«الثورات» تأكل دولها

walidما يراه العرب في يقظتهم، هو أسوأ من أسوأ الكوابيس.

في العراق، أي بلاد ما بين النهرين، تفجّر نهر ثالث من الدماء، هو أغزر من دجلة وأطول من الفرات.

في ليبيا، توقف حفر آبار النفط، وعمّ فيها حفر القبور. وتوقف استيراد العمال الأجانب للبناء، وحل مكانه تصدير الليبيين الى المنافي للإذلال.

في اليمن، ومنذ أن دمرت «الجرذان» سد مأرب، قبل أكثر من 2500 سنة، لم يبنَ سد الى أن قامت «الجرذان البشرية» ببناء عشرات السدود المنيعة، التي تمنع اليمنيين من الاتفاق، وتسد عليهم أبواب الحياة، وتقطع عن شعب «القات»… القوت.

كان سد مأرب يحصر المياه لحصاد الغلال، لكن سدود اليوم تحصر اليمنيين لحصاد أرواحهم وأرزاقهم.

في تونس، البلد الذي يعيش على السياحة، يموت اليوم، شيئاً فشيئاً، بموت السياحة. بعد أن ساحت في أرجائه خلايا إرهابية بلغت سمعة وحشيتها أسماع العالم.

في مصر، الإغتيالات تتنقل بين رجال الأمن، والمتفجرات تتنقل بين المقرات الأمنية، وسيناء، رغم نجاحات الجيش المصري، ما زالت تنبعث منها رائحة الموت، وما زالت تبعث بجثث شهداء الجيش وقوى الأمن الى مدن ونجوع مصر. مما يعني أن مصر لم تتعافَ تماماً من وباء الربيع العربي، وأن استقرارها ما زال هشاً.

في سوريا، لم تعد «الغوطة» متنفساً لأهالي دمشق، بعد أن تحولت الى «منتزه» لمعارك دموية تكتم أنفاس أهل دمشق وريفها. ولم يعد «سهل الغاب» مصدراً للرزق، فهو اليوم غاب متوحش يحرق الأرزاق ويقطع الأعناق. ولم تعد حلب عاصمة سوريا التجارية، إذ عمّت فيها، وعمتها، تجارة الموت والدمار. ولم تعد الجزيرة صومعة الغذاء التي تطعم سوريا قمحاً، إذ تحولت حقولها نفسها الى طعام لنيران المعارك.

وبهذا الواقع الأسود نرى كيف تأكل «ثورات» الربيع العربي دولها وشعوبها بشراهة لم يعرفها التاريخ من قبل. وبما أن هذا الواقع الأسود بلا نهاية وهو مستمر في الانزلاق الى مزيد من الانقسام والحقد والدموية، فلا شيء يحول دون انتقاله الى دول عربية أخرى، نخشى أن يكون لبنان أولها. لأنه الأكثر تورطاً والأقل مناعة. وتأتي هذه الخشية وسط استهتار سياسي، وعصبية مذهبية، وفراغ مؤسساتي يهدد بالتسلل الى الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات العسكرية، إذا ما قرر العماد عون تنفيذ وعيده بمقاطعة مبنى ساحة النجمة والسرايا الكبير.

وإذا لم يعِ العرب، فإن مسلسل «الربيع الدامي» سيعم في الدول العربية، وسنكون، كما قال شوقي، «كلنا في الهم شرق».

وليد الحسيني

 

Advertisements

آمال كربول: أطلب السياحة ولو في إسرائيل

كتب منصف العلوي:

مثيرة للجدل، أنيقة وتهوى الصعاب.  إنها آمال كربول وزيرة السياحة التونسية، التي خطفت الأضواء منذ ظهورها الأول في مقاعد حكومة مهدي جمعة.

خلال الجلسة التي عقدها المجلس الوطني التـأسيسي (البرلمان التونسي) لمنح الثقة لحكومة مهدي جمعة، كشف أحد النواب عن أن آمال كربول “زارت إسرائيل”. جاءت بعض التدخلات عنيفة جدا وأكد عدد من النواب أنهم “لن يمنحوا الثقة لوزيرة زارت إسرائيل”. هذه الجلسة كانت تبث على الهواء في التلفزيون الرسمي التونسي، وركزت الكاميرا ليلتها أكثر من مرة على ملامح آمال التي بدا عليها شيء من الاضطراب، لكنها بقيت متماسكة إلى حين تناول مهدي جمعة الكلمة للرد على مداخلات النواب، ليقول إن وزيرة السياحة المرشحة أكدت له أن “زيارتها لإسرائيل لا تعدو أن تكون سوى توقف في مطار تل أبيب في طريق توجهها للأراضي المحتلة في إطار مهمة نظمتها منظمة أممية لصالح شباب فلسطينيين ستقوم بتكوينهم، وأن السلطات الإسرائيلية أساءت معاملتها لأنها تونسية وعربية ومسلمة”.

وقتها تعهد مهدي جمعة بأنه مستعد “في حالة ثبوت أي مآخذ جدية على آمال كربول أو أي مرشح آخر لمنصب حكومي لإعادة النظر في تركيبة حكومته”.

محور الأحاديث والحوارات

وانقسمت الطبقة السياسية وحتى عموم التونسيين إلى مساند للوزيرة أو معارض لها. وحفلت صفحات “فيسبوك” بالتعليقات واختلطت الحقائق بالشائعات. وقام البعض بإحداث صفحات مؤيدة للوزيرة، في حين قام آخرون بإحداث صفحات معارضة لها تطالب بعدم ضمها للحكومة. وتجند كل طرف للدفاع عن وجهة نظره. وقام البعض بنشر صور عائلية خاصة للوزيرة على صفحات التواصل الاجتماعي الشيء الذي “أثار غضبها”، حسب قول أحد المقربين منها.

صمدت الوزيرة وصمتت إلى حين أدائها القسم عضوا للحكومة الجديدة لتقول بعد ذلك مباشرة إنها “وضعت استقالتها على مكتب رئيس الحكومة ليتخذ ما يراه صالحا لو ثبت عكس الرواية التي قدمتها حول زيارتها لإسرائيل”. ورأى أحد المراقبين للشأن السياسي التونسي أن قضيتها “أول امتحان صعب ليس للوزيرة فحسب بل لرئيس الحكومة نفسه”.

