صياح الديكة

walidأين الحقيقة؟.

تسمع باسيل، فتتهم جعجع. وتسمع جعجع، فتدين باسيل.

تشاهد أخبار تلفزيون “المنار”، فتظن أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني يحاصر “البنتاغون”. وتشاهد أخبار تلفزيون الـ “إم.تي.في”، فتحزن على وضع الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي قد تفرض عليه العقوبات الأميركية، بيع آخر سجادة عجمية في قصره الرئاسي، لإطعام شعبه.

تقرأ تصريحات وزير الإقتصاد منصور بطيش، فتترحم على الليرة اللبنانية. وتقرأ تصريحات حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، فتعتقد، إلى حد اليقين، أن متانة العملة الوطنية، جعلتها عملة تنافس بثقة عالية الدولار واليورو معاً.

تتابع بقلق إتهام أهل السياسة باخضاع القضاء لتعليماتهم. وتفاجأ بالقاضي بيتر جرمانوس، يخضع الأجهزة الأمنية كافة لتعلمياته هو، متجاوزاً بسلطاته، كل السلطات الأخرى، السياسية منها والرسمية… والدينية.

تشعر بأن طبلتي أذنيك، قد تثقبا من دوي طبول الحرب على الفساد، وتبحث في سجلات النيابات العامة، فلا تجد إسماً “عليه القيمة” يقيم في سجن روميه.

تستبشر بمواسم سياحية، ستحسدك عليها سويسرا، ويجد السائح نفسه طريدة يسهل اصطيادها، من ساعة الوصول إلى ساعة المغادرة، سواء عبر إحتكار “تكسي المطار” للزبائن أو عبر فواتير الفنادق والمطاعم والملاهي الليلية… والمستشفيات.

وتغمر اللبناني السعادة، لسماعه غزلاً سياسياً في التعايش والوحدة الوطنية، لم يبلغه نزار قباني في غزله النسائي. ويغمره الحزن وهو يسمع حفلات الهجاء السياسي، تشغل وتشعل مواقع التواصل الإجتماعي، وأعمدة الصحف، وحوارات الإذاعات والتلفزة.

بعد كل ما سبق ذكره، وما نسيت الذاكرة أن تذكره، نطرح السؤال مجدداً، أين الحقيقة؟.

رغم كل ما يبدو من تناقضات بين الفعل وضده، فإن الحقيقة، للأسف، هي في الجانب السلبي، حيث أن الإيجابي منها، مجرد ألوان زائفة، تحاول تزيين الواقع القبيح.

وكما يقال بأن المعدة بيت الداء، يمكن القول، بلا مبالغة، بأن فساد الكلام السياسي، هو بيت الفساد، بكل أصنافه وأنواعه.

فمن فساد القول أن يهاجم المسؤول الهدر وهو الهادر الأول. وأن لا يسمح لنفسه الإدلاء بتصريح يخلو من الحرص على وحدة اللبنانيين، وفي التصريح نفسه، يغمز، تلميحاً أو تصريحاً، بخصمه اللدود. فهو لا يجد، اشد عداوة له، من الذي يخالفه الرأي والموقف، وينافسه في المصالح واقتناص الفرص.

إذاً، نحن في زمن ينطبق عليه ما قاله المتنبي عن زمانه:

قد أُفسدَ القولُ حتى أُحمد الصممُ

هذه هي الحقيقة، التي نتقاذفها بين أقوال لا نفعلها وأفعال لا نقولها.

أخيراً، نصيحة لسعد الحريري، نعلم مسبقاً أنه لن يأخذ بها:

توقف عن الشرب من نهر الإعتدال لتتجنب الخسائر… واشرب مثلهم من نهر الجنون والتطرف، لتشاركهم الأرباح… والصياح، كالديكة فوق مزابل الـ 18 طائفة… أو الـ 19 إذا أضفنا مزبلة المجتمع المدني.

