الجنّة تحت أقدام الإرهاب

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

في هذا الزمن العربي الموتور والمجنون، أصبح أحب “الحلال” هو الحرام.  فمشايخ البِدَعْ الإسلامية حلّلوا للمسلم على المسلم دمه وعرضه وماله.

هكذا أصبح مفتاح الجنّة أن يقتل، أو يذبح، مسلم مسلماً.  أو أن يهتك عرضه، أو ينهب ماله.

ونجح مشايخ البدع في إقناع “ثوار الربيع العربي” أن الجنّة حكر على المجرمين.  وأنهم كلّما ازدادوا إجراماً، كلّما ازدادت قصورهم في الآخرة.  وأنهم كلّما أمعنوا في هتك أعراض المسلمين، كلّما ازدادت الحوريات في قصورهم التي شيدها الله لهم في الجنّة.

عندما قال الله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، كان يقصد أيام الرسول الكريم.  وربما كانت هذه الآية هي الاستثناء الوحيد من القاعدة الفقهية التي تقول أن كلام الله يصلح لكل زمان ومكان.  إذ كيف نكون خير أمة في زمن يسفك فيه المسلم دماء المسلمين؟  وكيف نكون خير أمة في مكان كسوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان ومصر … ورؤوس المسلمين برسم الذبح، ونساؤهم برسم السبي، وأموالهم برسم السرقة؟

كان لا بد من هذه المقدمة، وقد بدأت تلسعنا في لبنان نيران الإرهاب المشتعلة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.

صحيح أننا لا نستطيع أن نؤكد بأن حريق الإرهاب وصل فعلاً إلى لبنان.  والصحيح أيضاً أننا لا نستطيع أن ننفي علاماته التي بدأت تجتاحنا شمالاً وغرباً، والتي وصلت غيوم دخانها الأسود إلى الساحل والجبل.

ماذا نفعل، ونحن ما بين انتظار الخطر وما بين وقوعه؟

لا شيء.

نتلهى بهيبة الدولة … والدولة بكاملها في مهب البهدلة.

نتلهى بالتمديد للمجلس النيابي … ولا نفعل شيئاً للحد من تمدّد “داعش” و”النصرة”.

نتلهى بتبادل اتهامات الفراغ الرئاسي … ونترك البلاد في فراغ بدأ يملأه الإرهاب والتطرف.

نتلهى بنبذ الفتنة والمذهبية والطائفية … ونترك للفتنة والمذهبية والطائفية أن تنبذ وتستخفّ باستقرارنا وسلمنا الأهلي.

نتلهى وكأن لبنان مدينة ملاهي … ولا نكترث بالخطر الآتي حتماً وحكماً.

والمضحك في زمن الكوارث الزاحفة إلينا كالأفاعي، أن كل فريق يعلن عن مد يده إلى الآخر من أجل تحقيق وحدة وطنية قادرة على مواجهة الإرهاب، الذي أصبح أقرب إلى رقابنا من حبل الوريد.

والمضحك، في زمن شرّ البلية ما يضحك، أن الأيادي الممدودة لم تلتق ولن تلتقي.

الاتفاق الوحيد الذي يبدو أنه سيجمع بين الفرقاء المتخاصمين هو فتح جلسات مجلس النواب لـ”تشريعات الضرورة”.  أي أنه سيكون بإمكان نوابنا “سن” القوانين، في وقت يسنّ فيه الإرهاب أسنانه وأنيابه ليمزّقنا، وأضراسه ليطحننا.  وما على الشعب اللبناني المستكين سوى النزول إلى الشوارع والاحتجاج بحرق الدواليب استباقاً لاحتراق الوطن.

سامر الحسيني

Advertisements

حديث الشارع: أوباما والأربعون دولة

obamaأربعون دولة تخوض حرباً ضد داعش.

هذا العدد من الدول لم يجتمع لا في الحرب العالمية الأولى ولا في الحرب العالمية الثانية.

كل هذا الحشد الدولي يلخص أقصى طموحاته بإضعاف داعش.

لاحظوا… إضعاف لا قضاء!!.

هذا يعني أن داعش باقية. وأن سكينها لن ترفع عن الرقاب.

