العودة إلى الشهيد الأكبر

walidسنوات ثقيلة مرت على الفاجعة، ومازال دخان 14 شباط ينتشر فوق سماء لبنان. ومازالت نيرانه تزداد اشتعالاً. ودوي متفجرته المروع يهز، حتى اليوم، السمع والقلب.

سنوات، ولبنان بلا رفيق الحريري!.

مع ذلك هو الأحق بلقب الشهيد الحي.

هو حي في ذاكرتنا، وفي انجازات توقفت بعده عن الإنجاز.

وهو حي في ذاكرة من قتلوه. وما برح يقلقهم حضوره رغم الغياب. وما برحوا يزوّرون في تاريخه الأبيض.

كل الكلام الأسود، الذي ينطلق من قلوب سوداء “غير دقيق”.

هكذا كان سيخاطبهم، بتهذيبه وكعادته، عندما كان يريد أن يكذّب الأكاذيب.

كان يتحمل ولا يتحامل.

لم يعرف حدوداً إلا حدود لبنان المتداخلة بحدود عروبته.

كان مسلماً بلا مذاهب. ولبنانياً بلا طوائف. وعربياً بلا تردد. وصديقاً لشخصيات دولية بلا تبعية.

نحن سبقْنا القتلة في ظلم هذا الرجل واتهمناه وهو البريء. وعدما كذبتنا حقائقه، اكتشفنا بشاعة الظلم الذي ارتكبناه، وعظمة المظلوم الذي ظلمناه.

اقتربنا من أفكاره، فوجدناه حكيماً في قراراته ومتحكماً في غضبه.

وجدناه حريصاً على وصل الرحم العربي حيث انقطع، لا على قطعه حيث اتصل.

وجدناه متواضعاً في أكثريته النيابية والحكومية. لم يلغ الآخر، ولم تأخذه العزة بما ملك من أصوات في الانتخابات، ومن ثم في مجلس النواب.

وجدناه محاوراً في علاقاته العربية والدولية الواسعة. لا مستمعاً إلى ما يريدون، ولا ساكتاً عمّا يريد.

وجدناه زعيماً يملأ المكان والزمان. لا منقلباً في الأمكنة، ولا متقلباً بتبدل الأزمنة.

لأنه كذلك قتلوه.

الهدف الكبير كان سهلاً. فهو منزوع السلاح. يمشي إلى خصومه كحلفاء محتملين. ويتحرك في شوارع بيروت، وكأن كل من فيها صديق، رغم معرفته أن الشياطين تتخفى بأشكال آدمية، تحميها “الدويلة” والدولة في تلك الأيام.

كان واثقاً، رغم التحذيرات المتعددة، أنه ليس هدفاً في قائمة الإغتيالات. فهو محاور بين من اختلف، وجامع بين من افترق.

كان واثقاً أن أعداءه لن يبلغوا مرحلة الدم المباح.

لم يدرك، رغم قدراته التحليلية الكبيرة، أنه، ولأنه يلعب دورالإعمار والاستقرار والسيادة، أصبح الهدف الأغلى في لوائح الشر.

بقتله بلغ أعداء النجاح ذروة النجاح في تغييب من نقل شباب لبنان من حمل سلاح الميليشيات إلى حمل سلاح العلم. فحرم القتلة من الجنوح بالشباب إلى إرتكاب الجنح والجرائم.

وإذا كان استشهاده لن يعيده إلينا، فإن سعد الحريري يعود بنا إليه بأسلوبه وصبره وحكمته.

وليد الحسيني

Advertisements

في ذكراه … نتذكر

walidفي ستينيات القرن الماضي، جمعتنا جامعة بيروت العربية.

الزمان والمكان كانا للعروبة وجمال عبد الناصر.

هناك عرفت رفيق الحريري.

قومي عربي لا يتردد ولا يهدأ.

المسافة بيننا هامشية… وهي المسافة المتقاربة بين الناصري والقومي العربي.

وافترقنا لنلتقي مرة أخرى في جنيف ولوزان.

كان مثقلاً بهموم الحرب الأهلية اللبنانية. ومتحركاً بين فريقي المستحيل والمستحيل، بحثاً عن حل يعيد إلى لبنان وحدته وإنسانيته.

لم ينجح … لكنه لم يتراجع. وبقي يطارد المستحيلين إلى أن انتصر عليهما في الطائف.

رفع الركام … وأعاد إعمار البلد والأمل.

كان يعلم أنه بذلك يدخل دائرة الخطر والمخاطر.

كان يعلم أن البناء عدوّه الدمار. والحياة عدوّها الموت. والحب عدوّه الكراهية. والتسامح عدوّه الحقد. والإعتدال عدوّه التطرف. والضوء عدوّه العتمة.

مع ذلك، مارس البناء. وأسس للحياة. ودعا إلى الحب. وأدمن التسامح. وتمسّك بالإعتدال. وفتح نوافذ لبنان للشمس والضوء.

رسم بيروت عروساً. وأخرجها من وسط الركام، فإذا بها مدينة تضجّ بالنور والفرح والناس.

بقي لديه الكثير من الأحلام، قبل أن تستيقظ الكوابيس، ويلتم شمل الأعداء.

تضامن الدمار والموت والكراهية والحقد والتطرف والعتمة … وشكّلوا سوية متفجّرة هائلة كمنت لقلبه في قلب بيروت.

في لحظة إرهابية، أرهبت لبنان والمنطقة، تمزّق قلب رفيق الحريري … لكن بعد أن أودع نبضاته في قلب بيروت، لتستمر مدينته ومعشوقته بالحياة.

ليست مصادفة أن يقتلوه في يوم الحب. لقد تعمّدوا اغتيال الاثنين معاً.

يومها إعتقد الكثيرون أن لبنان يساق إلى العدم. إلا أن القضاء، الذي لا يُرَد، أراد الله اللطف به. وشيئاً فشيئاً، استعاد رفيق الحريري، رغم الغياب، حلمه بلبنان السيد الحر المستقل. واستعاد طريق البناء والإعتدال. فسعد الحريري، الذي أرغمته المأساة على دخول السياسة، إفتتح المدرسة نفسها.

ذات المنهج. وإن كانت الظروف أصعب والعقبات أكبر. فلبنان اليوم تتفوق فيه الغريزة المذهبية على سائر العرائز البشرية والحيوانية.

اليوم، يشكل اللبنانيون شعباً إفتراضياً. ويشكل التعصب الطائفي إلغاء للعقل، مما أدى إلى إلغاء التعقّل. وبذلك أصبح الإعتدال عبئاً على المعتدلين.

لقد سبب إعتدال سعد لسعد مشاكل محلية وخارجية، قبل بنتائجها سعياً منه إلى إيجاد لغة سياسية لبنانية واحدة، تحل محل اللغات السياسية المتنافرة والمتعددة … وجميعها ترجع إلى اللغة الأم، أي “لغة الشارع”.

إذاً، بسعد مازال رفيق الحريري هنا. وفي ذكراه الـ13 نتذكر أنه أراد أن يكون مسجد محمد الأمين مثواه الأخير. فكان المسجد آخر إعماره، وآخر جسر يبنيه بين بيروت والله.

وليد الحسيني