قمم في مواجهة الكوارث

walidالقمة ليست دائماً بلا فائدة. وبالذات إذا انعقدت في أسوأ الأيام. فهل تكون قمم مكة الثلاث هي الإستثناء؟

لم يسبق أن اجتاحت العرب المحن، من محيطهم إلى خليجهم، كما اليوم.

الخطر يستعد لخلع أبواب الخليج. والكوارث تتوالى بلا رحمة في أغلب المشرق العربي ومعظم مغربه.

لا شك أن العرب يدفعون، في هذا الزمان، ثمن انتصاراتهم في تلك الأزمنة.

يبدو أن أمة الفرس تنتقم من قادسية سعد بن أبي وقاص. وأمة الغرب تنتقم من صلاح الدين في تحرير القدس. وأمة الأتراك تنتقم من الشريف حسين في تمرده على امبراطوريتهم المريضة.

أمم تتكالب على الأمة!.

كل هذا كان متاحاً، بعد أن انقلب العرب على عروبتهم. واستلوا الألسنة والأقلام لتعريتها.

إنتكاس القومية العربية، أيقظ الأحقاد والأطماع لقوميات منتكسة تاريخياً. فعمل الفرس والعثمانيون على تحويل الإسلام إلى أحصنة طروادة.

الإيرانيون أخذوا من أمراض المسلمين المذهبية. فاستعانوا بها لجعل طهران عاصمة العواصم العربية الأربع.

بفضل المذهبية انتزعوا العراق من تاريخه. وبسلاحها تحكموا بلبنان. وببلائها زادوا اليمن ابتلاء. وبنجدتها استباحوا سوريا. ومن بوابة المسجد الأقصى سجدت لهم حماس في غزة.

أما الأتراك، فقد اختاروا الإنحراف بالإسلام، فركبوا موجة التطرف. فبركبانها إحتلوا بعض سوريا. وبمراكبها حاولوا مُلْكاً في ليبيا، بعد أن سقطت ممالكهم في مصر محمد مرسي وفي تونس الغنوشي.

أما الغرب فقد أسلم أمره لواشنطن وسلّم بأوامرها. وها هو ترامب يصطف في طابور الموالاة لاسرائيل، متقدماً على كل من سبقه. ومؤكداً أن الأميركي لا يكون أميركياً إلا إذا كان صهيونياً. وكما بلفور أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، أعطى ترامب اسرائيل القدس والجولان. وترحرح في صهيونيته فأنجز لها صفقة القرن بقرون اسرائيلية هائجة.

صحيح أن العروبة لم تستعد فلسطين. ولم تُشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي إلى الفضاء. ولم تزرع أرض السودان قمحاً ورزقاً. ولم تهب شعباً ديمقراطية كاملة، ولا حتى حريات ناقصة. لكن غيابها أبعد فلسطين إلى ما بعد بعد أدلب وصنعاء. وأشاد مفاعلاً مذهبياً مدمراً. وقذف فضاء مكة، قبلة المسلمين، بالصواريخ الباليستية، وأنزل من فضاء سوريا البراميل المتفجرة. واستبدل زرع الأرض بالحقول الخضراء، بزرعها بحقول الألغام. واستجاب لحرية الرأي، فلم يقطع الألسنة، فقد اكتفى بقطع الرؤوس التي تحملها.

لقد أدرك الملك سلمان ان الكوارث العربية قد أينعت رؤوسها، وحان قطعها، قبل أن تقطع رأس الأمة العربية، وتدفنه مهشماً ما بين طهران واستنبول وواشنطن. لهذا دعا لعقد قمتين عربية وخليجية. ففي الأيام الصعبة، نحتاج إلى اتخاذ القرارات الصعبة، والإجراءات الأصعب. فهل تتم ترجمة هذه القرارات للفارسية، وهل هي قابلة للترجمة على أرض الواقع؟.

سؤال نتمنى أن تكون إجابته: نعم.

وليد الحسيني

“خاشقجي” ليس “بو عزيزي”

walidخمسون عاماً في الصحافة، لم أسلك خلالها خطوة واحدة نحو دول الخليج.

لا علاقات ولا معارف.

لكن، عندما يدق الخطر أبواب الخليج العربي تصبح مواجهته مسؤولية قومية.