وهي باقية، لا لأنها أقوى من جيوش الدول الأربعين، بل لأن القضاء عليها يجعل أميركا تخسر رهانها على تقسيم المنطقة العربية وخرابها.

إذاً يمكن القول إن الهدف الأخير من العملية العسكرية لا يتجاوز «شدة أذن»… وبالإذن من أوباما، فإن الضربة التي لا تميت تقوّي.

أي أننا على موعد مع داعش أقوى. ومع سكين أكثر حدة وأقدر على جزّ الرؤوس.

مع هذا المستقبل الداعشي نحتار لمن نقول شكراً: لأوباما الذي يمنح لداعش الحياة… أم لقطر التي تمنح لداعش الهبات… أم لمولانا الخليفة أبو بكر البغدادي الذي تتوغل في لحيته كل جراثيم التخلف والوحشية والظلامية؟… مع العلم أننا لو شكرنا هذا الثلاثي الشيطاني، فإن الله سيزيدنا غضباً وإثماً… وبالتأكيد لن يحظى الشاكرون بـ«الحور العين».

«شوارعي»

لبنان الممزق: الجيش يخوض معركة سياسية بين “الممانعة” و”الامتناع”

كتب المحرر السياسي:

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ليس الفراغ الرئاسي سبباً وحيداً لظاهرة انهيار الدولة في لبنان، فالأسباب المختلفة تتوالد بسرعة أفقدت، ما تبقى من مؤسسات، القدرة على المعالجة الجدية.

مجموعة من العقد والأزمات تتراكم فوقها عقد وأزمات جديدة. وعند التدقيق تتساوى جميعها باحتلال مرتبة الأولويات. فعقدة عرسال مثلاً، لا تقل أهمية عن أزمة الفراغ الدستوري. وأزمة الفراغ شديدة الارتباط بالأزمة السورية.

وأخطار داعش لم تلغِ خطر عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وعدم إقرارها نتجت عنه فضيحة إفادات الثانوية العامة.

وخطف الجنود وأفراد من قوى الأمن، لم يهز معنويات الجيش فقط، بل يهدد بالانسحاب على القضاء، عبر مساعي مبادلة المخطوفين بقيادات من المتطرفين المسجونين في سجن رومية. والإفراج عن المتطرفين لن يفرج عن الاستقرار الأمني المهدد، باعتراف الدولة نفسها، بخلايا داعش وأخواتها النائمة شكلاً والمستيقظة فعلاً.

وكل هذه العقد تتضاءل أمام عقدة العطش التي تهدد اللبنانيين، في دولة لا تعرف سياسة درء الأخطار قبل وقوعها، ولا بعد وقوعها.

ولا تغيب أزمة ألف مياوم في اختلاق أزمة التعتيم الكهربائي، الذي بات يكلف المواطن أكثر من نصف دخله ثمناً لتشغيل المولدات الكهربائية تحاشياً لتلف الأغذية، والغرق في بحر من العرق، بسبب الحر الشديد والرطوبة الأشد.

يضاف الى كل هذه الأزمات الأمنية والاجتماعية، الغلاء المتصاعد في أسعار السلع، وهو أمر لا يستطيع المواطن تحمله، ولا قدرة للدولة على مواجهته والحد منه.

المصالحات المستحيلة

الى جانب كل هذه العقد والأزمات المستعصية يعيش لبنان عقداً وأزمات سياسية أشد استعصاءً. فالمصالحات بين الفرقاء لم تزل محصورة بشكليات يقوم بها النائب وليد جنبلاط، وما زال المتصالحون معه، (حزب الله وعون وفرنجية)، يعتبرونها شكلية ولا يأخذونها على محمل الجد. أما المصالحات المجدية فهي تنتظر مصالحات إقليمية، من المؤكد أنها بعيدة المنال. فمصالحة «تيار المستقبل» و«حزب الله» تحتاج الى علاقات بين السعودية وإيران ما تزال عالقة في حرب حكومة اليمن مع الحوثيين، وفي الحراك الشيعي في البحرين، وفي الهيمنة الإيرانية على العراق، وفي التداخل والتدخل في الأزمة السورية الحادة والممتدة في المجهول.

