“القدح والمدح” جريمة واحدة

walidنرى ونسمع ونقرأ، فنقتنع بلا تردد، بأن تجريم “القدح والذم” بالمطلق يتنافى مع مبدأ الدفاع عن النفس والوطن. فما يجري في البلاد، لا يمكن التعبير عنه، إلا بـ “قدحٍ” لهذا، و”ذمٍ” بذاك.

أساس العدالة يقوم على معاقبة المخطئ. وخطأ القائل أو الكاتب، أقل إيذاء من خطأ الفاعل أو الممارس.

ولأن القاضي، كما يقولون، يبني على الشيء مقتضاه، نسأل قانون المطبوعات:

بأي الكلمات نخاطب السارق والمرتشي والفاسد؟.

بأي لغة نصف جولات جبران باسيل على مقابر الحرب الأهلية، حاملاً حفارات تثير غباراً، أكثر مما تثيره حفارات فتوش؟.

ما هي الألفاظ المسموحة لإدانة الذين يعطلون إجتماعات مجلس الوزراء، في توقيت، ينطلق فيه الإقتصاد مسرعاً نحو الإنهيار والخراب الجماعي؟.

ما هي الجمل اللائقة للرد على العنصرية المتمادية ضد النازح السوري؟.

ما هو البديل عن “اللعنة” للحد من لعنة التقنين الكهربائي، وارتفاع جبال النفايات السوداء، إلى ما يكاد يستوي مع قمة “القرنة السوداء”؟.

كما نسأل، عما إذا كان القول المهذب كافياً لردع التيار الحر عن أكل حقوق المسيحيين، الأخضر منها واليابس؟.

وترى، هل تسمح قوة قانون المطبوعات والقوى الخارجة عن القانون، بالإعتراض الصارخ على عرض لبنان كسجادة إيرانية، تحت حجة أنها سجادة للصلاة في المسجد الأقصى؟.

لكل ما ذكر، ولم يذكر، لا مفر من البحث عن أقسى الكلام، علّه يردع من قست ضمائرهم الوطنية.

في المقابل، وفي إطار تحقيق العدالة، لا يجوز للقانون أن يكيل بمكيالين.

فجريمة “القدح”، مهما بلغت بذاءته، أقل ضرراً من جريمة “المدح” المغشوش. والإطراء الفادح، أكثر فداحة من “الذم” الفاحش.

تختلف التعابير، لكن الجريمة واحدة. وربما كان نفاق المدّاحين، وإطراء القوّالين، أشد فتكاً، وأدعى إلى تحرك النيابات العامة، حتى بلا إخبار… وبلا من يخبّر.

لو أمعن القانون في أسباب تنامي الفساد والنهب والتحرش بالفتن، لوجد أن “المديح” هو الذي يشجع الخطّائين على ارتكاب الخطايا. وأن “الإطراء” هو الذي يغري أولي الأمر على سلوك دروب الغواية.

والمصيبة، التي لم يلحظها المشرع، ولن يلحظها أبداً، أن لـ “المديح والإطراء” مروّجين يحتلون الشاشات والمانشيتات، وهم أخطر على المجتمع من مروّجي المخدرات الذين يملأون سجن رومية.

إنهم خبراء في تزوير الحقائق السياسية. وفي تبرير، ما يستحيل تبريره. وفي تحليل الحرام، وتبرئة الحرامي.

صحيح أنهم صنيعة الفساد، لكنهم المصنع الذي ينتج الفاسدين.

في عام 1949 كتب الروائي يوسف السباعي رواية “أرض النفاق”. وكأنه يكتب عن لبنان في عام 2019. فالنفاق هو الأخطبوط الذي يشكل “المديح والإطراء” بعض أذرعه القاتلة.

لقد وصل النفاق مثلاً بوزير “السلالم” إلى اعتبار الرئيس عون نسخة عن شارل ديغول، محرر فرنسا من النازية.

وزير آخر، غادر منصبه الوزاري، وانتحل صفة الإعلامي، وحلّ ضيفاً، بدوام كامل، متنقلاً بلا ملل، بين مختلف التلفزيونات كمحلل محترف… ومحرّف.

