في حرب الفساد: أيها الطبيب طبّب نفسك

walidتتراكم المشاكل فوق لبنان، تماماً كما يتراكم الذباب فوق المزابل.

حيث ينظر اللبناني يجدها حوله. فهي تتسكع في كل مؤسسات الدولة. وتتسلل إلى بيوت اللبنانيين بلا إستثناء. وتنفخ في نارها المذهبيات بلا رحمة. وتتفرج عليها القيادات بلا مسؤولية.

هذا هو لبنان، الذي تزلزل الأرض فيه زلزالها. وتخرج من باطنها أثقالها. ولا يسأل أحد ما لها؟.

ترى من أي المشاكل نبدأ، وكلها ينافس كلها؟.

بعشوائية، سنتناول ما تيسر من مشكلات، وما تجذر من خلافات.

وقبل استعراض ما هو متاح للعرض، لا بد من التنبيه إلى أن “فريق الممانعة”، ومنذ زمن، بدأ باختراع “العرف” في حربه ضد “الطائف”. وما أن يخترع عرفاً، حتى يفاجئنا باستيلاد عرف جديد. إلى أن كادت البلاد تحكم بالأعراف. وإلى أن أصبح الدستور في ذيل مصادر التشريع.

آخر عرف مستحدث كان عندما خبط الرئيس بكفه، فاهتزت طاولة مجلس الوزراء، وطارت أهم أوراق الطائف. وهي الورقة التي تحصر القرارات الكبرى بيد الحكومة مجتمعة.

يومها إحتج سعد الحريري باللجوء إلى “الصمت الصارخ”. مفضلاً، بدافع الحرص على البلد، معالجة تجاوز الصلاحيات في اجتماعات مغلقة. فكانت له العودة عن “الغضب الرئاسي”، وبالتالي، العودة إلى شرعية الطائف وأحكامه.

والسؤال: هل هي عودة نهائية إلى الأصل… أم أن “عرف الخبيط” سيعود إلى بدعة الأعراف في ذات يوم… وفي ذات أزمة؟.

وفي مسلسل المشاكل، برز إنقسام اللبنانيين حول ركوب “سفينة نوح الإيرانية”.

فريق يؤمن بما تحمله سفينة المعجزات من حلول لمشاكلنا المستعصية. فهي تحمل صواريخاً للجيش، ستردع العدو وتمنع خروقاته الشبه يومية. وهي تحمل أدوية يستطيع الفقير شراءها من دون إذلال على أبواب الضمان أو وزارة الصحة. وهي تحمل أيضاً مواد وآليات تشق الطرق والأنفاق وتبني الجسور… وتقضي بذلك على أزمات السير المزمنة. والأهم أنها تحمل محطات كهربائية عملاقة، تنقذ لبنان بكامله من العتمة وشبيحة المولدات.

فريق آخر سأل ببراءة: لماذا لا تفرّغ “سفينة نوح الإيرانية” حمولتها السخية في إيران نفسها؟. أليس “جحا أولى بلحم ثوره”؟. هذا إذا كان هناك فعلاً ثور يكفي لحمه الشعب الإيراني، الذي يعاني أكثر مما نعاني؟.

ويعتب هذا الفريق على الحكومة اللبنانية، التي رفضت الهبات المقدس سرها. ويسأل ببراءة أيضاً: لماذا لم “تلحق بإيران لباب الدار”؟. فالحكومة، بامتناعها عن قبول الكرم الإيراني المتدفق، تكون قد منحت إيران دعاية مجانية لفعل، كل الظن واليقين، أنها لن تفعله.

ونختار، من “كوكتيل المشاكل اللبنانية، مشكلة “النزوح السوري”. حيث “فريق الممانعة” يزعم، مؤكداً وواثقاً، أن حلم النازحين السوريين هو الحصول على “مرقد عنزة” في بلد ترقد فيه العنصرية والأحقاد.

يفوت فريق الدعوة إلى العودة القسرية والجماعية، أن السوري الذي يبحث عن جنسية تحترم إنسانيته، نزح إلى أوروبا وكندا. أما من اختار لبنان، فقد اختاره لأنه أقصر طرق العودة إلى المنزل والوطن. مما يعني أن “التوطين” كذبة تتفوق على كل الأكاذيب الرائجة.

