“نأي بالنفس” … عن واقع لبنان

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

فقدت الجغرافيا دورها، ولم تعد الحدود تفصل بين الدول العربية، بعد أن نجحت العواصف المسلحة في التنقل بحرية من دولة إلى أخرى.

وسط هذا الاشتعال الجماعي، يخدع لبنان الرسمي نفسه بتمسكه بسياسة “النأي بالنفس”، في حين أنه غارق في مستنقع الحرب السورية التي امتد حريقها إلى أطراف جروده البقاعية، بشراكة الدم التي يتباهى بها “حزب الله” مع النظام السوري.

وها هو لبنان البعيد عن اليمن، يقترب من صنعاء وإن طال السفر.  ففي سابقة لم تسجّل على السيد حسن نصرالله، خصّ أحداث اليمن بإطلالة تلفزيونية مفاجئة، هاجم فيها دول الخليج، مركّزاً على السعودية.

وهكذا فجأة أضيف إلى الانقسامات اللبنانية إنقسام جديد، يثبت أن نأي الحكومة بنفسها، هو بالفعل نأي عن الواقع اللبناني، المتورط بكل أفرقائه في أحداث قريبة وبعيدة، يفترض نظرياً أن لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.  ولكن في واقع الأمر أن للبنان أكثر من ناقة وجمل في قوافل الجمال والنوق المحمّلة بالتطرف والدمار والقتل سواء في سوريا أو في اليمن أو في العراق.  ولا ندري متى يكون لليبيا نصيب في الانقسامات اللبنانية؟

وسياسة “النأي بالنفس” فرضت على حكومتنا أن تكون مع الشيء وضده.  فالرئيس تمام سلام أيّد في قمة شرم الشيخ الأخيرة قرارات القمة الداعمة لـ”عاصفة الحزم” في اليمن، وفي الخطاب نفسه رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

لا يمكن اعتبار الموقف الرسمي اللبناني الـ”مع” والـ”ضد” في آن، موقفاً متناقضاً، لأنه في الحقيقة موقف ينسجم مع سياسة الضرورة اللبنانية، التي تقتضي إزدواجية المواقف إرضاء لهذا الفريق وذاك الفريق.  وإلا فإن الانفجار الحكومي واقع لا محالة، مما يهدد بتحويل البلاد إلى ورقة تتطاير في مهب الفراغ الشامل.

لهذا يستحق الرئيس سلام الشكر على كلمته في القمة، التي تفادى بازدواجية مواقفها، نقل الصراع اليمني إلى السرايا.

وكما لا يمكن إخفاء الشمس بالغربال، لا يمكن إخفاء تورط لبنان في حروب المنطقة الآخذة بالتحول إلى حروب سنية – شيعية، بعد أن غيّب الفكر القومي، وبعد أن أصبح الصراع بين ابن تيمية والجعفر الصادق … حتى لو أنكرنا ذلك.

وإذا كانت الأحداث السورية قد تمكّنت إلى حد ما من تغطية الصراع المذهبي بعروبة النظام وشعار مقاومة إسرائيل، فإن اليمن كشف بشكل صريح عن أن الصراع فارسي – عربي … سني – شيعي.  وبذلك نستطيع القول: رحم الله العروبة التي جمعتنا ذات زمن.

سامر الحسيني

Advertisements

حروب سلام: حكومة صامدة على جبهات التعطيل والإرهاب

الرئيس تمام سلام

الرئيس تمام سلام

كتب المحرر السياسي:

بعد أن فشل «الإضراب» الحكومي في فرض الآلية الدستورية على عمل مجلس الوزراء، فك «الإضراب» باعتماد آلية «عالوعد يا كمون».

وهكذا يعود مبدأ الإجماع ليقود غرفة عمليات مجلس الوزراء، مع وعد من الفرقاء بعدم التعطيل، وبالتالي، تيسير وتسيير مصالح البلاد والعباد.

