ما بعد الجرود

samer husseini

سامر الحسيني

لا داعي لكل هذه الرومانسية الوطنية في حب الجيش والاحتفال بتحريره نصف الجرود، بعدما أوكل لـ”حزب الله” مهمة تحرير نصفها الآخر.

فالزواج القسري بين الجيش والمقاومة “غير المنسّق”، كما يعلن الناطقون العسكريون، يخضع اليوم لاختبارات اقليمية ومتغيرات دولية قد تفكك الروابط وتنسف التفاهمات بينهما.

إن معركة الجرود هي جزء من حرب أوسع على الارهاب، تتداخل فيها غرف العمليات الأميركية والروسية والإيرانية والعراقية والسعودية والتركية والأردنية وأخيرا اللبنانية.

كما ندرك أن التفاهمات الروسية – الأميركية حول مناطق خفض التوتر في سوريا وتوحيد الجهود في محاربة الارهاب في العراق، عبرت الحدود اللبنانية عبر الدعم المباشر للجيش في رأس بعلبك والقاع، وغير المباشر لـ”حزب الله” في جرود عرسال.

إذاً، توقيت تحرير الجرود المشتركة بين لبنان وسوريا لم تضبطه عقارب الحكومة اللبنانية ولا قيادة الجيش، وإنما حدّدته أجندات خارجية لم تعد ترى في “داعش” و”النصرة” إفادة في مشروعها الشرق أوسطي الجديد.

من الطبيعي أن يكون لبنان مستفيدا من هذه اللحظة الاقليمية – الدولية التوافقية.  لكن ماذا بعد تحرير الجرود؟

أي معادلة ستحكم لبنان، بعد تحقيق الجيش والشعب والمقاومة الانتصار؟

لا يكفي أن يرفض البعض الاعتراف بدم شهداء “حزب الله” لاسقاط المقاومة من المعادلة.  فمناطق النفوذ الروسي – وإن شكّلت تنافساً مزعجاً للنفوذ الإيراني الذي لا تزال تحكمه قواعد التنسيق – تتمدد اليوم في سوريا والعراق وتقترب من لبنان.

و”حزب الله” ينظر إلى ما بعد معركة الجرود بعين الحذر، وهو يعلم أن القواعد الجوية والبحرية الروسية التي تمسك بمفاتيح مستقبل سوريا، لم تأت من أجل حماية حكم “البعث”، وإنما جاءت في إطار تقاسم خرائط المنطقة بعد الفراغ الذي أحدثته سياسة الانكفاء الأميركي في عهد الرئيس باراك أوباما.

فأين يقع لبنان في الخريطة الجديدة؟

وأي دور لـ”حزب الله” سيحدده أصحاب النفوذ الجدد؟

إن كان لبنان من حصة روسيا، فهل يخضع سلاح “حزب الله” للتفاهمات بين موسكو وواشنطن؟  وإن كان لبنان من حصة أميركا، فمن يتولى مهمة نزع السلاح؟

سامر الحسيني

 

Advertisements

إرهاب أشد من الإرهاب

walid

كعادتنا، نبالغ في كل شيء.

ومن مبالغاتنا، إدعاء الأمان، الذي سينعم به لبنان، بعد تحرير جرود عرسال من إرهابيي «النصرة»، وسنبلغ قمة المبالغة، بعد إتمام تحرير جرود القاع ورأس بعلبك من «الدواعش» وعصرهم الهمجي.

هل هذا فعلاً ما كان يهدد أمن لبنان واللبنانيين؟.

منذ سنوات قليلة، لم نشهد عملية انتحارية تسفك دماءنا. ولم تنفجر سيارة مفخخة تذهب بأرواح الأبرياء. ولم تزرع عبوة في طريق تزرع الرعب فينا.

بالتأكيد كان سبب ذلك عيون الأمن المتيقظة والكاشفة للخلايا الإرهابية النائمة.

باختصار، كان هناك أمان، يشوبه غياب الاطمئنان.