أما أم المشاكل، الزاحفة حثيثاً نحو الفتنة المذهبية، فتتمثل بتصدر “حزب الله” مواقع الحرب على الفساد.

إنتحل صفة “المايسترو” في فرقة عزف “سمفونية” الإبراء المستحيل. وهو الذي يستحيل إبراءه من هدر المال العام.

نتذكر أنه في عام 2006 استدرج عرضاً للبطولة. وفاز يومها فعلاً بالميدالية الذهبية، عندما قهر الجيش الذي لا يقهر. لكنه لم يفز بقهره في مزارع شبعا. وبالتالي، فإن مليارات الدولارات، التي هدرت في تدمير البنية والأبنية، والتي رافقها استشهاد مئات الأبرياء، تكون قد ضاعت بلا جدوى وطنية.

وها هو الحزب يعيد تشغيل اسطوانة الإحدى عشر ملياراً. ويقول أنها تبخرت ما بين الهدر والنهب. لكنه، وهو الحزب الشجاع، تنقصه شجاعة الإعتراف بتعطيل طرق الصرف العادية، عندما حاصر مبنى الحكومة، وأغلق مجلس النواب، وساهم بذلك بعدم إقرار الموازنات، التي تحدد الإعتمادات وتعتمد أصول الصرف والإنفاق.

ولأن الدولة لا تملك خياراً غير الاستمرار بدورها وواجباتها، فقد اضطرت الحكومة إلى التصرف، فكان الصرف قانونياً، حتى ولو تجاوز القانون، بتجاوز أعباء الإنفاق القاعدة الإثني عشرية.

ويفوت “حزب الله” فتح ملف سرقات أضعاف الإحدى عشر ملياراً. هي مجموع ما سلب من عائدات جمركية وما هرب من بضائع عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، التي جميعها تخضع لقوة تحاول أن تبقى مجهولة.

أما الهبات التي وضعت في حسابات هيئة الإغاثة، لا في حسابات وزارة المال، فذلك يعود لأن الواهب دفعها لأهداف إنسانية، لا لتنفق في أنفاق وزواريب المالية العامة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر. فإن الهبات التي تلقاها “حزب الله” بعد حرب تموز، ويفوق حجمها مرات ومرات ما تلقته هيئة الإغاثة، التي وزعت ما ملكت صناديقها الهزيلة، بلا انحياز لمنطقة، وبلا تفضيل لمذهب. في حين أن هبات ما ملكت ايمانكم وزعت بين ناس السمنة والزيت… وسطح الصيف والشتاء.

أليس هذا وذاك فساد يقوم على شراء الولاءات وإذكاء المذهبيات؟.

أما وقد قرر “حزب الله” أن يكون الطبيب الوحيد في حملة اللقاح ضد الفساد، فمن حق اللبناني أن يستعيد القول المعروف: أيها الطبيب طبّب نفسك.

وليد الحسيني

Advertisements

شعرة معاوية هي الحل

walidمع كل أزمة يسأل اللبناني: ماذا يفعل لو كان معنا؟

لكنه لن يكون. المخلّص قد مات، فرفيق الحريري لن يعود. إلا أن الحرب على مشروعه ما زالت مستمرة. وها هو سعد الحريري يواجه العواصف، التي تحاول قطع طريق الإعتدال.

إن العقل المضاد للتعقل، يعتبر المعركة أسهل في مواجهة الحريري الإبن، مما كانت عليه بحضور الحريري الأب.

أيام الأب لم يكن “حزب الله” قد مد يده المسلحة إلى اليمن، جار السعودية وخاصرتها الرخوة. لهذا لم يكن الحوار، بين مؤسس “المستقبل” و”الحزب”، يشكل مأخذاً سعودياً يصل إلى حد الغضب.

اليوم “الحزب” وإيران هناك. وهناك استغل بعض اللبنانيين، ثغرة الحرص على الاستقرار اللبناني للوقيعة بين بيروت الزرقاء والرياض التي لا يمكن أن تتساهل في أمنها الإقليمي.

