عاصمة المعارك

walidلولا الشكل، ما كان بالإمكان معرفة الذين نعرفهم.

لا لأن التجاعيد عدّلت رسم الوجوه. ولا لأن الشيب غزا الرؤوس. ولا لأن النظارات الطبية شوّشت الملامح.

الذين عرفناهم سابقاً، لا نعرفهم اليوم. فهم ليسوا هم.

حاضرهم يكذّب ماضيهم. فالشهيد رفيق الحريري لا يكافأ بعاطفة تكمن خلفها عاصفة تستهدف كل ما بناه.

إنهم أشبه بثقوب الجدري التي تشوّه وجه الحريرية.

مجموعة من “المنشقين” تسعى حثيثاً إلى شق وحدة بيروت. لكن أهل العاصمة يعلمون جيداً، أن أعضاء “لوائح الغدر” لا يعملون لنجاح لوائحهم. هم مجرّد أنياب مستعارة مكلفة بتمزيق وحدة مدينتهم.

إذاً، المعركة ليست بين تسع لوائح، كما يشاع. هي معركة تشتيت أصوات “بيروت الإعتدال”، مقابل وحدة أصوات “التكليف الشرعي”.

هذه هي المعركة الحقيقية. أما لوائح “أحصنة طروادة” فدورها ينحصر بإشغال حراس قرار بيروت، مما يسهّل على لائحة “الممانعة” التسلل ونزع القرار من حضنه البيروتي.

لكن من الصعب أن تستسلم بيروت وتنتخب بمعايير مذهبية، متخلية بذلك عن تاريخها وخياراتها.

صحيح أن بيروت ليست عاصمة “البيارتة” … فهي عاصمة لبنان. ولهذا، كثيراً ما انتخبت نواباً عنها من غير أبنائها، شرط المحافظة على تنوعها والتمسك بعروبتها واعتدالها. ومن باب أولى أن يكون شرطها الأول أن لا يختلط دمها العربي النقي بدم قومية من نوع “قم” … لأقعد محلك.

على ضوء ما يجري، فإن المعركة ليست ضد سعد الحريري. لو كانت كذلك، لكانت مبررة ومباحة. لكنها محاولة بائسة ويائسة ضد بيروت. وهي لهذا لن تسمح بأن يدخل إلى مجلس النواب نواب يمثلونها ولا يمثلون اتجاهاتها وتوجهها.

وللإستدراك، لا يحق لأحد أن يدرج جميع أعضاء “لوائح الغدر” في القائمة السوداء. فثمة من إنضم إليها بنية حسنة، على أمل أن تحصل لائحته على أعجوبة “حاصل” قانون العجائب … فيفوز بمقعد نيابي.

مشكلة هذا النوع “البريء” من المرشحين، عدم إدراكه أنه بالجري وراء وهم الفوز، يكون قد شارك بتنفيذ سياسة “فرّق تسد”. وبالبراءة نفسها التي تصل إلى حد السذاجة، يكون قد فرّق الصوت البيروتي، ومكّن صوت الممانعة من أن يسود على بيروت وأهلها.

لقد فات أوان التحذير بعد أن فعلوها. وسواء تم الفعل بنية سيئة أو حسنة، فالأمر الآن سيان. وهذا يستدعي أن يعلو صوت بيروت على صوت التفرقة والمفرقين. الوضع يتطلب الإستنفار لا الإستهتار … فاستنفروا … ولا تستهتروا.

وليد الحسيني

Advertisements

رفيق الحريري الذكرى العاشرة والحاضرة

أَحبَّ رفيق الحريري لبنان … حتى الموت.

وهذا ما كان.

عشر سنين مرّت على “أم الفواجع”، ومازال الغياب مزلزلاً، ومازال الحزن مقيماً.  فعلى مثله لا تغلق ذاكرة ولا تشفى جراح.

من دونه تدنّى كل شيء.

مطاره الذي كان ذراعاً أنيقاً ونظيفاً لاحتضان ضيوف لبنان، تدنّت لياقته.

ومستشفى بيروت التي أرادها مفخرة طبية، تدنى مستواها ومحتواها وبليت أجهزتها، وتحوّلت إلى مغارة “علي بابا”.