شخصية قوية

أظهرت آمال كربول منذ توليها وزارة السياحة أنها تتمتع بشخصية قوية وتجلى ذلك من خلال أول القرارات التي اتخذتها في الوزارة؛ إذ بادرت منذ الأسابيع الأولى لتوليها مهمتها بتعيين رئيس ديوان جديد، واستقدمت من خارج الوزارة مديرة للتسويق الخارجي. ولئن لم تثر هذه التعيينات ردود فعل كبيرة وقتها فإن إقدام الوزيرة على إقالة المدير العام لديوان السياحة، وهي الخطة التي تعد من أبرز المناصب في الوزارة قد أثار ضجة جديدة، خاصة أن الإقالة تمت والرجل في مهمة رسمية بالخارج.

ورأى البعض في هذه الإقالة دليلا على قوة شخصية الوزيرة وتمسكها بممارسة صلاحياتها بالكامل، في حين رأى آخرون في هذه الإقالة نوعا من التجني، مبينين أنه كان من الأفضل أن تجري بشكل مغاير.

أما التصريحات الإعلامية للوزيرة فجاءت “بعيدة عن اللغة الخشبة” حسب وصف أحد أصدقائها الذي أضاف أنها “تقول بتلقائية كاملة ما تفكر فيه”، معترفا بأن البعض نصحها بضرورة “انتقاء عباراتها” وهو ما يفسر قلة تدخلاتها الإعلامية فيما بعد.

الضجة الكبيرة الثانية التي أثيرت حول وزيرة السياحة التونسية كانت بمناسبة إشرافها على تظاهرة للموسيقى الرقمية “التكنو” أقيمت في جنوب البلاد على مشارف الصحراء التونسية حيث فاق الحضور وخاصة من بين الشباب التونسي والسياح الأجانب كل التوقعات. وخاطبت يومها الوزيرة الحاضرين بروح شبابية وبكثير من الحماس والتلقائية. ولكن بعض مقاطع الفيديو أظهرت أن عددا من الحاضرين كانوا بصدد تناول مشروبات كحولية، وهو ما اعتبره البعض ترويجا لـ”ثقافة مائعة” وفيه “تشويه لصورة تونس”، حسب رأيهم. ورغم النجاح الجماهيري والإعلامي الذي حققته هذه التظاهرة فقد تعرضت الوزيرة إلى حملة جديدة واسعة من الانتقادات شارك فيها بعض نواب المجلس الوطني التأسيسي ورجال الدين، لكن الوزيرة وجدت السند من جديد من كثير الجهات التي دافعت عنها داعية إلى أهمية تجنب تحميلها وزر تصرفات فردية لسياح أو لشباب شاركوا في هذه التظاهرة.

وبعيدا عن هذا الجدل الذي فرضته بعض المستجدات العابرة، ماذا عن القدرات المهنية لآمال كربول؟ هل يمكن وصفها بأنها الشخص المناسب في المكان المناسب؟ وهل بإمكانها أن تخدم السياحة التونسية وأن تقدم الإضافة لقطاع يعاني منذ ثلاث سنوات أزمة خانقة؟

يرى المراقبون أن الوزيرة بحكم إقامتها لسنوات كثيرة في أوروبا تعرف جيدا ما ينتظره السائح الأوروبي من السوق التونسية وهي لذلك أشارت منذ الأيام الأولى لتوليها الوزارة لأهمية النظافة والعناية بالمحيط. كما عبرت عن رغبتها في إقامة مشاريع مشتركة مع وزارة الثقافة لاستقطاب نوعية جديدة من السياح تبحث عن أشياء أخرى عدا أشعة الشمس وشواطئ البحر. كما أن إتقان الوزيرة وبشكل جيد جدا لثلاث لغات أجنبية هي الألمانية والإنكليزية والفرنسية بالإضافة إلى اللغة العربية، يعد شيئا مهما جدا سيساعدها على الترويج للسوق التونسية.

وتتميز كربول بمعرفة عميقة بواقع السياحة التونسية؛ فهي من أبناء جزيرة جربة من أبرز معاقل السياحة التونسية وقد أمكن لها التعرف على القطاع لأنها غالبا ما قضت عطلتها في هذه الجزيرة وتعرف جيدا نقاط الضعف التي يجب العمل عليها بشكل عاجل.

يقول من يعمل معها في الوزارة، إن كربول مختلفة عمن سبقوها في طريقة عملها، وإنها تعمل كثيرا ولا تعترف بالمصاعب: تبدو وكأنها تبحث دوما عن المصاعب إلى حد التحدي وبشيء من الاستفزاز أحيانا.

ولعل من حسن حظ الوزيرة أن التقديرات تشير إلى ارتفاع نسق حجوزات السياح من مختلف الجنسيات نحو تونس خلال الموسم السياحي الصيفي الحالي، ولكن ذلك يعود بالأساس حسب المختصين إلى الانفراج السياسي الذي عرفته البلاد بعد تشكيل حكومة مستقلة والمصادقة على دستور جديد للبلاد وليس لعمل وزارة السياحة التي هي الآن بصدد ضبط خطط عمل جديدة.

ولدت آمال كربول في 25 أبريل (نيسان) سنة 1973 بتونس العاصمة من عائلة تعود أصولها إلى جزيرة جربة السياحية، وهي عائلة ليست غريبة تماما عن عالم السياسة حيث تحمل والدها محمد كربول في السابق مسؤوليات حزبية في التجمع الدستوري الديمقراطي ووظائف حكومية ودبلوماسية كما شغل منصب سفير تونس لدى ألمانيا، وهو ما يفسر اختيارها القيام بدراستها الجامعية في ألمانيا في مرحلة أولى قبل أن تواصلها في كل من إنكلترا والولايات المتحدة.

تشغل منذ سنة 2013 منصب سفيرة المصلحة العامة لدى مؤسسة “بي إم دبليو ستيفتونغ هربرت كوندت” ببرلين ولندن. أسست سنة 2007 مؤسسة “تشاينج ليدرشيب وبارتنر” تونس، كولونيا، ولندن، وتشرف على إدارتها. وعملت مستشارة دولية، وطورت خبرات في مجالات التأهيل والريادة ووضع استراتيجيات التصرف، والتصورات المجددة والتوظيف الأمثل للعمل في صلب مجموعة. كما عملت في عدة شركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأدارت عدة ورشات عمل في دول مختلفة، وعملت أستاذة زائرة في جامعة بسويسرا، وهي متزوجة وأم لبنتين.