أما وقد بدأ الخلاص من مصادر الخوف على يد «حزب الله»، ويكاد يكتمل على يد «الجيش اللبناني»، فإن الواقع يفرض علينا عدم الاطمئنان، الى هذه الانتصارات المحدودة، لأن الأمان في هذا البلد مهدد بأخطار أشد إرهاباً من الإرهاب.

فما زلنا على انقساماتنا. وما زلنا نغذّيها بالحقن المذهبية والاحتقان العنصري.

وما زال اقتصادنا يتآكل بالنمو المخيف للدين العام.

وما زال اللبنانيون يتساقطون بالجملة تحت خط الفقر.

وما زال التلوث يفتك بالهواء والبحر والسهل والجبل.

وما زال الموت هو الدواء الوحيد المتوافر للفقراء.

وما زال «الاصلاح» يتحرك على طريق المصالح.

وما زال «التغيير» يعني تغيير مالك الى مالي.

وما زال «السلاح» يفرض رأيه على حرية الرأي.

وما زال اللبنانيون منقسمين بين عرب وعجم.

لا شك في أن هذه الأمراض المستوطنة فينا هي أكثر خطراً من إرهاب «داعش» و«النصرة».

ولا شك في أننا نعيش في بلد غير آمن. وأننا نقيم على أرض مهددة بالبراكين والزلازل والحروب الأهلية.

إذاً، المطلوب قبل وبعد تطهير حدود لبنان، تظهير أفكارنا ونفوسنا وقلوبنا، من النوايا السيئة والكمائن الغادرة.

تطهير؟!… إنه «التطهير المستحيل».

وليد الحسيني

«الثورات» تأكل دولها

walidما يراه العرب في يقظتهم، هو أسوأ من أسوأ الكوابيس.

في العراق، أي بلاد ما بين النهرين، تفجّر نهر ثالث من الدماء، هو أغزر من دجلة وأطول من الفرات.

في ليبيا، توقف حفر آبار النفط، وعمّ فيها حفر القبور. وتوقف استيراد العمال الأجانب للبناء، وحل مكانه تصدير الليبيين الى المنافي للإذلال.

في اليمن، ومنذ أن دمرت «الجرذان» سد مأرب، قبل أكثر من 2500 سنة، لم يبنَ سد الى أن قامت «الجرذان البشرية» ببناء عشرات السدود المنيعة، التي تمنع اليمنيين من الاتفاق، وتسد عليهم أبواب الحياة، وتقطع عن شعب «القات»… القوت.

كان سد مأرب يحصر المياه لحصاد الغلال، لكن سدود اليوم تحصر اليمنيين لحصاد أرواحهم وأرزاقهم.

في تونس، البلد الذي يعيش على السياحة، يموت اليوم، شيئاً فشيئاً، بموت السياحة. بعد أن ساحت في أرجائه خلايا إرهابية بلغت سمعة وحشيتها أسماع العالم.

في مصر، الإغتيالات تتنقل بين رجال الأمن، والمتفجرات تتنقل بين المقرات الأمنية، وسيناء، رغم نجاحات الجيش المصري، ما زالت تنبعث منها رائحة الموت، وما زالت تبعث بجثث شهداء الجيش وقوى الأمن الى مدن ونجوع مصر. مما يعني أن مصر لم تتعافَ تماماً من وباء الربيع العربي، وأن استقرارها ما زال هشاً.

في سوريا، لم تعد «الغوطة» متنفساً لأهالي دمشق، بعد أن تحولت الى «منتزه» لمعارك دموية تكتم أنفاس أهل دمشق وريفها. ولم يعد «سهل الغاب» مصدراً للرزق، فهو اليوم غاب متوحش يحرق الأرزاق ويقطع الأعناق. ولم تعد حلب عاصمة سوريا التجارية، إذ عمّت فيها، وعمتها، تجارة الموت والدمار. ولم تعد الجزيرة صومعة الغذاء التي تطعم سوريا قمحاً، إذ تحولت حقولها نفسها الى طعام لنيران المعارك.