ووسط بيروت الذي بناه بإلهام الفنان التشكيلي ليكون بهجة الناظرين والزائرين، ومقهى العرب ومطعمهم، وجاذب استثماراتهم ومقرّ نشاطاتهم الاقتصادية، يكاد يتحوّل إلى منطقة مقفرة، بعد أن كان نموذجاً تحلم بمثله كل العواصم العربية.

وجسوره وطرقاته وأنفاقه بدأت تتآكل إهمالاً، وتقصيراً ربما متعمداً.

والكهرباء التي أعادها لكل لبنان بلا تقنين وانقطاع، ها هي تلفظ قوتها وتخضع للتقنين في مكان وللإنقطاع في مكان آخر.

أشياء كثيرة وكبيرة بناها كرجل إعمار … عطّلتها قوى الدمار.

حتى الوطن الذي أنقذه في الطائف من حربه الطائفية، أعادوه بقوة إلى حروب مذهبية مموهة نيرانها بالرماد، الذي قد يتطاير عند أول عاصفة سياسية لتنكشف النار أمام أفواه نافخيها.

حتى جذوره التي تركها لتتابع نهجه ومسيرته، هددوها وأبعدوها في محاولة يائسة تعمل ليباس أشجار الحريري التي زرعها في السياسة والإقتصاد والإنماء.

كان رحمه الله واضحاً وصريحاً.  لا يحب أن يثير الغبار حول أفكاره وبرامجه.  إذ ليس هناك ما يحاول أن يخفيه.

خاض حرب الإعمار بعقلية رجل الإقتصاد … لا المقتصد.

كان يدرك وهو يبني لبنان أن البناء عدو الدمار.

كان يدرك وهو يعيد الحياة إلى اللبنانيين أن الحياة عدو الموت.

كان يدرك وهو يزرع الحب بين أبناء وطنه أن الحب عدو الكراهية.

كان يدرك وهو يعيد قيم التسامح أن التسامح عدو الحقد.

كان يدرك وهو يفرض الإعتدال أن الإعتدال عدو التطرف.

كان يدرك وهو يضيء كل لبنان أن الضوء عدو العتمة.

جرف الحرب ولملم الدمار وألقى بهما في بحر النسيان.

رسم بيروت عروساً … وأخرجها من وسط الركام مدينة تضجّ بالنور والفرح والناس.

بقي لديه الكثير من الأحلام قبل أن يتحالف ضده الموت والكراهية والحقد والتطرف والعتمة، ليشكّلوا معاً متفجرة هائلة كمنت لقلبه في قلب بيروت.

في تلك اللحظة الإرهابية الفظيعة، وقعت “أم الفواجع”.

وليست صدفة أن يقتلوه في يوم الحب.  فقد كانوا يدركون أن الحب هو رابطه المقدس بلبنان واللبنانيين … فقرروا قتلهما معاً.

لقد رحل رجل إعمار الوطن.  وكأنه أراد أن يكون مثواه الأخير مسجد محمد الأمين.  وكأنه أراد أن يكون هذا المسجد آخر إعماره … وآخر جسر يبنيه بين بيروت والله.

 

وليد الحسيني

قهوجيات: مسيرة للكلاب

تبرز عاصمة لبنان بيروت كمدينةٍ للعجائب والغرائب، حاضنةً للشيء ونقيضه، وحاوية لمختلف الاتجاهات السياسية والتيارات والأحزاب، وشاهدة على تصارعها ومنافساتها مع بعضها البعض عبر جميع وسائل الاعلام وعبر التظاهرات والمسيرات والمهرجانات والندوات، حيث يتخلّلها من وقت لآخر بعض التفجيرات القاتلة والاغتيالات وتدهور حالة الأمن وارتكاب التجاوزات بخرق القوانين والأعراف.. الخ.

مع هذا السيل المتفجِّر فإننا نرى غزارة طافحة في البرامج الغنائية واللقاءات الفنيّة والثقافية ومعارض الكتب المتنوعة والمنافسات الرياضية وسباق الماراتون الكبير والاحتفالات الفخمة لانتخاب ملكات الجمال وعروض الأزياء العالمية وأخر صرعات الموضة.. .

هذا التنوَّع المتعدد جعل من بيروت ميداناً عجيباً غريباً لاجتماع المتناقضات اللبنانية في الوقت نفسه وعلى تماس بل وتشابك بعضها بالبعض الآخر، استطاعت أن تستقطب وتستقبل أيضاً غالبية المتناقضات العربية وتصبح – منذ عقود – الملاذ الذي يتعايش فيه السلب والايجاب، والتطرف والاعتدال، والوعي والغياب عن الوعي!