شعبية كبرى

 وتحظى آمال كربول بشعبية لدى شريحة مهمة من النساء التونسيات بفضل أناقتها التي تحولت إلى موضوع للنقاش على صفحات “فيسبوك” وحتى إلى مقارنات في مجال المظهر والذوق مع نساء أخريات سبقنها في تحمل مسؤوليات سياسية في تونس.

وقد تناولت الكثير من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بالنقاش حضور وزيرة السياحة ومظهرها، كما يجري نشر كل صورها الجديدة بانتظام ولم يخف الكثير من المتفاعلين مع هذه الصفحات والصور إعجابهم بهندام الوزيرة وتصميمات بدلاتها وعدوها “خير سفيرة للمرأة التونسية” و”خير صورة للترويج للسياحة التونسية” حسب تلك المواقع. كما لفتت الوزيرة الانتباه أيضا عند حضورها بعض التظاهرات العامة بلباس تقليدي تونسي مزج بين الحداثة والأصالة التونسية.

لقد استأثرت آمال كربول باهتمام التونسيين منذ قرار تعيينها وزيرة للسياحة في حكومة الكفاءات التي تمّ تشكيلها إثر استقالة حكومة “حركة النهضة”. استطابت هذا الكمّ من الإهتمام فضاعفت من جهودها في الظهور الإعلامي والفايسبوكي لتتحوّل “نجمة” ينتظر الناشطون آخر اخبارها على تويتر وصورها على انستاغرام.

تطبيع

لكن ما نفته الوزيرة الشابة عن تطبيعها مع إسرائيل خلال جلسة الثقة، كشفته صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية حين نشرت تقريراً تحت عنوان “هل مسموح أو ممنوع دخول السياح الإسرائيليين إلى تونس؟”. وأثارت الصحيفة ما سمّته “الجدل السياسي التونسي حول السياحة الإسرائيلية”، مشيرةً إلى أن هذه المسألة تتجاوز القطاع السياسي، وترتبط بحسب وعود لمسؤولين تونسيين بإمكان إقامة علاقات جيدة بين الجانبين.

ونقلت “هآرتس” عن رئيس الحكومة التونسية ترحيبه بالإسرائيليين في بلاده، وتأكيده أنه “لا ينبغي طرح هذه المسألة على طاولة النقاش بالمطلق، بل يجب العمل على استغلال موسم السياحة، أما لجهة التطبيع وعدم التطبيع (مع إسرائيل)، فاتركوا هذه الاسئلة الكبيرة جانباً”. وبحسب الصحيفة، يتبنّى هذا الرأي عدد من المسؤولين التونسيين، ومن بينهم الوزيرة آمال كربول التي تشجع بدورها الإسرائيليين على زيارة بلادها.

وتوضح الصحيفة أن قطاع السياحة يدخل أموالاً مهمة جداً إلى تونس؛ فقبل الثورة حتى عام 2011 كانت تونس وجهة مفضلة بالنسبة إلى السياح الأوروبيين، إلا أن هذا القطاع تلقّى في السنوات الثلاث الاخيرة ضربة قاسية، بدأ ينتعش منها فقط هذا العام. ونقلت عن كربول توقعها قدوم سبعة ملايين سائح إلى تونس، من شأنهم تأمين خمسة مليارات دولار للدولة. وبحسب كربول:”أنا لست مستعدة للتخلي عن أي فرصة من أجل جذب السياح إلى تونس، حتى لو جاءوا من إسرائيل”.

محمود الحرشاني: الكّتاب العرب فقراء

:غادة علي كلش

جمع الكاتب التونسي محمود الحرشاني خطوط الصحافة المكتوبة والمسموعة،في يد، وخطوط البحث والنقد والفكر، في اليد الأخرى. واستطاع طيلة أربعة عقود من الزمن،أن يخط بصمة مضيئة في الساحة الثقافية بتونس، بشكل خاص، وفي الدول العربية،بشكل عام،عبر أعماله ومؤلفاته العديدة. هنا حوار معه، لم يخل من الصراحة والفائدة المثلى:

 

الكاتب التونسي محمود الحرشاني،هوإعلامي،ونا

محمود الحرشاني

محمود الحرشاني

قد أيضاً. إلى أي مدى يتكامل البحث الفكري،والتأليف الجمالي،والخبر الاستقصائي،في قلم رجل واحد ؟

من فضل الله علي، أن تجدني اجمع بين هذه الصفات،ولو بنسب متفاوتة. وأنا مدين لعملي في الصحافة،أنْ أدخلني إلى مجالات أخرى، مثل الأدب والبحث والنقد،لا من زاوية المتلقي فقط. وإنما من زاوية الفاعل أيضا. وبقدر حرصي على النجاح في عملي الأصلي،كصحفي وإعلامي. فإنني أسعى نفس القدر،إلى أن أكون مساهما في مجالات أخرى،مثل النقد والتأليف الجمالي،وحتى النتاج الإذاعي،وفي هذا المحور بالذات، فأنا اعتز بأنني أنتجت عديد البرامج الإذاعية،بإذاعات تونسية،مثل صفاقس والمنستير وقفصة. اهتممت فيها بجوانب أدبية وثقافية عديدة،وأعطتني الفرصة لكي استند إلى عديد المراجع،من اجل تقديم مادة إذاعية تفيد المجتمع وتضيف إليه. مثل برنامج جوائز أدبية الذي اهتممت فيه بموضوع الجوائز الأدبية في العالم العربي. وتحول بعد ذلك إلى كتاب وبرنامج نزهة في صحافة الماضي،الذي تناولت فيه بالبحث أسباب توقف الدوريات التونسية القديمة. وتحوّل هو أيضا إلى كتاب وبرنامج “قول على قول” الذي اهتممت فيه بمقدمات الكتب التاريخية والأدبية. وجمعت حلقاته أيضا في كتاب. ولم أهمل في اهتماماتي الصحافة الاستقصائية،ولعل كتابي “البحث عن فكرة” الذي جمعت فيه حواراتي مع شخصيات ثقافية وإعلامية عربية هي قوم خير شاهد على ذلك. أما الجوانب الجمالية فإنها كانت تحتل اهتماما مني على أساس أني اعتبر أن الأدب هو بوابة الجمال. وكتبي في هذا المجال عديدة اذكر منها “مذكرات صحفي في الوطن العربي” و”نبض الوجدان” و”دفتر سفر” و”بلا قيود” فضلا عما كتبته للأطفال من قصص تدخل في هذا المجال أيضا.