وعندما تغيب هذه المصالحة، التي بمقدورها وحدها كسر حدة الخلافات السياسية والمذهبية في لبنان، تصبح الاستحقاقات الدستورية، ما مضى منها، أي انتخاب الرئيس، وما هو آت، أي الانتخابات النيابية، مجرَّد استمرار في تعطيل الدستور وضرب أسس الديمقراطية في بلد يدعي دائماً أنه الديمقراطي الأول في منطقة امتلأت بالديمقراطيات المشبوهة والمشوَّهة.

الجيش أولاً

في خضم هذه التراكمات غير القابلة للعلاج، يبرز موضوع الجيش كمؤسسة حية بين مؤسسات تحتضر، وتنتظر ما هو أكبر من الفوضى ليجري دفنها.

لا شك في أن اختطاف مجموعة من أفراد الجيش وقوى الأمن الداخلي، شكل عبئاً على معنويات الحارس الأخير للوطن. ويبدو أن هذه القضية تتجه الى التصعيد الأعمى وسط تسليم بمبادلة بين المخطوفين والمتطرفين، وبين رفض للمبادلة، وحتى لمبدأ التفاوض تحت ذريعة الحفاظ على هيبة الدولة… حتى ولو كان ذلك على حساب هيبة الجيش الذي حشر في زاوية الانقسام السياسي حول هذا الموضوع الشديد الحساسية. إذ أن توالي عملية ذبح المخطوفين العسكريين، لن تهتز بسببه هيبة الجيش بل ستهتز معها معنويات الجنود والضباط الذين وجدوا أن الدولة وقواها السياسية لم تفعل شيئاً لرفع سكين الجزار الداعشي من فوق رقاب رفاقهم.

وكذلك يقع الجيش مرة أخرى أمام القرار السياسي المنقسم على نفسه، فلا هو قادر على ترك عناصره للذبح البشع، ولا هو مسموح له الدخول في مغامرة عمليات عسكرية لإنقاذ رفاق السلاح، نظراً لما قد تحمله هذه العمليات من تطورات وتورطات في الأزمة السورية.

وهكذا تكون الدولة قد وضعت أهم مؤسساتها تحت خيار مقصلة الذبح الداعشي أو العجز الحكومي.

وسط هذه المخاطر لا يجد الجيش إلا طبقة من «المطربين» الذين يغنون له الأناشيد الحماسية، في حين أن طبقة السياسيين لا تنسى، وهي تدفعه الى المأزق الكبير، من الاشادة به وبقياداته، من دون أن تتوقف عن تشييد الأفخاخ المتفجرة في طريقه.

في ضوء هذا المأزق اللبناني الأكبر يبرز دور الرئيس سعد الحريري في توفير الدعمين المالي والتسليحي عبر مساعيه السعودية والروسية. لكن ماذا تفيد الإمكانات، إذا كان جيشنا المتمكن، معطل بالخلاف السياسي حول دوره، حيث منهم من يريده «ممانعاً»… ومنهم من يريده «ممتنعاً».

التكاذب الديمقراطي

المشكلة في أزماتنا المتراكمة والمعقدة، كثرة الوصفات الدوائية التي يقدمها السياسيون لشفاء لبنان منها. والمصيبة الفاضحة أن أصحاب هذه الوصفات هم أنفسهم من يمتنع عن تناول هذه الأدوية.

آخر دواء لفك الاستعصاء الرئيسي في البلاد، أي انتخاب الرئيس، كان في مبادرة 14 آذار، التي تقضي بالتخلي عن عون وجعجع، كمرشحين استفزازيين، وبالتالي البحث عن مرشحين آخرين ينتمون الى الاعتدال، أو الى ما يمكن وصفه بالمنحاز المعتدل، سواء كان الانحياز الى «8 آذار»، أو كان لـ«14 آذار».

لكن هذا الدواء سرعان ما سحب من الصيدليات السياسية بقرار من التيار الوطني الحر، وبذلك وجد اللبنانيون أنفسهم أمام معاناة يصح فيها القول: «فالج لا تعالج».