وليد الحسيني

Advertisements

“ميليشات” معراب وبيت الوسط

walidما قاله جبران باسيل عن إجباره على قبول الوزارة، لم يقله أحد قبله، ولن يكرره أحد بعده.

قول لا يسقط بمرور الزمن من تاريخ “الكوميديا السياسية”. ولهذا لا غرابة إذا تناولناه… ولو بعد حين.

هو كلام لم يرد على لسان أي سياسي، لا في مقام الهزل، ولا على محمل الجد. إنه خارج المألوف. وهو ظاهرة، إذا صدقت، فهي لا تصدق إلا على النسّاك والقديسين.

لكن اللبناني، الشكّاك بطبعه، والذي لا يثق بكلام أهل السياسة، تعامل مع “التعفف الباسيلي” بكثير من التهكم.

يبدو أن الوزير الطموح قد بالغ بجنوحه نحو “الخيال الشعبوي”. بحيث يستحيل تفسير الزهد الوزاري من غير الإستعانة بخرافة “ملائكة الأرض”.

إذاً، في مواجهة خيال “الملاك الأرضي” جبران باسيل، لا مفرّ من اللجوء إلى “سيناريو متخيّل”، في محاولة عقلانية لحل لغز الزهد الأسطوري المفاجئ. فأن يجبر جبران، ويساق مقهوراً إلى “قصر بسترس”، فهذا يعني أن قوة خفية قامت بخطفه ونقله عنوة إلى مقر وزارة الخارجية.

بما أن حزبه البرتقالي لا يمكن أن يرتكب هذه الجريمة بحق رئيسه، وبما أن حلفاء “التفاهم والممانعة” لم يسجل في تاريخهم أبداً ممارسة العنف، لا يبقى أمام “السيناريو المتخيّل” سوى فرضية تحميل ميليشيات “معراب” و”بيت الوسط” مسؤولية خطف الرجل وتوزيره رغم أنفه.

أما وقد حدث ما حدث، وإلى أن يقوم “محور الممانعة” بتحرير سجين “قصر بسترس”، فإن جبران، شاء أو أبى، هو اليوم وزير خارجية لبنان. وهو فوق ذلك قائد سلاح الدبلوماسية في مقاومة التآمر الأميركي. فشياطين واشنطن تفرض عقوبات على حزب الله. وتمنع النازحين السوريين من النزوح عن لبنان.

لكن القائد الباسيلي خيّب آمال محور الممانعة، برفعه الرايات البيضاء، في أول حرب مع أميركا تندلع في عقر داره في الأشرفية.

صحيح أنه إستبق وزير خارجية أميركا وقصفه بمواقف بطولية، أسكرت أقرب الحلفاء وأبعدهم، إلا أنه لم يشهر سيفه المقاوم، عندما تفرعن بومبيو، في المؤتمر الصحفي المشترك، وهاجم حزب الله وإيران بأشنع الألفاظ، ووصفهما بأبشع الصفات. مسجلاً بذلك أعنف حملة قدح وذم وهجاء في تاريخ الخروقات الدبلوماسية.

اختتم المؤتمر، وجرت بين المضيف اللبناني والضيف الأميركي مصافحة حارة رافقتها إبتسامة عريضة.

أي مرّ كلام بومبيو المنفعل ببرود لبناني مفتعل. والبرودة امتدت إلى الشارع الذي انفعل يوماً على شربل خليل واتهمه بالإساءة إلى “السيد”.

والمذهل أيضاً أن بومبيو الذي قال كلمته ومشى، لم يخاطبه أحد من شخصيات حزب الله بالقول المأثور: طهر نيعك.

إنها أميركا… يخافون من قراراتها… ويخيفونها بهتافاتهم.

بالأمس سافر بومبيو.

غداً يبدأ الرد وتقرع طبول الغضب وتزدحم الشاشات بالمحللين والإستراتيجيين والكلمنجية… لكن، للأسف، غادرنا بومبيو وأخذ أذنيه معه.