تتعدد مؤلفاتك بين الأدب والثقافة والصحافة، ماذا عن الرواية أين أنت منها خصوصا وإنها أضحت دينامو الأسواق العربية؟

كتبي المنشورة ستة عشرة كتابا. وهي كما قلت موزعة بين أغراض ثقافية وإعلامية مختلفة. ولكن لا توجد من بينها رواية واحدة،وانْ عدّ بعض الأصدقاء بعض كتبي من باب الروايات،مثل كتابي” دفتر سفر” الذي يدخل في باب السيرة الذاتية أو المذكرات، وكتابي “نبض الوجدان”. ولكن الرواية بمعناها المتعارف لم اكتبها بعد،وهي علم قديم يطل علي بين الفينة والأخرى، ليقول لي إني مازلت اعلم الكائن في أحشائك وانتظر الخروج إلى الدنيا. ورغم أن عدداً من أصدقائي النقاد والإعلاميين يعتبرون إنني امتلك أدوات كتابة الرواية، فإنني لم أغامر بعد بدخول هذا العالم. وأنا الآن اكتب سيرتي الذاتية في عالم الصحافة وشرعت في نشرها على حلقات في الصحف التونسية،وعديد المواقع الالكترونية. وربما ستكون هي المدخل لكتابة الرواية التي احلم بكتابتها في المستقبل القريب.

أسست مهرجانات أدبية شهيرة في تونس ونلت جوائز عدة، ما هي ملاحظاتك على القيمة المادية والمعنوية للجائزة العربية التونسية بشكل خاص والعربية بشكل عام.

في كتابي “جوائز أدبية في العالم العربي” تحدثت عن عالم الجوائز الأدبية،  ليس فقط في تونس وإنما في عديد الدول العربية. وعرّفت بأهم هذه الجوائز مثل جائزة البابطين للشعر وجائزة سلطان العويس الثقافية وجائزة الملك فيصل العالمية وجائزة الأدب الجغرافي وجائزة ناجي نعمان وجوائز تونسية كثيرة تسند في مجالات عدة.

وتبين لي أن الجائزة تشكل دافعا قويا وحافزا مهما، لمن يحصل عليها لإثراء تجربته. و لكن بعض هذه الجوائز لا تخلوا من شوائب،وبعضها يوفر له قيمة كبيرة ويتمتع بمصداقية عالية . ومهما يكن من أمر فان الجائزة تبقى أداة ضرورية لتشجيع المبدعين وإشعارهم بأهمية أعماله وتأكيد تفوقهم. كما أنها من الجانب المادي تساعد الحاصل عليها،لتحسين أموره المادية. لأن الكتّاب العرب جميعهم فقراء وإمكانياتهم المادية محدودة.

كونك إعلاميا وصحفيا اختبر كواليس الصحافة ومطالبها على مدى أربعين عاما. كيف تقرا أسباب تقهقر مؤسسات إعلامية عربية على الصعيد المالي والتمويلي، وفي أسباب توقف بعض المجلات والصحف، في لبنان وحتى في الأمارات وما سواها من الدول؟

يعتصر قلبي ألما وحسرة عندما أتحدث على هذا الموضوع. فقد عشت شخصيا التجربة بتوقف مجلة مرآة الوسط التي أسستها بعد اثنتين وثلاثين سنة عن الصدور،لأسباب مادية عجزنا عن تجاوزها،رغم ما أصبحت تتمتع به المجلة من مكانة في المشهد الإعلامي والثقافي التونسي. ومع مرآة الوسط  و قبلها توقفت صحف ومجلات كثيرة أخرى.

وبعضها الذي استمر يعاني صعوبات مالية جمّة تهدده بالتوقف عن الصدور قريبا.

وبعد الثورة في تونس، صدرت عديد الصحف والمجلات،لم يبق منها إلا عنوانا أو اثنين، رغم الطفرة التي عرفتها السنة الأولى من عمر الثورة.

ويعزى هذا في رأيي إلى ضيق سوق الإشهار الذي يشكل السند الأساسي لحياة أي مطبوعة وزحف وقوة الإعلام الفضائي،وكذلك انتشار الصحافة الالكترونية، فلم يعد بمقدور الصحف والمجلات الورقية أن تصمد وتستمر وتواصل تكبد الخسائر المادية. فضلا على أن الإقبال على القراءة أصبح محدودا ومع انتشار الفيس بوك أصبح القارئ يلجأ إلى هذه الوسيلة السهلة وترك الجرائد والمجلات. وهناك صحف ومجلات كثيرة اليوم،مهددة بالتوقف وحتى في أوروبا، توقفت عديد المجلات والصحف واكتفت بنسخها الالكترونية،وهذا أمر مؤسف جدا.

بعض دول المغرب العربي وبالأخص الجزائر والمغرب، ارتقى مبدعوها في الفكر الفلسفي والرواية إلى مراتب مهمة. ماذا عن تونس، أين روائيوها وفلاسفتها، هل يقارعون باعتقادك كبار الأسماء المغاربية؟

 -طرح السؤال بهذا الشكل فيه ظلم وتجن، باعتقادي،على المثقفين التونسيين لفائدة غيرهم. واعتقد ان تونس تزخر اليوم مثل الأمس بعديد الأسماء ذات الشهرة الكبيرة مثل الطاهر بن عاشور وابنه العلامة الفاضل بن عاشور، وأبو القاسم الشابي في الشعر،والمسعدي في السرد، وعبد القادر بن الحاج نصر وصلاح الدين في الرواية، وعز الدين المدني والحبيب بولاعراس في المسرح، والطاهر لبيب في علم الاجتماع وهشام جعيط وعبد السلام المسدي في الدراسات الالسنية و أبو القاسم محمد كرّو في البحوث التاريخية والحضارة والدكتور محمد الطالبي. ولا يمكن ان ننسى المرحوم محمد مزالي والأستاذ الشاذلي القليبي وجعفر ماجد ولا استطيع أن اعدد كل الأسماء. ويبدو أن المسالة تحتاج هنا الى أن تكون في تونس فضاءات ومنابر إعلامية قوية تستطيع أن تعرف بهذه الأسماء، و بعد موت مجلة الفكر لصاحبها محمد مزالي لم تتوفر في تونس مجلة قوية قادرة على فرض المبدعين التونسيين خارج الحدود وهي مسؤولية وزارة الثقافة.