لا يحتاج الأمر إلى تحليل عميق، فالهيستيريا السياسية والإعلامية، تحاول أن تجعل من جمال خاشقجي بو عزيزي آخر.

الدول نفسها، التي ركبت موجة بو عزيزي، تركب اليوم موجة الخاشقجي.

نفس الأبطال والأدوار والإستثمار.

رباعي “التآمر الأول” على تونس ومصر وليبيا، هو رباعي “التآمر الثاني” على السعودية ودول الخليج.

تركيا وقطر والأخوان وتلفزيون الجزيرة.

هم… هم… بلا نقصان. بل بإضافات، قد لا تكون إيران أولها، ولن تكون آخرها.

لكن بين “التآمريْن” يختلف الوضع والظرف والمزاج الشعبي.

الشعب اليوم لا يريد إسقاط النظام، بل يريد إسقاط المؤامرة.

لا يوجد عربي يرضى لكعبة المسلمين نهايات ليبيا المأساوية. ولا مصير تونس الإقتصادي. ولا أزمات مصر الخانقة. ولا دمار سوريا واحتلالاتها المتعددة الجنسيات.

بعد كل مآسي ونكبات “الربيع العربي”، لن ينفع مستثمرو الدم اللجوء إليه إبتزازاً من قبل تركيا، أو استهدافاً من قبل قطر.

لن ينفع التهويل والتضخيم والنفخ في الأكاذيب.

صحيح أن قتل الخاشقجي جريمة بشعة، لكنها ليست سابقة. فالعالم مليء بسوابق أفظع وأبشع.

قبل الخاشقجي، عرفنا الخطف والقصف والإخفاء والتغييب والإغتيال والقتل الجماعي.

قبله، تعرض مثله رؤساء وقادة أحزاب وكتاب ومشاهير. ومع إحترامنا لقامته البشرية، فهي لا تصل إلى قامات بعضهم الفكرية والإنسانية والثقافية والثورية والنضالية.

يومها لم تتوقف لأجلهم برامج تلفزيونية. ولم تتحول نشرات الأخبار إلى خبر واحد يتناول مصيرهم. ولم يتفرغ كتاب أعمدة الصحف لقضيتهم. ولم تستنفر مجالس نواب ورئاسات دول وحكومات استنكاراً لما ارتكب بحقهم… كما توقفت وتفرغت واستنفرت واستنكرت من أجل الخاشقجي.

من الواضح أن جريمة “قنصلية اسطنبول” هي جريمة فاشلة. بعيدة جداً عن الإحتراف. وتفتقر إلى الحد الأدنى من الخبرة. مما يعني أن مرتكبيها تصرفوا بغرائز التهور والحماقة والإنفعال. وربما يكون بعضهم مدفوعاً من جهات تخطط لاتهام المملكة.

المنطق ينفي أن تفعلها دولة. فللتخلص من الخصوم ألف وسيلة آمنة. لا يحتاج أي منها إلى بعثات مكشوفة الأسماء ومعروفة الوجوه. ولا إلى طائرات خاصة تهبط في دوائر الريبة والشك.

كل هذا تم، كما لو كان هناك قرار يتعمد نشر الأدلة، لا إزالتها… والهدف تسهيل توجيه أصابع الإتهام إلى السعودية، التي يقود إتهامها إلى إشعال الخليج.

لقد تحول مقتل الخاشقجي إلى استثمار مفضوح، رأسماله الإستنكار والإستنفار… وكأن المبتزين للمال السعودي، والحاقدين على أمن السعودية، هم من الملائكة، وليسوا القيادات التي أهلكت ليبيا وأهلها. وألقت باليمن في حرب حوثية مجنونة. واستولت على سيادة العراق. وهزت تعايش لبنان. وتناتشت سوريا… وقصفت ودمرت عشوائياً. وهجرت ملايين العراقيين والليبيين والسوريين ونثرتهم شتاتاً في شتى دول العالم!!.

وأخيراً، نقول لـ “اللاعبين” بنار الخاشقجي بأن اللعب بالنار قد لا يكتفي بحرق الأصابع فقط.

وليد الحسيني

فرقة الكورال

walidللعرب أعداء. أما الأصدقاء، إذا وجدوا، فهم ليسوا من فئة “الصديق وقت الضيق”.

قائمة الأعداء طويلة، وهي إلى مزيد.

في التفاصيل:

إكتشف كولومبوس أميركا … وأميركا إكتشفت إسرائيل فوقعت في حبها وحبائلها.