إن إقرار «التيسير والتسيير»، يعني أن ما كان متبعاً من قبل هو تعطيل المصالح العامة. وفي هذا اعتراف ضمني من قبل الوزراء باتباع سياسة النكاية والكيدية.

ويبقى السؤال المشروع:

هل سقطت فجأة مكارم الأخلاق الوطنية، أم أن وعد عدم التعطيل قدم للإلتفاف على «الإضراب» الحكومي ولإمتصاص غضب الرئيس الصابر تمام سلام؟.

من المعروف أن أفرقاء الحكم غالباً ما يأخذون بعودة حليمة الى عاداتها القديمة.

إذاً، على الرئيس سلام استغلال «الوعد» الطازج بعدم التعطيل، بأن يطرح في جلسات مجلس الوزراء المتتالية أهم البنود الخلافية، فإما أن تقر، وإما أن تفضح مبكراً الواعدين وما وعدوا به.

لا أحد يصدق أن سياسيي لبنان قادرون على التوافق. يكفي أن تتمسك بالفيتو كتلة وزارية واحدة من الكتل الست التي تشكل مجلس الوزراء (كتلة عون ـ وكتلة أمل ـ وكتلة حزب الله ـ وكتلة المستقبل ـ وكتلة الكتائب ـ وكتلة المستقلين) ليسقط الوعد، وبالتالي، ليعود مجلس الوزراء الى أجواء الجمود والتجميد.

إن «التوافق»، وفق التجارب، هو من مستحيلات السياسة اللبنانية. ولهذا يدرك اللبنانيون أنهم عاجلاً، وليس آجلاً، سيجدون حكومتهم عاجزة عن الحل والربط.

ومع ذلك فإن هذه الحكومة ستبقى عبئاً لا يمكن التخلص منه، حتى ولو كانت الفراغ الذي يملأ الفراغ. فمن دونها لا يبقى في لبنان سلطات سوى سلطة الأجهزة الأمنية… وشرطة السير.

ومن حسن حظ لبنان أن يكون الرئيس تمام سلام رئيساً لحكومة الزمن الصعب والعلاقات المتشنجة. فصبره على القرف السياسي، من أجل الحفاظ على شكل الدولة، لا يضاهيه صبر أي سياسي آخر.

صحيح أن عقدة مجلس الوزراء اللبناني، هي أكثر العقد التي تعرقل الأداء العام، إلا أن لبنان يعيش في ظروف تنبت فيها التعقيدات كالفطر… وأخطرها لم يصل بعد، وإن كانت ساعته آتية لا ريب فيها.

وسط العواصف التي تجتاح لبنان من خارجه… ووسط التموضعات والانقسامات الحادة في الداخل، يطل حوار المستقبل ـ حزب الله، كإطفائي في وطن قابل للاشتعال. لكن هل تسمح القناعات المتعاكسة لإطفائية الحوار في أن تنجح بلعب دور الإطفائي؟.

إن التناقض الكبير بين التفكيرين يرجح كفة الشك بجدوى الوصول إلى اتفاقات  قابلة للتنفيذ. فما يحصل في المنطقة يمنع لبننة الحل… وشعار «لبنان أولاً» الذي يطرحه «المستقبل» لا يمكن له أن ينتصر على استراتيجية «حزب الله» التي تتجاوز حل الأزمات اللبنانية الى حل أزمات المنطقة. وإذا كانت هذه الشعارات تبدو عامة، فإن الغوص في تفاصيلها يضع لبنان في قلب الأحداث الملتهبة من حوله الى حد الآن.

مع التطورات الميدانية في سوريا يزداد تورط الدول القريبة والبعيدة. ولا يعتقد، أي مراقب أو باحث، أن بمقدور لبنان النأي بنفسه في حين أن مروحة الدول المتورطة في الحروب الشبه أهلية في دول عربية مركزية، آخذة بالاتساع. ولو تمعّن أي محلل استراتيجي لوجد أن لبنان قد دخل الحرب السورية فعلاً. فجزء من شعبه يقاتل هناك. وجيشه يقاتل من حيث لم يقرر، الى جانب الجيش السوري ومقاتلي حزب الله في منطقة جرود عرسال. ولا يحتاج أي محلل لدلائل حول أن لبنان هو المقر الأكثر احتمالاً لأي عناصر تلحق بها هزيمة عسكرية سواء  على جبهة عكار أو جبهة عرسال. هذا الى جانب ما هو موجود من تنظيمات إسلامية متطرفة داخل لبنان أكانت خلايا نائمة أو خلايا ناشطة.