والخوف، كل الخوف، من أن تكون نهاية تراكم مثل هذا الكم من الأزمات، وقوع الانفجار الأكبر الذي يجعل اللبنانيين ينسون انتخاب الرئيس والنواب، وينسون كذلك المخطوفين وسلسلة الرتب والرواتب وانقطاع الكهرباء وشح الماء… ويكتفون فقط في البحث عن ملجأ آمن.

شكراً “داعش”

ISIS SOLDIERليست مؤامرة إمبريالية ولا مخطط صهيوني.  فألحان التقسيم الطائفي والتفتيت المذهبي ليست معزوفة أميركية يتغنى بها دعاة “الشرق الأوسط الجديد” في الغرب.  وصناعة دويلاتنا الطائفية والعرقية الناشئة لم تُنْتَج في مصانع القرار الدولي في مجلس الأمن.

جميع العرب يرقصون سرّاً أو علناً على أنغام الانفصال، التي حوّلت “الدولة اليهودية” في فلسطين المحتلة من استثناء إلى قاعدة.

رومانسياتنا القومية وأحلامنا الوطنية الوردية تهالكت بعدما استُهلكت على مدار عقود من “الانتصارات الوهمية” على أعداء الأمة.

شعاراتنا بدأت بـ”رمي إسرائيل في البحر”، وانتهت بمفاوضات حول حقوق الصيادين في المدى المسموح لإبحارهم وراء أسماك بحر غزة.

صرفنا المليارات على تخزين أسلحة فاسدة ومنتهية الصلاحية من أجل معركة فلسطين، وإذ بنا نستخدمها اليوم في معارك معاوية والإمام علي بن أبي طالب المتجددة.

من يستطيع بعد كل هذا الدم والخراب والأحقاد، أن يقول بأن السُنّة والشيعة والمسيحيون والأقليات المحيطة بهم لا يزالون في وارد العيش في وطن واحد؟

بدل أن نقطع رأس الفتنة، تابعنا على الشاشات موضة قطع الرؤوس المتدحرجة في الموصل والرقة.

وبدل أن نحقق الوحدة، توحّدنا في معسكرات “المهدي المنتظر” و”خليفة المتخلّفين” في العراق والشام.

هنا، مشروع دولة كردية في العراق يكاد يكتمل بامتداداته الجيوسياسية في سوريا وتركيا وإيران.

وهناك، ملامح الندم تظهر على وجوه سكان جنوب السودان بعد تحقيق حلمهم الاستقلالي.

في اليمن، يشقّ الحوثيون والجنوبيون طريقهم إلى الانفصال بالقوّة.

في لبنان، الفرز الطائفي يملأ “فراغ” الدولة، والانقسامات تنتظر التقسيمات المحتملة في دول الجوار.

وفي الخليج ومصر وليبيا تتكرر المخاوف نفسها من تصاعد خطر التطرف.

قد يكون اللاعبون الكبار لم يحسموا أمرهم بعد، تاركين للاعبين الصغار الوقت الكافي لإبادة بعضهم البعض، وإعادة إنتاج تاريخ عمره 1300 سنة من جنون الغرائز والتناحر والانتحار المشترك.

قد يكون أبو بكر البغدادي أحد أرانب سحرة استخبارات الغرب، وتنظيمه “داعش” أحد أحصنة طروادة لزرع الخوف ونشر الفوضى.

لكن مما لا شك فيه، أن عصبياتنا العمياء هي من أيقظت عمالقة “داعش” وأخواتها.

شكراً “داعش”… فمن دونك، كنا لا نزال نؤمن بوهم الأمة الواحدة، والقضية الواحدة … والله الواحد.

سامر الحسيني

حديث الشارع: عودة الإسلام إلى ما قبل ظهور الإسلام

isis cartoonsالتكفيريون يكفرون.

ها هي «داعش» وأخواتها و«إخوانها» يزوّرون الإسلام ويحاولون إقناعنا بأن ألف وأربعمئة سنة إسلامية كنا نمارس خلالها الإسلام الخاطئ والمنحرف!.