وأميركا نجحت في أن تمثل علينا دور الحامي … وأن تمارس على ثرواتنا دور الحرامي.

روسيا، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، أشاحت بنظرها كلياً عن دول أوروبا الشرقية، وركزت بأبصارها وأطماعها على بعض الدول العربية.

تركيا، حملت خنجرها العثماني العتيق … وتحيّنت فرص الطعن في الظهر العربي.

الاتحاد الأوروبي، يعطينا من طرف اللسان حلاوة، ويعطي إسرائيل من القلب الموقف والمال والسلاح. وإذا خطى خطوة نحونا، يخطي خطوات نحوها.

دول عدم الإنحياز، أصيبت بالصدأ، ونامت على صدى صوت عبد الناصر.

منظمة المؤتمر الإسلامي، لم تعد تعرف من الإسلام سوى أداء “صلاة الميت”.

أما إيران، فقد زادت في طنبور الغناء عداء، منذ أن برعت في إشعال النيران في الديار العربية.

ترتدي “قناع فلسطين” داعية العرب إلى الاندفاع خلفها نحو القدس. فهي تمسك بأكبرأحلامنا، وتتشدد في إزالة إسرائيل ومسحها من خريطة ما بين النهر والبحر.

في الوقت نفسه، تكشف إيران عن وجهها الإمبراطوري، فتصيب وعينا القومي بالهلع.

هي محتلة لجزر الإمارات. وطامعة في دولة البحرين. ومتدخلة حتى الثمالة في حروب سوريا والعراق واليمن. ومحرضة على السعودية. ومهيمنة على لبنان. ومتورطة في تكريس الإنشقاق بين غزة والضفة. ولا يزعجها الإرهاب في سيناء.

تشكل في العراق “حشداً” اختلط فيه “الشعبي” بالشيعي، فأشعل فتنة تهدد بقايا قوتنا العربية، المصابة أساساً بالوهن والتبعثر.

وفي اليمن لا يقاتل الحوثيون بطيور أبابيل. فثمة من يمدهم بالمال والسلاح والخبرة. ولا يمكن إلقاء هذا المدد على المَشجَب الإسرائيلي. على اعتبار أن التعاطف الإيراني المعلن مع الحوثية يخلع هذا المَشجَب من جذوره، لإيماننا الثابت بأن إيران لا يمكن أن تتلاقى مع المؤامرة الاسرائيلية في أي مكان وأي زمان.

أما المَشجَب الأميركي، الذي نعلّق عليه هو الآخر مصائبنا، فهو أيضاً مَشجَب مُخلّع، وبالكاد يحمل أزماته الداخلية ونكساته الخارجية.

إنطلاقاً من كل هذا، لا يبقى من رصيد الحوثيين سوى إيران، التي تزعم أن التدخل السعودي في اليمن حرب “وهابية” ضد الشيعة. وهكذا يتم صب الزيت على جمر المذهبية في الوطن العربي.

إن جرثومة المذهبية التي تنتشر محيطاً وخليجاً، هي أخطر من كل ما واجهناه من أخطار، منذ الاستيطان العثماني في كل الوطن العربي، إلى الاستيطان الصهيوني في كل فلسطين.

أخيراً، تخلى العرب منذ أزمنة بعيدة عن وهم استعادة جغرافيا الخلافة العربية، التي حكمت في قديم الزمان بلاداً باسم الإسلام. ونتمنى على إيران التخلي بدورها عن الطموح المستحيل بقيام إمبراطورية فارسية، أيضاً بإسم الإسلام. فذاك زمان مضى، وهذا زمن لن يأتي.

نتمنى أن نجنح معاً إلى السلم والاستقرار والأمان. وأن نتجه فعلاً إلى فلسطين … بالأفعال، لا بالأقوال. فقد قلنا وقلتم كثيراً … إلا أن فلسطين لا تحتاج إلى فرقة “كورال” … بل إلى فرق عسكرية.

وليد الحسيني

الحابل والنابل

الآن، يختلط الحابل بالنابل. وما عاد من الممكن فرز الصالح من الطالح.

الجنون أصبح لغة العرب حكاماً وشعوباً، ونهجاً يجرف الإسلام الى جاهلية ما قبل ظهور الإسلام.