ولا يجب أن يغيب التورط اللبناني القسري اقتصادياً واجتماعياً في الأحداث السورية. فمليون ونصف المليون نازح سوري لا يشكل عبئاً اجتماعياً وإنسانياً فقط. إنه عبء اقتصادي كبير في اقتصاد هو نفسه يعاني من أمراض خطيرة، فمشاركة المليون والنصف مليون سوري للبنانيين في الماء والكهرباء والغذاء وسوق العمل، هو نتيجة لبنانية لنتائج الحرب السورية.

في جملة هذه العلاقات المتشابكة والشائكة، ولأن اللبنانيين، كالسوريين، قد انقسموا الى جبهتين، واحدة مع النظام الى حد القتال الى جانبه، وواحدة مع المعارضة الى حد تشكيل البيئة الحاضنة… وربما المقاتلة إذا اقتضت طبيعة التطورات العسكرية ذلك.

بعد كل هذا هل يمكن القول أن لبنان لم يدخل الحرب السورية بعد.

الواقع يؤكد أنه جزء منها وإن لم يعلن ذلك. ومثل هذه النتيجة تعيدنا الى الحكومة المعطلة. فالتعطيل هو تحضير لوضع اللبنانيين في حالة من الفوضى والإحباط، وبالتالي، تعميق الانقسام المذهبي الذي يجرف الفرقاء الى التعصب لهذا الفريق السوري أو ذاك. وغالباً ما يندفع المتعصب من المؤيد نظرياً الى المشارك ميدانياً… وعندئذٍ من ينقذ لبنان؟.

 

إزالة الشعارات لا المشاعر: تغيير «قواعد الاشتباك» في شبعا لا يغير «قواعد الحوار» في عين التينة

تغيير "قواعد الاشتباك" بعد عملية شبعا

تغيير “قواعد الاشتباك” بعد عملية شبعا

Hassan Nasrallahكتب المحرر السياسي:

منذ أن قام مجلس الأمن وحق الفيتو محصور في خمس دول هي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وانكلترا والصين.

هذه الدول فقط أعطيت فرادى حق تعطيل الحلول وتعقيد الأمور في العالم. إلا أننا نخضع في لبنان لـ24 فيتو. فأي وزير في حكومة تمام سلام يعادل دولة من الدول العظمى الخمس.

ومنذ تأسيس الأمم المتحدة في العام 1945، أي منذ 70 سنة الى اليوم، استخدم الاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا لاحقاً، حق الفيتو 123 مرة. والولايات المتحدة 76 مرة. وبريطانيا 32 مرة. وفرنسا 18 مرة. وأخيراً الصين 8 مرات.

كل مشاكل العالم وأزمات دوله الـ193، وخلال 70 سنة، تعرضت لـ257 فيتو، في حين أن دولة بحجم لبنان، وفي أقل من سنة، استخدم فيها وخلالها الفيتو عدة مئات من المرات. ومجلس الوزراء شاهد على حضور الفيتو الدائم في كل جلسة يضم جدول أعمالها بنداً لا يتفق مع هوى ومصالح هذا الوزير أو ذاك.

قرارات ومراسيم ومشاريع قوانين بالجملة سقطت بضربات الفيتو القاضية. فتعطلت مصالح البلاد والعباد. وعاش الوطن مرحلة القرارات الحكومية التي لا تعالج أزمة ولا تحل مشكلة ولا تشكل انجازاً.

