نرمين الخنسا: “شخص آخر” رواية الواقع المُوثّقة بالخيال

فازت بالمرتبة الأولى في مبيعات معرض الكتاب الدولي في بيروت

فازت بالمرتبة الأولى في مبيعات معرض الكتاب الدولي في بيروت

غادة علي كلش:

فازت رواية الروائية اللبنانية نرمين الخنسا ” شخص آخر” الصادرة حديثا عن” دار سائر المشرق في بيروت” بالمرتبة الأولى ضمن  لائحة الإحصائيات النهائية عن فئة الرواية في “معرض بيروت العربي الدولي للكتاب” في دورته الثامنة والخمسين التي أقيمت مؤخًّرًا. فما هي العوامل التي إستحقتها الرواية لتكون في صدارة المبيعات هذه السنة؟ ومن هو ذاك الشخص الآخر؟ وكيف تقيّم الكاتبة هذا النجاح؟ نقرأ الأجوبة على هذه الأسئلة وسواها،في  سياق هذا الحوار الذي أجرته مجلّة “الكفاح العربي” مع الروائية نرمين الخنسا.

■ بداية، إلام تردّين أسباب فوزك بالمرتبة الأولى عن فئة الرواية في معرض الكتاب الأخير؟

– أوّلاً أودّ القول أنّ هذا الفوز أسعدني كثيرًا، وحمّلني مسؤولية أكبر مع كل تفكير بتقديم عمل روائيّ جديد. ثانيًا، يمكنني التأكيد أنّ سبب فوز روايتي “شخص آخر” بالمرتبة الأولى يعود إلى عاملين رئيسيين هما،إقدام  الكثيرمن الأصدقاء في الوسط الثقافي والإعلامي على شراء الرواية في حفل التوقيع. وإقدام  جموع من التلامذة   ينتسبون  إلى أربع مدارس في بيروت على شراء الرواية، نظرا لمحبتهم أعمالي الروائية، وذلك إستنادا إلى روايات سابقة لي  سبق أن قرأوها وأحبوها. من هنا تصدّرت روايتي المبيعات، فقد اشتراها أكثر من أربعمائة تلميذ، فضلاً عن الأصدقاء من الكتّاب والصحفيين والمثقفين.أمّا المدارس فهي: ” خديجة الكبرى” و”الفاروق” التابعتين “لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت”. ومدرسة “حارة حريك الرسمية للبنات”، ومدرسة الكولاج بروتستانت.

■ تتخذ روايتك الجديدة هذه مروحة أوسع من رواياتك السابقة، على صعيد رصد الواقع الأمني الهش،وربطه بالدوائر الإجتماعية والعاطفية،دون  إغفال الخلفيات المذهبية الضاغطة أكثر على  شريحة من اللبنانيين في مواقفهم ومسار حياتهم. هل يمكن القول إن روايتك تحمل سيناريو الواقع اللبناني بأعمدة الرويّ؟

– جانب من نجاح روايتي هذه يعود برأيي إلى كون مضمونها نابعا من الواقع الذي نعيشه اليوم. معروف عن كتابتي الروائية  أنها واقعية،ولأنني كذلك تجدييني أحرص على توثيق مجريات الواقع بطرق فنية. أنا أوثّق روائيًّا ورمزيًّا مسار القضايا والتحوّلات التي نعيشها ونلمسها على الأرض،ويمكنني القول إنني وثّقت الوقائع بخيال الرويّ، لا بوثاق التأريخ. لذلك وجد معظم القرّاءأنفسهم في رواية “شخص آخر”، وفق الإنطباعات التي وردتني، بحيث شكّلت جزءًا من تعب المَعيش الذي يشهدونه اليوم. وأشير ههنا إلى أنّ فكرة الرواية التي ترتكز على خطف البطلة  وإعادتها إلى حريتها بسبب إلتباس في الأسماء، حدثت على أرض الواقع بعد صدور روايتي بحوالى شهر تقريبا. إذ جرى خطف شاب بسبب التطابق  بين إسمه وكنيته وبين إسم أحد الأثرياء وكنيته، وقد  أطلق سراحه الخاطفون حين أدركوا الحقيقة.

■ هل أنتِ ذلك المتحدّث الروائي بإسم المجتمع اللبناني؟

– جميل هذا السؤال، ولكن تصعب الإجابة عليه. أتمنى أن أكون ذاك المتحدّث الروائيّ الذي يعبّر عن  لسان مجتمعي وقلقه ومطالبه. فهناك العديد من الفئات الإجتماعية التي لا تجيد التعبير عن آلامها وآمالها، وحلمي أن تكون رواياتي هي الأداة التي  تحرك فيها هذه الفئات  لسان الشكوى المُطالِب بالتصحيح والتطوير.