وبهذا الواقع الأسود نرى كيف تأكل «ثورات» الربيع العربي دولها وشعوبها بشراهة لم يعرفها التاريخ من قبل. وبما أن هذا الواقع الأسود بلا نهاية وهو مستمر في الانزلاق الى مزيد من الانقسام والحقد والدموية، فلا شيء يحول دون انتقاله الى دول عربية أخرى، نخشى أن يكون لبنان أولها. لأنه الأكثر تورطاً والأقل مناعة. وتأتي هذه الخشية وسط استهتار سياسي، وعصبية مذهبية، وفراغ مؤسساتي يهدد بالتسلل الى الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات العسكرية، إذا ما قرر العماد عون تنفيذ وعيده بمقاطعة مبنى ساحة النجمة والسرايا الكبير.

وإذا لم يعِ العرب، فإن مسلسل «الربيع الدامي» سيعم في الدول العربية، وسنكون، كما قال شوقي، «كلنا في الهم شرق».

وليد الحسيني

 

دعوة إلى الحقيقة: من ليبيا… يأتي الإرهاب

walidفي سبعينيات القرن الماضي اتهمهم القذافي بالزندقة، وأطلق عليهم إسم الزنادقة. وقاتلهم وقتل منهم الكثير.

يومها قامت الدنيا على قائد ثورة الفاتح. ووصفوه بالمستبد والديكتاتور.

زنادقة ذلك الزمن هم الآباء الشرعيون لتنظيم داعش وأخواته. وبسقوط القذافي بغزوة غربية قادها الناتو، فتحت مخازن ترسانة كبيرة من الأسلحة المتنوعة والحديثة، الخفيف منها والمتوسط والثقيل والمدرع والصاروخي. وشيئاً فشيئاً تسللت الإمكانات النارية لهذه التنظيمات الإرهابية. وشيئاً فشيئاً تواجدت بقوة في ساحات، وبسطت سلطتها المطلقة على ساحات شاسعة واستراتيجية. وشيئاً فشيئاً عمّ خطرها ونشاطها في مصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن. وشيئاً فشيئاً بدأ الهلع منها يتسرب الى دول أوروبا خصوصاً والغرب عموماً.

المشهد يتسع جغرافياً وتشتد أخطاره. فدول المنطقة التي لم يستقر فيها تنظيم داعش أو ما شابهه، هي معرضة لعملياته الإرهابية.

الدول والحكام والأحزاب الذين فرحوا بسقوط القذافي، يترتب عليهم الندم على مشاركتهم بمؤامرة فبراير الليبي. لكنه ندم في تطورات لا ينفع معها الندم.

إن نهر السلاح العظيم ينبع من ليبيا، وفروعه الأولى تصب في كل الساحات العربية المشتعلة الآن.

لولا السلاح الليبي المتدفق على هذه التنظيمات الإرهابية، لما توفرت لها القوة، التي مكنتها من الاستيلاء على مزيد من السلاح العراقي والسوري واليمني.

لقد فات أوان الحساب والمحاسبة عن الجريمة الأولى، التي ارتكبت في ليبيا. فمسلسل الجرائم السائدة والقادمة تستدعي حسابات غير ما درجت عليها دول العالم.

إن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لن ينقذنا من سكاكينه الجازة للأعناق، ولا من نيرانه الحارقة للأجساد الحية. ولا نعتقد أن مليارات أوباما، التي خصصها لـ«إضعاف» داعش، قادرة على منع تمدده وممارسته لأبشع أشكال الوحشية، والأكثر وحشية من كل ما عرفته الهمجية عبر التاريخ.

ولا نعتقد أن تهديدات الأردن بـ«الرد المزلزل» و«الثأر»، واقتلاع تنظيم داعش من جذوره، هي تهديدات قابلة للتصديق وقادرة على ردع «الداعشية»… وفي السياق نفسه تندرج فتوى الأزهر عن الصلب وقطع الأطراف.

إننا في مواجهة معضلة لم يعرفها التاريخ. وهي بالتأكيد تحتاج الى مؤتمر دولي يرفع الحجاب الثقيل الذي تتخفى به الدول الراعية والداعمة لمثل هذه التنظيمات المتوحشة، التي تضم جيوشاً من الأشباح المتحركة في الشرق الأوسط، والنائمة الى حين في دول العالم.