يصرّون على أن نصوص القرآن والسِنّة لا تدعو، كما يقول علماء وفقهاء التفسير، إلى الرحمة والتسامح واحترام أبناء الديانات السماوية وحفظ دور عبادتهم. وكذلك تحريم دم المسلم على المسلم. ولا تنص كذلك على حسن معاملة الأسرى.

كل هؤلاء «الجهلة» دعونا الى أن نكون كالملائكة… وبفضلهم قال التاريخ عنا أنه لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب.

اليوم نرى إسلاماً يدعو الى الهمجية والوحشية وتدمير الكنائس وجوامع الصالحين وقطع رؤوس الأسرى.

اليوم أتم الداعشيون وأخوانهم علينا نعمتهم ورضيوا لنا بـ«إسلامهم» ديناً… وهكذا بات علينا أن نتبع هدى إسلامهم الجديد الذي يعيد الإسلام الى ما قبل ظهور الإسلام… وهذا يتم في زمن الدواهش… والدواعش… وتنظيمات ارتكاب الفواحش.

«شوارعي»

من الموصل إلى عرسال: لبنان على خريطة “داعش”

دبابة للجيش اللبناني في عرسال

دبابة للجيش اللبناني في عرسال

كتب المحرر السياسي

وحدها «الخلافات» السياسية مستقرة في لبنان، فلا هي تتجه نحو الحل، ولا هي تتجه الى التصعيد. أما باقي الأمور فإنها تتحرك سلباً نحو التفاقم والتعقيد. فلا الاقتصاد بمنأى عن الانهيار، ولا مالية الدولة قادرة على التوازن، ولا الشعار المذهبي يصب في التهدئة، ولا سعير النار السورية قابل للانحسار عن لبنان، ولا الأمن بمقدوره أن يسد ثغرات التفجير المتنقل بين المناطق.

وإذا كانت الخلافات السياسية مستقرة عند الخط الأحمر، حيث لا يجرؤ أحد على تجاوزه، تجنباً للانفجار الكبير، فإن ثمة تراجعات في المواقف السياسية برزت مع مفاجأة اقتحام تنظيمات التطرف الإسلامي بلدة عرسال وجرودها.

ولعل أبرز هذه المتغيرات تراجع وليد جنبلاط عن إدانة تدخل حزب الله في سوريا، ووصولاً الى دفاعه عن مشاركته في القتال الى جانب قوات المالكي في العراق.

ويرى المراقبون أن هذا التراجع ينذر بقلب التوازنات السياسية، وبالتالي، يهدد بدخول «الخلافات» مرحلة جديدة من الاهتزازات، حتى لو تجاوزت الخط الأحمر، الذي كان يبدو أن فرقاء الصراع قد التزموا الوقوف عنده.

فها هو وليد جنبلاط يحرك المياه الراكدة سياسياً، ويدفعها مجدداً إلى التلاطم؟ حيث يبدو أنه سيغادر موقعه «الوسطي» شيئاً فشيئاً، مقترباً من التحالف مع حزب الله… ومتقرباً من سوريا إذا ما توافرت في دمشق فرصة الصفح مرة أخرى.

وهو، وفق معلومات تنقلها مصادره، يقوم باستعادة العلاقات المقطوعة مع شخصيات من قدامى حزبه، والذين ما زالت تربطهم علاقات معقولة مع دمشق، في محاولة لمد الجسور مرة أخرى مع الرئيس السوري بشار الأسد، أو على الأقل، مع رجاله الأساسيين.

وهو من خلال حرصه على «العودة الرابعة» إلى دمشق، أزال الحاجز الرئيسي الذي بقي يعوق طريقه الى المصنع، فزار «الرابية» فجأة في مصالحة غير متوقعة مع الجنرال ميشال عون. وهذا حدث سياسي مهم قد يؤدي الى فتح الطريق البرتقالي الى بعبدا إذا ما تمت صفقة قلب الطاولة.

صحيح أن استدارة جنبلاط السياسية لم تكتمل بعد، إلا أنه مستمر باستكمالها، خصوصاً بعد أن قطع الآمال نهائياً ببناء علاقات الحد الأدنى مع السعودية، وبعد أن تبين له في آخر لقاء مع الرئيس سعد الدين الحريري في باريس، أن العلاقة الشخصية الجيدة، لم تنجح في الوصول الى اتفاقات سياسية في المسائل اللبنانية، وتحديداً في ما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية.