وسط هذا العبث الدامي والمدمر تنطلق أكبر مؤامرة في تاريخ الأمة العربية. وننخرط بها جميعاً، ويدعي كل طرف أنه يخوض حروبه لإسقاطها. وهو يعلم جيداً أنه walidبحربه هذه يكون جزءاً فاعلاً في نجاح المؤامرة.

ترى كم عدد الجهات المتآمرة؟.

نبدأ بدول “الطوق” للوطن العربي وهي إسرائيل وتركيا وإيران.

لا أحد من هذا الثلاثي يفعل «خيراً» ليرميه في البحر. فلكل دولة أهدافها وأطماعها. وجهة دولية تحميها وترعاها.

دور إسرائيل لا يحتاج الى تفسير. فقد تحققت لها أهداف استراتيجية، كانت توصف بالأوهام المستحيلة.

بفضل رجلها الصهيوني برنار ليفي، تم القضاء على ليبيا وجيشها وقائدها. وبذلك تكون قد شطبت من جدول أعدائها عدواً أساسياً.

وقبله، وبفضل نصيرها جورج بوش الإبن، تم لها تصفية الجيش العراقي، وتمزيق نسيجه الوطني الى مذاهب وعشائر متقاتلة. مما أدى الى تلاشي الروابط الدينية والاجتماعية والقومية. وبذلك أيضاً تسقط دولة محورية من جدول أعدائها.

وتستمر المؤامرة في حصد الجوائز لإسرائيل بإنهاك الجيش المصري وإشغاله بمواجهة الإرهاب في سيناء، وفي بعض عملياته الموجعة في القاهرة وضواحيها. وبذلك يضاف الى قيود اتفاقية كامب ديفيد تجميد الجيش الأقوى عربياً. وبذلك تستطيع إسرائيل أن تطمئن الى إبعاد خطر الجيش المصري الى أجل غير مسمى.

أما الجائزة الإسرائيلية الأكبر فهي استنزاف الجيش السوري وتدمير سوريا وصولاً الى نهاية مأسوية لا يمكن تحاشيها. وبهذا يصبح جدول أعداء إسرائيل مفرّغاً من الجيوش التي تشكل خطراً عليها وعلى سلامة اغتصابها لفلسطين والجولان.

ومن على شرفة “الربيع العربي” تطل تركيا على تطلعاتها العثمانية. ومن على شرفة مقابلة تقف إيران وتمد يدها باسطة نفوذاً يحاول أن يثبت “عرش كسرى” في عدد من عواصم المشرق العربي.

وهكذا تتحول دول الطوق الثلاث من دول جارة الى دول جائرة.

كل ما يحصل من حروب أهلية وفتن مذهبية وسلوكيات إسلامية يتنافس فيها أبو جهل مع أبو بكر البغدادي، كل هذا سيؤدي الى تقسيمات جغرافية تؤدي الى تقاسم النفوذ بين أميركا وروسيا، وذلك عندما يكتمل الانهيار العربي، ويبلغ ضعف دوله حداً يفرض على هذه الدول طلب الحماية من القطبين الأميركي والروسي.

وليد الحسيني

 

خريف السلطان: الأردوغانية في خطر

كتب المحرر السياسي

هل بدأ أردوغان يفقد بريقه السياسي؟  وهل الاحتجاجات الأخيرة التي بدأت بصبغة “بيئية” قد تتطور إلى “ربيع تركي” علماني لطالما كانت حكومة أردوغان الاسلامية تفاخر بتبني النسخة العربية منه؟

 لم تكن الأرقام القياسية التي حققتها حكومة “التنمية والعدالة” في الاقتصاد كافية لتحصينها من غضب الشارع. فرغم استمرار تنامي الاقتصاد، عزا المراقبون الاضطراب التي اندلعت أخيرا في تركيا إلى التدخلات ذات الصبغة الدينية والقمع السياسي وفوق الاثنين يأتي اتفاق السلام مع الأكراد.

المراقبون أشاروا إلى إن القلق الشديد الذي انتاب الشعب التركي ينبع بالأساس من تزايد الروابط المعلنة بين السياسات والدين، والتدخلات في أساليب الحياة وعدم الالتفات لمطالب المنظمات المجتمعية المختلفة، مستبعدين أن تكون للحالة الاقتصادية نصيب يذكر في إشعال هذا القلق الشعبي.