إن أصحاب معالي الـ«لا» يساهمون في كل جلسة حكومية بشل عمل الحكومة. وهذا ما جعل الرئيس تمام سلام يفكر في وسيلة لإلغاء فيتو الوزير كي يعود لمجلس الوزراء سلطته وقدرته على معالجات الأزمات الحادة التي تتطور من أزمات بسيطة الى أزمات معقدة.

إلا أن الأمر ليس سهلاً، والرئيس سلام يعرف ذلك جيداً. فحق الفيتو الذي تتمتع به القوى السياسية الممثلة في الحكومة، وبالتالي، قدرتها على التحكم بمسارات الحكم، يجعل محاولة إلغاء مثل هذا الحق محاولة مستحيلة.

هذا في الوضع الحكومي البائس. أما في الوضع السياسي، فما زالت الحوارات مستمرة تحاشياً لإعلان فشلها وما قد ينتج عنه من تداعيات سلبية سلبت اللبنانيين احساسهم بالأمن والأمان.

في ما يتعلق بحوار المستقبل ـ حزب الله، فالجلسات الحوارية تعقد لرفع العتب والغضب الشعبي فيما لو انسحب أحد الفريقين منها.

ودلالة على عجز المتحاورين عن البحث في الأزمات الحقيقية بينهم، تم التوافق على إزالة الصور والشعارات… وبقيت المشاعر المذهبية تتآكل في الصدور من دون أن تجد ما ينقذها على أرض الواقع.

ورغم ذلك فإن الحوار مستمر. إذ تجاوز تيار المستقبل لكلمة السيد حسن نصر الله بعد عملية شبعا عندما أعلن سقوط قواعد الاشتباك مع العدو الصهيوني، وما في ذلك من إسقاط للقرار 1701، الذي كان يعتبر حامياً للاستقرار في لبنان. وكذلك ما رافق كلمة السيد حسن نصر الله من الإطلاق الكثيف للرصاص والقذائف الصاروخية، مما جعل سكان بيروت يعيشون حالة من الهلع والرعب. وفي مقابل ذلك تجاوز حزب الله هجوم تيار المستقبل على كلمة أمينه العام بالقول أنه خطاب «متفرد ومتسرع يلغي إرادة الشعب اللبناني ومؤسساته الدستورية الملتزمة بالقرار رقم 1701». وكذلك تحريك النيابة العامة، بطلب من وزير العدل المستقبلي أشرف ريفي، لملاحقة مطلقي النار.

إذاً الحوار مستمر حفاظاً على الشكل، وربما السمعة، لكن الأمور على الأرض تتجه الى مزيد من التعقيد والعقد.

وبعيداً عن الحوار، فإن المحللين يرون في قواعد الاشتباك الجديدة التي وضعها السيد نصر الله، أن السيد ألزم نفسه، ومن ثم، لبنان برد ناري شامل على إسرائيل يتجاوز الخطوط الزرقاء والحمراء.

ويرى المحللون أن مجرد تعرض مقاتل، أي مقاتل، من حزب الله للاغتيال  في أن ذلك يعني إشعال حرب على إسرائيل تمتد من غزة الى إيران. وطبعاً مروراً في لبنان كساحة مركزية لهذه الحرب.

ويبقى بذلك مستقبل المنطقة محصوراً بين خضوع إسرائيل لتهديدات السيد نصر الله، وبالتالي، الامتناع عن القيام بأي عمل ضد حزب الله، وبين التزام السيد نصر الله بما هدد وتوعد بالرد في أي مكان وكيفما كان.

 

“ثوابت” لا تعرف الخجل

ثوابت اليوم غير ثوابت قديم الزمان.

كان من بين ثوابتنا في زمن الأخلاق والقيم: تقديس السيادة، إحترام الدستور، الالتزام باستقلال القضاء، التمسّك بالوحدة الوطنية … وأمور أخرى كانت تفرضها الوطنية والمبادئ.

أما ثوابت اليوم، فهي لا تعرف الحياء، وبالتالي، لا يخجل أربابها ومن يتبعهم، من اتباعها ورفض التزحزح عنها.