آخر عبقريات هذا الوزير “المبرراتي” تبرير مواكبة الحرس الجمهوري، لمواكب جبران باسيل الإستعراضية، بحجة أن هذا حقه فهو صهر الرئيس… وبذلك أفحم اللبنانيين بأفخم أنواع “المنطق”.

إذاً، وبالمقارنة، فقد غلبت جرائم “المدح والإطراء”، الفالتة من الملاحقة القانونية، جرائم “القدح والذم” الواقفة في طوابير محاكم المطبوعات، ومخافر جرائم المعلوماتية.

لا شك بأن هذا الخلل التشريعي الخطير، يؤكد أن لبنان هو الطبعة الأخيرة والمنقحة والمضافة من كتاب “أليس في بلاد العجائب”.

وليد الحسيني

Advertisements

فخامة المعالي

walidتعددت الأسباب والمسبب واحد. فجبران باسيل يتصدر قائمة الشخصيات السياسية الأكثر تداولاً… ربما لأنه “يكمن في التفاصيل”. فهو الحاضر بقوة في أغلب الأزمات، والمصدر الأغزر لأخطر التداعيات.

لقد نجح “فخامة المعالي” في فرض، تصريحاته النافرة وتحركاته المستنفرة والمستنكرة، على اللبنانيين عامة وعالم الإعلام خاصة.

يستغل بمهارة “حرية التعبير”، التي قد تتحول إلى جريمة إذا لم تمارس مع “أدب التعبير”.

هو يعرف أن حادثة الجبل شكلت منشطاً مخيفاً للفتنة.

هو يعرف، لكنه لا يعترف، بأن من حاول إيقاظ الفتنة، تدلّ عليه التصريحات المستفزة، وغرور “أغرار” السياسة.

لا أحد ينكر حق جبران باسيل في أن يسلك الدرب الذي يوصله إلى قصر بعبدا. لكن ليس كل من سار على الدرب وصل. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. إلا أن باسيل قرر أن يبدأ مسيرة الخطوة بسرعة الألف الميل.

الرجل لم يدرك خطر سرعته الجنونية هذه. خصوصاً وأنه لا يتكل على ساقيه، بل يسرع متكئاً على عكازتي القربى من سيد العهد… والتقرب من سيد المقاومة.

إنه يقتحم المناطق اللبنانية بأقدام مستعارة. وهي ليست إستعارته الوحيدة. فهو أيضاً يتكئ على شعبية مستعارة، من نفوذ يتجاهل دورة دولاب الزمن، وتبدّل الأيام من يوم لك إلى يوم عليك.

وعلى ما يبدو، فإن التواضع تهمة لا تليق بطموحات صهر العهد الحالي، وممني النفس بالعهد التالي. ليصبح، كشبوب بعبدا، “خي الكل” بعد أن سادت وتحكمت بالبلاد نظرية “بي الكل”.

وبما أن ثمة ما هو مشترك بين بلدة الحدث وما حدث في قبر شمون، نسأل فخامة المعالي:

هل شخير “المستأجر” المسلم يستفز مسيحيي الحدث ويقوّض خصوصيتهم، في حين “تملك” المكاتب البرتقالية، وهتافات محازبيها، ورفع راياتها، وحمايتها بالدشم والمسلحين… لا يستفز ولا يقوّض خصوصية دروز الجبل وشيعة البقاع وموارنة الشمال وسنة طرابلس وعكار؟.

كثيرة هي علامات الإستفهام والتعجب، التي ترافق “فتوحات باسيل” اللبنانية.

ترى لماذا يستقوي علينا بذاكرة، تفتح من جديد ذاكرة الحرب الأهلية؟.

ترى لماذا، وهو المؤمن، ينطلق بجولاته “التوحيدية”، ومن خلفه وأمامه وإلى جانبه، مرافقات عسكرية حاشدة من جنود وملالات ودبابات؟.

ترى لماذا يتمسك بحرية التنقل في مدن لبنان وقراه، وكأنه ذاهب إلى بعلبك لتناول “الصفيحة البعلبكية”. أو إلى زغرتا لتذوق “الكبة الزغرتاوية”. أو إلى بشري لزيارة متحف جبران خليل جبران. أو إلى طرابلس لأكل “حلاوة الجبن الطرابلسية”، أو… أو؟.

ألا يدرك أن تنقلاته غالباً ما تنقل التعايش المشترك، إلى أحقاد سادت ثم بادت؟.

