معتقل المطالب

walidمهما تمادى السياسيون في حب لبنان فلن يتخلوا عن “الأنا أولاً”.

لم تكن هذه الحقيقة موثقة، إلا بعد أن فضحتها شروط تأليف الحكومة.

إذا لم يتم منع “الأنا أولاً” من التداول في مفاوضات بيت الوسط، فذلك سيعني نهاية مبكرة للعهد القوي.

وهنا تبرز أهمية العودة إلى شعار “لبنان أولاً”. إذ أنه الشعار الوحيد القادر على حلحلة العقد والمحافظة على بقية من قوة العهد.

لا يحتاج اللبناني إلى أدلة لإثبات أن غرفة التحكم بإشارات مرور عربة الحكومة، موجودة في قصر بعبدا. وأن بعبدا مازالت تتمسك بإضاءة الإشارة “البرتقالية”. وما زال اللبنانيون ينتظرون إضاءة الإشارة الخضراء، التي تسمح لعربة الحكومة بالإنطلاق نحو السرايا. كما لا يحتاج قصر بعبدا ليعرف أن العهد هو الجهة التي ستدفع فاتورة الفشل، أو التي ستربح جائزة النجاح.

بالتأكيد، لا يستطيع سعد الحريري لوحده أن يجعل الكتل النيابية الكبرى تتسامح كالسيد المسيح. فبعضها، أي بعض الكتل، ينفخ في أحجامه لتصبح جبالاً… وبعضها الآخر يحاول أن يمسخ الجبال لتصير أودية سحيقة.

لا هذا البعض ولا ذاك يحمي لبنان من مخاطر لا ريب فيها.

إن الرؤوس المتعالية على مصالح الوطن يترتب عليها الإنحناء قليلاً. وإلا فإن العواصف الهوجاء قد تهددها بالإقتلاع.

من واجبات الحريري ومسؤولياته الوطنية أن يرفض الإستسلام. وأن يستمر في صبره على من لا صبر له في قطف ثمار “شجرة الحكم”.

والمضحك، الذي يبكي، حتى “صخرة الروشة”، أن كل فريق يسمي مطالبه الحكومية بالمطالب الوطنية. وأنها إذا لم تتحقق فإن البلاء سيعصف بلبنان. ومن المضحك فعلاً، ألا يدرك هؤلاء “الوطنيون” أن الشعب لن يغفر لهم وطنيتهم هذه، التي تمثل التعبير الأمثل للمقولة المعروفة “ومن الحب ما قتل”.

وسط صراع “الأنانيات”، لا مفر من العودة إلى بعبدا.

لقد أفهمونا، وفهمنا، أن هناك الرئيس القوي.

وكذلك أفهمونا، وفهمنا، أن عقبات التأليف تستهدف انطلاقة العهد.

وطالما أنه هو القوي، وهو المستهدف، فهو الأولى بالدفاع عن نفسه.

لا أحد يمكنه أن يصدّق بأن جبران باسيل هو من يقرر مطالب التيار الحكومية. فصاحب القرار الحقيقي ما زال هو… هو. سواء كان في الرابية أو في بعبدا.

ومن المعروف أيضاً، أن القوي هو الأقدر على التنازل عن جزء من “فائض قوته”… وعندئذ تصبح العقد بلا عقد.

وكما أن بعبدا هي التي تمتلك قرار الإفراج عن الحكومة من “معتقل المطالب”، فإن بيت الوسط هو مفتاح الحل الدستوري والوطني.

والحل ليس حلاً لمسألة حسابية، تشترط القسمة على أربعة، ومن ثم، تقسيم الناتج على ثلاثين. فسعد الحريري ليس أستاذ حساب في مدرسة السياسة. وفي الوقت نفسه لم يسبق أن تم تشكيل الحكومات، لا في لبنان، ولا في العالم، على هذه القاعدة الحسابية البدائية والساذجة.

وإذا كان لا بد من حسابات، فحسابات التأليف هي دائماً سياسية واقتصادية.