ومن الواضح أن أحداث عرسال وما كشفته من مخاطر مقبلة، قد أسهمت بدورها، في الدوران الجنبلاطي الجديد. فالقيادي «الدرزي» أحس بأن الهجمة الارهابية على عرسال، هي بداية لهجمات قد تخرج من ثقوب لبنانية في داخلها أعداد من الخلايا، التي يبدو أنها ستبدأ الاستيقاظ من نومها. وقد وصل به الاحساس بالمخاطر المحدقة بلبنان، الى حد التكهن بانقراض الدروز والمسيحيين!!

لا شك في أن المبالغة في التكهنات الجنبلاطية، هي مقصودة، وتصب في سياق تبرير النقلة الجنبلاطية الأخيرة.

وأحداث عرسال، لم تكن السبب الرئيسي في استدارة وليد جنبلاط، فزعيم المختارة سبقها الى لقاء السيد حسن نصر الله فاتحاً صفحات جديدة من المواقف الجديدة المبررة للتدخل العسكري في سوريا، حتى ولو ظهر التبرير مربكاً ولا يتصف بالحسم.

لقد فاجأت عرسال الجميع. لكنها مفاجأة جمعت اللبنانيين حول جيشهم. ودفعت بتيار المستقبل الى وضع نقاطه الوطنية على حروف الحالة السنية، التي لا ينكر بعض رجالاتها، على قلتهم، تعاطفهم مع هجمة داعش والنصرة على هذه البلدة اللبنانية النائية، التي قدمت الكثير للنازحين السوريين.

وأحداث عرسال، على خطورتها وبشاعتها، وكلفتها الدموية العالية، شكلت فرصة للرئيس سعد الحريري لتأكيد التزامه بالاسلام المعتدل، ولنفي، ما اتهم به من مساندة للإرهابيين والمتشدين السنة، بشكل حاسم ونهائي.

أما حزب الله فقد وجد في هذه الأحداث من يحمل عنه عبء مواجهة المتشددين مسلماً أمرهم للجيش اللبناني، ووقف بعيداً مراقباً للمشهد، مبعداً عن نفسه تداعيات التدخل المباشر في صراع يأخذ، بشكل ما، الطابع المذهبي.

يبقى السؤال:

هل يكفي انتصار الجيش في معركة عرسال، لاعتباره انتصاراً على تمدد الحرب السورية الى لبنان؟.

لا يبدو الأمر بهذه السهولة. فتراجع داعش والنصرة أمام ردع الجيش اللبناني وقوة نيرانه وشجاعة رجاله، لا يعني أبداً أن التنظيمين الإرهابيين قد تراجعا عن حرب الكر والفر. فمن الواضح أنهما اتخذا قرار التورط في لبنان، ومن ثم، توريط لبنان في مسار حربهما السورية.

وما يتعرض له لبنان، وما يقوم به الجيش اللبناني، لا يمكن مقارنته في أحداث نهر البارد الدموية. فتلك الأحداث كانت تجري داخل مربع جغرافي صغير تمت محاصرته بسهولة، وما كان المسيطرون على المخيم سوى قلة معزولة، ترتبط بها قلة قليلة من الأنصار في مخيم عين الحلوة. أما اليوم فالمعركة أكثر تعقيداً. فالقوى التي تواجه الجيش اللبناني يتمدد أنصارها في البقاع والشمال وفي بيروت وصيدا، حيث لا يمكن للأجهزة الأمنية اكتشاف نفوذ داعش والنصرة داخل مخيمات النازحين السوريين المنتشرة في طول لبنان وعرضه. يضاف الى هؤلاء قوى مسلحة لبنانية، لم تتردد في إعلان تأييدها للتنظيمين الإرهابيين في كل من طرابلس وعكار.

لا بد من أن تدرك القيادات اللبنانية ان الخطر لا يقف عند أبواب لبنان، فهو قد اقتحمها فعلاً. ولن نصل الى الانتصار عليه بالتغني بالجيش وإلقاء بيانات التأييد.