نعود ونسأل:

ترى من أقنعه بأنه يدافع عن العهد بتفوقه على خصوم العهد بتشويه سمعته والإساءة إليه؟.

ترى من يشجع “الوزير الشجاع” على النفخ في النار؟.

ألا يدري أن لعبة الموت قد تبدأ في أي لحظة ينفجر فيها الخلاف الأميركي – الإيراني؟… حيث تخطط إيران لحرب لبنانية – إسرائيلية تشغل أميركا عن الخليج والنووي الإيراني، وتدفع بترامب إلى التفرغ لجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة لإثبات صهيونيته التي لا شك فيها.

إن حب لبنان أيها “الوزير العاشق” لا يكون بتملك حزبك للبنان.

إقنع بما هو لك وله.

توقف عن قراءة الجغرافيا اللبنانية بشراهة من يسأل:

لماذا ليس لي هذا؟.

 

وليد الحسيني

رمد الحريري وعمى جبران

walidلا شك أن رمد “التسوية” أفضل من عمى الخلافات. وبالذات في زمن التناقضات المحلية المجلية في سماء لبنان.

ثمة فريق يرى في “التسوية” فرصة لاقتناص المكاسب والمناصب والصلاحيات. وثمة فريق آخر يرى أنها جلبت الدب إلى الكروم اللبنانية. وأن هذا الدب الشره يسن أسنانه لقتل الناطور والإنفراد في أكل العنب.

الفريقان يشوهان “التسوية”، ويحملانها ما حدث من عواقب وخيمة… وما يمكن أن يحدث مما لا تحمد عقباه.

تعالوا نتصور أن “التسوية” لم تكن. فبأي حال كان حال لبنان؟.

فراغ رئاسي يدخل لتاريخه عامه الخامس… وربما كان إصرار فريق الممانعة على استمرار فقدان النصاب النيابي سيمنحه، أي الفراغ، ولاية رئاسية ثانية.

مجلس نيابي يمدد لنفسه، ويتمدد على رقاب الديمقراطية. وفي الوقت نفسه يكون قد تجاوز مرحلة الشيخوخة، وبالتالي، سيكون عاجزاً عن سن تشريعات خارج الخرف الدستوري.

حكومة تصريف أعمال، لأعمال غير قابلة للتصريف. إما لأن الخلافات تفسد الود بين الوزراء، وإما لأن الصرف الأثني عشري لا يلبي متابعة المشاريع وتسديد المستحقات. وإما لأن الأموال المتناقصة لا يمكن تعويضها بالإستدانة، التي أصبحت عرفاً ملزماً للحكومات المتعاقبة.

في مثل هذه العبثية المؤسساتية، يكون “قط الدولة” قد غاب، مما يتيح للفئران “المسلحة” بالأنياب القارضة أن تلعب بأمن لبنان واستقراره واقتصاده.

كل ما سبق يؤكد أن سعد الحريري في ارتكابه فعل التسوية، يكون قد أخطأ في حق نفسه، لكنه أصاب في حق لبنان. وهكذا تكون قد تغلبت عليه وفيه مقولة والده الشهيد: لا أحد أكبر من وطنه.

إذاً هذه التسوية، ورغم ما حملته من مساوئ، إلا أنها أنقذت البلد من الأسوأ. ولبنان اليوم أكثر حاجة إليها مما مضى. فالأمراض اللبنانية تحولت إلى وباء. ومعالجتها، أو الحد من مخاطرها، يحتاج إلى ورشة إصلاحية كبرى. فالوحدة الوطنية مفككة، واستمرار التسوية وحده بإمكانه تجميعها مجدداً، ومنعها من التناثر والتصادم، بعد أن ثبت عجزها عن التلاحم.

نحن بلد بالغ الهشاشة. وأسوأ ما فيه أنه يُحضّر دائماً لمستقبل هو مجرد إعادة لفيلم تسجيلي، من بطولة فتن لا نعلم متى تستيقظ. ولمصالحات مغشوشة. وإعمار لا يكتمل. ومرابط خيل خارجية وديمقراطية مصابة بالكوليسترول المذهبي، والتشوهات المناطقية. وخطوط حمراء تفرضها الكنائس والمساجد.

