” الكمساري”

ليت حسان دياب لم يتكلم… وليتنا لم نسمع. فكما أعذب الشعر أكذبه، يكون أعظم الإنجازات أكذبها أيضاً.

وتحاشياً للأكاذيب التي تسبق سرعة الصوت، لم يقل دولته كيف ينجّي الجائع من الجوع؟… ولا كيف ينقذ الشركات والمطاعم والفنادق والمصانع المُفلسة من الإفلاس؟… ولا كيف يساعد الآباء، بمداخيلهم المتآكلة أو الغائبة، على عدم تحويل أولادهم من “أولاد مدارس” إلى “أولاد شوارع”.

تقول الأمثال: إذا لم تستح فقل ما شئت.

وقد قال ما شاء.

تحدث عن إنجازات تكفي ليضحك ووزراؤه على ذقون الشعب بأكمله.

قال أنه أصلح “السكة”. وأن “قطار التعافي” بدأ رحلة الإنطلاق.

لكن قطار علاء الدين السحري لم ولن يغادر المحطة… فلا المارد سيظهر ولا الركاب سيصعدون.

لا أحد يثق بالسائق. ولا بصلاحية “السكة”. ولا بسلامة العجلات.

صندوق النقد الدولي، وهو ضيف الشرف في “رحلة التعافي”، يخلط في مفاوضاته التقني بالسياسي، وبشكل يستحيل الفصل بينهما.

هو يشترط إختيار رفاق الطريق. فكما لا يقبل أن يشاركه في سفر الإنقاذ شافطو الدعم والقروض ومهربو المعابر، لا يقبل أن يشاركه في الرحلة من يزعمأن الدفاع عن لبنان يستدعي الدفاع عن سوريا والعراق واليمن وإيران.

يستحيل أن يُقدم الصندوق على تقديم قروض طويلة الأجل، من أجل فتح ثغرات في جدران حصار وعقوبات مفروضة على دول ولاية الفقيه.

هو يدرك أن أي دولارات يضخها في السوق اللبناني، ستقوم قوى الأمر الواقع، وواقع العهد القوي، بتهريب معظمها إلى أسواق دمشق وطهران.

ولأن حكومة الإنجازات لا تجرؤ على تلبية شروط الصندوق، فإن الفشل سيكون خاتمة المفاوضات… مهما طال زمن التفاوض.

لا شك أن “كمساري” الحكومة الدكتور غازي وزني سيصاب بالخيبة، وهو يجوب المقطورات الفارغة من الركاب. وكان قد وعد نفسه بجباية أموال تكفي لملء خزان “قطار التعافي” بالوقود.

أما مجموعة “سيدر” فهي ترفض الصعود قبل أن تتأكد من أن كلام السرايا لا تمحوه تعليمات الضاحية وبعبدا.

مع ذلك لا يقطع “الكمساري” وزني الأمل.

يبحث عبثاً عن المغترب اللبناني، فهو منبع وطني للدولارات لا يجف ولا ينضب.

لكنه لا يجده. فقد تلقى منه إعتذاراً عن العودة إلى وطن لدغ من جحره في إيداعاته وتحويشات عمره.

وللسبب نفسه يغيب المستثمر الخيلجي عن “رحلة التعافي” اللبناني، عملاً بالقول الشعبي: من جرّب المجرب فإن عقله مخرّب… وكان المسكين قد جاء لبنان مستثمراً فاستثمروه بلا شفقة.

حتى لصوص المال العام في الوطن العربي تخلفوا عن ركوب “قطار الإنقاذ”، فهم لن يكرروا حماقة اللجوء إلى لبنان، الذي لجأت دولته إلى الإستدانة فسرقت منهم ما سرقوه من دولهم.

لم يبق لـ “الكمساري” الصابر سوى الإنتظار في مقطورة النواب والقضاة.

ها هم ينكبون على تشريع قوانين إستعادة الأموال المنهوبة.

وسينتظر الدكتور وزني طويلاً:

إلى أن يقر المجلس النيابي القانون المنقذ.

وإلى أن يُعدَّ الإدعاء العام لائحة بأسماء الناهبين.

وإلى أن يجد وثائق الإدانة وأدلة النهب.

وإلى أن تمر الأشهر، وربما السنوات، ما بين جلسة مؤجلة للشهود، وما بين جلسات مؤجلة للدفاع. 

وإلى أن تصدر الأحكام بعد عمر طويل.

وإلى أن تلتزم المصارف المبعثرة في العالم، بأحكام القضاء اللبناني.

وإلى أن تقطع وزارة العدل دابر المماطلات بتقديم الأدلة، التي ستطالب بها مصارف العالم، تحت حجة التأكد من أن الناهبين ناهبون فعلاً.

وإلى أن تقتنع هذه المصارف بأدلة وزارة العدل اللبنانية.

وإلى أن تقبل بالتنفيذ… وتُقبل على التحويل.

إلى أن يتم كل هذا… ماذا سيكون حال لبنان واللبنانيين؟..

الخراب؟؟.

طبعاً وبالتأكيد.

فالخراب هو الإنجاز الوحيد للحكومة الديابية، الذي إذا به وعدت… صدقت.

وليد الحسيني

الفساد الصالح والإصلاح الفاسد!