وليد الحسيني

ديمقراطية لبنان… هجرة أم تهجير؟

walidلم تعد أرض لبنان صالحة لزراعة الديمقراطية. فالأرض التي كانت تحرث بمحراث الدستور، أصبحت تحرث بمحراث السلاح والتهديد… وهناك أسباب أخرى كثيرة منها:

  • “دودة المذهبية”، التي تنهش ثمار الديمقراطية قبل أن تنضج.
  • “الأمية”، التي تظهر فجأة على أصحاب النفوذ، فقط عند تهجئة نصوص الدستور. مع أنهم من بلد يزعم أنه الوطن الأول للأبجدية.
  • “الوطنية”، التي كثيراً ما تتنقل بين الداخل والخارج.
  • “الواسطة”، التي تعتمد نظرية “الأقربون أولى بالمشاريع والوظيفة”.
  • “الفساد”، الذي يحلل الحرام… ويحرم القانون.

إذاً، من حق الديمقراطية أن تتعب، وتهاجر من لبنان. تماماً كما يهاجر اللبنانيون منه. فلا خبز لها ولهم في هذا البلد، الذي لم يبق فيه من الحريات سوى حرية المنع بقوة “الممانعة” ورفع “الأصبع”. وكذلك حرية إلقاء التهم جذافاً. تضاف إلى ذلك حرية تقاسم الصفقات… وشفط المال العام.

من حقها أن تهرب بجلدها. فلبنان لم يعد مسقط رأسها العربي، كما كانت تعتقد شعوب الدول العربية أيام زمان.

لم تعد النصوص تحميها من لصوص الدستور والقوانين. فهي أسيرة بدعة “المكونات”. فأي مكون مذهبي يستطيع منفرداً إعتقالها في زنزانة منفردة.

وهي إذا نجت من مصيدة “المكونات” علقت بـ “الديمقراطية التوافقية”، في بلد لا يعرف التوافق ولا يحترم الإتفاقات.

لا شك أن الديمقراطية في لبنان تعيش محنة، لا تعيشها حتى في أعتى الدول ديكتاتورية.

لا يوجد لبناني لا يدعي حبها، إلى درجة العشق الإلهي. ومع ذلك لا أحد يقبل استقبالها في بيته أو حزبه أو مذهبه.

بعد هذا، من العبث البحث والتحري عن الديمقراطية في لبنان. حيث لا ندري إذا ما تم تهجيرها قسراً، أم أنها هاجرت بإرادتها، إلى بلاد لا تعرف قوانين انتخابية، تنتسب زوراً إلى “النسبية”. ولا تعرف هرطقة حكومات الوحدة الوطنية، التي يختلط فيها الماء والنار. فيتم توزير من دب موالياً، ومن هب بسلاحه معارضاً ومعترضاً. ومن نهب فوُهِب، ومن شب على الوصولية… فوصل.

الأكيد أن الديمقراطية خرجت من لبنان.

لقد راحت وأراحت.

الآن برحيلها يستطيع حزب الله فرض “الرضوخ”.

الآن يصبح السنة سادة لبنان، إذ يكفي “ستة” منهم لتحديد مصير البلد… ولتحديد أي كارثة يختارونها له.

الآن يمكن اعتبار “تفاهم مار مخايل” بديلاً عن تفاهم الطائف.

الآن لا شيء يمنع من أن يتحول لبنان إلى رئة إيرانية، تساعد على مرور الهواء إلى طهران، عندما يشتد خناق العقوبات الأميركية.

الآن لا حاكم ولا حكومة… فالجميع محكوم بالخضوع للقوة والقوي… ففي ظل نظام الفوضى فإن الأقوياء هم من يحكمون.

ترى هل تعود الديمقراطية من غربتها؟.

نأمل أن يشملها “قانون باسيل” في إعادة منح الجنسية للمغتربين… فهي أيضاً من أصول لبنانية.

