صنع خارج لبنان

المناسبة انخابات “فخامة الرئيس”.  وهي مناسبة ستطول حتماً وحكماً.

بدأت، لكن لا يعرف أحد متى تنتهي.

الأقاويل تتحدّث عن مسؤولية فريقي 8 و14 آذار في توفير النصاب إلى جانب أكثرية 65 صوتاً تكفل الوصول إلى إسم صاحب الفخامة.

في هذه الأقاويل الكثير من التجني على الزعامات اللبنانية، كأن الأمر متروك لها.  خصوصاً وأننا دائماً نتمسّك بافتخار بشائعة الرئيس الذي يصنع في لبنان.

وكأن اللبناني يختار رئيسه، تماماً كما يختار نوع المازة التي سيتناولها مع كأس العرق، حيث المازة والعرق صناعة لبنانية.

الأمر مختلف.  فصناعة الرئيس تتم في مطبخ يتكاثر فيه الطباخون، من إقليميين ودوليين.  ومن المعروف أن كثرة الطباخين تحرق الطبخة، إلا إذا اتفقوا على المقادير.  كأن يتفقوا على قليل جداً من “الممانعة”.  يضاف إليها قليل جداً من “السيادة”.  وتمزج بقليل جداً من “الحيادية”. مع رشة من المواقف المتلونة.  مع خليط لا بأس به من ضعف الشخصية والهروب من اتخاذ القرارات الصعبة.

وإلى أن تتوافر هذه المقادير في الشخص المجهول، سيبقى الاستحقاق الرئاسي متروكاً لمطرقة فتحت الجلسة ورفعت الجلسة.

إن ما نسمعه من أسماء مرشحة لمنصب الرئيس، هي مجرد جعجعة في مطحنة بلا طحين.  لأن المطلوب هو نقيض الأسماء القوية المطروحة.

المطلوب رئيس لا يملك من المواصفات التي اشترطها البطريرك بشارة الراعي، سوى أنه ماروني.

المطلوب رئيس لا يرضي أي فريق لبناني، لكنه لا يغضب أياً منهم.

المطلوب رئيس لا لون له، وقادر على التلوّن بكل الألوان.

المطلوب رئيس لا يؤدي انتخابه إلى قتل الناطور، ولا إلى أن يحتكر فريق أكل العنب.

من هنا يصبح ترشيح ميشال عون وسمير جعجع انقلاباً محكوماً بالفشل، على نهج التسويات الذي ارتضيناه لاختيار الرئيس، منذ العمل باتفاق الطائف.

وإذا كان أمين الجميل يعتبر نفسه مرشح الجولة التالية، وإنه قادر على اجتذاب أصوات جنبلاط ونوابه، إلى جانب أصوات 14 آذار، مما يوفر له أكثرية الـ65 صوتاً، فقد فاته أن النصاب المطلوب في أي جلسة سيبقى خاضعاً للثلثين، وهو نصاب لن يحصل بسبب مقاطعة نواب 8 آذار والتيار الوطني الحر، حيث الخلاف يفسد الود والقضية.

لذلك، ليس بمقدور مجلسنا “اللبناني” أن يصنع رئيساً في لبنان.

لا بد من العودة إلى الوصفة الاقليمية – الدولية، التي يبدو أنها لا تنطبق إلى حد الآن إلا على جان عبيد … أو جان عبيد.

سامر الحسيني

Advertisements

من الأخير: 24 صاحب فخامة

هل يصبح كرسي الرئاسة شاغراً في 2014؟

هل يصبح كرسي الرئاسة شاغراً في 2014؟

بالصبر نجح تمام سلام وملأ فراغ السرايا.

وبصبر الآخرين عليه، نجح نبيه بري وقطع الطرق على الفراغ في البرلمان، وسدّ في وجهه كل الثغرات التي حاول التسلل منها إلى قصر عين التينة.  وبالتمديد لنفسه وغيره، بقي الموقع الشيعي الأول مستقراً على مدى 22 عاماً ومفتوحة على المزيد، في حضن “الأستاذ” نائياً بالفراغ عن كرسيه الدائم في رئاسة مجلس النواب.

لكن، وبصبر المسيحيين على انقساماتهم، يضحك الفراغ بعبّه، طامعاً بحكم البلاد، مستفيداً من الخلافات الإقليمية الكبرى حول الأزمة السورية، ومن الخلافات الدولية حول الأزمة الأوكرانية، حيث الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً منشغلة عن الاستحقاق اللبناني باستحقاقات مصير سوريا وجزيرة القرم.

وعوض أن يستفيد لبنان من هذا الانشغال، لاختيار رئيس جمهوريته بإرادة لبنانية للمرة الأولى، تعمل أطراف لبنانية كثيرة على تفويت الفرصة النادرة، خوفاً من التورّط برئيس لا ترضى عنه القوى الإقليمية والدولية، التي تعوّدت، بعد أن عوّدناها، على التحكم بالقرارات اللبنانية الكبرى.  مما يعني أن الاستحقاق الرئاسي معرّض للإصابة بمرض الفراغ، في انتظار الحسم في سوريا وأوكرانيا، على اعتبار أن الفريق المنتصر في الصراعين، ستكون له الكلمة الحاسمة في اختيار لبنان لرئيسه.

إلا أن هذه النظرية، رغم أنها أثبتت صحّتها في كل انتخاباتنا الرئاسية السابقة، قد يمكن اختراقها بنجاح مناورة من مناورتين يجري العمل بهما من فريقين لا يمكن وصفهما بالحلفاء ولا بالأعداء.

المعلومات المعروفة والمتداولة تتحدّث عن محاولات لإقناع الحريري بانتخاب عون، حيث أن أصوات التيارين “الوطني” و”المستقبل” مع بعض الأصوات النيابية المتحررة من الانتماءات المباشرة، تكفل نجاح الجنرال في الوصول إلى بعبدا.

هذه المناورة لا يمكن أن تمرّ.  فهي تعرّض فريق 14 آذار لانقسامات حادة لن يقبل الرئيس الحريري بها.  كما أنها لا تضمن عدم الانقلاب على تفاهماتها، خصوصاً وأن الجنرال لم يقدم عليها إلا بعد التنسيق مع حليفيه السوري و”حزب الله”.

أما المناورة الثانية فيتولاها بري وجنبلاط.

الإثنان يسعيان إلى انتخاب جان عبيد، على اعتبار أن المرشحين الجديين – عون وجعجع – لا يحظيان بفرص حقيقية، وأن أياً منهما يعتبر خياراً استفزازياً يفرق اللبنانيين.  وبالتالي، لن يجدا في مجلس النواب أصواتاً تكفي أحدهما للحصول على لقب فخامة الرئيس.

ورهان بري وجنبلاط يبدو واقعياً، وانطلاقاً من واقعيته يراهنان على رئيس التسوية جان عبيد.

غير أن هذه المناورة أيضاً تعاني من ضعف شديد يجعلها أقرب إلى الفشل من نظيرتها الأولى.  فجان عبيد شخصية غابت شمسها ولفها النسيان السياسي والشعبي والإقليمي والدولي.

وإذا لم تحصل مفاجأة خارج المناورتين، فإن الفراغ آتٍ لا ريب فيه، ولن ندري إلى متى سيكون لنا 24 صاحب فخامة، ومن ثم، إلى متى تحتل السرايا الحكومية قصر بعبدا؟

سامر الحسيني