نظرياً، نحن شعب محظوظ.
حتى عندما خاب أملنا في دخول نادي الدول النفطية، سرعان ما عوضتنا حكومة الآمال بـ “خطة إقتصادية” تعيد لبنان جنة، نسأل الله أن يحفظها من شر كل حاسد إذا حسد.
صحيح أننا بعد صبر وحفر، كاد يثقب بعمقه الجهة الأخرى من الأرض، لم نعثر على غاز ونفط، لكن الصحيح أيضاً أن تنقيبنا لم يطلع على “فاشوش”.
لقد كشفت لنا حفارات شركة “توتال” الفرنسية منجماً من الملح. بدأت حكومتنا تغرف منه فور إكتشافه. وظهر ذلك الغرف جلياً في بنود “الخطة الإنقاذية”، التي كتبت بأبجدية “الكذب ملح الرجال”.
الخطة التي انتظرناها طويلاً، إستهلكت كمية هائلة من ملح “البلوك رقم 4”. فكل بند من بنودها إحتاجت صياغته أطنان من “ملح الرجال” تساعد على إقناع الناس بالكلام المعسول.
ومع ذلك، بقي لدى الحكومة مخزون من الملح يكفي لإعداد الكثير من الخطط، ولإلقاء المزيد من الوعود… ولفتح أبواب ليلة القدر ليدخلها اللبنانيون زرافات ووحدانا.
لو استمع اليائسون جيداً لكلمات أصحاب الفخامة والدولة والمعالي، ولو قرأ المحبطون بإمعان تفاصيل خططهم السحرية، لما قنطوا من عبقرية حكومة العشرين. فإن لم تفلح عبقرية هذا الوزير في انتشال “الزير من البير”، فالبركة بعبقرية رئيسه.
وبما أننا استمعنا جيداً، وقرأنا بإمعان، يمكننا الجزم بأن لبنان يهرع حثيثاً نحو الرفاهية.
نظرياً، الحلول انطلقت وهانت.
صندوق النقد الدولي وافق على بدء المفاوضات.
حزب الله موّه كمائنه المنصوبة، وسحب “الفيتو” من التداول.
إجتماع قصر بعبدا جمع المصفقين للخطة… فصفقوا بالإجماع.
لكن ماذا بعد الحرب بالنظارات والتنظير؟.
قد تستمر المفاوضات بضعة أشهر، تليها سنة وراء سنة، إلا أنها ستبقى مستمرة مهما كره الكارهون، وتربص المتربصون، وأغرض المغرضون.
لا شروط تصعب على وفدنا المفاوض… فكل المصاعب محلولة.
يتشدد الصندوق… تتراخى الحكومة.
ومن تراخي إلى آخر يصل المتفاوضان إلى تسوية، قد لا تستوي مع السيادة، لكنها تستوي مع الحاجة إلى الإقراض.
هذه النتيجة ليست استباقاً للمفاوضات… ولا تدخل في باب الفرضيات. هي قراءة متأنية في سوابق صندوق النقد الدولي. ويعرفها القاصي والداني… وحزب الله سيد العارفين.
ولأنه يعرفها مسبقاً، وافق حزب الله على المفاوضات ليستعمل نتائجها سلاحاً يعزز به سلاحه، وليؤكد للعهد وحكومته أن للإنقاذ طريقاً واحداً يمر من فوهة بندقيته.
إذاً، بتهاوي مفاوضات الصندوق، ستتهاوى أحلام “سيدر” وأوهام العبور إلى دول الخليج.
وتبقى الأسئلة الخطيرة، التي تتجاهلها حكومة “رجال الملح”:
ماذا سيحصل بين بدء المفاوضات ونهايتها؟.
هل يتوقف الدولار عن الإعتداء على شرف الليرة اللبنانية؟.
هل يبقى الجائع على قيد الحياة؟.
هل يستمر العامل والموظف في عمله ووظيفته؟.
هل تجد المواد الإستهلاكية من يقدر على شرائها؟.
هل ينجو متجر أو شركة أو فندق أو مطعم من الإقفال؟.
يقول الأقدمون في مواجهتهم للأزمات أن النصر صبر ساعة… ولم يقولوا صبر خمس سنوات، كما جاء في خطة الحكومة.
إن محاربة الفساد بإصلاحات فاسدة وعاجزة، قد تجعل اللبناني يترحم على حكم الفاسدين… فأن يأكل الخباز نصف الخبز، أفضل من أن يحرق الفاشل الخبز كله.

وليد الحسيني

خطة المراهقة الاقتصادية

المواطن العربي متهم كيفما تصرف.

إذا التزم الصمت… فهو يلتزم بالصمت الذي يسبق العاصفة ويستعد لها.

وإذا أقلع عن قراءة الصحف… يكون قد إقتنع بكتابة المناشير.

وإذا توقف عن الإعتراض… فهذا يعني أن لا شيء يعجبه في البلد.

وإذا عجز عن إطعام أطفاله… فإنه يحرضهم على الثورة في يوم ما.

وإذا غاب عن المقهى، لعدم إمتلاكه ثمن فنجان القهوة، يكون قد تفرّغ لتشكيل الخلايا السرية.

وإذا تاب عن شرب الخمر… يكون قد أدمن شرب الأفكار الهدامة.

هكذا كانت العلاقة بين الدولة والمواطن.

هي تلاحقه بالريبة والشك. وهو يهرب منها مقتنعاً بأنه من سلالة “الأرانب”.

ودارت الأيام. فلم تعد الدولة تخيف، وما عاد المواطن يخاف… فقامت في لبنان انتفاضة 17 تشرين.

استجابت حكومة سعد الحريري لمطالب الثوار فاستقالت. واستجاب “نواب المحور” لمطالب حزب الله فولد “الجبل” حكومة حسان دياب.