■ المتابع لرواياتك يلاحظ جلياً أنّ نهاياتها تبقى مفتوحة على إحتمالات عدّة، ماهي  غايتك  من ذلك؟

– أحبّ أن يشاركني القراء صنع النهايات لرواياتي. لا أحبّ أن أختم الرواية بحالة محدّدة أو إستنتاج واحد. فبهذا أشعر أنّ القارئ لا يكتفي بقراءة عملي، بل يصبح شريكا لي في وضع نهاية مفترضة للعمل. أنا احرص دوما أن تبقى أعمالي الروائية مفتوحة على الأسئلة،أكثر من أن تكون مغلقة على أجوبة.

■ نرى البطلة في معظم رواياتك صاحبة قلب محب بقوة وإخلاص، ونراها رمزا يتعرض للصدمات العاطفية دوما، ليصل إلى مرحلة التردّد عند ارتباط جديد والتفكير بالزواج. هل تشبهك هذه البطلة، أم تشبه أناثا تعرفيهنّ في مجتمعك القريب؟

– نقطة التردد التي أضأت عليها الآن هي نقطة مهمة لأنها فعلا  تعكس شخصيات أنثوية رومانسية عاشت الحب بوفاء وذاقت الخيانة بعناء جعلها تتردّد دوما بفكرة الإرتباط الزوجي. لا تشبهني البطلة هنا. كل ما في الأمر أنني أحبّذ  الكتابة عن العلاقة التي تكون معرّضة للخيانة والإنقطاع، كي تكون خيوط الصيغة التعبيرية والسردية أكثر تشعّبًا وغنى. ولا شكّ في أنّ المجتمع لا يخلو من مثل هذه الصدمات والخيانات، لأسباب مختلفة منها الفقر والغنى، ومنها المذهبية وسواهما، فالمسألة لا تقتصر على المُتخيّل الروائيّ فقط،شئنا هذا أم أبينا.

■ تنتقي المدارس بالعادة الأعمال الروائية التي تخلو من الإباحية و ومن كلّ ما يخدش حياء التلامذة. وهذا ما فعلته دوما  بإختيار كتابات الروائية الكبيرة إملي نصرالله. هل أنت على خطى إملي في سياق الكتابة “النظيفة”؟

-أنا أعتبر روائيتنا الكبيرة إملي نصر الله قدوة لي ورمزا أتباهى به. وكم أتمنى أن أصل إلى هذا الرقيّ في العطاء الأدبي، فما زلت في بداية الطريق، ولن أحيد عن الكتابة الأدبية النقية، لأنها تعكس مبادئي في الحياة والأدب.

Advertisements

محمود النجار: القلب البديل غربة الوريد عن الجسد

حوار غادة علي كلش:

 يعيش الكاتب العراقي محمود النجار، ومنذ زمن ليس بالقصير في هولندا. أي وسط حياة المجتمع الأوربي بكل فئاته.  هو شاعر واعلامي أيضا، وعضو إتحاد الكتاب والشعراء الهولنديين .شارك في الكثير من الأمسيات الشعرية العربية- الهولندية المشتركة . وتمت ترجمة الكثير من أعماله الى اللغة الإنكليزية والهولندية وبعض اللغات الأخرى . روايته الأخيرة” القلب البديل” التي صدرت عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” تخط سيرة صراع بين الحياة والموت، وتروي سيرة غربتين. حول هذه الرواية  كان “للكفاح العربي” مع  محمود النجار الحوار الآتي:

* تغدو معادلة البديل في روايتك الأخيرة” القلب البديل” أبعد من تجريد الفعل أومن تفريد الإجراء. كأنما البدائل تستقيم في ثلاثة أبعاد: الموت/ الحياة وما بين الموت والحياة.هل يمكن اعتبار روايتك هذه مرثية إشكالية بطلها وضحيتها في الوقت عينه القلب؟

– قد تكون  روايتي  هي من الأعمال القلائل التي استطاعت أن تكتب عنوانها منذ الوهلة الأولى وأن تتمسك به كعنوان دائم لعمل روائي وجد له مكاناً بين الكتب ولم تتنازل عنه ، وقد أضحى عنواناً ثابتاً لا بديل له وهو القلب البديل ، مثلما اختطت ونقشت حروفها الأولىبنفسها على قمة أسطر فصولها.