لا شك في أن الاتفاق الحاسم الذي أبرمته تركيا مع الأكراد على صعيد السياسة الإقليمية للدولة التركية، كان عاملاً تحريضياً لتحريك الشارع التركي ضد أي تنازلات قومية لـ”عدوهم” الكردي التاريخي.  ورأى المراقبون أن أوجه القصور التي تعانيها “الدبلوماسية مع الشعب” وانعدام الشفافية فيما يتعلق باتفاق السلام مع الأكراد تسببا في هذه الحالة من الاضطراب الاجتماعي والغضب، لاسيما بين الأتراك.

وأعاد المراقبون إلى الأذهان حادث التفجيرات التي شهدتها مدينة الريحانية التركية الحدودية مع سوريا، والذي أثار المخاوف من تأجيج الصراع بين السنة والعلويين، على خلفية انعكاسات التدخل التركي المباشر في الأزمة السورية.   كما ذكّر المراقبون بما يرجّح أن يكون سببا آخر من أسباب الفوضى، وهو تدشين جسر ثالث على مضيق البوسفور في اسطنبول، والذي تم إطلاق اسم السلطان “سليم الأول القاطع” والذي يعرف لدى الغرب بـ”العابس” نظرا لما أثر عنه من أنه كان دائم التجهم والعبوس، وقد كان العدو الألد للعلويين والشيعة على مدار التاريخ العثماني، حيث ذبح عشرات الألوف من العلويين في الأناضول قبل وبعد حربه على إيران.  وكان هذا الجسر يمكن أن يطلق عليه اسم المفكر التركي الصوفي جلال الدين الرومي الذي نشر تعاليم التسامح عبر العالم من الأناضول، أو اسم أي مفكر إنساني آخر بدلا من اسم هذا السلطان الذي لا يصعب التخمين بما أثاره اختيار اسمه من غضب داخل المجتمع العلوي الذي يشكل نسبة 10 بالمئة من الأتراك ولا يزال ينتظر اعترافا رسميا بهويته الدينية وحقوقه في ممارسة الطقوس الدينية.

متظاهرة تواجه خراطيم المياه في ساحة تقسيم

متظاهرة تواجه خراطيم المياه في ساحة تقسيم

ومن الأسباب الأخرى التي دفعت بالاتراك إلى الشارع لإسقاط حكومة أردوغان الاسلامية، هو محاولة حزب “التنمية والعدالة” إرضاء ناخبيه المحافظين، بتمرير قانون يقيّد بيع الكحول، الأمر الذي اعتبرته شريحة كبيرة من الأتراك بأنه محاولة الاسلام السياسي”التدخل في نمط الحياة”.  دون أن ننسى قمع السلطات لتظاهرات عيد العمال وهدم دارا تاريخية للسينما والمسرح وبناء مول تجاري مكانها وإعطاء تصاريح مثيرة للجدل بتدشين مشاريع بالقرب من ميدان “تقسيم” في اسطنبول دونما طرح مناسب على الرأي العام.  ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما قطعت السلطات الأشجار في منتزه متاخم للميدان.

البعد التاريخي

منذ تأسيسها قبل أكثر من تسعين عاما، سارت تركيا الحديثة على درب العلمانية والحداثة.  ولكنها سرعان ما فقدت عزيمتها، وغرقت في مستنقع جدل سياسي واضطرابات، أدت إلى تدهور اقتصادها.  وعندما جاء حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي إلى السلطة قبل نحو عقد، شعر الأتراك بالتغيير الذي طالما انتظروه.  فأزدهر الاقتصاد في ظل قيادة رجب طيب أردوغان. وتم تحييد العسكر. وباتت القضية الكردية قاب قوسين أو أدنى من الحل.  وشعر الأتراك أن أردوغان أعاد لبلادهم هيبتها المفقودة منذ عشرات السنين.

لكن لكل عملة وجهان.  فالأتراك كانوا يتهامسون حول الطابع السلطوي لرئيس حكومتهم.  وتحول هذا الهمس إلى غضب شعبي عارم خلال الأيام الأخيرة، عندما فتكت قوات الأمن بمتظاهرين كانوا يحتجون على قرار إزالة حديقة عامة وسط إسطنبول.  وتكشفت لهم بوضوح حقيقة الرجل الذي يطمح لأن يكون الرئيس القادم للبلاد، بصلاحيات كاملة.