في المقابل، ما كان بمقدور سعد الحريري، المسؤول والمؤتمن، أن يخاطر بالبلد ويخوض معركة مع حزب الله، قد تتحول من معركة سياسية الى معركة دموية خاسرة.

وتعميقاً للوقيعة، يتم اليوم ضخ كمية من غزل النصر الإلهي بالحريري، في رسالة إلى السعودية واضحة الأغراض. وكل ذلك بهدف تعزيز القلق السعودي من اعتدال زعيم “المستقبل”.

إلا أن للأمور نفسها حسابات أخرى. فاستقرار لبنان يشكل فرصة للمنازلة السياسية. وستكون الانتخابات النيابية المقبلة محطة رئيسية، قد تؤدي الى خلل في محور الممانعة، وبالذات بين قطبي التيار والحزب.

لقد كان الحريري صريحاً وصارماً باعلانه الانفصال الانتخابي عن حزب الله. ومع هذا الموقف، يصبح من الصعب على العونيين اللعب على حبلين متباعدين. مما يعني التخلي نسبياً عن الإزدواجية السياسية. حتى لو نجحوا في تشكيل لوائح مختلطة في بعض الدوائر، التي لا يملك “المستقبل” نفوذاً فيها.

غير أن مازق التيار البرتقالي سيكون كبيراً في الدوائر التي يحتدم فيها الصراع بين الإعتدال والممانعة. وهنا لن يغفر حزب الله لحليف كنيسة مار مخايل خسارته لمقاعد نيابية، كانت ستوفر له الأكثرية التي تقصم ظهر “المستقبل” وتقصي الحريري عن السرايا.

يبدو أن الرايات “البرتقالية” ترتفع انتخابياً باتجاه “السماء الزرقاء”. وهذا يشير إلى أن هزة الانتخبات، بين حليفي الممانعة، ستكون على درجة من القوة، سينتج عنها هزات ارتدادية، ربما تتسبب بشقوق تبعد المسافات بين الأرضيتين.

وعلى هذا، فإذا لم تع السعودية جدوى اعتدال الحريري قبل الانتخبات، فإنها ستعيها بعدها. فما يمكن أن يربحه تيار المستقبل في السياسة، من المؤكد أنه كان سيخسره في الحرب.

مرة أخرى، يثبت أن “شعرة معاوية” هي الحل.

وليد الحسيني

محدلة الأكثري في زمن النسبي

samer husseini

سامر الحسيني

لم تعد المعركة الانتخابية المقبلة مقتصرة على 128 مقعداً نيابياً. فلكل فريق حساباته وتحالفاته التي تتجاوز الخلافات التقليدية والمصالح الاقليمية، بحثاً عن أوزان استراتيجية تحكم لبنان في المرحلة المقبلة.

لا أحد يشكك في أن لـ”حزب الله” الوزن الراجح في ميزان السلطة المتجددة بعد تمديدين. فلعبة المقاعد وتوزيعها تبقى رهينة “ثنائيته” مع”حركة أمل”؛ و”ربط نزاعه” مع “تيار المستقبل”؛ و”وثيقة تفاهمه” مع “التيار الوطني الحر” التي تحصّن الجنرال ميشال عون و”ولي عهده” جبران باسيل في قصر بعبدا.

إنها تفاهمات وتحالفات الضرورة، التي تحقق المكاسب وتحافظ على المكتسبات.

فبينما ينشغل اللبنانيون في فك ألغاز القانون النسبي واحتساب الحاصل الانتخابي والأصوات التفضيلية في كل دائرة، نرى اللاعبين الخمسة الكبار يدوّرون الزوايا ويردمون “خنادقهم الآذارية”، بحثاً عن انتصارات تعوّض خسائرهم العسكرية والمالية والسياسية.

فـ”حزب الله” المنهك من حروبه الاقليمية يريد عودة هادئة لفائض قوته لا تصطدم أو تستفز شركائه في الوطن.

و”تيار المستقبل” المتألم من طعنات حلفاء الداخل والخارج، يضمد جراحه بمزيد من الاعتدال والنأي بالنفس.