سيادة لبنان صارت سيادات. فهي إيرانية وسعودية وقطرية وتركية وسورية وأميركية وروسية وفرنسية.

لكل مجموعة لبنانية سيادتها.

أما الدستور، فقد بلّه الجميع وشرب ماءه.

وأما العدالة، فأحكامها خاضعة لأحكام النقض السياسي.

وأما الوحدة الوطنية، فقد تحوّلت إلى أحاديات مذهبية حادة.

ومن ثوابت اليوم، الكراهية المتبادلة، والتكاذب المفضوح، والأحقاد الدفينة، والمذهبية التي تذهب بالوطن والوطنية.

ومن ثوابت اليوم أيضاً، الفساد بكل أشكاله، والتلوّث البحري والمائي والغذائي والدوائي … ولا يجب أن ننسى التقنين الذي أصبح استراتيجية ثابتة لشركة كهرباء لبنان.

ونخشى كذلك أن يتحوّل الفراغ الرئاسي إلى ثابت آخر أشدّ فتكاً بالدستور وبلبنان.

وسط هذا المناخ الموبوء، لا يمكن الحكم عما إذا كان لبنان بلغ مرحلة الدولة الفاشلة، أم أنه دولة تتفكك في طريقها إلى الفشل الكامل.

صحيح أن كراسي مجلس الوزراء ما زالت صالحة لجمع المختلفين سياسياً والمتخلّفين وطنياً، لكنها كراسي لا تتحرك، لأنها تحمل أثقالاً لا يمكن احتمالها، من المشاكسة والمخالفة ورفض التفاهم … إلا على ما قلّت أهميته وخفّت قيمته.

هنا، لا بد من الإشفاق على الرئيس تمام سلام.  فهو رئيس شكلي على مجلس يضم في الواقع 23 رئيساً إضافياً.

معذور تمام بيك، فقد جاء إلى الحكم في زمن التهميش والتطنيش.

أما مجلس النواب، فهو الآخر يمضي سنواته الممدة بين العطلة والتعطيل.

إذاً، أين المفر والمذهبية أمامنا، والإرهاب وراؤنا، والأحقاد على جوانبنا؟

يقال أن لا مفر من “الحوار” … الذي أصبح لازمة عربية.  مطلوب في ليبيا ومطارد من ميليشياتها.  ومطلوب في مصر ومطارد من “إخوانها”.  ومطلوب في سوريا ومطارد من تشدد فرقائها.  ومطلوب في اليمن ومطارد من “حوثييه”.  ومطلوب في العراق ومطارد من مرجعياته.

حوارات لا نصير لها بين المتحاورين.  وكأنهم يجتمعون، عندما يجتمعون، لاستيلاد المزيد من الخلافات.  ولا نظن أن ما نتباهى به من حوار بين “المستقبل” و”حزب الله”، وما نعلّق عليه الآمال من حوار بين “التيار” و”القوات”، سيلقيان غير مصير القاء تهم الإفشال عندما يحين موعد إعلان الفشل.

ومع ذلك، يبقى اللبنانيون متفائلين بحواري عين التينة والرابية، ربما لأنهم اعتادوا “شراء السمك ببحرو”.

سامر الحسيني

من الأخير: 24 صاحب فخامة

هل يصبح كرسي الرئاسة شاغراً في 2014؟

هل يصبح كرسي الرئاسة شاغراً في 2014؟

بالصبر نجح تمام سلام وملأ فراغ السرايا.

وبصبر الآخرين عليه، نجح نبيه بري وقطع الطرق على الفراغ في البرلمان، وسدّ في وجهه كل الثغرات التي حاول التسلل منها إلى قصر عين التينة.  وبالتمديد لنفسه وغيره، بقي الموقع الشيعي الأول مستقراً على مدى 22 عاماً ومفتوحة على المزيد، في حضن “الأستاذ” نائياً بالفراغ عن كرسيه الدائم في رئاسة مجلس النواب.

