الحل في لبنان يمرّ من عدن

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

كتب المحرر السياسي:

يبدو أن “عين التينة” ما زالت تشكّل مصدات للرياح العاتية التي هبّت بين تيار المستقبل وحزب الله.  فالحوار بين الفريقين ما زال قائماً في قصر رئيس مجلس النواب نبيه بري، رغم التصريحات النارية المتبادلة بين الرئيس سعد الحريري وأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله.

من الملاحظ أنه للمرة الأولى، يقوم بالهجمات رئيسا الفريقين.  فقد تعوّدنا أن تناط هذه المعارك بالصف الثاني.  إذ لم يسبق تولّي الحريري ونصر الله هذه المهمة بنفسيهما.  وهذا يعني أن الجانبين استعملا الطلقة الأخيرة، في طلاق هو الأبغض عند اللبنانيين.

لكن ما هو الدافع الذي رفع لغة التخاطب إلى هذا السقف العالي؟

من الواضح أن عاصفة اليمن قد اجتاحت لبنان، لتضاف إلى عاصفة سوريا، التي ما زالت تهدد البنيان اللبناني بالانهيار سياسياً وأمنياً … وبدرجة أكبر اقتصادياً بفضل النزوح السوري الكبير.

لا شك في أن حزب الله هو من بدأ بتعريض لبنان إلى ترددات الزلزال اليمني وذلك عبر الهجوم العنيف على السعودية خاصة، ودول الخليج عامة، الذي تولاه مباشرة السيد حسن نصر الله من خلال كلمة تلفزيونية أعدّت خصيصاً لهذا الغرض.

كان من الطبيعي أن يرد تيار المستقبل على الحملة غير المسبوقة، ضد دول يعمل فيها أكثر من 80 في المئة من المغتربين اللبنانيين، دون أن نغفل السبب السياسي الذي قسّم لبنان بين محورين، المحور الإيراني والمحور السعودي.

وباشتعال هذه الحرب التي يأمل اللبنانيون أن تبقى محصورة في إطاريها الإعلامي والخطابي، بات من الصعب أن ينأى لبنان بنفسه عن عاصفة اليمن، تماماً كما فشل في أن ينأى بنفسه عن عاصفة سوريا.

إذاً، نحن الآن نتنشق دخاناً يمنياً وسورياً، ونعرف جيداً أن “لا دخان بلا نار”.  وهنا يبرز السؤال المفجع عما إذا كانت النار ستنتقل، في لحظة ما، من الشاشات التلفزيونية والكلمات الملتهبة إلى الشارع الذي يغلي، رغم المياه الباردة التي يحاول حوار عين التينة إلقاءها على الجمر المذهبي، الذي يغطي الأرض اللبنانية.

من الواضح أن التهدئة بين الفريقين مستحيلة، إلا إذا سبقتها تهدئة دولية تنحسر معها “عاصفة الحزم”، وتدخل معها إيران نادي حسن الجوار.  وهي تهدئة تبدو بعيدة جداً، حتى ولو نجح الرئيس الأميركي باراك أوباما في إقفال الملف النووي الإيراني وثم رفع العقوبات، ومن ثم الإفراج عن 150 مليار دولار، هي مجموع الودائع الإيرانية المجمدة في دول الغرب.

لقد كرّر التاريخ نفسه مراراً مع العرب.  فالجراح العربية التي تُفتح من النادر أن يُسمح لها بالإلتئام.  إنها جراح مفتوحة نعتادها ونتعايش معها.

هذا ما تعلّمناه من النموذج الفلسطيني، وهذا ما تعلّمناه من إزالة آثار حرب 1967، التي ما زالت كاملة في الجولان المحتل وناقصة بإذلال في كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.

وهذا ما تعلّمناه في حرب لبنان الأهلية عام 1975، التي اختفت متاريسها وحافظت على وجودها، وإن تبدّلت اطرافها واختلفت أهدافها وأساليبها.