من جملة الأعاجيب، وربما تمشياً مع رواج “المسيرات” شاهدنا منذ أيام مسيرة سلمية أنيقة “للكلاب” الداجنة في وسط المدينة برعاية “جمعية حقوق الكلاب”، حيث شارك فيها عدد من كلاب العاصمة والمناطق وكذلك من بعض البلاد العربية. كان هدف المسيرة إظهار جمال الكلاب وإيصال الصوت إلى المسؤولين للبت بحقوق الحيوانات كافة وليس فقط ما يخص الكلاب! والمطالبة بالعدالة وإرساء قواعد راسخة للسلم الأهلي واحترام صوت ونباح الآخر!! وَحَصَلَتْ أثناء تلك التظاهرة الحضارية الجميلة والمؤثّرة مبادرات التعارف الودي بين بعض الكلاب رغم تنوّع أجناسها، وكذلك بين أصحاب الكلاب أنفسهم، حيث تمَّ تبادل الخبرات وشرح الأهداف “الكلبيّة” البعيدة المدى!! والتأكيد على استمرار التواصل وتبودلت العناوين والإيميلات، وشكَّل الاحتفال فرصة ذهبيّة للمعلنين عن مأكولات الكلاب وأنواع الشامبو المخصَّص لها وعناوين العيادات والحمّامات وصالونات الحلاقة المجهّزة بأحدث المعدات والتقنيات المفيدة للكلاب والهررة وما يعادلها من حيوانات!

في ذلك الجو “الكلبي” الرائع لم يخل الأمر من بعض النباح الذي صَدَحَ من هنا وهناك، وكان نباحاً لطيفاً يدل على النوايا السليمة ويعبِّر عن ثقافة كلبيّة عميقة، على الرغم من تطفّل بعض الكلاب “الجعارية” الشاردة الطارئة التي بادرت إلى إطلاق “تهويشات” مزعجة، كانت أقرب إلى “العواء” منها إلى النباح!!

في بيروت اليوم نستطيع أن نكون من ضمن المدعوين إلى حفلة غناء ورقص، أو إلى حفل عرض أزياء، أو حضور ندوة ثقافية أو مهرجان سينمائي، أو معرض فن تشكيلي… .

في بيروت اليوم، هناك إمكانية للاشتراك بمسيرة حاشدة وتحت شعارات وطنية، قومية، حزبية، عشائرية.. . وكذلك هناك إمكانية للاشتراك بتظاهرة “كلبيّة” وتحت نفس الشعارات الآنفة الذكر!!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

“عيدية الإرهاب”

من تفجير ستاركو

من تفجير ستاركو

أي “عيدية” في بلاد تطرد الأعياد؟

وأين هي الأيام التي نسأل الله أن يعيدها علينا باليمن والبركات؟

لا “عيدية” للبناني غير ما يهديها إليه الإرهاب.

والإرهاب يقدّم لنا هداياه في الأعياد وخارجها.  فكل فرصة تتيح له وضع سيارة مفخخة هي، بالنسبة له، عيد يستحق “عيدية”.

وآخر معايداته، بين عيدي الميلاد ورأس السنة، متفجرة “ستاركو” التي أودت بحياة ثمانية أبرياء بينهم رأس محمد شطح، “رأس الحكمة” السياسية في بلاد تعيش بلا حكمة ولا حكومة ولا حكم.

يحدث هذا، وقد حدث كثيراً من قبل، لأننا نمدّ للإرهاب يد المساعدة ليحضر إلى لبنان ويحضّر عملياته السوداء.

نحن الذين نغريه في استيطان بلادنا الخضراء.

نبثّ الشائعات، ونكيل الاتهامات، ونسترسل في حملات التخوين، وننقب عن الفتنة، ونردح بالسباب والقدح والذم.

نحن الذين نوفّر البيئات الحاضنة.  ففي كل مكان في لبنان، للإرهاب مكان آمن … فيه ومنه يضرب الأمن والأمان.

هو عدو، لكننا نستعين به على “الأعداء”.

منذ أن مزّقنا “حصر إرث الميثاق الوطني”، ومنذ أن “بلّينا اتفاق الطائف بالماء وشربناه”، ومنذ أن اختلطت أنسابنا ولم نعد نميّز بين أمنا لبنان وبين أمهاتنا بالتبني غرباً بالولاء، وشرقاً بالتبعية … منذ أن كان كل هذا، أصبحت أعيادنا مناسبات للقتل وتقبل العزاء.