لكن، وبصبر المسيحيين على انقساماتهم، يضحك الفراغ بعبّه، طامعاً بحكم البلاد، مستفيداً من الخلافات الإقليمية الكبرى حول الأزمة السورية، ومن الخلافات الدولية حول الأزمة الأوكرانية، حيث الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً منشغلة عن الاستحقاق اللبناني باستحقاقات مصير سوريا وجزيرة القرم.

وعوض أن يستفيد لبنان من هذا الانشغال، لاختيار رئيس جمهوريته بإرادة لبنانية للمرة الأولى، تعمل أطراف لبنانية كثيرة على تفويت الفرصة النادرة، خوفاً من التورّط برئيس لا ترضى عنه القوى الإقليمية والدولية، التي تعوّدت، بعد أن عوّدناها، على التحكم بالقرارات اللبنانية الكبرى.  مما يعني أن الاستحقاق الرئاسي معرّض للإصابة بمرض الفراغ، في انتظار الحسم في سوريا وأوكرانيا، على اعتبار أن الفريق المنتصر في الصراعين، ستكون له الكلمة الحاسمة في اختيار لبنان لرئيسه.

إلا أن هذه النظرية، رغم أنها أثبتت صحّتها في كل انتخاباتنا الرئاسية السابقة، قد يمكن اختراقها بنجاح مناورة من مناورتين يجري العمل بهما من فريقين لا يمكن وصفهما بالحلفاء ولا بالأعداء.

المعلومات المعروفة والمتداولة تتحدّث عن محاولات لإقناع الحريري بانتخاب عون، حيث أن أصوات التيارين “الوطني” و”المستقبل” مع بعض الأصوات النيابية المتحررة من الانتماءات المباشرة، تكفل نجاح الجنرال في الوصول إلى بعبدا.

هذه المناورة لا يمكن أن تمرّ.  فهي تعرّض فريق 14 آذار لانقسامات حادة لن يقبل الرئيس الحريري بها.  كما أنها لا تضمن عدم الانقلاب على تفاهماتها، خصوصاً وأن الجنرال لم يقدم عليها إلا بعد التنسيق مع حليفيه السوري و”حزب الله”.

أما المناورة الثانية فيتولاها بري وجنبلاط.

الإثنان يسعيان إلى انتخاب جان عبيد، على اعتبار أن المرشحين الجديين – عون وجعجع – لا يحظيان بفرص حقيقية، وأن أياً منهما يعتبر خياراً استفزازياً يفرق اللبنانيين.  وبالتالي، لن يجدا في مجلس النواب أصواتاً تكفي أحدهما للحصول على لقب فخامة الرئيس.

ورهان بري وجنبلاط يبدو واقعياً، وانطلاقاً من واقعيته يراهنان على رئيس التسوية جان عبيد.

غير أن هذه المناورة أيضاً تعاني من ضعف شديد يجعلها أقرب إلى الفشل من نظيرتها الأولى.  فجان عبيد شخصية غابت شمسها ولفها النسيان السياسي والشعبي والإقليمي والدولي.

وإذا لم تحصل مفاجأة خارج المناورتين، فإن الفراغ آتٍ لا ريب فيه، ولن ندري إلى متى سيكون لنا 24 صاحب فخامة، ومن ثم، إلى متى تحتل السرايا الحكومية قصر بعبدا؟

سامر الحسيني

حديث الشارع: حكومة العصا والدولاب

أشكلت، ثم تفشكلت… وأخيراً تشكلت.

مبروك عليك أيها اللبناني في حكومة الـ24 وزيراً… وإن كنت تفضل لو كانت الـ24 ساعة كهرباء.

المهم صار لديك حكومة، هي ليست «حكومة تصريف أعمال»، كما كانت سابقتها، والتي لم تترك خلفها عملاً لم تصرِّفه أو مالاً لم تصرفه.

إنها حكومة المصلحة الوطنية… وتبارك الله فهي إسم على مسمى.

إذاً كل وزير سيشيل الزير من بئر وزارته المملوء بالفساد.