ولا يبدو كذلك أن جرح فبراير الليبي قابل للشفاء، حيث أن كل الدلائل تشير إلى استمرار القتل والتدمير والتهجير.  والجراح ايضاً مفتوحة في سوريا والعراق، والإرهاب ما زال ينمو في قلب مصر وعلى حدودها الليبية والفلسطينية.

في كل هذه الجراح يفتقد العرب، حتى الضمادات التي توقف نزيف الدم المتدفق بعبثية، وبعبث إسرائيلي وأميركي غير محدود، إلى درجة يمكن القول، دون أي مبالغة، أن إسرائيل لو استعملت كل قنابلها النووية لما استطاعت أن تدمّر وتقتل بحجم وكم ما فعله “الربيع النووي” في الوطن العربي.

نعود إلى لبنان الذي يدّعي النجاح في تحييد نفسه عن هذا المشهد الكارثي، الذي وصل حتى إلى دول الخليج عبر اضطرارها لخوض حرب “عاصفة الحزم”.

لقد حشر لبنان انفه على أراض في حربي سوريا واليمن، ولهذا انتشرت في سمائه السياسية والأمنية سحابات دخان هاتين الحربين، في انتظار أن تصل إلى أرضه نيرانهما، طال الانتظار أو قصر.

وإذا كانت الأحداث السورية تتصف ببطء انتقالها إلى لبنان، رغم التداخل الجغرافي والسكاني والسياسي والاقتصادي، فإن أحداث اليمن قد تكون هي الأسرع في الوصول إلينا.  ويعود ذلك إلى أن موادها اللبنانية أسرع انتشاراً واشتعالاً، لأن حرب اليمن تمسّ مباشرة لبنان السعودي ولبنان الإيراني.  وكذلك لأنها هي الحرب الأخطر في المنطقة.  فمن نتائجها إنتاج منطقة شرق اوسطية جديدة.  حيث ستغيب الشمس المهزومة وستشرق الشمس المنتصرة.  أي أنها حرب ستحسم نفوذ أحد المحورين، محور دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، أو محور دول الممانعة إيران وسوريا والعراق ونصف لبنان.

من هنا يبدو حوار عين التينة مجرد حوار يائس.  إشكاليته الكبرى أنه لا يستطيع الانتقال من الشكل إلى المضمون.  حيث أن مضمون الخلاف اللبناني – اللبناني ليس لبنانياً … فهو في الواقع خلاف بين كبيرين في المنطقة السعودية وإيران … وبذلك لا نبالغ إذا قلنا أن الحل في لبنان يمرّ من عدن، وأن الطريق إليه هو الطريق إلى صنعاء، وإن طال السفر.

Advertisements

إزالة الشعارات لا المشاعر: تغيير «قواعد الاشتباك» في شبعا لا يغير «قواعد الحوار» في عين التينة

تغيير "قواعد الاشتباك" بعد عملية شبعا

تغيير “قواعد الاشتباك” بعد عملية شبعا

Hassan Nasrallahكتب المحرر السياسي:

منذ أن قام مجلس الأمن وحق الفيتو محصور في خمس دول هي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وانكلترا والصين.

هذه الدول فقط أعطيت فرادى حق تعطيل الحلول وتعقيد الأمور في العالم. إلا أننا نخضع في لبنان لـ24 فيتو. فأي وزير في حكومة تمام سلام يعادل دولة من الدول العظمى الخمس.

ومنذ تأسيس الأمم المتحدة في العام 1945، أي منذ 70 سنة الى اليوم، استخدم الاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا لاحقاً، حق الفيتو 123 مرة. والولايات المتحدة 76 مرة. وبريطانيا 32 مرة. وفرنسا 18 مرة. وأخيراً الصين 8 مرات.

كل مشاكل العالم وأزمات دوله الـ193، وخلال 70 سنة، تعرضت لـ257 فيتو، في حين أن دولة بحجم لبنان، وفي أقل من سنة، استخدم فيها وخلالها الفيتو عدة مئات من المرات. ومجلس الوزراء شاهد على حضور الفيتو الدائم في كل جلسة يضم جدول أعمالها بنداً لا يتفق مع هوى ومصالح هذا الوزير أو ذاك.