ماذا عن كتابك الجديد؟ هل تكرس به تجربتك السردية فيما يمكن تسميته بأدب الصحافة؟

أولا  تسمية  أدب الصحافة تسمية تقسيمية لا تعجبني، لان الأدب هو أدب في معناه الشامل. وعندما نرضى بالتسمية على أساس الجنس سيكون عندنا أدب إذاعي الذي يكتبه الإذاعيون وأدب مسرحي الذي يكتبه المسرحيون إلى غير ذلك من التسميات الضيقة. و أنا اعتبر أن الأدب هو فضاء يتسع لكل الأصناف الإبداعية الأخرى.

أما عن كتابي الجديد، فهو اقرب إلى السيرة الذاتية منه إلى شيء أخر. و أنا في هذا الكتاب احصر تجارب ومواقف وذكريات أربعين سنة من عمري في عالم الصحافة. واعتقد انه من المهم أن يطلع القارئ العربي على تجربة مهمة في عالم الصحافة،تواصلت كل هذه السنوات بما فيها من نجاحات وخيبات ومواقف وذكريات، وربما سيكون الكتاب مهما جدا لدارسي الأدب ودارسي الصحافة أيضا.

هل يمكن القول ان تونس عبرت الآن بسلام عتبة الحريات الحضارية، بعد قيام الثورة الأخيرة ؟

نعم، يمكن أن نقول هذا، خاصة بعد المصادقة على الدستور الجديد الذي يؤسس للجمهورية الثانية، ويكرس الحريات على نطاق واسع. واعتقد ان تونس تجاوزت اليوم الفترة الصعبة من تاريخها،وقد خفت شخصيا كمواطن تونسي ومثقف على بلادي،من خطر تواصل الأزمة الخانقة التي تردت فيها خلال السنة الأخيرة،وهي أزمة لم تشهد لها البلاد مثيلا في تاريخها والحمد لله،إن الشعور بالمسؤولية الذي تحلى به الجميع،هو الذي ساعد على تجاوز هذه المرحلة الصعبة بسلام، فبعد انجاز الدستور والمصادقة عليه ونشره واعتماده رسميا، تم الانتهاء من تشكيل الهيئة العليا للانتخابات،التي ستعد للانتخابات الرئاسية والتشريعية المنتظرة. وتم تكوين حكومة جديدة من كفاءات مستقلة بقيادة شخصية أظهرت استطلاعات الرأي الأولى رضا غالبية الشعب التونسي على أدائه،وهو محل ارتياح حتى في مظهره واطلالاته التلفزية، وهذا سيساعد البلاد على أن تمر بسرعة إلى الانتخابات، وإنهاء المراحل الانتقالية التي طالت كثيرا وأضرت بها سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

“الربيع” الكاذب: جردة حساب لثورات الدم والفوضى

كتب جهاد مارون

كانت الثلاث سنوات الماضية كافية لإثبات أن “الربيع العربي” لم يكن مُرفَقا بدليل أو خريطة طريق لمواجهة التحديات التي تفرضها المرحلة الإنتقالية، بما فيها “خطر الشتاء الإسلامي”، في ظل عدم تحرّر المجتمع المدني من قيوده، وغياب الرّقيب على عملية بناء الدولة الديمقراطية الجديدة، والفشل في ضمان نزاهة انتخابات ما بعد الانتفاضات إلى بلورة دساتير الغد.

تحوّلت جثة “الربيع” إلى رماد، فالنّار التي أضرمها محمد البوعزيزي في جسده يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010 لم تخمد بعد. المنطقة بأسرها شعرت بالهزّات الارتدادية لزلزا

نقل جريح في اشتباكات التحرير

نقل جريح في اشتباكات التحرير

ل الربيع العربي. “تأثير الدومينو” لايزال متواصلا، وإن كان بدرجات متفاوتة. سوريا مشتعلة، ليبيا تحكمها الميليشيات، تونس تعيش في فوضى، مصر تتخبّط بالثورات المضادة، المملكة الأردنية تواجه غضب الشارع، والتظاهرات الاحتجاجية تُغذي الأحداث السياسية في البحرين والكويت والسودان واليمن.

 وبدلاً من أن يؤدّي الربيع إلى تعزيز الدولة، أسفر عن انهيارها أو على الأقل دفعها إلى الترنّح على حافة هاوية “الدولة الفاشلة”.

في العراق، وعلى رغم الأموال الهائلة التي أنفقت لإعادة بناء جهاز الدولة الذي حلّه الأميركيون عام 2003، لا تزال هذه الدولة هشّة للغاية، بسبب تشظي المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومَذهبية وعِرقية (كردية). الدولة – الأمة في العراق سقطت. والشكل الفدرالي الذي طرح للحلول مكانها، عجز حتى الآن عن لمّ شعثها وإعادة بنائها.

الأمر نفسه يتكرّر في سوريا. فبعد الدمار الذي لحِق بمفهوم القومية العربية الذي يتبنّاه حزب البعث الحاكم منذ عام 1970، يأتي الآن الدّمار الآخر لمفهوم الوطنية السورية، الأمر الذي ترك الساحة خالية أمام صراع الأصوليات الطائفية.

في اليمن (وبعده في ليبيا)، أدى انهيار الدولة إلى دفع القوى القبلية والعشائرية إلى واجهة الأحداث لملء هذا الفراغ، في وقت فشلت فيه القوى الإسلامية في تقديم بديل قابل للحياة عن مفهوم الدولة الوطنية.

حصيلة انهيار الدولة في منطقة “الربيع العربي” كانت واحدة: الفراغ والفوضى وتحويل المنطقة إلى ساحة تنافُس إقليمي – دولي، تحت شعار أن بديل الدولة الوطنية “الفاشلة” هو إعادة بناء “الإمبراطوريات” الإقليمية القادرة وحدها على ملء الفراغ، وهذا ينطبق الآن على ما تحاول أن تفعله كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل.

إلى متى يمكن أن يستمِر تحوُّل الربيع العربي على هذا النحو المتسارِع إلى شتاء قارس؟ الأرجح إلى حين تبلور نظام إقليمي جديد، يحل مكان النظام الإقليمي العربي السابق. لكن هذا بدوره يجب أن ينتظر وِلادة نظام عالمي جديد لا يزال الغموض الشديد يكتنِفه، من بكين إلى واشنطن، مروراً بموسكو وطوكيو وبرلين ونيودلهي.