نعم استطيع القول بأن رواية القلب البديل  ،هي أبعد من أن تتلخص بالحديث عن عملية كبيرة ومعقدة ، إلا وهي عملية زرع القلب. هي بالفعل مثلما تفضلت بسؤالك ، أبعد من تجريد الفعل وفرادة الإجراء وتفاصيله ، فهي تحمل في طياتها الكثير من الأبعاد الانسانية ، واستطيع القول بأن الرواية تتحدث عن إنسان بصورة قلب وقلب ينبض بلا تناغم وبوجعٍ لا تضبط إيقاعاته أية قواعد تذكر ، لكنه أصر على أن يبقى إنساناً ومعطاءً وكان على يقين أن يلتقي برفيق يحبه ، ليتبادلا الحياة معاً . فإن الواهب ودع قلبه والمستفيد اِحتضن القلب ورحب به واِنتعش بالأخذ والعطاء بذات الوقت ، وبهذا صنعا معاً سمفونية الحياة مع اليقين الوافر والركون بعض الوقت تحت الرعاية الإلهية بمرحلة غيبوبة قلقة على ضفاف الموت. وهي كما أشرت إليه حضرتك في سؤالك وفي شقه الثالث بالتحديد، بأنها مرثية بطل القلب ذاته .

* السرد في فصول الرواية، يرتقي بالمكنون الصوتي الداخلي،إلى سيرة من نوع آخر- ان صح التعبير- سيرة لا تخلو من صدى النبض والدماء،ولا من يوميات الحياة البديلة. ما هي البوصلة الفنية التي استخدمتها كروائي وشاعر،في استجواب ايقاع الأوردة؟

– بالفعل بدأت الكتابة مثلما أسلفت من قبل ، منذ الاستيقاظ الأول من الغيبوبة التي سافرت بها الى ضفاف العالم الآخر والعودة للحياة ، عالم الموت وضفاف السَكينة لعدة أيام ، ومنذ تاريخ العودة ولحظاتها الأولى والإنتباه لما يدور من حولي واستقبالي للحياة الجديدة بتلك الدهشة المغموسة بالوجع والفرحة التي حاول العقل أن يؤجلها، لهذا حاولت توثيق الكثير من الحالات الإنسانية ومحاولة لتقديم الشكر لمن وهبوني الحياة وأعادو لي البسمة التي نسيت طرائقها وملامحها منذ زمن طويل، وهم مجموعة متكاملة .إنها القدرة الإلهية والواهب الإنسان الذي تبرع بقلبه ، أما عن البوصلة الفنية ، أظنني حاولت أن أنقل تجربتي الحياتية بطريقة سردية وإيصال رسالة معنونة عن واقع حياتنا العربية ، ولهذا حاولت جاهداً إدخال ما استطعت من الواقع الحقيقي ومخاضات حيوات إنساننا العربي، محاولاُ التطرق بطريقة مبسطة  الى طفولتنا وما مرّت به من براءة وقساوة وألم وصولاً لمرحلة الشباب الذي عانى ويعاني من حرائق الحروب وارهاصات الحرمان والكبت . حاولت من خلالها إيصال رسالة للقارئ أينما كان عما يدور في حياتنا العراقية والعربية وعما يدور بالجانب الآخر من الحياة وهي حياة الاغتراب وحياة التطور الغربي. نعم  حاولت أن تكون الرواية وبوصلتها عبارة عن خلطة إنسانية خالصة تحمل الكثير من الألوان والشخوص الحياتية التي تصادفنا ونتعامل معها .

* ثمة غربتان أساسيتان في الرواية. غربة البطل عن قلبه. وغربته عن وطنه. هل يخاف المرء برأيك من خسارة الوطن أكثر من خسارة القلب؟ ولا ننسى ههنا أن البطل حاول في الماضي وهو في بلده أن ينتحرمع صديقيه؟

– هناك غربتان قاحلتان ، من المؤكد إن الغربة الأولى هي غربة الوطن والتي قاربت على العقدين من الزمن وأدمن عليها بطل الروايةبكل مراراتها وعقمها ، بل إعتبرها انتصاراً للحياة وجهاداً ، إرتحل بقلبه المتعب باحثاً عن عشبة الحياة المفعمة بالصحة والكرامة ، وهاهو يظفر بها بآخر المطاف ، فلو إنه تقاعس وبقي في وطنه الأم ، لقضي أمره منذ ما يقارب العقدين من الزمن ، وهذا ما أشار اليه وما مرّ به وسجل معاناته بين فصول الروايه من موت محقق قبل هذا البديل الناقذ والمخلص، أما غربة القلب عن البطل أو العكس، فأنها حقيقة طبية وعلمية وربانية ، فليس من السهل تطابق الأنسجة ورضوخ القلب لحاضنة جديدة بعد مرور أكثر من اربعة عقود ونيف ، لهذا كانت مرحلةالترويض صعبة وعملية معقدة ، تلك التي نشأت بين القلب والجسد ومحاولة تطويع وقبول أحدهما الآخر ،ولم تمر تلك العملية بسهولة ، وقد حدثت بعض الانتكاسات الصحية المتفاوتة ، لولا رعاية الله والرعاية الكبيرة من قبل الأطباء ، بالأضافة إلى العقاقير الباهظة الثمن ودعوات الأهل ودموع الوالدين والأخوة والأخوات .. أما المقاربة بين خسارة القلب وخسارة الوطن .. فكلاهما خسارة موجعة وتعني ” لا الحياة ” ، ولولا الوطن والقلب لما وجد للبطل أو القلب أي نبض يذكر ، أما الحديث عن محاولة الانتحار للطفل اقصد البطل في طفولته ، لهو دليل قاطع على شخصية البطل القوية وعدم تقبله للخسارة بسهولة وهذا ما انعكس على طريقة حياته والنجاحات الكثيرة رغم الكبوات خلال مسيرته الطويلة ، وما تحمله شخصيته من عناد واصرار على الوصول لغايته ، كان هو الدافع القوي على اتخاذه قرار إجراء العملية بمفرده وكان لديه القناعة الكاملة على النجاح واصرار كبير على الاستمرارية والتشبث بالحياة .