وفجأة هبطت على الحكومة نعمة الكورونا. فاستعان وباء الدولة بوبائها، فالتزم الثوار منازلهم… وخلت الشوارع، بعد أن نامت نواطير الثورة عن الثعالب.

إعتقدت الحكومة أن نومها في العسل سيطول. إلا أن الجوع الذي خرج شاهراً سيفه على الناس، أخرج الناس شاهرة غضبها على الحكومة.

ولم ينفع إعلان “الخطة الإنقاذية” بإعادة الثوار إلى منازلهم.

على العكس. زادت النقمة نقمة. حيث قام اللبنانيون ببل أوراقها الـ “64” وسقوا ماءها للعهد ومتعهديه.

هي خطة منحها فخامة الرئيس وسام “اليوم التاريخي”، مع إشادة، إعتقدنا معها، أن يوم إعلانها سيتحول إلى “يوم وطني”، تعطل في ذكراه الدولة، وتتزين بمناسبته الساحات، وتشاد له أقواس النصر على الحقبة الحريرية، التي إغتصبت السلطة من براثن الحرب الأهلية، والتي نهبت آثارها الإبداعية في الخراب والدمار وأخفتها في قعر البحار.

هي خطة بدأها الرئيس حسان دياب بكلمة “مبروك”.

مبروك على ماذا يا دولة الرئيس؟.

مبروك على إغداق أوهام، يجري تسويقها كإنجاز لم يعرفه لبنان من قبل. وما كان سيعرفه لو لم يحظ بحكم “الأسرة الفرعونية” وعهدها القوي؟.

مبروك على معالجة الدين بالإستدانة… عملاً بالقول الشائع “مطرح ما فعلها شنقوه”؟.

مبروك على تحرير الليرة من قيد “الثبات” وتحويلها إلى كرة من الريش المنتوف يتقاذفها الدولار؟.

مبروك على “الهيركات” المتنكر بتسميات مكشوفة، والذي لا يفرق بين المال الحلال والمال الحرام؟.

مبروك على التهيؤات بأن عشاق لبنان، من مغتربين وعرب وأجانب، يقفون في الطوابير على باب وزارة المالية، حاملين المليارات لكسب ود أميرة “الإصلاح والتغيير”؟.

من أين أتت لدياب الثقة بأن البنك الدولي سيصاب بسكتة ضميرية إذا لم يستجب سريعاً لمطالب لبنان بضخ عشر مليارات. وأن سيدر ينتظر إشارة من “إصبع السيد” ليدر بدوره ملياراته الموعودة؟.

إنها خطة إصلاحية تساهم في ارتكاب المزيد من الجرائم الدستورية. وهي بذلك لا تصلح إلا للحجر عليها في “إصلاحية الأحداث”، الذين لم يبلغوا سن المراهقة الإقتصادية بعد.

ليست هذه كل السيئات. فالخطة حافلة بالنواقص والثقوب السوداء. فالتذاكي لا يخفي الغباء… بل يكشفه.

لقد غاب عن خطة الغيبيات، إنقاذ الجائعين من جوعهم. والمودعين من شفط ودائعهم. والمؤسسات من الإفلاس.

لقد تجاهل من بشرونا بالجنة، كل الهموم الحقيقية، وتخلوا عن كل المهمات الملحة.

يتمتع المبشرون ببعد نظر يمتد فيه الحل إلى حلول عام 2025. وكأنهم بذلك يقولون للشعب اللبناني، وبكل وقاحة وقلة أدب، “عيش يا كديش تينبت الحشيش”.