ها نحن، نتعرى، لا كما خلقنا ربي، بل كما اخترنا لأنفسنا. فهل يمكن أن نتخلى عن “التسوية”. وهل نسوّي أمورنا بخلافات أشد وأنانيات تتمرد على الضمير الوطني؟.

لكل هذا إختار الحريري المضي من الوسط، إلى الإلتزام بأن “خير الأمور الوسط”. وهو يدرك مسبقاً أن هذا الخيار سيجعله هدفاً سهلاً من “النيران الصديقة”، كالتي أغدقتها عليه تويترات وليد جنبلاط. ومن نيران “شركاء التسوية” التي تطلقها باتجاهه طموحات جبران باسيل التي لا تحد… والتي يعتقد باسيل أنها لا ترد.

لكن هذا هو قدر الحريري، وإلا فإن قدر لبنان سيكون المزيد من الأحقاد المذهبية، ومن الأزمات الإقتصادية، التي يبدو أنها تسرح وتمرح وتردح كما كان يفعل “أبو المراجل”.

الحريري، بالتأكيد، لا يمكنه أن يكون المنقذ. لكنه الساعي الأقدر على الإنقاذ. وهو سعي لن يصل إذا بقي الوصل مقطوعاً بين اللبنانيين… وهذا وصل لا يتحقق إلا عبر “التسوية”.

مهمة الحريري صعبة. والتفاؤل الذي يصر عليه، لا يلغي إصرار اللبناني على التشاؤم.

ترى أي من الإصرارين سينتصر؟. وأيهما أفضل للبناني: رمد الحريري أم عمى جبران باسيل؟.

وليد الحسيني

لقاء العقل والتعقل

walidطبعاً لا تليق المقارنة بين أحداث الخليج وما يفعله “أحداث” السياسة في لبنان.

إنها مقارنة أقرب إلى “الكاريكاتير” السياسي. وقد تتهم بالإستهزاء بالقامات الدولية. ومع ذلك، لا ضرر ولا ضير في مقارنة ما يقوم به “الحرس الثوري” في الخليج العربي، بما يقوم به “التيار الوطني الحر” في لبنان.

هناك، في بحر عمان ومطار أبها، وقبلهما في مينائي الفجيرة الإماراتي وينبع السعودي، يضرب السيد خامنئي الإستقرار في المنطقة… وربما في العالم.

هنا، يهز جبران باسيل، بعضلات عمه، أسس الإستقرار في وطن الأرز. أحياناً بتصريحات تفتقد للدبلوماسية وتتنكر للجميل. وأحياناً بممارسة هواية دفع البلاد إلى الهاوية.

هناك، تلعب إيران بالنار… فتحترق أصابع أميركا.

هنا، يشعل باسيل النيران… فتحترق أصابع لبنان.

هناك، يهدد الحرس الثوري بتعطيل الملاحة النفطية، وينفذ تهديداته… وبأسرع من سرعة طوربيداته يسارع إلى نفي مسؤوليته. ويلحق النفي بالإدانة والإستنكار. وفي المقابل يتعهد ترامب بالرد. ويهدد ويتوعد. وعندما يستحق الوعد، ويحين الوفاء بالعهد، يعدُّ سيد البيت الأبيض للعشرة. وتمر الأخطار خطراً بعد آخر، وما زال العداد الأميركي يعدّ العشرات… عشرة بعد عشرة.

هنا، يتهم باسيل السنة بسرقة الموارنة. ويهدد باسترداد الصلاحيات المسروقة. وينتقل بتهديداته إلى المسيحية نفسها، متعهداً ومتوعداً بفضح شعبية القوات اللبنانية، وبأنها بالكاد تتجاوز الصفر. وبما أن لا حجم لها، يُحجم باسيل عن إعطائها منصباً في التعيينات. أو نصيباً في التسويات، التي تنكر لها ودفنها في مقابر “أوعى خيك”. وفي المقابل، يعتقد فرعون العهد، متوهماً كعادته، أنه لن يجد من يرده، ولا من يوقفه عن حده.

ولأن هناك، أي في الخليج العربي، لا دور للبنان سوى انتظار التداعيات والمخاطر، فلا بد من التركيز على ما يجري هنا.

في البدء، نسأل الله أن يكون في عون عون. فهذا ما جناه عليه باسيل، علماً بأن الرئيس لم يجن على أحد.