أي أن يكون “النأي بالنفس” هو القاعدة السياسية، التي لا تعطّل بالثلث المعطل. وأن يكون الإصلاح هو القاعدة الإقتصادية التي تسمح لـ”سيدر” أن يدر خيراته.

والمشكلة أن هذه الحسابات لا يأخذها أحد بالحسبان… فحسبي الله ونعم الوكيل.

 

وليد الحسيني

Advertisements

التأليف … أسهل الصعاب

walidالرئيس المُكلف سعد الحريري مُكلف بماذا؟

بتشكيل حكومة من أبطال المُلاكمة؟

بانتشال زير الإقتصاد من بئر الإفلاس؟

بالقضاء على الفساد في شعب يتمسك بفلسفة “قطع الأعناق ولا الأرزاق”؟

بتطبيق سياسة “النأي بالنفس” في بلد تنقطع أنفاسه إذا انقطع عن الخارج؟

نعم هو مُكلف بكل هذا… وبلا مُعين غير الله.

مع ذلك، فإن تشكيل الحكومة ليس مُشكلة. هو خطوة صغيرة لحل المشاكل الكبيرة.

كل سياسي وكل مسؤول، يحفظ جيداً جدول أزمات لبنان. لكنه لا يبحث عن حلول إلا لأزماته الخاصة وما يتصل بحزبه. أما أزمات لبنان فمتروكة لـ “طائر الفينيق”، فهو القادر على بعث لبنان مُجدداً من تحت الرماد ليعلو فوق الدمار، وليدهش العالم بانجازاته ومعجزاته.

والسؤال: هل من الضروري أن يحترق البلد، ومن ثم، الإستنجاد بإطفائية “طائر الفينيق”؟

حتى لو كانت هذه الأسطورة حقيقة، فهي أعجز من أن تشفي لبنان من أمراضه المزمنة والمستعصية. ففي لبنان قيادات سياسية يجتاح رأس كل منها “ذكاء شرير”، له القدرة على تحليل الحرام وتحريم الحلال، وتقديم الأدلة التي تجعل باطله صواباً، وصواب الآخرين باطلاً.

إذاً، لا يكفي أن يفتح سعد الحريري “ورشة” للملمة شظايا الوحدة الوطنية، في حكومة تبدأ مشاكلها الفعلية بعد التأليف.

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجمع أعضاء حكومة “تجمّع الاعداء”، هو الصورة الوحيدة، التي تعودت الحكومات إلتقاطها على أبواب قصر بعبدا. أما بعدها فستتوالى الصور المتفرقة بتحول الوزارء إلى فرقاء، وطريق الحكم إلى مفارق.

بتعبير أدق، ليس أمام سعد الحريري سوى القبول بإدخال “الدببة” الى كرم مجلس الوزراء، الذي سيتحول، حكماً وحتماً، من فعل للحل إلى إفتعال للأزمات. فالتناقضات تفرض المواقف المتناقضة. والحكم في هذه الحالة لا يستوي بين أصحاب النظرات الإنقاذية الثاقبة، وبين أصحاب النظرات “الثاقبة… للوطن”.

إن “التخلف الوطني” مخيف. وما عاد من الممكن تغطيته بعدد الجامعات، ونوعية المدارس الخاصة، وإحصاءات الخريجين، ومهارة الأطباء، وشطارة رجال المال والأعمال، وقوة المصارف… ولا بالمستوى الرفيع المزعوم في حقلي الإعلام والثقافة.

كل مصادر القوة هذه، يغلبها بسهولة ضعف الحس الوطني. حيث لا بد من الإعتراف بأن لبنان يعاني من تماسك وطني هش، ومن طبقة سياسية تخفي ما تؤمن لأنها تؤمن بإخفاء الفضائح.

طبقة سياسية تتغزل بلبنان على طريقة سعيد عقل… وتتآمر عليه بلا عقل.

المهمة صعبة يا شيخ سعد… والتأليف أسهلها… فماذا أنت فاعل… وهل بإمكانك وحيداً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أنياب من أوكلت إليهم مهمة الإنقاذ؟

وليد الحسيني