فمن اليسار التركي الى اليمين القومي احتشد الطيف السياسي التركي كله لاجتياح ساحة “تقسيم” على وقع صرخات “ايها الدكتاتور استقل”.

ويقول التير توران المحلل السياسي من جامعة بيلجي الخاصة في اسطنبول “هذه التظاهرات ليست من صنع حفنة من الناشطين او منظمة بل هي تعبير عن حالة قلق عامة بين الناس من كافة التوجهات السياسية”.  من جهته يقول سنان اولجان من مؤسسة كارنجي الاوروبية “انه تحرك شعبي غير مسبوق ومفاجىء (..) ناجم عن القلق وخيبة الامل للاوساط العلمانية في المجتمع، التي لم يعد بامكانها التاثير على الحياة العامة منذ عشر سنوات”.

ويلاحظ التير توران ان “اردوغان لا يقبل اي حد من سلطة زعيم الاغلبية (..) وهو يعتبر ان كل ما يقوم به هو ثمرة الارادة الديموقراطية”.

وتباينت آراء الصحف التركية بشأن الاحتجاجات الشعبية المناهضة لرئيس الحكومة ، فقد قالت الصحف العلمانية: إن هذه التظاهرات هي بمثابة شرارة نار وعامل غضب واستياء من سياسة حكومة أردوغان سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي وهي السبب في الانقسامات داخل المجتمع التركي إلى سنة وعلويين وأتراك وأكراد.  وأشارت الصحف العلمانية إلى أن أنقرة تخشى من ربيع تركي من خلال تجمع الشباب لإشعال شرارة انطلاق ثورة شعبية تطالب بإسقاط حكومة أردوغان.

وقالت عدة صحف علمانية على رأسها جمهورييت، ويني جاغ، وسوزجي، وميلليت، وراديكال، وايدنلك: إن سياسة رئيس الوزراء تنبع من منطلق طائفي ومذهبي من خلال اتهاماته وتصريحاته وانتقاداته الشديدة اللهجة لنظام بشار الأسد ووصفه بالديكتاتور الدموي، وأن إيران تدعم سوريا لأنها دولة شيعية فيما هاجم قياديو حكومة العدالة حزب الله اللبناني ووصفوه بأنه حزب الشيطان لأنه يقف إلى جانب سوريا، إضافة إلى استمرار التوتر مع حكومة المالكي على إثر الخلافات الطائفية والتوقيع على اتفاقيات استيراد النفط والغاز من منطقة شمال العراق خلافا لقوانين الحكومة المركزية العراقية في بغداد.

وعلى الجانب الآخر، أكدت الصحف الموالية لحكومة أردوغان وعلى رأسها صباح، وزمان، ويني شفق، وبوغون، وستار أن مجموعات إرهابية وتحريضية من حزب الشعب الجمهوري هي المسؤولة عن إثارة أعمال الشغب والفوضى بالبلاد مستغلة موضوع اقتلاع الأشجار من ميدان تقسيم.

وشبّه خبراء وباحثون الأحداث التركية، ببداية موجة احتجاجات “الربيع العربي”، لكنهم نفوا أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى رحيل النظام التركي الحالي واستقالة أردوغان.

ويرى رئيس مركز الشرق للدراسات الاقليمية والاستراتيجية الدكتور مصطفى اللباد: “الضغوط تتزايد على أردوغان في الاحتجاجات التي تشبه نظيراتها في دول الربيع العربي، لكن هذا ليس معناه بالضرورة أن سقوط النظام في تركيا بات قريبا”.

ويعدد اللباد أسباب الاحتجاجات في تركيا إلى عدة عوامل، منها أن النمو الاقتصادي الذي تشهده البلاد لم يترافق مع عدالة اجتماعية، ولا تعني بالضرورة أن كل الأتراك يقطفون ثمار التنمية الاقتصادية، كما أن ما سماه “التدخل في حياة المواطنين الشخصية” كان سببا رئيسيا في الأحداث، في إشارة إلى قيود أكثر صرامة على مبيعات الخمر وتحذيرات من “إظهار العاطفة” على الملأ.  وشدد على أن “تحالف حزب العدالة والتنمية مع الإخوان في مصر وتونس، أدى إلى وجود تخوف من تأثير سلبي للتجربتين على تركيا، بعد الانحدار في الأداء السياسي في القاهرة وتونس”.