وبالتالي، يترتب على باسيل أن يفيق من أحلامه. فمن يحاول منازلتهم ليسوا طواحين هواء. وعليه أيضاً الإقرار بأنه يعيش في بلد الـ “لا غالب ولا مغلوب”. وأن محاولة فرض صيغة الغالب، ليست أكثر من مراهقة سياسية. ففي البلاد قامات وزعامات راسخة لا يمكن أن تقتلعها الزعامات الطارئة. والتي ستزول حتماً بزوال أسباب انتفاخها… فنعم “الممانعة” لا تدوم.

إن شد عصب العنصرية، وتوجيه السهام إلى العلاقات العربية، وسياسة الألسنة الفالتة… كلها لن تدفع مثلاً بسعد الحريري إلى مواجهة التوتير بالتوتر. فما زال، وسيبقى الرجل مسكوناً بالحكمة الوطنية… وبمجرد زيارته قصر بعبداً، ومن ثم، لقاء العقل والتعقل، يكون باسيل قد ضيع في الأحلام… جهده.

                                                                          وليد الحسيني

باسيل والحريري

walidترى هل يستطيع جبران باسيل الإقتراب من الحكمة السياسية، بعد أن بالغ في ولوج التهور السياسي؟… وهل يستطيع التخلي عن ركوب أمواج المد والجزر؟.

لقد نسي أن “التسوية”، التي أقدم عليها سعد الحريري، هي التي جعلت منه “الرجل القوي” في معبد “العهد القوي”.

وإذا كان “شمشون الجبار” أحد أبرز رموز “الرجل القوي” في زمن الأساطير والخرافات، فمن المنطق أن يتذكر باسيل بأن “شمشون” عندما قرر الموت لأعدائه، كان قد اختار طريق الإنتحار.

من أكبر الأخطاء والأخطار، أن يحوّل “ولي العهد” الوطن إلى ملعب، والتسويات والتفاهمات إلى لعبة.

لقد أكثر من حفر الحفر. مما أدى إلى اتساع الفجوة بين تياره الحر من جهة، وبين المستقبل والقوات من جهة أخرى. ومع استمرار غياب الوعي الوطني، يصبح التنسيق بين رئيس التيار الوطني والآخرين محاولة في المستحيل. فلا الرئيس الحريري يستطيع الإحتفاظ بالتسوية، مع تمادي باسيل في خرقها واختراقها، ولا باسيل يستطيع المحافظة على مكاسب التسوية، وهو يسعى إلى جمع كل مكاسبها في قبضته، التي يستعملها عشوائياً في جولات ملاكمة عبثية.

يقول، لا فض فوه، أن البلد تحول إلى “عصفورية”. وإذا صح قوله هذا، فإن الجنون لا يعالج بمزيد من الجنون.

أما المراهنة على صبر سعد الحريري وتسامحه، فهو رهان يخلط بين حدود الصبر المحدودة، والمقامرة السياسية المفتوحة والمفضوحة.

المسامحة ليست كنزاً لا يفنى. فعن أي التجاوزات يمكن مطالبة الحريري بالصفح عنها؟.

في الشأن الخارجي، ينحاز باسيل للإجماع الإيراني، على حساب الإجماع العربي.

في الشأن الداخلي، يختار التمرد على تفاهميْ معراب وبيت الوسط، ويخضع بإذعان مذل لتفاهم حزب الله.

في شأن التصريحات السياسية، يقول كلاماً مفجراً للأزمات والخلافات، وينفيه في اليوم التالي.

في الشأن الإنساني، يهاجم النازح السوري واللاجئ الفلسطيني، ويدافع بقوة عن النازح والمستوطن اللبناني في بلاد الإغتراب من أفريقيا إلى أوروبا إلى أوستراليا إلى الأميركيتين.

في الشأن القضائي، يصر على تملك وزارة العدل لإصلاح العدالة، ويعتبر في الوقت نفسه أن العدل أساس ملكه وبعض ممتلكاته.

في شأن الإصلاح، جعله شعاراً، لم تشعر بوجوده وزارة أو مؤسسة أو عصابة فاسدين.

من الصعب أن يحظى محلل نفسي بمعرفة ما في نفس هذا اليعقوب.