* تشهد بلادنا العربية تاريخا مفصليا مخيفا. كيف تتفاعل شخصيا مع هذه التحولات الدراماتيكية في العراق بشكل خاص؟

– لم أنفصل يوماً عن قضايا بلدي وبقية البلدان العربية، بل أن جميع النشاطات التي قمت بها من خلال مؤسستي الثقافية التي انشأتها عام 2010 ” مؤسسة أوطان الثقافية في لاهاي ، كانت تصب في غالبية انشطتها برسم الصورة الجميلة والحقيقية أمام المتلقي الأوربي، أما كيفية التعامل مع التحولات والأفكار والأفعال التي تدور في العراق ومنذ زمن ليس بالبعيد ، فأنه شيء يبعث على الحزن والقلق والخيبة وهي العقبة التي هزمت على جدرانها كل أحلامي ،وليس هناك الشيء الكثير الذي أفعله ، إلا الإلتزام الأخلاقي والصبر لقلمي ودعم كل مافيه خير لبلدي وشعبي من خلال القصيدة والرواية وما تطلقه أناي على منابر الأمسيات والمهرجانات الشعرية والأدبية، محاولاً نشر الخير والتحدث عن نعمةالأمان وصون ديمومة التعايش بهذه الحياة ، محاولاً إيقاد شمعة أمل أمام كل ما أراه وألمسه من تراجع سريع إلى زمن اللاستقرار واللاوعي والجهل والتخلف والقتل والدمار العشوائي الذي تمر به بلداننا العربية بصورة عامة وما يمر به العراق من خراب على وجه التحديد .

* كونك أيضا على تماس ثقافي مؤثر وفعال في هولندا، كيف تقوّم لنا فنون الآداب الهولندية،علما أننا لا نسمع الكثير عن الشعراء والكتّاب الهولنديين؟

– هناك في هولندا حراك ثقافي وأدبي دؤوب يكاد لا يتوقف على مدار السنة ، وحب الهولنديين للشعر وللرواية كبير ، بل أستطيع القول إن الغالبية العظمى منهم مازالوا متمسكين بشئ جميل قد نفتقر إليه في عالمنا العربي، ألا وهو القراءة المستمرة وحب الاطلاع على ثقافات العالم المختلفة، وهذا ما يجعلهم متقبلين وبرحابة صدر لثقافة الآخر والتعاطي معه، وإعطاء الفرصة للاستماع والاستمتاع ،في الوقت ذاته دعم المبدع أو المثقف من خلال توفير الكثير من مستلزمات النجاح وتطوير موهبته وقدراته الفكرية والأبداعية الأخرى، قد يختلف إنتاجهم الأدبي عما قرأناه سابقا من صور ومتغيرات وفلسفة وبحوث ورسائل ، تلك التي عاقرت وتزامنت ازمنة الحروب والتحولات السياسية والثقافية والمادية والوجودية، لكن أوروبا الآن وهولندا على وجه التحديد ، تمر ببعض البحبوحة الفكرية والهدوء الفكري والانساني، فغالبية كتاباتهم أخذت تتغنى بمرحلة الشباب والغنج والتي تحاكي البيئة ومفردات الطبيعة وألوانها والإنسانية ومفردات الحب المستريحة الخالية من العذابات والفراق وقسوة الأهل والشوق.. أما عدم سماع الكثير عنهم ، وذلك لاتساع الفجوة الفكرية بين ما تمر به ثقافتنا وبلداننا العربية وبين بحبوحة الثقافة والتقدم الذي يمرون به ، وبين ما تمر به امتنا من تراجع ومآسي وحروب وعدم الأهتمام بثقافات الآخر ، بالأضافة إلى صعوبة اللغة الهولندية ومحدودية مفرداتها ومستخدميها وعدم تداولها بشكل كبير خارج حدود هولندا ، ومع كل هذا  قدمت كما هو شأن عدد من المثقفين في الخارج  على صعيد التفاعل وتمازج الثقافات في أكثر من عمل عربي هولندي مشترك ، نشاطات عدة، وآخرها الإحتفالية التي أقامتها مؤسستنا ” أوطان ”  بالتعاون مع مسرح داكوتا  بمناسبة مهرجان الشعر العالمي والذي شارك فيه عدد من الشعراء الهولندين واذكر منهم ، اديث ده خلده وفرانس تيركن وخيرت فينامه وبريوني بورنس وآننا ديوريس واليزابيث دي بليكورت وغيرهم كثر.