و”حركة أمل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”التيار الوطني الحر” يدركون جيداً أن وحدها التفاهمات الداخلية تجنب لبنان دفع ثمن التسويات الاقليمية الكبرى في المنطقة.

وإذا كان القانون النسبي يفرض على الناخب اللبناني الاقتراع للوائح مغلقة، فإن النتيجة السياسية للانتخابات تحددها التفاهمات والتحالفات المفتوحة على أكثر من اتجاه.

في انتخابات 2018 تتداخل الخرائط الاقليمية بالخرائط المحلية. فما حصده “حزب الله” في صناديق الذخيرة في سوريا والعراق، يحاول أن يستثمره في صناديق الاقتراع في لبنان، لفرض معادلاته “الذهبية” من جديد.

وإذا كانت صفارات قطار التسوية الإقليمية بدأت تُسمع في موسكو وواشنطن، فإن  انتظار وصوله إلى محطته اللبنانية يستوجب بقاء الغالبية الحاكمة في مقاعدها الرئاسية والنيابية.

من هنا فإن تركيبة الحكم الخماسية، وإن لم تتحالف في قوائم مشتركة، إلا أن تفاهماتها لمرحلة ما بعد الانتخابات، تحيي “محدلة الأكثري” في زمن القانون النسبي.

سامر الحسيني

حروب سلام: حكومة صامدة على جبهات التعطيل والإرهاب

الرئيس تمام سلام

الرئيس تمام سلام

كتب المحرر السياسي:

بعد أن فشل «الإضراب» الحكومي في فرض الآلية الدستورية على عمل مجلس الوزراء، فك «الإضراب» باعتماد آلية «عالوعد يا كمون».

وهكذا يعود مبدأ الإجماع ليقود غرفة عمليات مجلس الوزراء، مع وعد من الفرقاء بعدم التعطيل، وبالتالي، تيسير وتسيير مصالح البلاد والعباد.

إن إقرار «التيسير والتسيير»، يعني أن ما كان متبعاً من قبل هو تعطيل المصالح العامة. وفي هذا اعتراف ضمني من قبل الوزراء باتباع سياسة النكاية والكيدية.

ويبقى السؤال المشروع:

هل سقطت فجأة مكارم الأخلاق الوطنية، أم أن وعد عدم التعطيل قدم للإلتفاف على «الإضراب» الحكومي ولإمتصاص غضب الرئيس الصابر تمام سلام؟.

من المعروف أن أفرقاء الحكم غالباً ما يأخذون بعودة حليمة الى عاداتها القديمة.

إذاً، على الرئيس سلام استغلال «الوعد» الطازج بعدم التعطيل، بأن يطرح في جلسات مجلس الوزراء المتتالية أهم البنود الخلافية، فإما أن تقر، وإما أن تفضح مبكراً الواعدين وما وعدوا به.

لا أحد يصدق أن سياسيي لبنان قادرون على التوافق. يكفي أن تتمسك بالفيتو كتلة وزارية واحدة من الكتل الست التي تشكل مجلس الوزراء (كتلة عون ـ وكتلة أمل ـ وكتلة حزب الله ـ وكتلة المستقبل ـ وكتلة الكتائب ـ وكتلة المستقلين) ليسقط الوعد، وبالتالي، ليعود مجلس الوزراء الى أجواء الجمود والتجميد.

إن «التوافق»، وفق التجارب، هو من مستحيلات السياسة اللبنانية. ولهذا يدرك اللبنانيون أنهم عاجلاً، وليس آجلاً، سيجدون حكومتهم عاجزة عن الحل والربط.

ومع ذلك فإن هذه الحكومة ستبقى عبئاً لا يمكن التخلص منه، حتى ولو كانت الفراغ الذي يملأ الفراغ. فمن دونها لا يبقى في لبنان سلطات سوى سلطة الأجهزة الأمنية… وشرطة السير.

ومن حسن حظ لبنان أن يكون الرئيس تمام سلام رئيساً لحكومة الزمن الصعب والعلاقات المتشنجة. فصبره على القرف السياسي، من أجل الحفاظ على شكل الدولة، لا يضاهيه صبر أي سياسي آخر.