وليد الحسيني

اللبناني لا يأكل بأذنيه

لا سيفه كان سيف عنترة. ولا زئيره كان زئير الأسد.
مجرد خطبة، بلا ذاكرة، ألقاها حسان دياب على اللبنانيين.
غاب فيها عن ذاكرته أنه، ومكلفيه، قد كلفوا البلد أثمان هذا الإنهيار الفظيع والمريع.
تعودناه، يؤدي أدواراًَ لا يجيدها.
لا يريد شيئاً لنفسه، لكنه ينقل بيته إلى السرايا!.
وبمناسبة السكن في مقر الحكومة، فهو يضمن بذلك البقاء في السرايا، إلتزاماً بالشعار الكوروني السائد…”خليك بالبيت”!.
وهو مستقل. إذ لا هو منحاز لتيار المستقبل، ولا موالٍ للقوات، ولا مؤيد للتقدمي الإشتراكي، ولا منضم لحزب الكتائب.
وهو ليس بمذهبي… بدليل أنه سني بالهوية.
وهو حر في خياراته. فمن الثنائي الشيعي اختار حزب الله باعتباره الأقوى، متجاهلاً حركة أمل. ومن الثنائي المسيحي في حكومته، لجأ إلى أحضان تكتل لبنان القوي، متناسياً تيار المردة.
وقد يتهمنا بالإصطياد في الماء العكر، للإيقاع بينه وبين حركة أمل من جهة، وبينه وبين تيار المردة من جهة ثانية.
ونرد على الإتهام بسؤاله: هل تركت، أنت وحكومتك، ماءً نظيفاً ليصطاد المراقبون فيه؟.
كل مياه لبنان اليوم ملوثة وعكرة.
فهل المطلوب الإمتناع عن صيد أخطائكم وكوارثكم، وبالتالي، ترك حيتان الدولة والدويلة تسبح في كل الإتجاهات، لتبتلع ما تشاء من قوانين وأنظمة. ولتفرض من ثم ديكتاتورية مقنعة، بديمقراطية تلفظ انفاسها الأخيرة على أيديكم، المنبسطة نحو السماء، قارئة على روحها الفاتحة.
نعود إلى الخطبة العصماء، الموصومة بالإنفعال والعصبية.
تحدث دولته فقال أن حاكم مصرف لبنان أخفى الأسماء والمبالغ، التي تم تهريبها إلى الخارج.
ترى هل كان يرضيكم خرق الحاكم لقانون “السرية المصرفية”، لو كشف المخفي؟.
ألغوا “السرية المصرفية”… وعندئذ حاسبوه إذا كتم عنكم أسرار الهروب الكبير لأموال المصارف وكبار المودعين.
لقد أغدقتم على رياض سلامة تهم “الفجوات الكبرى”، ولم تهملوا تعدادها. وكأنكم تحكمون على حكومتكم ورعاتها بالبراءة.
لماذا لا تعترفون، على الأقل، بأنكم القشة التي قصمت ظهر الوطن.
لا يعنينا ما كان وكان في قديم الزمان. نحن نعاني مما هو كائن في زمانكم.
أين وعودكم بالإنقاذ… وقد جئتم إلى السلطة باسمه؟.
أين اختصاصاتكم وخبراتكم، التي حسدتنا عليها حكومات القارات الخمس؟.
لماذا تحولون الحاكم المركزي إلى قميص عثمان، في تحريضكم على النظام الإقتصادي الحر؟.
قد يكون على قميص “سلامة” شيء من شبهة الدم. لكن دماء الليرة اللبنانية تعود لطعناتكم المتوالية بخناجر هدر الوقت، وهدر احتياط الدولار على الكهرباء، التي لا تتوقف عن طلب المزيد، وهدر العلاقات مع العالمين الغربي والعربي.
اللبناني، يا أصحاب الفخامة والدولة والمعالي، ليس آخر من يعلم. هو يعلم، مهما تشاطرتم، بأنكم حصان طروادة، الذي سيبسط عبره حزب الله سيطرته على الإقتصاد، بعد أن بسطها كل البسط على الأمن والحكم من فوق إلى تحت.
تنبيه:
استمعنا يا دولة الرئيس لكلمتك، وما تحمله من وعد ووعيد… لكن المشكلة تكمن في أن المواطن لا يأكل بأذنيه.
تنبيه آخر لدولته:
يقولون المعدة بيت الداء. فاحذر دولتك من المعدة الفارغة فهي بيت داء المجاعة، وهي بهذا تفتك بالدولة ومن فيها… فغادرها قبل أن تغدر بك الثورات.

وليد الحسيني

بغياب الإستقلالية:الإستقالة هي الحل

“يوم حلو… يوم مر”.

“يوم لك… يوم عليك”.

مثالان من الأمثلة الشعبية، التي تتحدث عن الإنصاف بين الناس، لكنهما لم ينصفا اللبنانيين. فمنذ أن استولى على الحكم “التفاهم” الذي “لمّ الشامي على المغربي”، واللبناني لم يرَ يوماً حلواً، ولم يعش يوماً له لا عليه.

لم تبق مصيبة، إلا ومرّت من هنا. وأشدها إذاء استطاب الإقامة… فأقام.

كل هذا، لم يمنع الرئيس حسان دياب، من إمعان النظر في النصف المملوء من كأس الوطن.

خاطب دولته اللبنانيين، عبر إطلالة متلفزة، مبشراً بالانتصار على الأزمات.

لو كان نظره سليماً، لشاهد أن النصف المملوء مملوء بالمصائب.

ولو إختار مواجهة الحقائق، لما كرر، بلا ملل، إتهام الماضي بتحويل الدولة إلى أنقاض، وأموالها إلى منهبة.

في حسابات خريج الأكاديميات، يتوقف الماضي عند الحريرية. ويستثني منه ما مضى منذ قيام “تفاهم الفراعنة”.

أخبرنا عن خطته الإنقاذية. ووعدنا بنجاة لا ريب فيها. وغاب عن علمه وعلومه، أن الحقيقة تقيم على الأرض، لا تحلق في مجرات السماء.

كان واثقاً من وعوده ومواعيده… حتى اعتقدنا أنه يملك خاتم سليمان ومصباح علاء الدين وعصا موسى… وأنه قادر على الإتيان بمعجزات السيد المسيح، لولا حرصه على عدم الإقتراب من مخصصات جبران باسيل، وريث “العهدين” القديم والجديد.

في المشهد الكارثي، حيث يعم البلاء، يتضح أن للإنقاذ طريقاً واحداً يمر من علاقات وثيقة مع دول المُنح والقروض. وهي دول قطعت الحبال، التي تربطها بلبنان، بعد أن أدمن العهد وحلفاؤه اللعب عليها.

وعلى الحكومة “الديابية” إدراك أن الحلول الذاتية لا يمكن الإعتماد عليها في هذه المرحلة… فهي حلول تصلح لمراحل ليس هذا زمانها. فالعواصف التي تعصف بلبنان، لا تنتظر استعادة الأموال المنهوبة بأحكام قضائية، تحتاج لأشهر، وربما لسنين، من التحقيق والتأجيل والدفوع والمداولات.

هذا ليس وقت الإنتظار والمكابرة.

وهذا يعني أن الحل السريع يقتضي ضخ الأموال بأسرع الطرق.