وليد الحسيني

حديث الشارع: أمة «الهبل»

isis worldنحن الشعوب العربية، مع أننا لسنا بكامل قوانا العقلية، نقر ونعترف بأننا نشكل أمة من «الهبل» (جمع أهبل). وبأننا شعوب مسيّرة من أعالي القوم إلى أسفل السفلاء.

مسيَّرون منذ أن أطلقت في العام 2005 كوندوليزا رايس وزيرة خارجية أميركا نظرية «الفوضى الخلاقة» في الشرق الأوسط.

والفوضى الخلاقة ظهرت، أول ما ظهرت، في أدبيات الماسونية القديمة.

ومنذ أن بشرتنا رايس بهذه النظرية المسمومة، ونحن العرب نخضع لوصفتها الخلاقة هذه، ونتجرّع سمومها بلا تفكير وبلا تقدير.

وهكذا أتانا «الربيع العربي» ضاحكاً منا وعلينا. وأحببناه بجنون عصف بكل عقل وقضى على كل عاقل.

ولأننا مسيّرون بما تشتهي أميركا، ها نحن نتحول إلى وحوش متوحشة ومتجحشة.

نقتل ونتقاتل.

نُدَمَّر ونُدَمِّر.

نذبح ونكبّر… وكأن التكبير يكفي ليتساوى بـ«الذبح الحلال» الخراف والإنسان.

في زماننا هذا أصبح الجهل «نورن» ينبعث من جلباب أبو بكر البغدادي الأسود… أو من ثنايا لحيته السوداء.

وفي زماننا هذا أصبح الإسلام كفراً وأصبح تفسير كلام الله كتفسير المنجمين للأحلام.

إنه زمن «الخلافة» من أجل الإختلاف.

ومن حق هبلنا علينا أن نرفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام… والعروبة والإسلام».

«شوارعي»

السيناريو الأسود: مخيمات للنازحين اللبنانيين… متى وأين؟

جندي لبناني في عرسال

جندي لبناني في عرسال

كتب المحرر السياسي

توحي تشكيلتها، التي جمعت مختلف الفرقاء، أنها حكومة “إئتلافية”.  وتؤكد نتائج إجتماعاتها أنها حكومة “إختلافية”.  فباستثناء الإتفاق على استمرارها، تعجز حكومة تمام سلام عن اتخاذ أي قرارات يمكن أن توصف بالمهمة.

ليست هذه هي المشكلة، لأن اللبنانيين تعودوا على تأجيل البت في القضايا الكبيرة، كما تعودوا على المماطلة في اتخاذ القرارات التي تستدعي الاستعجال.

المشكلة لا تكمن في هذا “التجمع” الوزاري المختلف والمتخلّف عن اتخاذ الاجراءات لمواجهة الانفلات الأمني والكهربائي والمائي والاجتماعي، بل في غياب خطة لمواجهة أحداث يتوقّف عليها مصير البلاد وصيغة حكمها، وصولاً ربما إلى وحدة أرضها.

ومما يزيد الظروف تعقيداً، استمرار الفراغ الرئاسي، وتفرّد كل وزير بصلاحيات رئيس الجمهورية، حيث أن وزيراً واحداً من الـ24 يستطيع أن يعطّل استحقاقاً، ويبطل مرسوماً، ويشلّ مصلحة أو مؤسسة.

الخلاصة أن لبنان يعيش أحداثا لا يملك سلطة تنفيذية حقيقية لمعالجتها.  والأدهى أنه ينتظر أحداثاً أكبر وأكثر خطورة، فكيف يتجنبها إذا كانت حكومته منقسمة بين متورّط مباشرة مع طرف في هذه الأحداث، وبين متعاطف مع الطرف الآخر؟

والأشد إثارة للمخاوف أن لا المتورّط ولا المتعاطف في وارد التراجع عن موقفه، رغم أن الكارثة السورية بدأت بالتمدد إلى لبنان القريب منها، ومن دون أن نعد لها العدة، فيما نجد الدول البعيدة قد تجمّعت ووضعت استراتيجيتها العسكرية لمنع آثار ما يحدث في سوريا والعراق من الوصول إليها.