عواطف الزين حول”عزيزي النابض حبّاً”: السوبر أمومة في رواية الواقع

حوار غادة علي كلش:

تشكلّ تجربة الاديبة والقاصة والإعلامية اللبنانية عواطف الزين، مخزونا متميزا في العطاء الأدبي والنقدي والجمالي للكلمة والفكر والمعنى. لها مؤلفات عدة عن أدب الإحتلال، والنقد الأدبي، والحوارات السياسية والثقافية. ولها مجموعة قصصية عنوانها” لو ينطق البحر”.أما نتاجها الذي يلامس نبض القلوب والعقول فهو كتابها” عزيزي النابض حبا” الذي أرادته عواطف شهادة عمر ونضال وأمومة صادقة وهادفة، سردت فيه تجربتها العميقة الطويلة مع حالة ابنها عبد العزيز، المصاب بمتلازمة “داون” . هنا حوار معها يطرح أسئلة الهاجس ، ويحصد أجوبة البرهان:

*كتابك “” يقدم للقارىء العربي، على اختلاف شرائحه الإجتماعية، وخصوصا الشرائح الأهلية والتربوية، خلاصة تسجيلية وجدانية علمية، وتنويرية عن حياة المصابين بمتلازمة داون، بأسلوب سردي شفيف وفاعل. هل تعتقدين أنّ استخدامك الأسلوب الأدبي، كونك أديبة، أسهم في نفاذ الكتاب الى قلب القارىء،وحقق المبتغى الرئيسي المنشود منه؟

-اعتقد ان “لغة الامومة”، هي التي اوصلت الكتاب الى قلوب القراء، في كل مكان وصل اليه. فهذه اللغة المعتمدة على الصدق في التعبير،  اوجدت ممرات آمنة الى قلوب الناس، من مختلف الشرائح الاجتماعية. لأن الكتاب كما -اشرت في سؤالك- هو خلاصة تسجيلية وجدانية علمية وتنويرية،عن حياة  هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة، واعني بها فئة متلازمة الداون “. بالطبع هناك خصوصية، تتعلق بكوني اديبة اقدم كتابا عن تجربتي مع ابني “عبد العزيز الهاشم” . وهي  انني امتلك حرفة الكتابة، التي تسهل المهمة، وتسهم في بلورة الوقائع والأحداث على صعيد الصياغة والاقناع وتوصيل الفكرة المراد توصيلها الى الناس صغارا، وكبارا، اما  اللمسة الانسانية الشفافة التي تلقي بظلالها على سياق الوقائع، فهي  نابعة من القلب، وترتبط بكوني أمّاً أوّلا، وكاتبة ثانيا، لها اسلوبها الخاص  في الكتابة .

  * حضرني مفهوم ” اللامنتمي” وأنا أقرأ في كتابك هذا تجربتك مع ابنك عبد العزيز المصاب بمتلازمة داون. فمصطلح اللامنتمي ههنا حضر كخط متقاطع مع غربة عبد العزيز عن مجتمعه من جهة، ومع غربة الكاتب الذي لا ينتمي بدوره إلى عاديات الناس بشكل أو بآخر، من جهة ثانية. ما هو السر الذي جعلك تخوضين غمار هاتين الغربتين بنجاح؟

-انا اضيف الى هاتين الغربتين، غربة ثالثة وهي اقامتي بعيدا عن وطني لسنوات طويلة. وهذا الاحساس بالغربة يلازمني، وقد ظهر جليا في سياق السيرة، وعبرت عنه بصدق، لأنني شعرت بقسوة هذه الغربة اكثر عندما علمت بمرض ابني . قد يكون تعبيرك في محله ،بالنسبة لعزيز. هو كذلك اي انه غير منتم الى مجتمعه وعالمه بسبب المرض .لكن محاولتي في تربيته انطلقت من امكانية دمجه في هذا المجتمع، والتعرف إليه.  حتى لا يصبح عالة عليه. وفي الوقت نفسه حاولت من خلال هذا الكتاب،  إيجاد بيئة صحية لهذه الفئة من الاطفال، تكون حاضنة ومدافعة عن حقوقها التي حرمت منها بسبب المرض وتخلي المجتمع عنها . اي ان المجتمع ليس مهيأ تماما للتعامل مع هذه الفئات، لأسباب عديدة يطول شرحها. وهذا ينعكس بشكل سلبي على تلك الفئات، ويعرقل خطط دمجهم في مجتمعاتهم وتؤخر نموهم النفسي والعقلي وتزيد الاوضاع  سوءا . اما الكاتبة التي تسكنني، فهي تنتمي الى الكلمة التي تعتبرها وطنا يعوضها غيابها عن الوطن وغياب الوطن عنها . لا اريد ان اطيل اكثر في الرد على هذا السؤال لانه يحتمل الاسهاب والاستطراد. لكن اختصر لأقول ان المرض اي مرض في حد ذاته هو غربة عن الواقع وعن المفترض، ولا ينتمي الا لأمنية شفاء .اما السر الذي جعلني اخوض هاتين التجربتين بنجاح فيكمن في الامومة ذاتها.