صحيح أن عقدة مجلس الوزراء اللبناني، هي أكثر العقد التي تعرقل الأداء العام، إلا أن لبنان يعيش في ظروف تنبت فيها التعقيدات كالفطر… وأخطرها لم يصل بعد، وإن كانت ساعته آتية لا ريب فيها.

وسط العواصف التي تجتاح لبنان من خارجه… ووسط التموضعات والانقسامات الحادة في الداخل، يطل حوار المستقبل ـ حزب الله، كإطفائي في وطن قابل للاشتعال. لكن هل تسمح القناعات المتعاكسة لإطفائية الحوار في أن تنجح بلعب دور الإطفائي؟.

إن التناقض الكبير بين التفكيرين يرجح كفة الشك بجدوى الوصول إلى اتفاقات  قابلة للتنفيذ. فما يحصل في المنطقة يمنع لبننة الحل… وشعار «لبنان أولاً» الذي يطرحه «المستقبل» لا يمكن له أن ينتصر على استراتيجية «حزب الله» التي تتجاوز حل الأزمات اللبنانية الى حل أزمات المنطقة. وإذا كانت هذه الشعارات تبدو عامة، فإن الغوص في تفاصيلها يضع لبنان في قلب الأحداث الملتهبة من حوله الى حد الآن.

مع التطورات الميدانية في سوريا يزداد تورط الدول القريبة والبعيدة. ولا يعتقد، أي مراقب أو باحث، أن بمقدور لبنان النأي بنفسه في حين أن مروحة الدول المتورطة في الحروب الشبه أهلية في دول عربية مركزية، آخذة بالاتساع. ولو تمعّن أي محلل استراتيجي لوجد أن لبنان قد دخل الحرب السورية فعلاً. فجزء من شعبه يقاتل هناك. وجيشه يقاتل من حيث لم يقرر، الى جانب الجيش السوري ومقاتلي حزب الله في منطقة جرود عرسال. ولا يحتاج أي محلل لدلائل حول أن لبنان هو المقر الأكثر احتمالاً لأي عناصر تلحق بها هزيمة عسكرية سواء  على جبهة عكار أو جبهة عرسال. هذا الى جانب ما هو موجود من تنظيمات إسلامية متطرفة داخل لبنان أكانت خلايا نائمة أو خلايا ناشطة.

ولا يجب أن يغيب التورط اللبناني القسري اقتصادياً واجتماعياً في الأحداث السورية. فمليون ونصف المليون نازح سوري لا يشكل عبئاً اجتماعياً وإنسانياً فقط. إنه عبء اقتصادي كبير في اقتصاد هو نفسه يعاني من أمراض خطيرة، فمشاركة المليون والنصف مليون سوري للبنانيين في الماء والكهرباء والغذاء وسوق العمل، هو نتيجة لبنانية لنتائج الحرب السورية.

في جملة هذه العلاقات المتشابكة والشائكة، ولأن اللبنانيين، كالسوريين، قد انقسموا الى جبهتين، واحدة مع النظام الى حد القتال الى جانبه، وواحدة مع المعارضة الى حد تشكيل البيئة الحاضنة… وربما المقاتلة إذا اقتضت طبيعة التطورات العسكرية ذلك.

بعد كل هذا هل يمكن القول أن لبنان لم يدخل الحرب السورية بعد.

الواقع يؤكد أنه جزء منها وإن لم يعلن ذلك. ومثل هذه النتيجة تعيدنا الى الحكومة المعطلة. فالتعطيل هو تحضير لوضع اللبنانيين في حالة من الفوضى والإحباط، وبالتالي، تعميق الانقسام المذهبي الذي يجرف الفرقاء الى التعصب لهذا الفريق السوري أو ذاك. وغالباً ما يندفع المتعصب من المؤيد نظرياً الى المشارك ميدانياً… وعندئذٍ من ينقذ لبنان؟.