وليد الحسيني

إيه ولاّ إيه ولاّ إيه؟

walidيوم صدرت جريدة النهار بالحبر الأبيض، تذكرت نكتة تقول أن الشرطة ألقت القبض على مواطن يوزع أوراقاً بيضاء. وفي التحقيق إعترف بأنها مناشير ضد الدولة. سخر المحقق منه قائلاً: لكنها بيضاء بلا كتابة. أجابه بمرارة: حاكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

وها نحن، مثل هذا المواطن الحائر، نسأل أنفسنا: نكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

هل نكتب عن الحكومة، التي ما زالت معتقلة في سجن “باستيل الباسيل”؟.

أم عن الإقتصاد الذي يحتضر بانتظار حضور عزارئيل شخصياً؟.

أم عن قرارات “مؤتمر سيدر”، التي انقطعت فيها الطرق إلى لبنان. وتكاد تتبخر أموالها بسبب إرتفاع حرارة الخلافات السياسية وبلوغها درجة الغليان؟.

أم عن الدستور، الذي لا تتناوله الزعامات خوفاً من “مواده الدسمة”، التي تضر بالصحة التسلطية، وتتسبب بارتفاع الضغط؟.

أم عن العهد القوي، الذي يستعمل قوته في البلد، كما استعمل شمشون الجبار قوته في هدم أعمدة الهيكل؟.

أم عن التفاهمات التي ما ينفع اللبنانيين منها ذهب مع رياح المصالح، ولم يبق سوى التفاهم الذي يفرش السجاد “العجمي” إلى قصر بعبدا؟.

أم عن الكهرباء، التي جعلت من كلمة “التقنين” أكثر المفردات اللبنانية تداولاً؟.

أم عن كهرباء وزير الإقتصاد المصرّف للأعمال، والمتصرف بالقانون. فالقانون الذي يعتبر مولدات إشتراكات الكهرباء غير قانونية، اعتبر وزير “دولة المؤسسات” أن إقدام أصحاب المولدات على إزالة مخالفتهم للقانون، هي إزالة تخالف القانون… وتستحق العقوبة؟.

أم نكتب عن المقالع والكسارات، حيث بفضلها تم تمزيق ثوب لبنان الأخضر… وتكشّفت عورته، التي تكاد تشبه بعد قليل عورة الصحراء الكبرى في أفريقيا؟.

أم نكتب عن النفايات التي لا تغيب عن العين ولا تفارق الأنف؟.

أم عن الليطاني، الذي تحول من مصدر رزق للمزارعين، إلى مصدر رزق وفير للمستشفيات والأطباء والصيادلة… ومجالس التعزية؟.

أم نكتب عن الحريات، حيث بدأت مواقع التواصل الإجتماعي تزخر بمحققي مكتب المعلوماتية، الذين يطلبون من المغرد الإنتقال من “FOLLOW”  إلى “FOLLOW ME”؟.

أم عن الفساد والسرقات والعمولات والرشوة، وهي تشكل الطريق الأمثل للوظفية العامة، ولرسو الإلتزامات والمناقصات؟.

أم عن المرتشي الصغير، الذي يقبل بفتات المشاريع. ونعني الوطن، بالكاد يقبض عمولات من هذه الوزارة أو تلك، ليصرفها على ملذاته التافهة في التعليم والصحة والزراعة والصناعة والأشغال والنقل والإتصالات والطاقة؟.

وبما أن لا أحد فوق القانون، فإن الوطن هو المرتشي الوحيد، الذي تثبت عليه جريمة الرشوة. فهو لا يستطيع الهروب من التهمة بإنكار بناء جسر هنا أو حفر نفق هناك. فشهود الإثبات هم الجسور والأنفاق نفسها.

وأخيراً، ولأن مساحة المنشور لا تتسع لإضافات… يبقى في الوقائع، الكثير من الإيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه.

وليد الحسيني

القناعة حكم لا يفنى

walidلا نحن المتنبي، ولا سيف “العهد” هو سيف الدولة. لهذا نعتذر من جبران باسيل، لأننا لن نكيل له المدائح، في رده غير المسبوق، على أكاذيب نتنياهو الصاروخية.