والسؤال، هل تصلح حكومة منتحلي صفة الإستقلالية، السير في الطريق المؤدية إلى دول الخليج، ورعاة “سيدر” في الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؟.

الجواب معروف من عنوانه الإيراني.

إذاً، فحكومة المعجزات عاجزة عن الحل.

والحل إذاً في إستقالتها، ومن ثم، تشكيل حكومة مستقلة فعلاً وفوراً، تستطيع أن تحول مجرى الرياح إلى ما تشتهي سفينة لبنان، قبل أن تغرق تماماً بمسالميها ومقاوميها.

إن لم تفعل، وهي لن تفعل، فسيؤدي استمرار هذه الحكومة إلى أن يجتاح لبنان وباء المجاعة، كما يجتاحه اليوم وباء الكورونا… ومن هنا سيبدأ التنافس بين شعار الكورونا “خليك بالبيت”… وشعار المجاعة “موت بالبيت”.

وعلى ما يبدو فإن الغلبة للإثنين.

وليد الحسيني

المنسي والمؤجل

خطة الطوارئ الإقتصادية؟.
منسية.​
التشكيلات القضائية؟.
مؤجلة.
إصلاحات سيدر؟.
منسية.
تعيينات المصرف المركزي؟.
مؤجلة.
استرداد الأموال المنهوبة؟.
منسية.
مفاوضات الدين العام؟.
مؤجلة.
قانون جديد للإنتخابات؟.
منسي.
…مؤجلة… منسية… مؤجل… منسي…
وهكذا لو استكملنا ما تعهدت به “حكومة الزهايمر” في بيانها الوزاري، ولو استعرضنا الوعود المزايدة على البيان نفسه، لوجدنا أن كل ما وعدت وتعهدت به حكومة الذاكرة المثقوبة يتوزع بين المؤجل والمنسي.
إنجازات… إنجازات… أكل الكذب عليها وشرب.
لكن، وكلمة حق تقال، ولا يراد بها باطل، نعترف أن دياب ووزراءه قد فاجأونا بإنجاز، لم يخطر على بال بيانهم الوزاري، ولم يرد على لسان أولياء سلطتهم التنفيذية، من سياسيين في أعلى الرتب… ومن محللين في أدناها.
فجأة، وفي زمن الكورونا والجوع والإفلاس الجماعي، يجتمع “مجلس قيادة الثورة على الأوبئة”، ويعلن من السرايا العودة إلى بناء سد بسري، في مبادرة تقر بأن العودة إلى الخطأ، لا عن الخطأ، هي الفضيلة.
وعلى ذكر “فضيلة الخطأ”، نذكر فضيلة العفة”.
ففي نفي فاشل لشبهة “المحاصصة” في تعيينات المصرف المركزي، يقول الرئيس حسان دياب أنه رفضها لأنها لا تشبهه.
يبدو أنها شبهت له كذلك. فحصته كانت ستلتهم كل مواقع السنة، لولا جشع جبران باسيل بالتهام كل المواقع المسيحية.
فلو تخلى رئيس التيار الوطني الحر عن بعض جبنة المسيحيين لسليمان فرنجية، أو لو لبى رئيس تيار المردة، رغبة حزب الله، وقبل مرغماً بـ “الفجعنة” الباسيلية، لخرج الرئيس دياب علينا متغزلاً بمثالية التعيينات، وبأنها لا تشبهه فقط، بل هي نتيجة إرادته الحديدية، في الخروج لأول مرة في تاريخ لبنان، عن سياسة “المحاصصة”، وإلقاء أصحاب الخبرات في سلة المهملات.
من هنا، ومن باب العرفان بالجميل، كان يتوجب على دياب، أن يشكر فرنجية. إذ لولا صلابة الأخير وصموده، لما حظي بلقب “البطل” ولما أتيحت له فرصة التغني ببطولة رفض التعيينات.
وكما أن كل شيء زائف في هذه الدولة الإفتراضية، فإن كل شيء باطل، بما في ذلك البطولات وادعاء العفة والتعفف.
وفي مجال “الإدعاءات” نستغرب إدعاء إسترداد اللبنانيين من الغربة، تلبية لطلب الرئيس نبيه بري. ونستغرب معه التحايل الحكومي المفضوح على إصرار رئيس مجلس النواب، بفرض أربعة أضعاف ثمن تذكرة العودة على طالب لا يملك ثمن تذكرة المترو للإنتقال من البيت للجامعة!!.
إن من يتجرأ ويتشاطر على نبيه بري، يسهل عليه التشاطر على فقراء لبنان. فالمنحة الشحيحة، التي وعدت بها الحكومة للعائلات الأكثر فقراً، هي بالكاد تكفي لطبخة بحص مع بعض الأرغفة من الخبز، المهدد بدوره بالإختفاء، إلا لمن استطاع إليه سبيلا.
كل هذا لا يهم، المهم “سد بسري”… حتى لو “مطرح ما يسري يهري”.