الانقسامات العربية

لا شك في أن “الربيع” أثر في العلاقات العربية – العربية التي لم تشهد انقسامات واختلافات وعداءات بهذا الحد منذ غزو القوات العراقية إلى الكويت في العام 1990.

لقد ساءت العلاقات التونسية مع السعودية (والخليج) منذ استضاقة الرياض الرئيس بن علي ومنحه وعائلته حق اللجوء السياسي.  وفي مصر، أدى الدعم القطري المعلن على شاشة “الجزيرة” لحكم الإخوان ورفض ما وصفته الدوحة بـ”الانقلاب العسكري” على الرئيس محمد مرسي، إلى تأزم دبلوماسي غير مسبوق بين الإمارة الخليجية ومصر، دون أن ننسى قطع العلاقات بين القاهرة وأنقرة التي تصرّ على رفض الاعتراف بالحكم المصري الجديد.

إن مفهوم الأمن القومي العربي الذي قام – بحسب ميثاق جامعة الدول العربية – على فكرة قدرة الدول العربية على حماية الأمة العربية من الأخطار الخارجية والداخلية القائمة أو المحتملة، وتحقيق فكرة القومية العربية، سقط أمام إفرازات الربيع العربي، حيث كانت الحلول الإسلامية التي أتى بها التغيير، وبالا على النظام العربي بأسره. فلا الذين قدموا لسدة الحكم في تونس ومصر وليبيا من الخبرة السياسية والإدارية والأيديولوجية بمكان يؤهلهم لقيادة هذه الدول إلى مرحلة انتقالية تهيئ لمرحلة ديمقراطية حقيقية، ولا الأوضاع التي تمر بها بقية أقطار الأمة تسمح بأن يكون الحكم فيها مطلقا للإسلام السياسي، خاصة في ظل المتغيرات الكبيرة التي طرأت على الحكم في العراق ووضوح خندق الطائفية في سوريا وزيادة وتيرة التدخل الإيراني في البحرين واليمن وغيرها.

الأمن القومي العربي شتت بطريقة مؤدلجة ومدروسة بعناية، خصوصا منذ إعلان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب إبان أحداث أيلول 2001، وقد كان هذا الإعلان في حقيقة الأمر إعلانا لإنهاء الأمن القومي العربي حيث قال قولته المعروفة “من ليس معنا فهو ضدنا”.

ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة لم يتمكن أحد من القضاء على الإرهاب، بل انتشر وتوسع وزادت دائرته نتيجة إطلاق يد الولايات المتحدة في جميع دول العالم الفقيرة، والشرق الأوسط تحديدا، لتحتل دولا منه ولتضرب دون استئذان كل من يوصم بالإرهاب بحسب تصنيفها، وهو ما يجعل الشكوك تدور حول ماهية المنظمات الإرهابية الحقيقية، ومن يقف وراءها؟

لقد شكل “نجاح” أو”فشل” الربيع العربي إحباطا قويا لآمال النهوض بالأمن القومي العربي كإستراتيجية. ففي حين يشهد الدور الأميركي تراجعا واضحا، تظهر قوى دولية وإقليمية جديدة تجهض انتفاضة الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها، وتسدّ الممرات الآمنة لتحقيق المشروع القومي في الأمن.

في الوطن العربي، لم يتوافر أي من شروط التحول نحو الدولة المدنية، فلا الهياكل الاجتماعية كانت جاهزة له، ولا الحياة السياسية كانت مهيأة له. فبعد عقود طويلة، من غياب الحريات، نتج عنه تجريف يكاد يكون شاملاً للحياة السياسية، لم يكن منتظراً أن يحدث حراك منظم، ينقل الواقع السياسي القائم من الحالة الشمولية إلى الحكم الديمقراطية، والدولة المدنية .

لكن في ظل الفراغ السياسي، قفز الإسلام السياسي، ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، الذين التحقوا مؤخراً بالحراك الاجتماعي إلى واجهة الأحداث، ولم يكن ذلك مستغرباً، فهم وحدهم الذين ظلوا قوة متماسكة، بسبب تكتيكاتهم، وتحالفاتهم الخفية والمعلنة مع الغرب وأقطاب النظام السابق. وأيضاً، بسبب تحكمهم في مؤسسات العمل الخيري والدعوي، وادعاءاتهم المتكررة، بأنهم ليسوا سوى جماعات دعوية، ليس لها مطمع في الحكم .

أنظمة ملكية تصمد

لقد تمتعت العائلات المالكة في الشرق الأوسط بربيع عربي جيد حتى الآن، أو بالأحرى أفضل مما كان يتخوف منه البعض، وهو ما حصل في الأردن والمغرب والخليج.

وأظهر النظام الملكي في البحرين استعداده لاستخدام أساليب أمنية مشددة، بينما عمدت ملكيات أخرى إلى اتخاذ إجراءات أكثر مرونة.

وفي قطر قامت السلطات برفع أجور وظائف القطاع العام في الشهور الأولى من انطلاق موجة الاحتجاجات العربية. وتملك دول الخليج غضبا قابلا للتصدير، فغالبية الوظائف الأقل أجراً يشغلها عمال أجانب، وإذا اشتكوا من ظروف العمل من السهل حينئذ إعادتهم إلى بلادهم.

 سنة وشيعة

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين السنة والشيعة في المنطقة، يتحارب “شيعة إيران” و”سنة السعودية” في حرب بالوكالة في سوريا.

لذا فإن تعميق الانشقاقات بين هذين المذهبين أدى إلى ظهور مستويات مفزعة من العنف الطائفي في العراق أيضاً، الذي ربما سيكون أهم موروثات هذه السنين من التغيير في المنطقة.

الرابحون خاسرون

إن اختيار الفائزين والخاسرين سيكون أمرا مخادعًا. ودعونا نلقي نظرة على الإخوان المسلمين في مصر، الذين حققوا نجاحاً ضخماً في الانتخابات التي أجريت بعد إسقاط نظام حسني مبارك. فبعد 80 عاماً من العمل السري، بدت الجماعة مستعدة لإعادة تشكيل أكبر دولة في الشرق الأوسط تعكس صورتها ورؤاها الخاصة.

إلا أن الجيش أبعد الجماعة عن السلطة في مصر، وعادت إلى السرية مرة أخرى، بعد إعلانها “جماعة محظورة” مجددا، وبعد مثول قياداتها أمام المحاكم. فمنذ عام واحد كان ينظر للجماعة أنها الفائزة، لكن الأمر تبدل الآن.