وخذ أيها اللبناني منذ الآن أمناً لم تعرفه البلاد حتى في زمن فؤاد شهاب. وازدهاراً لم يعرفه لبنان حتى في زمن رفيق الحريري.

يقولون أنها «حكومة جامعة». ففيها من كل واد عصا أو أكثر. وعلينا أن ننتظر لنرى ما إذا كانت دواليب هذه الحكومة قادرة على الحركة، مع وجود كل هذه العصي في دواليب، هي بالأساس تحتاج إلى النفخ… لا «المنفخة».

«شوارعي»

ميشال عون: جنرال «المارونية السياسية»

كتب المحرر السياسي

يبدو أن السباق بين الدولة و«الإرهاب»، كالسباق بين السلحفاة والأرنب. فبينما الدولة تسير ببطء شديد في طرق تكاثرت فيها الموانع، يقفز «الإرهاب» من مكان الى آخر بحرية يتيحها عجز الدولة عن أن تكون دولة.

والمخيف أن الدولة، وهي تتحرك لانجاز الاستحقاق الحكومي، تشترك مع «الارهاب» في توتير البلد، وتهدد مثله بتعكير الأمن. فكل السيناريوات الحكومية مفخخة، حتى وهي تجمع الأفرقاء الأعداء… فكيف إذا غاب فريق وحكم آخر؟.

وإذا كان «الارهاب» مصاباً بالعمى الإنساني، فإن القيادات السياسية مصابة بالعمى الدستوري، فالدستور لم يعد مرجعاً صالحاً لتنظيم الاستحقاقات، بعد أن أصبحت الشروط التعجيزية والمتضاربة الوسيلة الوحيدة لفرض ما يتردد بالأمر الواقع.

والمشكلة تكمن في هذا «الأمر الواقع»، سواء حضر في التشكيل الحكومي، أو تأخر الى ما بعده.

وهنا يبرز تذاكي «اللعب بالنار». إذ من الواضح أن تنازلات هذا الفريق أو ذاك، ليست إلا عملية تجميل لسيناريو خطير يموّه بتصريحات إيجابية تختفي تحتها مواقف سلبية ومتربصة بالمساعي الانقاذية.

إذاً المستقبل لا ترسمه الحكومة «السلامية»، بل التصرفات المزمع اتخاذها عند كل قرار لمجلس الوزراء لا يلبي مصالح الفريق الذي يعرف جيداً متى يخرج من السرايا الى الشارع.

والشارع هنا هو «اللعب بالنار» لفرض الأمر الواقع الذي يسعى إليه الخارجون من التحكم به بقوة السلاح.

صحيح أن الشارع شارعان. لكنهما، وإن تساويا بالعدد، فإنهما لا يتساويان بالعدة. فما يملكه فريق 8 آذار من قدرات تمكنه من السيطرة، يفتقده فريق 14 آذار، الذي سبق له أن خاض مواجهة فاشلة في يوم 7 أيار الراسخ في ذاكرة اللبنانيين.

ويبقى الجنرال ميشال عون يمثل عقدة حقيقية لدى فريق 14 آذار، وعقدة شكلية لدى فريق 8 آذار. فهو من خلال سعيه ليكون «جنرال المارونية السياسية» يحاول فرض الشروط التي تجعل منه الممثل الأقوى للمسيحيين.

والسؤال:

هل يضع عون شروطه بمعزل عن حلفائه، وبالتحديد عن حزب الله، أم أنها شروط متفق عليها؟.

لقد سبق للجنرال أن لجأ الى «الفيتو» في حالتين لم تسقطا من الذاكرة بمرور الزمن.

الأولى عندما هدد باستقالة نوابه إذا تم التمديد لمجلس النواب، فتم التمديد بموافقة نواب حزب الله ولم تتم الاستقالة.

والثانية عندما هدد بعظائم الأمور إذا تم التمديد لقائد الجيش جان قهوجي، وهنا أيضاً تم التمديد، وأيضاً بتشجيع من حزب الله… وما ظهرت عظائم ردات الفعل.

