى رفضه والتنديد به. وفي البحرين، رفضت الثورة فيها وصمتت على التدخل العسكري الخليجي، ثم أبرمت صفقات تجارية مع حكومة المنامة. وفي ثورة اليمن، حذت حذو السياسة الغربية – الخليجية عينها.

الصدام الوحيد بين روسيا والغرب في خِضَم الربيع العربي، حدث فقط في سوريا. لماذا؟ من المُفيد هنا، إيراد تحليل ميدل إيست انستيتيوت، التي أوردت الأسباب التالية:

الأول، موسكو تعتقد حقاً أن واشنطن وحلفاءَها الغربيين أساءوا فهم ما يجري في سوريا. فبدلاً من احتمال أن يؤدّي سقوط نظام الأسد إلى قيام نظام ديمقراطي في سوريا، كما يعتقد الغرب، فإن روسيا تخشى أنه سيُـسفر عن بروز نظام سُـنِّي راديكالي، لن يكون فقط معادياً للغرب، بل أيضاً لروسيا. وهي تذكّــر بما حدث غَـداة التدخلات التي قادتها أميركا في أفغانستان والعراق وليبيا، وأدّت إلى بروز الأصوليات والفوضى.

الثاني، روسيا لا تعتقد أن إدارة أوباما، ولا حتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأبيض، مهتمّة حقاً بإسقاط النظام في سوريا. ولا يعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية والتعب من الحرب)، بل أولاً وأساساً، من المضاعفات السلبية التي قد تُـلقي بظلالها على إسرائيل، في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط النظام، لكانت شكّلت تحالف دولي لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أو من دونه.

الثالث، أن موسكو ترى أن الحفز الأساسي لأسقاط النظام السوري، يأتي من السعودية وقطر. وكانت أحداث الربيع العربي قد أشعلت مجدّدا مخاوف موسكو من الرياض، تلك المخاوف التي كانت سائِدة خلال حِقبة التسعينيات خلال حروب الشيشان، والتي لم تهدأ إلا بعد بدء التقارب السعودي – الروسي في عام 2003، ثم بعد أن أعلنت السعودية أنها تدعم الحلّ الروسي في الشيشان. لكن قبل هذا التاريخ، كانت موسكو تعتقد أن المملكة السعودية تُحاول نشر الإسلام السُنّي الراديكالي في الشيشان وشمال القوقاز وفي مناطق أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق. والآن، ترى موسكو أن الرياض تحاول استخدام الربيع العربي، لتحقيق مصالحها الجيو- سياسية الخاصة، من خلال دعم السلفيين في مصر وليبيا وسوريا، وقمع الشيعة في البحرين، وإحلال نظام سنّي موالٍ لها في سوريا. كما ليس واضحا لروسيا، حدود الطموحات السعودية، وهي تعتقد أن الولايات المتحدة ليست متنبِّهة لهذا الخطر.

والحصيلة؟  تصيغها مؤسسة الشرق الأوسط كالآتي: “موسكو تدعم الأسد، ليس فقط للحفاظ على عقود التسلّح واستثمارات النفط والقاعدة البحرية في طرطوس، ولا لأنها تخشى أن تنتقل سوريا من كونها حليفاً لها إلى أن تكون حليفة لواشنطن. ما تخشاه حقاً، هو أن سقوط الأسد، سيُـزيل عقبة هامة في وجه الحركة الأصولية السُنّية بقيادة السعودية، التي تسعى إلى مواصلة الانتشار.

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟ يمكن هنا الخروج بالخلاصات التالية:

–        روسيا قلِقة بالفعل من صعود الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، لكن ليس كثيرا. فهي قادرة على استيعابه في الداخل الروسي والإفادة من التناقضات المُحتملة في المنطقة.

–         ثمّة تبايُـن وحيْـرة في المواقف الروسية حيال الربيع العربي، ما أثّـر جزئياً على العلاقات مع أميركا ودفع الجمهوريين الأميركيين إلى وصف موسكو بـ “الخصم الجيو- سياسي الأول” في العالم.