قرارات ومراسيم ومشاريع قوانين بالجملة سقطت بضربات الفيتو القاضية. فتعطلت مصالح البلاد والعباد. وعاش الوطن مرحلة القرارات الحكومية التي لا تعالج أزمة ولا تحل مشكلة ولا تشكل انجازاً.

إن أصحاب معالي الـ«لا» يساهمون في كل جلسة حكومية بشل عمل الحكومة. وهذا ما جعل الرئيس تمام سلام يفكر في وسيلة لإلغاء فيتو الوزير كي يعود لمجلس الوزراء سلطته وقدرته على معالجات الأزمات الحادة التي تتطور من أزمات بسيطة الى أزمات معقدة.

إلا أن الأمر ليس سهلاً، والرئيس سلام يعرف ذلك جيداً. فحق الفيتو الذي تتمتع به القوى السياسية الممثلة في الحكومة، وبالتالي، قدرتها على التحكم بمسارات الحكم، يجعل محاولة إلغاء مثل هذا الحق محاولة مستحيلة.

هذا في الوضع الحكومي البائس. أما في الوضع السياسي، فما زالت الحوارات مستمرة تحاشياً لإعلان فشلها وما قد ينتج عنه من تداعيات سلبية سلبت اللبنانيين احساسهم بالأمن والأمان.

في ما يتعلق بحوار المستقبل ـ حزب الله، فالجلسات الحوارية تعقد لرفع العتب والغضب الشعبي فيما لو انسحب أحد الفريقين منها.

ودلالة على عجز المتحاورين عن البحث في الأزمات الحقيقية بينهم، تم التوافق على إزالة الصور والشعارات… وبقيت المشاعر المذهبية تتآكل في الصدور من دون أن تجد ما ينقذها على أرض الواقع.

ورغم ذلك فإن الحوار مستمر. إذ تجاوز تيار المستقبل لكلمة السيد حسن نصر الله بعد عملية شبعا عندما أعلن سقوط قواعد الاشتباك مع العدو الصهيوني، وما في ذلك من إسقاط للقرار 1701، الذي كان يعتبر حامياً للاستقرار في لبنان. وكذلك ما رافق كلمة السيد حسن نصر الله من الإطلاق الكثيف للرصاص والقذائف الصاروخية، مما جعل سكان بيروت يعيشون حالة من الهلع والرعب. وفي مقابل ذلك تجاوز حزب الله هجوم تيار المستقبل على كلمة أمينه العام بالقول أنه خطاب «متفرد ومتسرع يلغي إرادة الشعب اللبناني ومؤسساته الدستورية الملتزمة بالقرار رقم 1701». وكذلك تحريك النيابة العامة، بطلب من وزير العدل المستقبلي أشرف ريفي، لملاحقة مطلقي النار.

إذاً الحوار مستمر حفاظاً على الشكل، وربما السمعة، لكن الأمور على الأرض تتجه الى مزيد من التعقيد والعقد.

وبعيداً عن الحوار، فإن المحللين يرون في قواعد الاشتباك الجديدة التي وضعها السيد نصر الله، أن السيد ألزم نفسه، ومن ثم، لبنان برد ناري شامل على إسرائيل يتجاوز الخطوط الزرقاء والحمراء.

ويرى المحللون أن مجرد تعرض مقاتل، أي مقاتل، من حزب الله للاغتيال  في أن ذلك يعني إشعال حرب على إسرائيل تمتد من غزة الى إيران. وطبعاً مروراً في لبنان كساحة مركزية لهذه الحرب.

ويبقى بذلك مستقبل المنطقة محصوراً بين خضوع إسرائيل لتهديدات السيد نصر الله، وبالتالي، الامتناع عن القيام بأي عمل ضد حزب الله، وبين التزام السيد نصر الله بما هدد وتوعد بالرد في أي مكان وكيفما كان.