الحريري – نصر الله: حوار التهدئة

الحريري ونصر الله في صورة من الارشيف

الحريري ونصر الله في صورة من الارشيف

كتب المحرر السياسي:

الحوار المرتقب بين «المستقبل» و«حزب الله» يشغل اللبنانيين ويترقبونه، وكأنه الحل السحري لكل مشاكل لبنان.

وفق تراكم المعطيات، فإن أقصى ما قد يصل إليه حوار التناقضات، هو الوصول الى التهدئة إذا كانت السياسة فعلاً فن الممكن.

وبما أن المكتوب يعرف من عنوانه، فإن العناوين الثابتة، لكل من حزب «المستقبل» و«حزب الله»، هي ثوابت معطلة للغة الكلام بين المتحاورين.

إذا كانت البدايات تحمل معضلة إعداد جدول أعمال الحوار الثنائي، فكيف يمكن حل معضلات الخلافات الكثيرة والكبيرة… وكيف يمكن الوصول الى نتائج إيجابية لحوار لا يحتمل إلا الفشل.

يقول الطرفان أنهما سيتركان القضايا الخلافية الأساسية جانباً، وأنهما سيكتفيان بالبحث عن مخارج للقضايا الهامشية التي تحفظ الإستقرار واستمرار الدولة. وعند تفسير هذا المدخل للحوار يظهر المأزق. فالرئيسي في مفهوم تيار «المستقبل» هو هامشي في مفهوم «حزب الله». والرئيسي في مفهوم «حزب الله» هو هامشي في مفهوم «المستقبل». فبينما يستبعد «المستقبل» من الحوار ثوابته كانسحاب «حزب الله» من سوريا ونزع سلاحه في لبنان، سيكتفي ببحث انتخاب رئيس الجمهورية والتفاهم على قانون جديد للانتخابات النيابية. في المقابل يتصلب «حزب الله» بموقفه من انتخاب الرئيس، متمسكاً بشعار «عون أو لا أحد». ولن ينزلق «حزب الله» الى الموافقة على قانون للانتخابات لا تأكل فيه النسبية نسبة لا بأس بها من حصة «المستقبل» في مقاعد المجلس النيابي.

وسط هذه التناقضات العصية على الحل، تتعرض مبادرة الرئيس سعد الحريري، وموافقة السيد حسن نصر الله عليها، الى الضياع.

وعلى فرض أن الطباخين المهرة نجحوا في صياغة جدول أعمال، فمن المؤكد أن النتائج ستصطدم بالثوابت المتعاكسة لكل من الطرفين، وبالتالي، يصبح الفشل هو النتيجة الوحيدة المتاحة، حتى ولو غلف ذلك بصدور بيان عائم عن المتحاورين، قد تكون التهدئة أنضج ثماره. كأن يتوقف الطرفان، إعلامياً وسياسياً، عن الحملات العنيفة والتصريحات الملتهبة.

طبعاً فإن الحوار، الذي تشير تعقيداته الى أنه لن يبدأ، قد يبدأ كإستجابة خجولة لإصرار  الرئيس نبيه بري على عقده، خصوصاً وأنه رب من يدوّر الزوايا الحادة، ويطوّع المواقف المتمردة.

ويرمي بري الى اصطياد عصفورين بحجر الحوار. الأول سحب ورقة عون من السباق الرئاسي، وهذا عصفور لا يرى المراقبون أن «حزب الله» سيسمح باصطياده. والثاني ترسيخ صورة بري على أنه بيضة الميزان والتوازن اللبنانيين، والدرع الأمني المضاد للرصاص المذهبي والسياسي معاً.

كل ما سبق يشكل العُقَدْ المحلية للحوار المنتظر، والأمر سيكون أكثر تعقيداً إذا انتقلنا الى العُقَد الخارجية التي تمنع انعقاده قبل الوصول الى حلها، أو حلحلتها على الأقل.

والعُقد الخارجية متداخلة من أميركا الى تركيا مروراً بغالبية الدول الإقليمية في المنطقة. والتداخل هنا يصعب فصله، حيث يختلط الملف النووي الإيراني بأمن إسرائيل. وحيث يصطدم طموح تركيا بطموح إيران. ونفوذ روسيا بنفوذ الولايات المتحدة، وتهديد طهران لأمن الرياض بتشجيعها للتحركات المسلحة في البحرين واليمن. فمن الواضح أن إيران تحضر لمحاصرة أمن السعودية عبر اليمن، المصدر المحتمل لإحداث هزات عنف في شرق المملكة، وعبر تقويض استقرار دول الخليج بتقويض استقرار البحرين.