رغم تقصيرنا المعيب، نعترف بأن الجولة الدبلوماسية، التي قام بها سيف “العهد” في ملعب “العهد”، كانت مباراة رائعة. سجل خلالها قلب الهجوم، أي رأس الدبلوماسية اللبنانية، عدة أهداف في مرمى العدو الإسرائيلي. فبفضل ركلاته “الصاروخية”، تأكدت دبلوماسية العالم، من أن الملعب ملعب. والمدرج مدرج. ونتنياهو كذاب.

بمعنى آخر، أكدت الهمروجة، بالدليل العيني القاطع، أن لا صواريخ على المدارج. ولا منصات على أرض الملعب.

أما وقد كان الذي كان من نصر باسيلي، فمن حق اللبنانيين، بعد هذا الإنتصار المبين، الإلتفات قليلاً إلى “القشور” اللبنانية.

بعيداً عن “صواريخ” نتنياهو الوهمية، نجد بين أحضاننا “صواريخ” جبران باسيل الحقيقية، التي آخر قصف لها، أصاب تفاؤل سعد الحريري بمقتل. فما كاد الرئيس المكلف يعلن، أن الحكومة ستشكل خلال عشرة أيام، حتى بادر “رئيس التيار” إلى السير عكس التيار، معلناً أن تفاؤل الحريري وهم… وأن مسيرة التشاؤم مستمرة.

ومع فتح باسيل لمنجم الإحباط اللبناني، لم يتوانَ ملك الدبلوماسية من ممارسة لعبة “البراءة من دم يعقوب”. فالآخر هو المعطل.

أما الذي يريد أن يلتهم “المائدة الحكومية”، ولا يريد أن يشبع، فهو الذي يزعمون أنه يزيل عقبات التأليف.

وفي تفسير، لا سلطان للعقل والمنطق عليه، فإن الطرف الذي قبل بالحد الأدنى من التمثيل الحكومي، فهو الذي يزعمون أنه يضع الحد الأعلى من العقبات في وجه ولادة الحكومة.

يحدث كل هذا، في كل يوم. ولا يملك سعد الحريري سوى أن يدس وجع التأليف في صدره.

إن حرص الحريري، على إخفاء مصدر الطعنات الموجهة لحكومة الوحدة الوطنية، يؤكد حرصه على “التسوية” وعلى إنقاذ “الرئيس القوي” من استهلاك قوته ونفادها، في الصعود إلى قمة المطالب، التي يستحيل بلوغها، من دون فتح أبواب لبنان، لجحيم الإنقسام السياسي، واهتزاز الاستقرار الإجتماعي، وإنتشار الرعب الإقتصادي.

لم يعد مجدياً إختراع معايير التأليف، مع غياب معيار إخراج لبنان من دوائر الخطر.

إن استراتيجية جبران باسيل المعتمدة في تشكيل الحكومة، هي متعمّدة عدم تشكيل الحكومة. وهو إذا لم يتراجع عن سياسته، ويتواضع في مطالبه، يكون قد سلب من رئيسه صفة “القوي”، التي تعتبر النشيد الوطني للتيار الحر.

لقد علّمنا لبنان، ولا نظن أن باسيل لا يعلم، بأن القوة لا تستمر بتأييد أصحاب الأكتاف، التي تعودت نقل البنادق. ولا بتأييد الأفواه التي تعرف جيداً من أين يؤكل لحم الكتف. ولا بتأييد الألسنة الطليقة والمطلّقة للحقيقة والموضوعية.

هذه نعم لا تدوم… وهي في لبنان سريعة الذوبان.

وأخيراً نصيحة للتيار الوطني الحر، من أجل البلد ورئيسه القوي، لا تبالغ وتذوب عشقاً في المناصب والمكاسب… وإذا أردت أن تبقى حاكماً قوياً… فاعلم أن القناعة حكم لا يفنى.