*يختزل عنوان كتابك سيرة ذاتية نابضة بالصدق والقلق والهمّة،  سيرة مطبوعة بمرآة بالغة الشفافية. هل لأنك عواطف الزين استطعت بلوغ شاطىء الامان مع عبد العزيز، أو لأنه عبد العزيز استطاعت عواطف الزين أن تبلغ هذا الشاطىء؟

-هل لأنني عواطف الزين؟ ربما  اكون قد بلغت شاطىء الأمان. بمعنى انني تخطيت المراحل الصعبة في تربية ابني، الذي يحتاج الى “سوبر ام ” تتابع كل صغيرة وكبيرة في حياته، داخل البيت او المدرسة او الشارع مع كل ما يرتبط بهذه المتابعة من تفاصيل قد لا تخطر على البال . لكن التجربة “صقلت” امومتي، وفتحت امامي افاقا شاسعة تعلمت خلالها ابجديات كثيرة عن الامومة ودخلت عوالم جديدة، لم اكن اتوقع دخولها في يوم من الايام . فإبني  “عبد العزيز”  علمني القدرة على الصبر والاحتمال والهدوء. وتكشفت لي في شخصيته جوانب من الحنان والسلام والطمأنينة .قد اكون نجحت في جعله آمنا بمعنى الامان النفسي والصحي والاجتماعي، لانني حرصت على توفير كل ما استطعت من مقومات لجعله كذلك. اي انني لم اهمله او اخجل من الاعلان عن وجوده في حياتي، كما يفعل الكثيرون. وانما تعاملت معه كما أتعامل مع ابنائي الآخرين.، ببساطة استطعت ان اجعل منه  ابنا سويا رغم انخفاض نسبة الذكاء لديه.فهذه الفئة من الاطفال يعطونك بقدر ما تعطيهم من الاهتمام والرعاية والحب .لذا استطيع القول انني وفرت له البيئة الحاضنة،  بمشاركة ابنائي الاخرين الذين احبوه كثيرا، وكانوا يعلمونه نطق الكلمات وسماع الموسيقى وحفظ الاغاني والعديد من الالعاب، الى جانب مساعدتي في تدريسه، ومشاركته في الكثير من الانشطة الرياضية. لذلك كان متفوقا في دراسته، وفي الرياضة  وحصل على الكثير من الجوائز .

*دعوت في كتابك الى إعداد دليل موثق ومعتمد بالبراهين ودقائق التجربة، يضيء على كيفية الاخذ بيد طفل ” الداون” في جميع المراحل ،من الصغر الى اليفاعة ،الى الشباب والنضوج. منْ باعتقادك قادر على انجازهذا الدليل المهم، على مستوى الأفراد والمؤسسات؟

-المؤسسات الحكومية التابعة للدولة، يمكنها اعداد هذا الدليل من خلال تأليف لجان متخصصة مكونة من امهات لهن تجارب في هذا المجال، ومدرسات او مدرسين مختصين في تدريس هؤلاء، واطباء ولادة واطباء نفسيين واعلاميين، وكل من يمكن ان يساهم في رسم ملامح انسانية لذوي الاحتياجات الخاصة على كل صعيد.لأن مثل هذا الدليل يوفر الكثير من الجهد والوقت على الاهل والمدرسة والدولة لانها ستوفر دليلا يساعدها ويساندها في رعاية هذه الفئات من خلال استراتيجية واضحة ومدروسة . على كل مجتمع ان يبادر الى عمل مثل هذا الدليل لانه سيكون بمثابة دليل حضاري على سلوكنا، واسلوب تعاملنا مع غيرنا، ممن لا يتمتعون بقدرات الانسان “السوي” .علما بأن هؤلاء في نظري هم اسوياء بإحساسهم وحنانهم  وسلامهم الداخلي . فالاحساس لا يمكن ان يكون معاقا .