وفي داخل هذا المشهد المتشابك تظهر قطر كعامل داعم لتوتير الوضع في مصر، ولتفجير الوضع في ليبيا، وفي توفير وسائل الاستمرار للأحداث الدامية في سوريا والعراق. تساعدها على ذلك تركيا، التي تغطي موقفها المساند للإرهاب الداعشي، بتسهيل دخول بضعة مئات من مقاتلي بشمركة أكراد العراق للمشاركة في الدفاع عن أكراد عين العرب السورية.

قد يسأل البعض ما دخل هذه البانوراما الإقليمية والدولية بحوار بين فريقين لبنانيين، يفترض أن لا حول لهما ولا قوة في هذه الصراعات الخارجية الكبرى؟.

صحيح. لكن لهذه الصراعات كل الحول والقوة، في الشأن اللبناني.

لقد تم تعطيل اللعبة الديمقراطية، وبقي كرسي الرئاسة فارغاً، لأن إرادة أحد المتصارعين الإقليميين حريصة على وصول شخصية موالية.

والفراغ سيبقى قائماً ما لم تتحول الأحداث لترجيح إحدى كفتي الإعتدال أو التطرف.

إذاً، ما بين لبنان المعلق في تداعيات الخارج، ولبنان العالق في خلافات الداخل، لن يجد التفاؤل بالحوار مكاناً له إلا تحت سقف التهدئة… هذا إذا انعقد… فكيف إذا تعقّد؟.

Advertisements

لزوم ما لا يلزم

الصورة التذكارية لحكومة تمام سلام

الصورة التذكارية لحكومة تمام سلام

من المؤسف أن يوصف اختلافكم أو اتفاقكم على البيان الوزاري بالمسخرة.

لا نعتقد أنه يستحق كل هذه الجلسات التي انعقدت، وكل هذه الحوارات التي دارت، وكل تلك الصدامات التي وقعت.

هو مجرّد كلام بكلام.

لا يحل ولا يربط.

لا يقدّم ولا يؤخّر.

لم يؤخذ يوماً على محمل الجد.

وعن جد … هل تقبضونه عن جد، وهو لزوم ما لا يلزم؟

ماذا يحصل لو اعترف البيان الوزاري بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة؟

هل تتحوّل الطريق الجديدة إلى بيئة حاضنة لسلاح “حزب الله”؟

هل ينافس سمير جعجع محمد رعد في الدفاع عن المقاومة؟

هل ترفع باب التبانة وعكار وعرسال صور السيد حسن نصر الله افتخاراً؟

هل تسود الصداقة بعد العداوة بين “حزب الله” و”تيار المستقبل”؟

وفي المقابل، ماذا يحصل لو التزم البيان الوزاري بإعلان بعبدا؟

هل ينسحب مقاتلو “حزب الله” من سوريا؟

هل يسلّم الحزب سلاحه للجيش؟ … أم يحتفظ به مقابل وضعه تحت أمرة الدولة؟

ماذا يضر لو أن لجنة الصياغة وضعت في بيانها الجملتين معاً: ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة وإعلان بعبدا؟

ماذا لو أورد البيان حق المقاومة بالتسلح وحق الدولة باحتكار السلاح؟

ماذا لو نص البيان على شرعية حرب “حزب الله” الاستباقية في سوريا … وعلى النأي بالنفس عن الأزمة السورية؟

هكذا بيان وزاري يجمع التناقضات في حكومة سمّيت بـ”الجامعة”.

أي أنه ينسجم مع طينة هذه الحكومة التي شُكّلت لإرضاء الجميع.

وإذا كان اللبنانيون قد رفضوا حكومة الأمر الواقع … فعلى الأقل، عليهم القبول ببيان الأمر الواقع، طالما أنه لن يبدّل شيئاً من الواقع.

ترى كم من البيانات الوزارية ألقيت في مجالس النواب المتلاحقة … لتلقى لاحقاً في سلّة المهملات؟

ندرك جيداً أن البيان الوزاري يساعد على كسب الثقة النيابية، لكنه بالتجربة الواقعية لن يمنح المواطن ثقته لأي حكومة على أساس بيانها الوزاري.  فهو يعلم أن وعوده من عائلة “سوف” التي تعود أصولها إلى عائلة النسيان.

لا شك في أن بيانكم الوزاري لن يكون سوى نكتة سبق لنا سماعها مرات عدة.  فاعذرونا إذا لم نبتسم، ولو مجاملة، فنحن نعيش في زمن لا تقوى فيه بياناتكم على رفع أحزان اللبنانيين ومآسيهم.

سامر الحسيني