وليد الحسيني

أسرار جبران باسيل

walidيبدو أن دستور الطائف لم يكن ثاقب النظر، عندما إشترط توافق رئيس الجمهورية مع الرئيس المكلف على التشكيلة الحكومية.

لقد إرتأى المشرع أن يقدم هذا الشرط كجائزة ترضية، لرئيس إنضم إلى جمعية “أرامل السلطة”، بعد أن انتزعت منه صلاحيات الحاكم بأمر الله.

كان على المشرع، أن يعرف مسبقاً، أن التوافق بين أهل الحكم، حالة نادرة… تحضر مرة وتغيب مرات.

ها هو لبنان يعاني اليوم من تعثر ولادة حكومته، بانتظار التوافق القسري.

على الصعيد الشخصي، يمكن تأكيد الود العميق بين الرئيسين. أما على الصعيد السياسي، فإن التوافق، لسوء الحظ، مفقود… مفقود… مفقود.

لو أن العلاقات الشخصية هي معيار التأليف الحكومي، لكان للبنان حكومته خلال أيام من التكليف. لكن المعيار الفعلي والفاعل، يكمن في تلك الخلافات السياسية، التي تتباعد بتباعد النأي بالنفس عن التورط بالنفس. فطهران لا تريد أن يفلت لبنان من بين يديها… وقد بدأت المواجهة بينها وبين عقوبات أميركا الإقتصادية. فبيروت، بنظامها المصرفي، ممر لا يعوض للتهرب من بعض نتائج حصار واشطن المالي. وهذا لا يتم إلا بوجود حكومة السمع والطاعة… لكن لا السمع سيكون صاغياً، ولا الطاعة ستكون طاغية، بحكومة، يعرقل فيها، ولو القليل، من وزراء الـ “لا”، سياسات الكثير، من وزراء الـ “نعم”.

وبين تحكم الـ “نعم” وتمرد الـ “لا”، سيبقى التوافق بين الرئاستين معلقاً، مع أنه لازمة يلتزم بها الرئيسان في كل تصريحاتهما، إلا أنه توافق غير ملزم، وبالذات عند اللزوم.

ومع ذلك، فإن الدستور الذي أوقع التأليف في شباك التوافق، هو نفسه الذي يحمل حل الأزمة، إذا ما تم تطبيقه نصاً وروحاً. فهو، كما كتبنا سابقاً، منع رئيس الجمهورية من التصويت في مجلس الوزراء.

وتكراراً نكرر: أن ما نزع من الرئيس بالدستور، لا يمكن أن ينتزعه الرئيس بالعرف.

وتكراراً نكرر أيضاً: أن حرمان الرئيس من التصويت في مجلس الوزراء، من باب أولى، أن يحرمه من الحصول على ثلاثة أصوات لوزراء، يتحركون بإشارة من يده، أو بإيماءة من رأسه، أو بهمسة من فمه.

إذاً، دستورياً لا حصة للرئيس في مجلس الوزراء… ولأنه، أي الرئيس، حامي الدستور، يتوجب عليه رفض تخصيصه بثلاثة وزراء.

وهكذا، عندما يتم إحترام الدستور، يتم تحرير ثلاث حقائب وزارية، وبالتالي، وضعها بتصرف الرئيس المكلف. ومن بينها حقيبة سيادية، وأخرى يلصق بها لقب نائب رئيس، فتتحول بذلك إلى حقيبة ملحقة بالسياديات.

بهذا الفائض من الحقائب الشاغرة، يتبحبح الحريري. وسيجد بسهولة لا ترد، وبسرعة لا تصد، أن حكومته خرجت سالمة من سوق العرض والطلب.

لا شك أن هذا السيناريو سيبقى من نسج الخيال، طالما أن ما ينسج في الواقع، هو وقوع لبنان في فراغ حكومي، لا تملأه سوى حكومة من “المرشدين” تقرباً من “المرشد”… قدس الله سره وأسرار جبران باسيل.