لا بد في البدء من ملاحظة التطور السريع للأزمة السورية.  فما بدأ في مدينة درعا القريبة من الجولان المحتل، والأقرب إلى الأردن، الذي تعصف بعلاقاته مع سوريا رياح من التوتر المخفي أحياناً والمعلن في أكثر الأحيان، تسارَعَ لينتشر كحرائق الغابات في كل سوريا، باستثناء العاصمة دمشق وبعض الساحل.

وتَسارَعَ الحدث إقليمياً، فدخل إلى جانب النظام مباشرة “حزب الله”، وبشكل غير مباشر العراق وإيران.  ودخلت إلى جانب المعارضة المسلحة دول كتركيا وقطر.  ثم ما لبثت الأحداث السورية أن استولدت تنظيمات إسلامية متطرفة، نقلت الصراع إلى العراق، لتصبح بلاد الرافدين جزءاً وثيق الصلة بالحالة السورية.  وهذا التمدد أدى إلى دخول كردستان العراق حلبة الصراع.  وكاد لبنان يسبقها عبر معركة عرسال المفتوحة.

وتسارع الحدث دولياً، فاستنفرت الولايات المتحدة حلفاءها، عندما أدركت أن مصالحها العالمية أصبحت تحت رحمة “داعش” والتنظيمات الإرهابية الأخرى.  وهكذا تشكّل التحالف الأربعيني، الذي بدأت طائراته عملياتها العسكرية في كل من سوريا والعراق.  وهو تحالف لن يستطيع تجنّب القتال البري طويلاً.

إنها إذاً شبه حرب عالمية على حدود لبنان الهشة.  وهذا يدفعنا إلى التساؤل:  كيف تتورّط أوستراليا وكندا في الحرب السورية – العراقية، وهما في أقصى العالم، وكيف يمكن للبنان أن ينجو إذا كانت أقدام التطرف قد توغّلت في أراضيه، ويد النظام السوري المتشابكة مع أيادي إيران و”حزب الله” موجودة بشكل طبيعي داخل النسيج اللبناني وفي مؤسساته الرسمية كافة؟

لبنان سينجرّ إلى شبه الحرب العالمية هذه، شاء من شاء وأبى من أبى.  فهذه حرب أُعدت لتكون طويلة باعتراف من خطط لها وأعلنها.  وهذا يعني أنها إذا تأخرت اليوم فساعتها آتية لا ريب فيها، خصوصاً وأن ثمة من يستدعيها ويستعجلها.

يبقى السؤال الذي يقلق اللبنانيين:  هل ثمة أمل في تجنب الكارثة؟

من يستمع إلى تصريحات المسؤولين، يستطيع أن يطمئن إلى نجاة لبنان.  لكن من يرى الواقع، يدرك أن التورّط اللبناني بدأ منذ فترة طويلة، وأن براميل البارود المنتشرة في البقاع والشمال على أهبة الانفجار.

إن غياب فرص الحل السياسي لأحداث المنطقة، أدى إلى تصاعد العمليات العسكرية.  وإذا كانت هذه العمليات قد ألغت الحدود بين دولتين كبيرتين في المنطقة، أي سوريا والعراق، وذلك عبر إعلان “داعش” لـ”دولة الإسلام” من الموصل إلى الرقة، فإن الحدود اللبنانية لن تكون مصانة.  وهي قد تعرّضت، وستتعرّض إلى مزيد من محاولات التنظيمات الإرهابية المتطرفة لجعلها مكمّلة لساحة “جهادها” الذي تدّعيه.  وما يحصل على الحدود لن يبقى بعيداً عن باقي المناطق اللبنانية.

إذاً، ماذا ينتظر زعماء الطوائف والأحزاب والكتل النيابية للاتفاق على خطة تحمي لبنان من الوقوع في المحنة السورية؟

لا بد من اتفاق لبناني يتجرّع فيه كل الفرقاء سم التنازلات، قبل أن يفرض عليهم تجرّع سم الفتنة الكبرى … وعندئذ لن نبحث عن إقامة مخيمات للنازحين السوريين، لأننا سنكون مشغولين في البحث عن مخيمات للنازحين اللبنانيين.  ولكن متى وأين؟

الجواب عند القيادات المستهترة بالواقع المحلي والإقليمي والدولي.