مع هذا الخليط من الولاء والتبعية، جفّت عواطف الأبوة والأمومة والأخوة، وأصبح الوطن لقيطاً يتعامل معه الجميع على أنه إبن حرام.

ومن عجائب اللبناني وغرائبه، أنه بدل العمل على التهدئة والتوافق والاستقرار، يفعل كل ما يزيد قلقه قلقاً، ومخاوفه خوفاً.

يعاند ذاكرته، فلا هو يسمح لها في إنعاش الماضي الذهبي في مرحلة ما قبل اغتيال الشهيد رفيق الحريري، للبنان الإعمار والإزدهار.  ولا الذاكرة تجد في رأسه المغلق مكاناً لصورة واحدة من آلاف الصور المأساوية والمرعبة، التي عاشها خلال الحرب الأهلية، والتي يصرّ على عودتها، فيما تصرّ هي على أن لا تعود.

يجب علينا الاعتراف بأننا نتكاره إلى حد الاقتتال.  ونختلف إلى حد الخيانة.  ونكذب إلى حد القضاء على الحقيقة.

إننا مجتمع مشوّه ومجنون، رغم كل ما نعيشه من تحضّر ومعرفة وثقافة. فضميرنا الوطني لا يكاد يستيقظ للحظات، حتى يعود إلى السبات لسنوات.

نتعصّب في أغانينا للبنان، ولا نستغني عن تعصّبنا لمذاهبنا وطوائفنا وجعلها أعلى من قمم جبالنا الشامخة، وأبقى من أرزنا الخالد.

لولانا، لما نجح الإرهاب في تفخيخ أعيادنا، ولما نجح في توزيع “عيدياته” علينا في الأضرحة والمقابر.

سامر الحسيني

الأشرفية ليست سويسرا … أيها الشيعي

غرافيتي "نعم للفدرالية" على جدران الأشرفية

غرافيتي “نعم للفدرالية” على جدران الأشرفية

 لم يعد “التشبيح” في لبنان حكراً على الأجنحة العسكرية وقاطعي الطرق وعصابات الخطف والترهيب.  ففي زمن اللا دولة واللا أمن واللا قانون، تسلّلت أعمال البلطجة إلى أحد أرقى أحياء الأشرفية، في فضيحة تطاول عائلات ميسورة وأبناء نافذين.

القصة الفضيحة بدأت عند الثانية بعد منتصف ليل الأحد الماضي، حين قام رجل الأعمال أ. ن. الذي يقطن في أحد المباني الراقية في شارع شحادة – الأشرفية، بإخراج كلبه برفقة خطيبته من الجنسية السويسرية  في نزهة.  وفي طريق عودته إلى المنزل، اعترض طريقه شاب في سيارة من نوع “إنفينيتي”، ليتحرّش بالخطيبة ويوجه لها سيلاً من الكلمات النابية.  حاول رجل الأعمال اللبناني البالغ من العمر 43 عاماً، إحتواء الموقف، لكن سرعان ما ترجّل الشاب من سيارته وانهال عليه بالضرب.  وإذ بأصدقاء الشاب العشريني الذين كانوا يقيمون حفلاً في ذات المبنى الذي يقطنه المعتدى عليه، ينضمون إلى “معركة كسر العظم”، موجهين إلى الضحية كلاماً مذهبياً: “هنا لست في سويسرا، أيها الشيعي”!!

دقائق قليلة، وتدخّل والد أحد الفتية، لينتشل “جاره” من أيدي “شبيحة الأشرفية”، ويرافقه إلى إحدى الحانات القريبة.  ويروي رجل الأعمال أنه تفاجأ حين حاول الجار تحويل الحديث من حادثة الاعتداء إلى البحث في إمكانية إقامة “شراكة بزنس” في استثمار أحد العقارات الضخمة في بيروت.

يتابع رجل الأعمال الذي تقدّم بشكوى في مخفر الأشرفية، أن التحقيقات الأولية تظهر تورّط أبناء مسؤولين ورجال أعمال نافذين في لبنان … لكن ذلك يزيده تصميماً على مواصلة قضيته، على أمل إثبات أن طريق لبنان إلى سويسرا يمرً في الأشرفية.