وليد الحسيني

الإفراج المؤقت

walidمن انقلب على تفاهم “أوعى خيك”، من السهل عليه الإنقلاب على تسوية “أوعى إبن عمك”.

وهكذا ينعكس القول الشعبي فيصبح “أنا والغريب على إبن عمي وأنا وإبن عمي على أخي”.

من المؤسف أن يقبل التيار الوطني تعطيل حكومة لبنان. فهو منذ اليوم الأول لتكليف الحريري، وإلى اليوم، لم يقدم تنازلاً واحداً.

يبدو أن الشروط التي أمليت عليه، هي السبب في الشروط التي يمليها على الرئيس الحريري.

العقل والمنطق والحكمة، جميعها يؤكد أن مصلحة التيار، بعد أن أصبح رئيسه رئيساً، أن لا يقامر بلبنان. وأن لا تقوده إرتباطاته الخارجية، إلى فك إرتباطه بحماية بلده من إنهيار إقتصادي، بشرت به “الإيكونومست”. وهي الصحيفة الإقتصادية الأشهر والأدق والأكثر معلوماتية في العالم.

مقابل ذلك، وفي تصريحات متناقضة لحزب الله، لكنها تكمل بعضها، ظهرت دعوات الهدوء والتهدئة، وقذف الخلافات إلى ما بعد تشكيل الحكومة.

إذاً السيناريو المحبوك بدقة، يسعى الآن إلى الهدوء… الذي غالباً ما يسبق العاصفة.

من هنا يبدو أن الإلحاح على الإسراع بتشكيل الحكومة، ليس إلا دعوة للإسراع بهبوب العاصفة التي ستتسبب بعواصف متوالية.

وبتحليل، يستند إلى معلومات، يمكن التأكيد تكراراً أن تكليف الحريري هو المستهدف. وأن العقد المفتعلة، لم تفتعل لإعاقة تشكيل الحكومة، بل افتعلت لتحضير الرأي العام لمفاجآت سياسية دراماتيكية، تكون مبرراً لحجب الثقة بعد البيان الوزاري، أو الإستقالة قبله، إحتجاجاً على تغييب الثلاثية المقدسة والعلاقات المميزة.

تعبئة الرأي العام بلغت قمة ما يستطيع بلوغه التيار العوني وحزب الله، ولهذا يبدو أن الإفراج عن الحكومة المعتقلة قد اقترب وحان.

يقبل التيار بالتضحية مكتفياً بعشرة وزراء. ويرضى، على مضض، بأربع حقائب للقوات، بينها حقيبة أو أكثر “إكس لارج”. وسيبالغ التيار في تقديم تضحيات التسهيل، بموافقته على إعطاء جنبلاط دروزه الثلاثة، ممهلاً، لا مهملاً، طلال أرسلان.

وهكذا يكون التيار قد سجل جمائله بالجملة على الشعب اللبناني والحريري والقوات والإشتراكي، مبرئاً نفسه من التعطيل.

لكن لن يطول تنفس الصعداء. فلبنان سيعود إلى حبس أنفاسه.

البيان الوزاري على الأبواب. وفيه تكمن العقد الشيطانية.

المقاومة، المهددة بالعقوبات الأميركية، ستحمي نفسها بحصانة الثلاثية الذهبية.

وإيران المترنحة إقتصادياً في حلبة الملاكمة مع أميركا، تحتاج جدياً إلى شرايين بديلة، أفضلها لبنان، الذي لا يمكنه أن يكون ذلك بوجود الحريري.

وسوريا تحتاج إلى عودة كاملة للنازحين قبل الإنتخابات الرئاسية، كي لا يتم الإقتراع في بلدان النزوح. وهذا أيضاً لا يمكن أن يتم بسهولة بوجود الحريري.

على ضوء كل هذا، على الحريري، وهو يتلقى التسهيلات “الملائكية” أن يتذكر بأن إبليس هو ملاك أيضاً.

وليد الحسيني