إن معركة قد تكون متداخلة في أغلب المناطق اللبنانية، تحتاج الى مؤسسات متكاملة وقوية. وهذا يستدعي من المعطلين لنصاب انتخاب الرئيس أن يتوقفوا عن الاستهتار بالفراغ. وهذا يستدعي أيضاً أن نكف عن استدعاء الأزمة السورية بالتورط فيها، وبفتح الحدود منها وإليها.

دعوة إلى الحقيقة: داعشيات

walidسبق الرحابنة «داعش» بأكثر من خمسين سنة، عندما ابتكروا في مسرحية «بياع الخواتم» شخصية «راجح»، الذي جعل منه «المختار»، أي السلطة، رجل الشر المسؤول عن كل الأحداث السيئة.

لكن الفارق بين عصر «راجح» وعصر «داعش» أن «راجح» الحقيقي كان يبيع الفرح، في حين أن «داعش» الحقيقي يرتكب أبشع جرائم القتل والتدمير.

والسؤال:

إذا كان «راجح» كذبة يسهل تصديقها، فهل يقبل المنطق هذا النفخ الهائل، الرسمي والإعلامي، لحجم «داعش» وقدراتها العسكرية؟.

المطلوب منا أن نصدّق أن هذا التنظيم الوليد والمبهم، بمقدوره أن يحتل ويحكم كل هذه المساحة الجغرافية المكتظة بالبشر، والممتدة من مشارف دير الزور في سوريا، الى مشارف بغداد في العراق.

والمطلوب منا أن نصدّق أن «الداعشية» تحقق انتصاراتها الساحقة، في مواجهة الجيشين العراقي والسوري. وفي مواجهة الأكراد وبعض القبائل والعشائر العراقية. وفي مواجهة «نصرة القاعدة» و«جيش المعارضة السورية». وفي مواجهة طلائع الخبرات العسكرية الأميركية، وطائراتها البلاطيار. وفي مواجهة إيران وحرسها الثوري.

هل المطلوب أن نصدّق أنها تحارب كل هؤلاء… وتنتصر!.

إذا صح هذا، فهذا يعني أننا أمام جيش جرار يستطيع فعلاً أن يعمم زعيمه خليفة للمسلمين، وأن يعمم انتصاراته باستعادة الأندلس وفلسطين وضم إيران وتركيا وما ضاع من فتوحاتنا الأوروبية.

إن هذه «البانوراما» الداعشية هي أكبر خدعة بصرية وسمعية. فما تقوله أجهزة المخابرات الغربية، وما تروج له أجهزة الإعلام العربية والعالمية، يضعنا في خانة الأغبياء إذا ما صدّقناه.

لا بد من البحث عن «السر الخفي»، الذي جعل من هذا التنظيم الأسود، نظاماً يهدد المنطقة بعربها وعجمها.

بالعقل والمنطق يستحيل أن تكون «داعش» الحقيقية سوى نموذج لـ«راجح» الكذبة.

لا شك في أن وراء اختراع هذا الوهم الكبير قوى كبرى تسعى الى تنفيذ مخططات أكبر.

لقد فشل «الربيع العربي» في تحقيق كامل مشروع «الفوضى الخلاقة». فصحوة مصر المبكرة سحبت الموقع الأهم من المخطط المشبوه. وذلك عندما نجحت في تطهير مصر من حكم الإخوان. وكذلك العجز في حسم الصراع في سوريا. بالإضافة الى التمرد على نتائج الربيع العربي في ليبيا. الى جانب اضطرار الإخوان الى الدخول في صفقة التوازنات مع المعارضة في تونس… كل هذا أدى الى اختراع «داعش» كأداة قادرة على إشاعة الرعب وتحقيق التهجير القسري، العرقي والمذهبي، وصولاً الى التقسيم الذي كان هدف الفوضى الخلاقة.

نستطيع أن نقول جازمين أن «داعش» مجرد أداة تنتهي بانتهاء مهمتها… إلا أن مهمتها بالغة السوء… والمشكلة أن القضاء عليها بالغ التعقيد طالما أن العداوة تفرق بين أعدائها.

وليد الحسيني