وليد الحسيني

لقب دولة الرئيس والأثمان الفادحة

لا شك بأن الإهتمام بالإنهيار الصحي أولى من الإهتمام بالإنهيارات الأخرى. لكن هذا لا يبرر للحكومة إخفاء سموات مصائبها بقبوات أخطار الكورونا.
عملية التخفي هذه لم تمنع كشف المستور.
ها هي حكومة حسان دياب تمارس الفشل بكل أشكاله.
عندما زعمت أن وزراءها مستقلون، لم يكن اللبنانيون يملكون أدلة تكذيبها. إلا أن الأدلة تنهمر اليوم وتتفشى فضائحها، بسرعة تضاهي سرعة تفشي فيروس الكورونا.
لو صدقت، لما تعرقلت التشكيلات القضائية، التي أعدّها المرجع القضائي الصالح، وعطلتها مرجعيات المصالح.
ولو صدقت أيضاً، لما كانت بحاجة إلى موافقة التيار الوطني الحر وحركة أمل وحزب الله والمردة، لتعيينات المصرف المركزي. ومن ثم، تأجيلها إلى أن ترضي جبران باسيل فيرضى عنها. وإلى أن تلبي أوامر السيد حسن نصر الله فيأمر بتمريرها. وإلى أن تأخذ بخيارات الرئيس نبيه بري فيقبل بتقاسم خيراتها. وإلى أن تحفظ حصة سليمان فرنجية فيفرج عنها.
وفشلت كذلك في تطبيق أقدس مفاخرها “لا أحد فوق القانون”، فإذا بقانون التعبئة العامة يفتك، بسنابكه الأمنية، بسائق نفد من بيته رغيف الخبز، فأحرق سيارته، بعد أن حرق القانون قلبه على أطفاله، لمجرد إرتكابه مخالفة نقل أكثر من راكب واحد.
بينما، ونشاهد يومياً من هذه البينما الكثير، نرى سيارات أصحاب المعالي تضع القانون نفسه تحت مؤخرة معاليه، الجالس كالطاووس في المقاعد الخلفية، وقد جلس في سيارته المحصنة مثنى وثلاث ورباع، ما بين سائق ومرافق، هذا إذا لم يكن، أو تكن، إلى جانب معاليه أو معاليها، زوج أو زوجة… وسبحان من قسم القوانين بين رادع ومردوع.
ومن جملة أفشالها، التي قد تصل إلى جريمة القتل، الإصرار على ترك آلاف المغتربين اللبنانيين للموت بالكورونا، مقابل أن لا تتراجع عن قرارها بإغلاق مطار بيروت، المفتوح دائماً وأبداً للبعثات الدبلوماسية، وقوات القبعات الزرقاء، وخبراء الحفر في بحر النفط والغاز. وكأن هؤلاء يحفظهم رب السماء من كل وباء، فلا يحملون فيروساً من الخارج، ولا ينقلون فيروساً إلى الداخل.
إلا أن هذه “العنتريات الديابية”، لم تصمد طويلاً، وبدأ بالتراجع المهين لهيبته، وهيبة قرارات مجلسه الوزاري، عندما تأكد من أن أنياب بري لا علاقة لها بابتساماته المعهودة، وأن أصبع السيد نصرالله هذه المرة ليست من مشاهده المعتادة.
وفي سياق ميزان العدالة، الطابش لمصلحة التيار الوطني الحر، تبرز الأستاذة مي خريش نائبة الرئيس البرتقالي جبران باسيل، كمثال لمكافحة العدالة في مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، الذي لم يُقصّر أبداً في التحقيق مع من أساء إلى المُبشر بجنة بعبدا، في حين أن شعرة لم تتحرك في رأس إدارته، عندما أساءت السيدة خريش للنبي محمد وأمته بسنييها وشيعتها ودروزها. ربما لأنه، أي مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، يصاب بالصلع والهلع، إذا ما تعلق الأمر بأصحاب الأمر والنهي.
وبكلمات موجزة نختصر كل ما تقدم: كنا نود أن لا يدفع الدكتور حسان دياب كل هذه الأثمان الفادحة والفاضحة، مقابل لقب دولة الرئيس… فالاحلام في هذا الزمن المقيت غالباً ما تنتهي إلى كوابيس.
أما وقد فعل، فهو أمام خيارين. فإن إستقال خَرِبَ البلد، وإن استمر خرَّب البلد.
الخياران يتساويان بالمرارة… وليس بينهما ما يمكن وصفه بالأحلى.

وليد الحسيني

إلى حكومة دياب: لا داعي للهلع


العهد وحكومته ومن يأمرهما، لم يتركوا لكاتب لبناني فرصة الكتابة عن المآسي العربية. وإذا كان جحا أولى بلحم ثوره، فإن لبنان أولى بحبر كتّابه.

ووفق ما تعانيه جنة الله على الأرض، لا بد من التذكير والتركيز على أن ما بقي من عمر الولاية، العامرة بالويلات، هو أقل بقليل من ثلاث سنوات. وأن السنوات الباقيات قد تحمل أكثر بكثير مما مرّ من مرارات.

يحق للبناني الشك بأن تكون تبرئة العميل عامر فاخوري آخر المصائب. فعلامات الغيب تخبرنا بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وبما أنهم، أي أنفسهم، ما تبدلوا وما بدلوا، يكون العهد قد كتب على اللبنانيين أن يتعايشوا مع الكوارث إلى أن تتم السنوات العجاف سنواتها الدستورية.

وهنا تكمن مشكلة كتّاب لبنان. فالأزمات متشعبة، وجميعها يتساوى في الأولويات.

فمن أي مصيبة يبدأون؟.

من هذه أو تلك… أو من تلك، ومن ثم هذه؟.

الأمر سيّان. إذ ليس ثمة مصيبة بسمنة وأخرى بزيت. فأي من هذه المصائب ألعن من أختها.

المأساة ليست في مآسي الناس.

المأساة في حكومة نصحتنا بعدم الهلع من الكورونا، وإذا هي المصابة بالهلع من اتخاذ القرارات.