*لك مجموعات قصصية متميزة. من المعروف أن فن القصة في أيامنا هذه، تراجعت جماهيريته، لصالح فن الرواية.الى أي مدى يؤثر هذا التراجع على تطلعات القاص العربي ومنظوره للمستقبل؟

-من الخطأ ان يتراجع اي فن ابداعي لحساب فن آخر ..وانا ارى ان الابداع بكل فنونه، من قصة ورواية وشعر وتشكيل وموسيقى، وغير ذلك، يفترض انه يكمل بعضه بعضا ..قد يصبح سوق الرواية رائجا في فترة ما ،لكن ذلك لا يعني التخلي عن القصة القصيرة او غيرها لصالح الرواية وهذا ينطبق على الفنون الابداعية الاخرى . ما يحدث عندنا يشبه الموضه في عالم الازياء . والابداع ليس موضة .لا نستطيع القول اليوم ان اللون الاحمر هو سيد الالوان ..وغدا لون اخر ..اعتقد ان حركة النشر او دور النشر ذات الطابع التجاري هي المسؤولة عن هذه الحالة . لأن الكتابة هنا ليست بالامر ..قد يعبر الكاتب عبر القصة القصيرة عن مضمون لا يصلح للرواية والعكس صحيح.وليس كل ما يصدر من روايات يستحق القراءة، كذلك الشعر هناك من يكتب “الشعر” ويريد ان يصبح شاعرا من اول خاطرة وهنا المعضلة . الحل هو في ترك النبض الابداعي على طبيعته من دون “تجيير ” لتكون كل الفنون الابداعية حاضرة والمهم ان تكون مميزة وقيمة

وذات جودة وتستحق ان تقرأ ومكتملة الشروط الفنية وهذا ينطبق على كل ابداع .

.

هدى عيد: الجريمة هاجسي الروائي

غادة علي كلش:

تُنقِبّ الروائية هدى عيد في رواياتها دوماً، عن المظاهر الفاسدة  الكامنة في طبقات المجتمع اللبناني، المتوسطة منها، وتلك البرجوازية الجديدة. وترصد من خلال هذه الروايات، خطوط العلائق الخفية التي تربط بين السياسي والمالي والاجتماعي من جهة، وبين الجنوح النفسي والفكري والأخلاقي، للأفراد الذين يشكلون دور البطولة في بيئات متهاوية ومتصدعة، من جهة ثانية.

هنا حوار مع هدى

هدى عيد

هدى عيد

عيد عن روايتها الجديدة “حب في زمن الغفلة” الصادرة عن “دار الفاربي” في بيروت، نضيء فيه على هواجسها التي تستتبع بها فن الرويّ وتقنياته وتحديثاته، على خط استتباع نبض المجتمع المتفجر:

■ تنحو روايتك الجديدة “حب في زمن الغفلة” منحى مختلفا عن رواياتك السابقة، من حيث اختراق البيئة المتوسطة الدخل تحديدا، من دون الابتعاد عن البيئة الثرية المرتبطة بأدوات السلطة. هل تعتقدين ان العلائق المتقاطعة بين بيئتين مختلفتين، هي التي تسبب نتائج  كارثية؟

– النتائج الكارثية لا تتأتى، طبعا، من هاتين البيئتين، واحدة متوسطة، والاخرى ثرية، اذا كان النمو في الطبقة الثرية نموا طبيعيا، وإذا كانت عملية الانتقال من هذه الطبقة المتوسطة الى الطبقة الثرية، قد تمت بشكل تدريجي طبيعي. لكن، ما يحصل في مجتمعاتنا هو قفزات مهولة أحيانا، تنقل الفرد من حالة متوسطية في العيش، او من حالة متدنية، الى ان يصبح برجوازيا منظورا في المجتمع. فيحاول قدر الامكان، الحفاظ على بعض العلاقات مع الطبقة المتوسطة، او يعمد احيانا الى مقاطعتها بنوع من الجفاء، والتعالي الذي يعكس  جملة من العقد النفسية. هنا تبدو العلاقات بين هاتين الطبقتين علاقات غير مستوية الى حد كبير. لأن التطور لا يكون ملحوظا على الصعيد الانساني بشكل كاف. ولا يلحظ النمو النفسي والعقلي والفكري بشكل متكافئ. لذلك نجد ان الصراع، يبدو قائما في هذه العلائق، اكثر مما يبدو الانسجام حاصلا. انطلاقا من هذه الرؤية احاول في روايتي هذه، تسليط الضوء على هذه المسألة الملحوظة في مجتمعنا. إذ ثمة فجوة تقوم في مجتمعاتنا بين هاتين الطبقتين. فالطبقة  البرجوازية الجديدة، تحاول ان تركل بقدمها كل ما كان لديها من قيم، وتحاول ان تدوس عليها، فيما الطبقة المتوسطة تبدو في عدم  تقبل، أو عدم استيعاب لهذه المنظومة الجديدة. لذلك يقوم نوع من الصراع متجليا بطريقة او بأخرى، عبر بطلة الرواية ليلى بدران، التي تنتقد ما حصل مع اختها وصهرها، وهما النموذجان الفعليان لهذا الصراع في هذا العمل الروائي.