ومع هذا، ومع كل ما سبق من مبررات لقطيعة، لا يمكن وصلها، فإن سعد الحريري، وكرمى عيون الرئيس عون، قد يتجاوز مرة أخرى تجاوزات باسل.

لكن هل يقدر مبتكر الخلافات، أن يتراجع عن ابتكاراته الدون كيشوتية؟.

بالطبع يقدر… إذا تخلى عن الأحلام الخارقة والمارقة.

وليد الحسيني

ملك التعطيل

walidقبل جبران باسيل، كان التعطيل يطال، بحياء، قانوناً ما. كقانون الكسارات والمقالع. أو قانون السير والتغاضي عن مخالفات ربط أحزمة الأمان. أو قانون منع التدخين في المطاعم والمقاهي. أو …

لكن به، وبعده، أصبح التعطيل يطال الدولة بمؤسساتها وأساساتها.

من أجل هلوسته بالسلطة، تمّ تعطيل تشكيل كل الحكومات تلبية لتطلعاته، تحت شرط الخضوع لتوزيره. ومن بعد إستجابة لاشتهائه وزارة دون أخرى.

في البدء، انفتحت الشهية على وزارة الإتصالات. ولأسباب لا يعرفها إلا الراسخون في طلب النفوذ، انتقلت الشهوة إلى حقيبة الطاقة. وعندما وجد خليفة لا يخالفه، أورث الوزارة لسيزار أبي خليل، ومن بعده لمستشارته، ندى البستاني، التي تستشيره في كل شيء، والتي لم يستشرها يوماً في أي شيء.

وهكذا تفرغ باسيل لوزارة الخارجية، تمهيداً لشق طريق دولية تصل به إلى قصر بعبدا.

ولأنه يعوّل كثيراً على العائلة، تحمّس لخطة حزب الله في تعطيل الدولة، بافتعال الفراغ الدستوري لمدة تجاوزت السنتين، وكان المقدر لها سنوات مفتوحة، لولا أن الحكمة الوطنية دفعت بسعد الحريري إلى التجرؤ على لعنة التعطيل، بإعلان تسوية، أتت بالجنرال عون، عم باسيل، رئيساً للجمهورية.

ومن أجل إخراج الصهر من عقدة الرسوب المتكرر في إمتحان الإنتخابات النيابية، جرى تعطيل السلطة التشريعية، إلى أن تمّ تشويه الديمقراطية، بإصدار قانون للانتخابات، أساء لسمعة النسبية، ولعن أباها. لكنه جاء على قياس باسيل، وكان للصوت “التفضيلي” الفضل في فوزه وفوز حزبه وأحزاب حلفائه. وبعد أن أكدت له، التجارب السابق ذكرها، أن التعطيل هو الوسيلة الأقدر على تحقيق الغايات، تمسك به وأدمنه، على اعتبار أن الغايات السيئة، لا تنضج ثمارها، إلا بالأفعال الأسوأ منها.

وهذا ما كان، عندما حان وقت إنجاز الموازنة، لإنقاذ البلد من إنهيار إقتصادي، لا يخفى على شاطر كجبران باسيل.

ظن “ملك التعطيل” أنه سيكون “ملك الشعبوية” أيضاً، بتأخيره إقرار الموزانة.

وهكذا، فكلما التأم جرح في مناقشة الموازنة، فتح باسيل مزاد الجراح. تارة تحت شعار الإصلاح. وتارة تحت شعار الدفاع عن الفقراء ومتوسطي الدخل.

أما وأن “الموازنة” تحمل اليوم أثقالها متجهة إلى قصر بعبدا، فمن منطلقات وطنية، لا بد من مناشدة باسيل وفريقه الوزاري بالقول: “هدوها ولا تهدوها”.

ولا بد كذلك من لفت الإنتباه إلى أن انقطاع الكهرباء في لبنان، لا يعني أن اللبنانيين لا يرون ما يدور وما يدبّر لهم.

نتمنى أن لا يبالغ باسيل في تسويق الوهم، عبر إصلاحات مبهمة يتوهم أنها ستنشل البلد.

عليه أن يدرك أنه بتأخير إقرار الموازنة، يكون قد ابتكر مذهباً إقتصادياً رابعاً، خارج المذاهب الإقتصادية الثلاثة، التي يعرفها العالم.