 

إزالة الشعارات لا المشاعر: تغيير «قواعد الاشتباك» في شبعا لا يغير «قواعد الحوار» في عين التينة

تغيير "قواعد الاشتباك" بعد عملية شبعا

تغيير “قواعد الاشتباك” بعد عملية شبعا

Hassan Nasrallahكتب المحرر السياسي:

منذ أن قام مجلس الأمن وحق الفيتو محصور في خمس دول هي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وانكلترا والصين.

هذه الدول فقط أعطيت فرادى حق تعطيل الحلول وتعقيد الأمور في العالم. إلا أننا نخضع في لبنان لـ24 فيتو. فأي وزير في حكومة تمام سلام يعادل دولة من الدول العظمى الخمس.

ومنذ تأسيس الأمم المتحدة في العام 1945، أي منذ 70 سنة الى اليوم، استخدم الاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا لاحقاً، حق الفيتو 123 مرة. والولايات المتحدة 76 مرة. وبريطانيا 32 مرة. وفرنسا 18 مرة. وأخيراً الصين 8 مرات.

كل مشاكل العالم وأزمات دوله الـ193، وخلال 70 سنة، تعرضت لـ257 فيتو، في حين أن دولة بحجم لبنان، وفي أقل من سنة، استخدم فيها وخلالها الفيتو عدة مئات من المرات. ومجلس الوزراء شاهد على حضور الفيتو الدائم في كل جلسة يضم جدول أعمالها بنداً لا يتفق مع هوى ومصالح هذا الوزير أو ذاك.

قرارات ومراسيم ومشاريع قوانين بالجملة سقطت بضربات الفيتو القاضية. فتعطلت مصالح البلاد والعباد. وعاش الوطن مرحلة القرارات الحكومية التي لا تعالج أزمة ولا تحل مشكلة ولا تشكل انجازاً.

إن أصحاب معالي الـ«لا» يساهمون في كل جلسة حكومية بشل عمل الحكومة. وهذا ما جعل الرئيس تمام سلام يفكر في وسيلة لإلغاء فيتو الوزير كي يعود لمجلس الوزراء سلطته وقدرته على معالجات الأزمات الحادة التي تتطور من أزمات بسيطة الى أزمات معقدة.

إلا أن الأمر ليس سهلاً، والرئيس سلام يعرف ذلك جيداً. فحق الفيتو الذي تتمتع به القوى السياسية الممثلة في الحكومة، وبالتالي، قدرتها على التحكم بمسارات الحكم، يجعل محاولة إلغاء مثل هذا الحق محاولة مستحيلة.

هذا في الوضع الحكومي البائس. أما في الوضع السياسي، فما زالت الحوارات مستمرة تحاشياً لإعلان فشلها وما قد ينتج عنه من تداعيات سلبية سلبت اللبنانيين احساسهم بالأمن والأمان.

في ما يتعلق بحوار المستقبل ـ حزب الله، فالجلسات الحوارية تعقد لرفع العتب والغضب الشعبي فيما لو انسحب أحد الفريقين منها.

ودلالة على عجز المتحاورين عن البحث في الأزمات الحقيقية بينهم، تم التوافق على إزالة الصور والشعارات… وبقيت المشاعر المذهبية تتآكل في الصدور من دون أن تجد ما ينقذها على أرض الواقع.

ورغم ذلك فإن الحوار مستمر. إذ تجاوز تيار المستقبل لكلمة السيد حسن نصر الله بعد عملية شبعا عندما أعلن سقوط قواعد الاشتباك مع العدو الصهيوني، وما في ذلك من إسقاط للقرار 1701، الذي كان يعتبر حامياً للاستقرار في لبنان. وكذلك ما رافق كلمة السيد حسن نصر الله من الإطلاق الكثيف للرصاص والقذائف الصاروخية، مما جعل سكان بيروت يعيشون حالة من الهلع والرعب. وفي مقابل ذلك تجاوز حزب الله هجوم تيار المستقبل على كلمة أمينه العام بالقول أنه خطاب «متفرد ومتسرع يلغي إرادة الشعب اللبناني ومؤسساته الدستورية الملتزمة بالقرار رقم 1701». وكذلك تحريك النيابة العامة، بطلب من وزير العدل المستقبلي أشرف ريفي، لملاحقة مطلقي النار.