ولم يكن ذلك خبراً ساراً لقطر، تلك الإمارة الخليجية الصغيرة الطموحة التي دعمت الإخوان في معركة السلطة في مصر. ومع بداية الربيع العربي أيضًا، كانت قطر، وهي تدعم الثوار في ليبيا تبدو كأنها تسير وفق خطة استراتيجية لتوسيع نفوذها في المنطقة. أما الآن، فالأمر لم يعد كذلك.

وبدا الأكراد في كردستان العراق كفائزين في الوضع الحالي، بل قد يكونون في طريقهم لتحقيق الحلم الذي طال انتظاره، وهو إقامة دولتهم المستقلة. فهم يسكنون شمالي العراق، في منطقة غنية بالنفط، تبني اقتصادا مستقلا مرتبطا بجارتهم القوية تركيا. كما أن لديهم عَلَم ونشيد وطني، ولهم قوات مسلحة أيضا.

وقد تكون كردستان واحدة من المستفيدين من التفكك البطيء الحاصل في العراق، الذي لم يعد يتصرف كبلد موحد.

ولن يكون مستقبل المنطقة خاليا من الأزمات، فالسكان الأكراد يمتدون عبر الحدود مع إيران وسوريا وتركيا، ولكن الأكراد في مدينة مثل أربيل يتوقعون مستقبلا أكثر ازدهارا وحرية. وقد بدأت موجة التغيير في كردستان قبل الربيع العربي، إلا أن الأكراد يستفيدون أيضا من موجة التغيير التي تجتاح المنطقة لتعزيز ما حققوه من قبل.

لقد بدت الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا للشرق الأوسط خلال الحرب العالمية في طريقها للتفكك. فهناك دول مثل سوريا والعراق، التي جرى رسم حدودها لا يُعرف هل ستبقى في شكلها الحالي كدول موحدة خلال الخمس سنوات القادمة أم لا؟

كذلك ليبيا، التي لا يستطيع المرء التكهن بشأنها. فليبيا كشفت محدودية تدخل الدول الغربية، فقد نجح سلاح الجو البريطاني والفرنسي في إسقاط النظام السابق، لكنه لم يتمكن من ضمان أن تحل محله الديمقراطية والاستقرار.

وهناك درس قديم، يتعلمه العالم مرة أخرى، وهو أن الثورات لا يمكن التنبؤ بها، بل من المحتمل استمرارها لسنواتٍ قبل أن تتضح تداعياتها … لتبقى إسرائيل‏ الرابح الوحيد من “ثورات الربيع العربي”.

صباح الملل

في كل صباح، “ننظر” على عجل إلى عناوين الصحف، و”نقرأ” بتمعّن الصور المنشورة، فلا نجد تغييراً جوهرياً في الأحداث.

مازالت الأخبار روتينية كما كل يوم:

–          الرئيس المكلّف تمام سلام يجتمع برئيس الجمهورية ميشال سليمان في قصر بعبدا، ويبحثان آخر مستجدات المشاورات حول تأليف الحكومة.

–          لا جديد في الموضوع الحكومي.

–          فريق 8 آذار يطالب بتشكيلة 9-9-6 مسيّسة.

–          فريق 14 آذار يطالب بتشكيلة 8-8-8 بلا سياسيين.

–          فريق 8 آذار يطالب سنّة البقاع والشمال بالكف عن دعم المعارضة السورية.

–          فريق 14 آذار يطالب “حزب الله” بالانسحاب من سوريا.

–          جلسات مؤجلة لمجلس نيابي ممدّد لا تنعقد بسبب غياب النصاب.

–          لا حوار حول قانون الانتخابات النيابية.

–          نشرة جنبلاطية عن “الموقف اليوم”، باتت أشبه بالنشرات الجوية حول تقلّبات الطقس.

–          تزايد لا محدود لأعداد النازحين السوريين، يقابله تزايد لا محدود أيضاً في عنصرية اللبنانيين.

–          تبادل الاتهامات حول نشر المذهبية.

الوقائع والأخبار متشابهة ومضجرة.

المختلف الوحيد، والذي يكاد أن يتحوّل أيضاً إلى روتيني، ملاحقة السيارات المفخخة، التي تشيع المصادر الأمنية أنها دخلت لبنان وتبحث عن مكان للانفجار.

فعلاً لا جديد، ولا شيء في لبنان يشكّل مفاجأة. وما علينا إلا أن نتابع صباحاتنا المعتادة إلى بئس المصير.

ما علينا إلا انتظار وصول جرثومة “الربيع العربي” وانتقال العدوى إلينا، لنتحوّل من متفرّج على المجازر إلى ضحية.

من كان يتخيّل أن مشاهد القتل العشوائي اليومي في العراق، ستتكرر في ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا؟

أما وقد تحوّل “التخيّل” المستحيل إلى واقع، فيبدو أن لكل شعب عربي مواسم قطاف لحروب داخلية. ومما يزيد الخطر خطراً تحوّل الأنظمة العربية إلى عوازل حقيقية للحرارة القومية.

لا أحد يعمل على إطفاء الحرائق العربية، لكن أغلبنا ينفخ فيها.

هل تشك دولة من دولنا أنها ليست وديعة في خارطة الشرق الأوسط الجديد، وقد ترك تحديد موعد استحقاقها إلى البيت الأبيض.

نعود إلى عناوين الصباح وأقوال الصحف اللبنانية.  فنلاحظ أن سياسة “النأي بالنفس” قد سحبت من التداول، بعد أن عمّ التنافس بـ”زج النفس” في الأزمة السورية المعقدة.

وزج النفس لم يقتصر على تصدير المقاتلين والسلاح والمال، فهو يشمل اليوم ربط كل الاستحقاقات الدستورية بما يدور في سوريا.

لا حكومة، لا قانون انتخابات، لا جلسات نيابية… وربما، بل من المؤكد، لا انتخابات رئاسية.

والعجيب الغريب، أن في سوريا نفسها حكومة وقانون انتخابات وجلسات نيابية … وتجري الاستعدادات لانتخابات رئاسية.

وهذا يعني أن سوريا هي التي نأت بنفسها عن لبنان، وبالتالي، تكون قد نجت من انقسامات يستعصي حلّها ولو بعد أجيال.  في حين أن حربها الداخلية ستجد حلاً … آجلاً أو عاجلاً.