ويبدو أن عون مصرّ على ركوب «الفيتو»، الذي يستهوي المسيحيين الشاعرين بالتهميش كطريق الى تثبيت زعامته المسيحية. ويأتي رفض القوات اللبنانية المشاركة بالحكومة، ليعزز من موقف الجنرال ويجعل الحكومة، بأي صيغة تشكلت، خارج إطار الشرعية بفقدانها العنصر المسيحي، إلا إذا خضعت لإرادته برفض المداورة، وبالتالي، بقاء الهيمنة على الطاقة بباسيلها، والاتصالات بصحناويها.

وهكذا يجد لبنان نفسه خاضعاً للعماد عون الذي اتقن حشر الجميع بالزاوية التي اختارها، بعد أن جعل من نفسه العقدة والحل.

وكيفما كانت بداية الحكومة ونهايتها، فإن الرئيس تمام سلام أدخل نفسه في المحرقة السياسية، سواء تراجع أمام ضغوط عون وتخلى عن المداورة، فيفقد بذلك هيبته السنية بتضحيته بهيبة موقع رئاسة الحكومة. أما إذا سار في حكومة تصريف الأعمال مع انصراف المسيحيين عن التمثل في الحكومة، فإن هذا سيفقده «الاعتدال» الذي يعتبره مفتاحه السحري في عالم السياسة المسحور بجان الطائفية، والمحروس بشياطينها.

ويسأل المراقبون هل تستحق حكومة لن تعيش أكثر من أشهر قليلة كل هذا الصراع، في وقت يصارع فيه اللبنانيون التنين الإرهابي، بانتحارييه وسياراته المفخخة، أم أن الهدف الحقيقي هو رئاسة الجمهورية ومعركتها، التي يبدو أن الفراغ هو بطلها الأوفر حظاً؟.

الهدف الرئاسي، يعيدنا الى العماد عون، الذي لم يتخلَ يوماً عن هاجسه في العودة الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية، بعد ان خرج منه كرئيس للوزراء. وعلى هذا الأساس يعتبر عون القبول بالتسوية في الحكومة، سيقود الى تسوية باختيار الرئيس. أي قيام رئيس خارج الخيار المسيحي ومزاج شارعه، بانتخاب رئيس مرة أخرى وفق الخيار الإقليمي والدولي ومصالحه.

ورغم إيحاءات حزب الله بأنه يعمل على تليين مواقف جنرال الرابية، إلا أن العالمين بأسرار الحزب يدركون جيداً بأن ثمة تفاهماً غير معلن بين الاثنين. بحيث يكون تشبث عون بشروطه الحكومية، مبرراً لتراجع حزب الله مؤازرة لحليفه الاستراتيجي. فحزب الله يحرص حرصاً استراتيجياً على تحالفه مع التيار الوطني الحر، لأنه يعرف جيداً أنه إذا خسر عون فسيكون معزولاً لبنانياً ضمن طائفته، لأن السنة في الضفة الأخرى، والدروز يتبعون سياسة لا هنا ولا هناك، ولأن المسيحيين منهم من سيغرد وحيداً كالعماد عون، ومنهم من سيغرد مع سربه في 14 آذار، كالقوات اللبنانية والشخصيات المستقلة.

إلى جانب سبب حرص حزب الله على التمسك بتحالفه مع عون، يمكن إضافة أسباب أخرى تجعل من شروط عون المعلنة هي نفسها بمثابة شروط غير معلنة لحزب الله. فهو يفضل أن ينأى بنفسه، أمام جمهوره، عن حكومة تغيب عنها ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة. وهو يعتبر فشل الحكومة وتحويلها الى مشكلة «ميثاقية» هو تمرير للوقت الضائع في انتظار المتغيرات على أرض الصراع في سوريا، وبذلك تكون المداورة التي يرفضها جنرال المارونية السياسية متكاملة مع «وعد النصر الإلهي» في سوريا… حتى ولو تعاظمت دورة العنف في لبنان.