–         الربيع سيدفع القيادة الروسية إلى إعادة نظر شاملة في سياستها الشرق أوسطية، التي كانت تتَّـبعها طيلة عقد: فالأزمة السورية نسَفَـت التوازنات الروسية بين تركيا وإيران، وبين إيران والسعودية، وربما لاحقاً بين إسرائيل ودول الربيع العربي.

الطريق إلى 2014: الغرب يراهن على صناديق الاقتراع بعد فشل صناديق الذخيرة في سوريا

كتب المحرر السياسي

مناخ المنطقة يتغيّر.  والخيط الإيراني ــــ الأميركي بات شبه جاهز لنسج اتفاقات دولية وتفاهمات اقليمية تشمل المنطقة برمتها.

ها هي واشنطن تبحث تخفيف عقوباتها على إيران، لدفع المفاوضات النووية في الاتجاه الايجابي.  وها هو نوري المالكي يعزز تقارب حليفه الايراني مع الولايات المتحدة، عبر إعلانه من العاصمة الأميركية  الانضمام إلى الجبهة العالمية ضد الارهاب.  وها هو جون كيري يظهر في الرياض لاحتواء الاعتراض السعودي على التفاهم الروسي – الأميركي حول سوريا، تمهيداً لانعقاد “جنيف – 2”.  وها هم صقور البيت الأبيض يتحوّلون إلى حمامات سلام – وخصوصاً بعد نزع الكيميائي السوري – تضغط على المعارضة السورية الرافضة لأي تسوية قبل تنحي الرئيس بشار الاسد.

إنها إذا خطوات الألف ميل على طريق التفاهمات الاقليمية والدولية التي لا تزال تحت الاختبار.

استراحة مقاتل

استراحة مقاتل

يُجمع زوار دمشق أن “الأفق بات مفتوحاً” أمام النظام السوري لإرساء تفاهمات جديدة وفتح مجالات أكثر ايجابية لإنهاء الحرب الأهلية في البلاد.  وينقل هؤلاء عن المسؤولين السوريين تفاؤلهم الحذر بالمرحلة المقبلة، على اعتبار أنه لا يمكن التخلص من مخزون الأسلحة الكيميائية لدى سوريا من دون أن يتزامن ذلك مع عملية سياسية لإنهاء الحرب هناك.

من المؤكد أن أسباب التشاؤم عديدة بشأن استعداد الأطراف المتحاربة في سوريا للانخراط في مفاوضات جادة.

ومن المؤكد أيضاً أن لا أحد – لا روسيا ولا الولايات المتحدة ولا إيران ولا السعودية أو غير ذلك من الرعاة الخارجيين سواء للنظام أو المعارضة – يستطيع أن يضمن نجاح مؤتمر جنيف الثاني.  ولكن كل هذه الأطراف قادرة على تحسين شروط التفاوض من خلال إرسال نفس الإشارة إلى كل الأطراف السورية، وهي أنها على وجه التحديد تستبعد من الآن فصاعدا أي نصر عسكري من قِبَل أي جانب على الآخر.  وهذا من شأنه أن يعمل كحافز قوي لدفع جميع الأطراف إلى الذهاب إلى مؤتمر جنيف، فلن تبدأ الأطراف المتحاربة التفاوض الجاد إلا إذا أيقنت أن البدائل الأخرى أصبحت مستحيلة.

لكن هناك رؤية أخرى تقول أن “جنيف – 2” بات ضرورة ولو شكلية لروسيا والولايات المتحدة لحفظ ماء الوجه.  فمجرد انعقاده بالنسبة لموسكو وواشنطن يكفي لاستكمال الحوار بين البلدين، حتى ولو كان من دون نتائج.

وفي خضم ما يجري من تطورات في الميدان، بدأت دوائر القرار في واشنطن وموسكو تضع تصوراتها لخريطة الطريق إلى «جنيف – 2» وما بعده. الموعد المبدئي هو بين منتصف الشهر الحالي ونهايته، غير أن تثبيت هذا التاريخ أو تعديله مرهون بقدرة الأميركيين على حسم هوية من سيمثل المعارضة السورية على طاولة المؤتمر، وهي مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة في ظل حرد بعض الأطراف العربية الداعمة للمعارضة بعد تسوية «الكيميائي» والانفتاح الأميركي غير المسبوق على طهران.