صحيح أنها حكومة اللون الواحد سياسياً، لكنها متعددة الألوان عند البحث عن حلول لليرة المترنحة، وللغلاء المتفشي، وللتجارة المتجمدة، وللبطالة المتنامية. فمن مساوئها الكبرى أن وزراءها باجتماعاتهم لا يجمعون على كلمة سواء.

هي في موضوع العميل فاخوري مثلاً، أجبن من أن تدينه، لكنها تملك شجاعة إدانة تبرئته.

وهكذا، وبكل بساطة، وكأي مسرحية فاشلة، يتحول القاضي إلى عميل. وكأنه وحده الحاكم بأمره.

من الطبيعي أن يساق رئيس المحكمة إلى مقصلة العمالة، فهو الذي جنى على نفسه، عندما استجاب لأوامر أولي الأمر فبرأ المدان، وعندما استجاب لاحقاً للأوامر فاستقال.

لقد لعبوا بهذا المسكين ذهاباً وإياباً. ولم يترك له سوى تحمل المسؤولية منفرداً، فادياً بمنصبه وسمعته سائر المسؤولين في السلطة، وسائر المتسلطين عليها وعليه.

وإذا كان المرتكب الفعلي لجريمة براءة الفاخوري، يحرص على سترة ابتلائه بالمعاصي، فإن السترة لا تكون بالتخفي وراء القاضي حسين عبد الله البريء من دم العدالة.

وبالمناسبة، فقد استمعنا، بكثير من الحزن، إلى دفاع السيد حسن نصرالله عن جهله بأمر تبرئة جزار الخيام. وعلمنا منه أنه كان آخر من يعلم بمسرحية المحكمة العسكرية.

وإذا كان هو لا يدري، والرئيس بري لا يدري، وفخامته لا يدري، ودولة رئيس الحكومة لا يدري، ووزيرة العدل لا تدري، ووزيرة الدفاع لا تدري، إذا صح عدم الدراية، عندئذ سيدري اللبنانيون بأن لا دولة في لبنان.

لكن الدولة موجودة على الأقل نظريا. وها هي تواجه الكورونا بفرض حظر التجول الذاتي، محولة بذلك كل بيت في لبنان إلى فرع من سجن رومية. وها هي تعالج عجزها عن تأمين المستلزمات الطبية لمكافحة الوباء، بالتسول من اللبنانيين لتوفير الوسائل لمستشفات الحجر الصحي، ومختبرات الكشف عن الفيروس الكوروني.

ورغم كل ما نحن فيه من الظلم أن نظلم الحكومة. فالنكبات المتوالية أكبر من طاقاتها وإمكانات البلد. إلا أنها عملياً هي التي تظلم نفسها بإسماعنا جعجعة لا تنبح طحيناً… وهذا يعني: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين.

وليد الحسيني

كورونا ويوروبوندز

سخرت إيران من العقل البشري، عندما اتهمت أميركا باختراع وباء الكورونا، وتصديره للمنافس الصيني، وللعدو الإيراني.
لن نعمل مثلها على إضحاك البشرية باتهامها بنشر الكورونا في لبنان، رغم أن أول زائرة “كورونية” جاءت إليه من مدينة قم الإيرانية.
وبعيداً عن هذا الوباء الصحي، فإن أوبئة سياسية واقتصادية كثيرة، يمكن إتهام إيران بتصديرها إلى لبنان، من دون أن نسخر من العالم. فالعالم يعرف جيداً، وقبل أن نبلغه، بلّغنا بأن إيران هي المسيطر على القرار اللبناني، منذ أن انقلبت الديمقراطية على مفاهيمها، فأصبحت الأكثرية هي الأقلية التي تحمل السلاح، والأقلية هي الأكثرية غير المسلحة.
وهكذا تحصى الأكثرية بعدد السلاح والمسلحين، لا بعدد اللبنانيين، الذين لا حول لهم ولا قوة.
وبهكذا أخرى، تفرض ديمقراطية السلاح علينا العهد القوي باستقوائه بحزب الله، وصولاً إلى فرض حكومة الخبط عشواء، التي تتخبط اليوم في كوارث، جديدها ألعن وأدهى من قديمها.
لم يسبق لحكومة في العالم، أن سبقت حكومة حسان دياب في اللجوء إلى حل الأزمات بافتعال أزمات أشد وأقسى.
أزمة “اليوروبوندز” نموذجاً.
لن ندفع.
عظيم. فشعبنا أولى من قنّاصي الفوائد من أصحاب مصارف وشركات مالية دولية.
لكن، حتى الجاهل في القوانين المالية والتجارية، يعلم علم اليقين، بأن ما تم حجزه من مال لشراء الخبز والدواء، هو محجوز بالنتيجة لصالح الدائنين الدوليين، الذين لا مفر من لجوئهم إلى محكمة نيويورك التحكيمية.
وهناك ستتأكد حكومة المعجزات، أنها لم تغامر بسمعة لبنان فقط، بل بقوت الشعب ومدخراته وما ملكت إحتياطاته من ذهب ومصارف.
لا نعتقد أن الفريق القانوني للدائنين الأجانب يمكن وصفهم بالجهل، الذي يتصف به فريق حكومة تلقي القرارات عن بعد.
المصرف المركزي لن ينجو من الحجز على أمواله. وبالتالي، لن نجد مالاً لخبز كفاف يومنا، ولا وقوداً لما تيسر من كهربائنا. ولا دواء لمن تبقى حياً من مرضانا.
المصرف المركزي، لن يكون مؤسسة مستقلة عن الدولة. فمن أين له الإستقلال، والدولة هي التي تعيّن حاكمه ونوابه ومفوضها لديه، والذي لديه من الصلاحيات، التي تجعل المصرف المركزي في دائرة الأملاك العامة بذهبه وودائعه وسنداته.
ولنفترض أن الشطارة اللبنانية تشاطرت على القضاء الأميركي، واثبتت أن المصرف المركزي مملكة مستقلة لا ناقة فيها للدولة ولا جمل، فإن تحرير الأموال المحجوزة سيستغرق زمناً يكون لبنان قد ابتلعته حيتان الافلاس والمجاعة.
هذا ليس زمن العنتريات. فلا أمل بالخروج من مقبرة الإنهيار اللبناني إلا بخيار من إثنين:
إما الخضوع لصندوق النقد الدولي وشروطه، وإما إعادة بناء الجسور مع دول الخليج، التي هجرها لبنان بمده الجسور القسرية مع طهران.
خياران لا يرضى بهما حزب الله… فماذا أنت فاعل يا دولة الرئيس، وأنت نفسك أمام خيارين في زواجك الحكومي: فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان… فترتاح وتريح.