إذاً الحوار مستمر حفاظاً على الشكل، وربما السمعة، لكن الأمور على الأرض تتجه الى مزيد من التعقيد والعقد.

وبعيداً عن الحوار، فإن المحللين يرون في قواعد الاشتباك الجديدة التي وضعها السيد نصر الله، أن السيد ألزم نفسه، ومن ثم، لبنان برد ناري شامل على إسرائيل يتجاوز الخطوط الزرقاء والحمراء.

ويرى المحللون أن مجرد تعرض مقاتل، أي مقاتل، من حزب الله للاغتيال  في أن ذلك يعني إشعال حرب على إسرائيل تمتد من غزة الى إيران. وطبعاً مروراً في لبنان كساحة مركزية لهذه الحرب.

ويبقى بذلك مستقبل المنطقة محصوراً بين خضوع إسرائيل لتهديدات السيد نصر الله، وبالتالي، الامتناع عن القيام بأي عمل ضد حزب الله، وبين التزام السيد نصر الله بما هدد وتوعد بالرد في أي مكان وكيفما كان.

 

“ثوابت” لا تعرف الخجل

ثوابت اليوم غير ثوابت قديم الزمان.

كان من بين ثوابتنا في زمن الأخلاق والقيم: تقديس السيادة، إحترام الدستور، الالتزام باستقلال القضاء، التمسّك بالوحدة الوطنية … وأمور أخرى كانت تفرضها الوطنية والمبادئ.

أما ثوابت اليوم، فهي لا تعرف الحياء، وبالتالي، لا يخجل أربابها ومن يتبعهم، من اتباعها ورفض التزحزح عنها.

سيادة لبنان صارت سيادات. فهي إيرانية وسعودية وقطرية وتركية وسورية وأميركية وروسية وفرنسية.

لكل مجموعة لبنانية سيادتها.

أما الدستور، فقد بلّه الجميع وشرب ماءه.

وأما العدالة، فأحكامها خاضعة لأحكام النقض السياسي.

وأما الوحدة الوطنية، فقد تحوّلت إلى أحاديات مذهبية حادة.

ومن ثوابت اليوم، الكراهية المتبادلة، والتكاذب المفضوح، والأحقاد الدفينة، والمذهبية التي تذهب بالوطن والوطنية.

ومن ثوابت اليوم أيضاً، الفساد بكل أشكاله، والتلوّث البحري والمائي والغذائي والدوائي … ولا يجب أن ننسى التقنين الذي أصبح استراتيجية ثابتة لشركة كهرباء لبنان.

ونخشى كذلك أن يتحوّل الفراغ الرئاسي إلى ثابت آخر أشدّ فتكاً بالدستور وبلبنان.

وسط هذا المناخ الموبوء، لا يمكن الحكم عما إذا كان لبنان بلغ مرحلة الدولة الفاشلة، أم أنه دولة تتفكك في طريقها إلى الفشل الكامل.

صحيح أن كراسي مجلس الوزراء ما زالت صالحة لجمع المختلفين سياسياً والمتخلّفين وطنياً، لكنها كراسي لا تتحرك، لأنها تحمل أثقالاً لا يمكن احتمالها، من المشاكسة والمخالفة ورفض التفاهم … إلا على ما قلّت أهميته وخفّت قيمته.

هنا، لا بد من الإشفاق على الرئيس تمام سلام.  فهو رئيس شكلي على مجلس يضم في الواقع 23 رئيساً إضافياً.

معذور تمام بيك، فقد جاء إلى الحكم في زمن التهميش والتطنيش.

أما مجلس النواب، فهو الآخر يمضي سنواته الممدة بين العطلة والتعطيل.

إذاً، أين المفر والمذهبية أمامنا، والإرهاب وراؤنا، والأحقاد على جوانبنا؟

يقال أن لا مفر من “الحوار” … الذي أصبح لازمة عربية.  مطلوب في ليبيا ومطارد من ميليشياتها.  ومطلوب في مصر ومطارد من “إخوانها”.  ومطلوب في سوريا ومطارد من تشدد فرقائها.  ومطلوب في اليمن ومطارد من “حوثييه”.  ومطلوب في العراق ومطارد من مرجعياته.