من المفاجآت المرتقبة أيضا، جدول أعمال «جنيف – 2». الخبراء لا يستبعدون أن تصبح قضية تشكيل جبهة دولية ـ إقليمية ـ سورية ضد «القاعدة» أولوية، ربما تتقدم على أولوية نقل السلطة، في ضوء معطى بارز يكرر طرحه الروس: إذا وافق النظام على أية تسوية انتقالية وشرع بالتنفيذ، فمن يضمن لنا أن الفريق الآخر (المعارضة) سينفذ؟

واللافت للانتباه أن ثمة طرح جدي بأن تتأجل الانتخابات الرئاسية في سوريا من صيف العام 2014 إلى نهاية العام 2015 أو 2016، على أن يكون الأسد جزءا من مرحلة انتقالية يبقى ممسكا خلالها بكل المفاصل الأمنية والقضائية والسياسة الخارجية في الحكومة الانتقالية، ويملك الحق بأن يترشح للانتخابات في نهاية هذه الحقبة.

التركيز اليوم يتمحور حول مصير الرئيس بشار الأسد. لكن مع اختلاط الاوراق، وخصوصاً خلال الأشهر الماضية، ظهرت في الدوائر الغربية ليونة سياسية تتلخص بالمسار التالي: بدأ الغرب مقاربته السياسية برفض أي تفاوض قبل سقوط الأسد ونظامه، ثم تراجع نحو القبول بمفاوضة النظام بعد رحيل رئيسه. ثم قبل ببقاء النظام، ولكن شرط رحيل رئيسه. ثم سلّم بوجود الأسد خلال المرحلة الانتقالية، ولكن من دون صلاحيات. وبين جولة تفاوضية وأخرى، جولة ميدانية ومحاولات لتغيير موازين القوى لصرفها على المسار الديبلوماسي .

إن ورقة تنحية الرئيس الأسد عسكرياً سقطت من أيدي خصومه، واليوم تحاول واشنطن إدارة خيار آخر: اسقاطه سياسياً أي في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2014، عبر الاتكال على “الناخب النازح” المتواجد في بيئة معارضة حاضنة في دول الشتات.

وتكشف أكثر من محادثة دبلوماسية حول سوريا أنّه بعد فشل خيار إسقاط الأسد عسكرياً، حسب نظرية السفير الأميركي في سوريا روبرت فورد، فإن خيار واشنطن الآن يتجه الى إسقاطه سياسياً، عبر إرغامه على التنحي بواحدة من طريقتين: الأولى منعه من الترشح في انتخابات 2014 ؛ والثانية حشد العدة الكافية لإسقاطه في هذه الانتخابات فيما لو اضطرت –  لسبب ما – الى القبول بإجرائها في ظل وجود الأسد منافساً فيها.

وفي المسودات التي يتم حالياً جسّ النبض في شأنها قبل إيصالها إلى طاولة المفاوضات الخاصة بالمرحلة السياسية الانتقالية في «جنيف – ٢»، هناك توجّه أميركي لفرض اتفاق يمنح النازحين حق التصويت في الخارج وإنشاء مراكز اقتراع لهم في الدول التي يقيمون فيها. وفي المقابل، فإنّ دمشق ستتمسك بأن تكون مراكز الاقتراع داخل الأراضي السورية، ولو ضمن إشراف دولي وسوري مشترك عليها.

والواقع أن فكرة الخلاف هنا هي على المناخ التي ستجرى في أجوائه عملية اقتراع النازحين، ذلك أن معظم الدول التي تستضيفهم، وخاصة في الخليج وتركيا، معادية للأسد، وتعمل لإزاحته، كما أنّه في الأردن ولبنان يتم جذب النازحين للإقامة في بيئات سياسية معادية للنظام ومنخرطة في جهد المعارضة السورية.