فلا هو، بسلوكه التعطيلي، رسخ النظام الرأسمالي الحر. ولا ذهب بالبلاد إلى النظام الإشتراكي، ولا بشر بالنظام المختلط.

إذا لم يتخل عن عروش الملكية في التعطيل والشعبوية، وإذا لم يعد إلى وعيه الوطني… فهو بذلك يقدم للعالم نظاماً إقتصادياً رابعاً… هو نظام الفوضى.

وليد الحسيني

صياح الديكة

walidأين الحقيقة؟.

تسمع باسيل، فتتهم جعجع. وتسمع جعجع، فتدين باسيل.

تشاهد أخبار تلفزيون “المنار”، فتظن أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني يحاصر “البنتاغون”. وتشاهد أخبار تلفزيون الـ “إم.تي.في”، فتحزن على وضع الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي قد تفرض عليه العقوبات الأميركية، بيع آخر سجادة عجمية في قصره الرئاسي، لإطعام شعبه.

تقرأ تصريحات وزير الإقتصاد منصور بطيش، فتترحم على الليرة اللبنانية. وتقرأ تصريحات حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، فتعتقد، إلى حد اليقين، أن متانة العملة الوطنية، جعلتها عملة تنافس بثقة عالية الدولار واليورو معاً.

تتابع بقلق إتهام أهل السياسة باخضاع القضاء لتعليماتهم. وتفاجأ بالقاضي بيتر جرمانوس، يخضع الأجهزة الأمنية كافة لتعلمياته هو، متجاوزاً بسلطاته، كل السلطات الأخرى، السياسية منها والرسمية… والدينية.

تشعر بأن طبلتي أذنيك، قد تثقبا من دوي طبول الحرب على الفساد، وتبحث في سجلات النيابات العامة، فلا تجد إسماً “عليه القيمة” يقيم في سجن روميه.

تستبشر بمواسم سياحية، ستحسدك عليها سويسرا، ويجد السائح نفسه طريدة يسهل اصطيادها، من ساعة الوصول إلى ساعة المغادرة، سواء عبر إحتكار “تكسي المطار” للزبائن أو عبر فواتير الفنادق والمطاعم والملاهي الليلية… والمستشفيات.

وتغمر اللبناني السعادة، لسماعه غزلاً سياسياً في التعايش والوحدة الوطنية، لم يبلغه نزار قباني في غزله النسائي. ويغمره الحزن وهو يسمع حفلات الهجاء السياسي، تشغل وتشعل مواقع التواصل الإجتماعي، وأعمدة الصحف، وحوارات الإذاعات والتلفزة.

بعد كل ما سبق ذكره، وما نسيت الذاكرة أن تذكره، نطرح السؤال مجدداً، أين الحقيقة؟.

رغم كل ما يبدو من تناقضات بين الفعل وضده، فإن الحقيقة، للأسف، هي في الجانب السلبي، حيث أن الإيجابي منها، مجرد ألوان زائفة، تحاول تزيين الواقع القبيح.

وكما يقال بأن المعدة بيت الداء، يمكن القول، بلا مبالغة، بأن فساد الكلام السياسي، هو بيت الفساد، بكل أصنافه وأنواعه.

فمن فساد القول أن يهاجم المسؤول الهدر وهو الهادر الأول. وأن لا يسمح لنفسه الإدلاء بتصريح يخلو من الحرص على وحدة اللبنانيين، وفي التصريح نفسه، يغمز، تلميحاً أو تصريحاً، بخصمه اللدود. فهو لا يجد، اشد عداوة له، من الذي يخالفه الرأي والموقف، وينافسه في المصالح واقتناص الفرص.

إذاً، نحن في زمن ينطبق عليه ما قاله المتنبي عن زمانه:

قد أُفسدَ القولُ حتى أُحمد الصممُ

هذه هي الحقيقة، التي نتقاذفها بين أقوال لا نفعلها وأفعال لا نقولها.

أخيراً، نصيحة لسعد الحريري، نعلم مسبقاً أنه لن يأخذ بها:

توقف عن الشرب من نهر الإعتدال لتتجنب الخسائر… واشرب مثلهم من نهر الجنون والتطرف، لتشاركهم الأرباح… والصياح، كالديكة فوق مزابل الـ 18 طائفة… أو الـ 19 إذا أضفنا مزبلة المجتمع المدني.

وليد الحسيني