حوارات لا نصير لها بين المتحاورين.  وكأنهم يجتمعون، عندما يجتمعون، لاستيلاد المزيد من الخلافات.  ولا نظن أن ما نتباهى به من حوار بين “المستقبل” و”حزب الله”، وما نعلّق عليه الآمال من حوار بين “التيار” و”القوات”، سيلقيان غير مصير القاء تهم الإفشال عندما يحين موعد إعلان الفشل.

ومع ذلك، يبقى اللبنانيون متفائلين بحواري عين التينة والرابية، ربما لأنهم اعتادوا “شراء السمك ببحرو”.

سامر الحسيني

حوار السلامات والتحيات

lebanon dialogueإنه حوار بالقفازات.

نرى الأيدي تتصافح، لكنها معزولة وبلا حرارة.

هو حوار لا يلامس حتى جلد القضايا وسطحها، فكيف سيغوص إذاً في أعماقها الممتلئة بالشك والأشواك؟

ما الفائدة أن نجلس مع بعض حول الطاولة … ولا حول لنا ولا إرادة لحل حقيقي يلغي حقيقة الخلافات الكبرى؟

هل يكفي تبادل التحيات الطيبات، والكلمات المهذّبة والمنتقاة بعناية، لنزعم أن الحوار ناجح؟

هذا الحوار عبارة عن مهدئات لا يمكن ان تقوم مقام الدواء.

والسؤال الذي يجيب عن نفسه: متى كانت المهدئات تشفي؟

جولات الحوار الكثيرة التي عقدت في قصر بعبدا تلاشت قراراتها، وتم إنكارها وكأنها لم تكن.  وكانت الخلافات في حينها أقل حدة وشعبية.

أما اليوم، فإن الخلافات كبرت واتسع انتشارها بين اللبنانيين، إلى حد أن الرافضين لها قلة بلا صوت ولا نفس.  وإذا وُجِدَ من يجرؤ على رفع الصوت، فلن يجد آذاناً صاغية، لأن اللبنانيين أصبحوا بأكثريتهم صم بكم عمي لا يتفقون ولا يتفاهمون ولا يتراجعون.

لن يصل حوار عين التينة إلى نتائج، تتناسب مع ما يرافقه من اهتمامات إعلامية وإشادات سياسية.  فكسر الجليد لا يعني كسر الجدار العازل.  وصراحة “حمائم” تيار المستقبل الجارحة، لن تجرح “صقور” الحزب ولن تحرجهم لتليين مواقفهم المتصلبة.  ومطبخ الرئيس نبيه بري الشهي، لن يفتح شهية المتحاورين على تسوية الخلافات.

لقد شطب من جدول الأعمال التداول في أسماء الرئيس التوافقي، وكذلك إشكاليات تداخل الأزمة السورية بالأزمة اللبنانية، وأيضاً قانون الانتخابات.  ومن محظورات الحوار أيضاً البحث في مقايضة سجناء رومية بالعسكريين المختطفين في سجون كهوف القلمون.  وطبعاً، ومن الطبيعي، لا حديث في موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

إذاً، ما بقي من الحوار يسمح للمتحاورين أن يقولوا أنهم إتفقوا.

إتفقوا على تبادل السلامات، وتجنب الاتهامات، وتحاشي النعرات.

هل تستحق مثل هذه النتائج كل هذا الضجيج وكل تلك الآمال؟

ليعذرنا الرئيس بري إذا لم نجاريه في تفاؤله.  فما هو مقدر لحوار المستقبل – حزب الله لا يستحق التفاؤل.

ولا يختلف الحوار الاسلامي – الاسلامي عن الحوار المسيحي – المسيحي، الذي يحظى باهتمامات أهل السياسة والصحافة والنيافة. فهو أيضاً سيعقد بقفازات يحرص كل من عون وجعجع على لبسها.

لكن في حوار الرابية – معراب، لن تصمد التفاهمات الهامشية كثيراً مع أول نوبة غضب يصاب بها الجنرال.

سامر الحسيني