وليد الحسيني

“جرائم” رفيق الحريري

حسمها حسان دياب. فالإعمار هو سبب هذا الإنهيار المرعب، الذي أصاب بشروره الوطن والمواطن.
وبدل أن تلجأ الحكومة، ومن أمر بتشكيلها، إلى النأي بالنفس، لجأت ولجأ الآمرون، إلى النأي بالعقل.
أعدوا لائحة بالجرائم التي ارتكبها رفيق الحريري.
ثلاثون سنة، عاش نصفها، ونسب إليه النصف الآخر، بعد أن ضموا إليه السنوات العشر العجاف، البرتقالية الهوى والإيرانية المبتغى.
تراكمات أدت إلى “تركة ثقيلة” لتبرير الفشل الحكومي قبل وقوعه.
وباستعراض مختصر، لجرائم هذا المجرم، نبدأ بانتزاعه شباب لبنان من حضن الميليشيات المسلحة ونفيهم إلى أرقى وأعرق جامعات العالم.
وهو نفسه من حاك “مؤامرة الطائف”، منهياً الحرب الأهلية وانجازاتها المذهلة.
وهو الذي أوقع لبنان في الديون، ليهدر أموالها على المواصلات والإتصلات وبناء المطار ومد الجسور وشق الأنفاق…
وهو من حرّض وسعى إلى إعادة الجيش للعمل كمؤسسة لكل الوطن، وكان قد حوّله صاحب الأمانة إلى ميليشيا إضافية، ساهمت في قصف المنطقة الغربية من أجل “التحرير”، وأجهدت مدافعها بدك المنطقة الشرقية من أجل “الإلغاء”.
وهو أيضاً من عبث بالآثار، التي برعت الميليشيات بنحتها في قلب بيروت وساحة برجها. فأزالها بجرافاته جارفاً من الذاكرة الوطنية قيمَها التاريخية وقيمتها الإبداعية.
وتمادياً في جرائمه، بنى في الحدث مدينة جامعية، حارماً، عن قصد وترصد، طلاب لبنان من طلب العلم ولو في طهران.
وإمعاناً في التخريب أشاد مستشفاه الحكومي ليتحول في ما بعد إلى خربة طبية… وإلى حظيرة للمرضى العاجزين عن دخول المستشفيات الخاصة.
وهكذا يكون رفيق الحريري، وبسوء نية، قد أقدم على الإعمار، فاتحاً الأبواب أمام نهب المال العام. حيث لا سرقات بلا إنفاق… ولا إنفاق بلا مشاريع.
وإذا سلمنا، وبغياب السند، أن الحريرية نهبت المال العام، أو سهّلت على الآخرين نهبه، فقد كان يتم ذلك مع إتمام مشاريع الإعمار.
أما اليوم، وفي السنوات العجاف، فإن الفساد يزداد شراهة وقدرة على السلب، ومن غير أن ينفذ العهد ومتعهدوه مشروعاً، باستثناء ما أعد على الورق، كما في الكهرباء، التي عمت أنظارنا بخططها النظرية، والتي تُغدق عليها الأموال بالهبل… وبهبل تُغْدقها على من يُغدق علينا الوعود.
إذاً الفرق كبير بين ما جنته الحريرية على لبنان، وبين ما جناه “أشرف الناس” من لبنان.
وكما حسمها حسان دياب، فقد حسمها الرئيس ميشال عون.
لقد جلبنا “الحفارة”، وهذا يكفي لدخولنا نادي الدول النفطية.
وإذا كان فخامته قد خص جبران باسيل بفضل الإكتشافات النفطية، فمن أخلاقيات نسب الفضل لأهله، أن نذكر، وربما قبل ولادة الصهر، أنه كان في لبنان عالم جيولوجي إسمه الدكتور غسان قانصوه، رحمه الله، أثبت بخرائطه وأبحاثه أن في بحر لبنان كميات هائلة من النفط… ومع ذلك لم يذكره أحد في “اليوم التاريخي” المفترض. فكل أمجاد النفط تعود لجبران باسيل، فلولا أهليته الجيولوجية لما تأهلنا لزعامة “أوبك”.
على كل، فها نحن نبيع “النفط في بحرو”، تماماً كالتاجر الشاطر الذي يبيع “السمك في بحرو”… وفي بحار الآخرين.

وليد الحسيني