دعوة إلى الحقيقة: كذبت أميركا حتى لو صدقت

walidحرث «الربيع العربي» الأرض. قلب تربتها رأساً على عقب. نثر فيها بذور «الحرية والديمقراطية». ألقى فوقها سماد «العدالة والكرامة». سقاها بدم أغزر من شلالات نياغارا.

وعندما حان موسم الحصاد رأينا المناجل «الثورية» تحصد الرؤوس اليانعة. وشاهدنا «بيادر» الجثث المتراكمة. وفاحت في حدائقنا رائحة احقاد لا تتآكل، لكنها تأكل كل شيء. وقرأنا الفاتحة في الحقول والمزارع التي تحولت إلى مقابر.

ماذا فعلت أيها «الربيع» في الأمة العربية؟.

هل غدرت بها… أم غدرت بك؟.

تحاكمك… أم تحاكمها؟.

هل حقاً حرثت الأرض… أم نبشت عصور التتار والهمجية؟.

هل ما نثرت كانت بذور الحرية… أم بذور الشر المستطير؟.

وهل ما نشرته فوق الأرض العربية، كان سماداً يضاعف غلال العدالة والكرامة… أم سماً قاتلاً لهما؟.

لقد وعدت… وكنت الأكثر عداوة لوعودك.

أسقطت «ديكتاتوريات» وطنية ومتحضرة… وأقمت على أنقاضها ديكتاتوريات متخلفة وجاهلة وباغية ومتوحشة.

وعدت بالحرية… وأخذت كامل حريتك بالقمع والذبح.

قبلك كان المعارض يذهب الى السجن… وفي زمانك يتشرد في المنافي… أو يذهب إلى القبر.

ومع ذلك ننتظر الأسوأ، فجرائم «الربيع» متمادية… فهو يتطلع إلى كوارث لم يحققها بعد… وإلى دول لم يصلها بعد.

وسط متابعة هذا الغضب النازل كالصواعق على الأمة العربية، لا نجد خطة حقيقية لمواجهته، ولا حتى للحد من انتشاره. فصحوة الضمير الأميركي على محاربة «داعش» وبعض «النصرة»، هي بالواقع صحوة انتقائية من المبكر معرفة أهدافها الغامضة… وربما المخفية.

لقد بشرنا أوباما بأنها حرب طويلة الأمد، وقد تتجاوز الثلاث سنوات.

بمعنى آخر أنها حرب غير جادة وغير مجدية. فثلاث سنوات داعشية تكفي لإزالة أي موروث حضاري. كما تكفي لمد الهمجية إلى حيث لا تنفع في ردها غارات الحلف الأربعيني.

ولا يمكن لعاقل أن يصدّق ما زعمه البنتاغون عن استراتيجية ضد الإرهاب. فالإرهاب مهما تفرّع وتجزأ، يبقى واحداً. لهذا يمكن القول إن الصمت عن الإرهاب في ليبيا أو شمال سيناء أو حوثية اليمن، هو نوع من الغباء… لكنه الغباء الأميركي المتعمد. فعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة حريصة على إبقاء التطرف الإسلامي حياً وفاعلاً، أكثر من حرص أيمن الظواهري خليفة القاعدة، وأبو بكر البغدادي خليفة داعش.

لو صدقت أميركا، لما شكلت البيئة الدبلوماسية الحاضنة لـ«الربيع العربي»… ولما غضت النظر عما يفعله الإخوان المسلمون من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه.

لقد كذبت في إعلان حربها ضد الإرهاب… حتى لو صدقت في شن غاراتها الحنونة على دواعش سوريا والعراق من دون أن تطاول التنظيمات الإرهابية الأخرى… وكأن ثمة إرهاب بسمنة وثمة إرهاب بزيت.

لهذا نقول، متيقنين جازمين، أن في ما خفي في حرب أميركا ضد الإرهاب ما هو أعظم… وستأتيك الأيام أيها العربي بما كنت جاهلاً… وبذلك نستطيع أن نبشر الإرهابيين بالسلامة… وأن يستبشر العرب بالخراب.

وليد الحسيني