سامر الحسيني

وجهات نظر: الحوار

1

«الحوار» موضة عربية درجت وعمَّت.

بدأت في لبنان قبل سبع سنين. وها هي تطل مجدداً بإصرار من قصر بعبدا.

وها هي في سوريا تنتظر تأشيرة دخول إلى سويسرا.

وها هي تظهر وتختفي في مصر.

وها هي تنعقد وتتعقد وتحضر وتغيب في تونس.

وها هي في ليبيا توجه بطاقات للانعقاد لا تجد من يستلمها.

2

اللافت أن ظاهرة الحوار تنتشر في وقت تعطلت فيه لغة الكلام وسادت فيه لغات السواطير والمدافع والصواريخ والسيارات المفخخة.

3

الجميع على حق. المطالبون بالحوار والرافضون له.

هو مضيعة للوقت. ومناسبة للثرثرة. وهو أيضاً الباب الوحيد للتفاهم والنجاة من الغرق في بحر الدماء.

والحقيقة أن الحوار العربي، حيثما انعقد، لا يملك القدرة على نزع الصمغ الذي يلتصق بالمواقف المتطرفة الملتصقة بكل الأطراف.

4

ماذا ينفع الحوار إذا كانت الأفكار الإسمنتية قد أنجزت بناء جدارها الفاصل، الذي يمنع تفاهم الآخر مع الآخر؟.

إذاً لماذا يتحاور العرب وعلى ماذا؟.

لماذا وجميعهم لا حول ولا قوة له إلا بالخارج… ولا قرار له إلا من الخارج؟.

5

ترى أي التوكيلات يمكن اعتبارها نافذة؟.

توكيلات «ثوار» الربيع العربي وحكوماته لدول إقليمية وغربية؟… أم توكيلات هذه الدول لـ«ثوار» الربيع وما أنتج من حكومات؟.

المؤكد أن وكالاتهم الدولية لكم تمنعكم من التصرف، والثابت أن وكالاتكم لهم غير قابلة للعزل.

6

إذاً، ماذا ستفعلون أيها العرب حول طاولاتكم المستديرة، وقد استدرتم جميعاً وتوزعتم الجهات الأربع بمن جاوركم وبمن جار عليكم.

7

وعلى فرض التقيتم واتفقتم، وهذا لن يكون. وعلى فرض أنه كان، فجميعكم يملك مهارات التهرب، والتلاعب على الألفاظ، وابتكار التفسيرات المعطلة.

 8

أنتم لن تتحاوروا بألسنتكم. لقد نمت أنيابكم، وطالت أظفاركم، وتطاير الشر المستطير من عيونكم.

إذاً، لا حوار بينكم إلا بما ملكت أيمانكم من أسلحة القتل والتدمير.

العربية لم تعد لغتكم. والعروبة لم تعد تجمعكم. ولا يملك أي منكم مفتاحاً للحل سوى مفتاح حل رسائل الشيفرة التي تصلكم من قريب منكم وبعيد عنكم.

9

لا تضيعوا أوقاتكم الدامية في الحوار… فما زال في وطننا العربي من ينتظر حتفه… فلا تطيلوا عليه الانتظار.

ربيع الديمقراطيات الحيوانية

من أين يأتي كل هذا الخراب العربي؟.

من العراق، الذي يستورد السيارات ليفخخها لا ليركبها؟.

من فلسطين، الملوثة برائحة قضيتها التي تعفنت من الصبر والتنازلات؟.

من تونس، التي ينتعش فيها التطرف، وتموت فيها السياحة، وهي باب الرزق الأساسي للدولة والشعب؟.

من مصر، التي نامت نواطيرها عن ثعالبها، وما استيقظ النواطير إلا بعد أن احتلت الثعالب ساحات النهضة ورابعة العدوية، وبعد ان ملكت أنياباً حادة تمزق سيناء وتنهش في أجساد المصريين وأمنهم؟.

من ليبيا، التي مزقت كتاب القذافي الأخضر، لتقرأ في كتاب الميليشيات الأحمر والمكتوب بالدم؟.

من سوريا، التي عمّها الدمار واستوطن فيها عزرائيل؟.

من لبنان، الذي لا يعرف ما إذا كان قد خرج من حربه الأهلية في السبعينيات والثمانينيات، أم أنه عائد إليها؟.

من الوضع العربي العام الذي، وهو يسعى إلى تهشيم الديكتاتوريات، وجد نفسه في حضن الديمقراطيات الحيوانية، التي تفوقت بوحشيتها على وحشية الديكتاتوريات المنقرضة؟.

من الخلط، الذي ما عاد يعرف الحدود الفاصلة بين الدين والإرهاب؟.

ما زالت هذه الأمة تتابع الانحدار في ظل غياب كامل للعقل والوعي والضمير.

والعصي عن الفهم في هذا الصراع العربي، ما يحمله من تناقض الصيف والشتاء على السطح الواحد.

وعلى سبيل المثال، والأمثلة كثيرة، فإن النظام السوري الذي يخوض حرباً ضارية ضد الإخوان المسلمين، نجد أن حلفاءه الرئيسيون، أي حزب الله وإيران، ينصران إخوان مصر وغزة.

رأينا تلفزيوني المنار (حزب الله) والعالم (إيران) في منصتي الإخوان في رابعة والنهضة. ولا أحد يجهل أن هذين الميدانين لا يدخلهما إلا أهل الثقة والراسخون بالتعاطف مع الإخوان.

وسمعنا عن عودة العلاقات “الجهادية” بين حماس، الأشد عداوة لسوريا، وحزب الله وإيران، الأشد تحالفاً مع سوريا.

نعرف أن ثمة شراكة بين حزب الله وحماس وإخوان مصر في عملية اقتحام سجن وادي النطرون، لكن الذي لا نعرفه كيف تستمر هذه الشراكة في مصر وغزة، وكيف تستمر الحرب بين هؤلاء الشركاء في سوريا؟.

إذاً فإن الإخواني الذي يقتل على باب الحرس الجمهوري في مصر هو شهيد، في حين أن الإخواني الذي يقتل في سوريا هو إرهابي.

إذاً نحن أمام إسلام جديد، لا الحرام فيه بين، ولا الحلال فيه بين. فالعقيدة أصبحت بين بين.

ومع هذا نسأل من أين يأتي كل هذا الخراب العربي؟.

وليد الحسيني