■ يتشكل البعد الرمزي والجسدي للحب في روايتك، ضمن ثلاثية العذاب والطلاق والغرام. هل ترين ان الاعراف الشرقية تغيرت كثيرا، مع تغير اشكال الممارسة الاجتماعية العامة في لبنان، ومع تحديث العادات وانقلاب الاجيال الشابة على التقليد؟

– الزواج مؤسسة اجتماعية مهمة. ولا شك في ان تغيرات عدة قد طرأت بسرعة على المجتمع اللبناني، وعلى سائر المجتمعات العربية. ولكن، اعتقد، أن المجتمع اللبناني، كان الاسرع في تقبل هذه التغيرات وفي اعتناقها. والتي انعكست بسرعة هائلة على مؤسسة الزواج. وما نلحظه في مجتمعاتنا اليوم هو كثرة حالات الطلاق. وبالتالي، فإن البعد الهائل ما بين طرفي هذه المؤسسة، جعلهما بسبب هذه التغيرات، غير قادرين على التفاهم. اذ شكل كل واحد منهما عنصرا قابلا لتغيرات المجتمع المتسارعة، وغير المدروسة وغير المنتظمة الوقع. وقد اوصلهما هذا الواقع  الى حالة صدامية نوعا ما. من هنا فإن الصورة العامة لمجتمعنا اليوم، قد لا تبدو قائمة على اسس صحيحة، بشأن كثرة عنصر الطلاق. إلا أن  بعض هذه الحالات الانفصالية في مؤسسة الزواج، هي منطقية ومبررة، تستند الى جملة من الاسباب الواقعية التي تجعل الانثى تفكر في استقلالها مجددا، لاثبات ذاتيتها. ليلى بدران في هذه الرواية، كانت تمثل الى حد كبير، حالة المرأة المطلقة التي تواجه المجتمع الرافض، الذي لا يزال بدوره، يقسو على المرأة العانس، والمرأة المطلقة، فيحاول ان يجرها للعودة الى زوجها، حيث كان يمثل هذا الاخير انموذجا منفرا لتداعي القيم من حولها.

■ شخصية صالح (زوج ليلى بدران) شكلت في روايتك هذه، مفاجأة للقارئ. فهو الرجل الذي نجح في تغيير شخصيته كليا من السيء الى الاحسن، من أجل استعادة زوجته. هل (صالح) هو رمز وهمي ام حقيقي؟

– أُثمِن ملاحظتك هذه غادة أنا لا أرى شخصية صالح متخيلة وبعيدة من الواقع، انا اجد ان الرجل اللبناني مظلوم الى حد ما، من التغيرات التي وقعت في مجتمعه. لا ينبغي ان نضع كل المسؤولية على عاتق الرجل. ثمة مجتمع مجحف يتعرض للانسان عندنا، سواء كان رجلا ام امرأة. وثمة ظروف اقليمية وسياسية واجتماعية يتعرض لها الانسان فينا. لذلك من يعاني ليس فقط المرأة، فالرجل ايضا يعاني من تغيرات مجتمعه. وفي روايتي هذه، كنت اعوّل على شخصية صالح وتغيرها من الاسوأ الى الاحسن. فالرجل هو عنصر ايجابي وسيبقى ايجابيا، اذا ما لاحظ هذه التغيرات، وأعاد استيعاب القيم، وبناء نفسه من جديد.

■ روايتك تعكس لنا واقع الاغتراب الجديد للشباب، واختلاف نوع الغربة معهم عن غربة الآباء والاجداد.  الى اي مدى شكلت التكنولوجيا، همزة وصل جديدة، ضمن ادبيات الغربة؟

– الوطن اللبناني هو وطن مفتوح على الغربة. نقرأ من سنوات طويلة، أن ثمة هجرة كانت تحصل وبشكل قسري، أحيانا لظروف سياسية، وأحيانا، لظروف امنية، وأخرى معيشية. ولا شك في ان الظروف المعيشية هي التي شكلت العامل الاساسي في عملية اغتراب اللبناني عن وطنه. كل المهاجر الاميركية (الجنوبية والشمالية) والمهاجر الافريقية، تعرف المغترب اللبناني، من خلال بروز اسماء العديد من اللبنانيين، على الصعيد العالمي، والمؤسف، أن عملية الهجرة في القرن الواحد والعشرين ما زالت مستمرة، ونحن بالتالي امام نوع من نزف متجدد لا يمكن وقفه. بعضهم يتحدث عن عوامل ايجابية كثيرة، تجعل هذه الهجرة موردا للرزق، وموردا للثقافة، يستفيد منه الوطن وجيل الشباب. ولكن، نحن لا ننسى اننا نخسر دائما عنصر الشباب، وأن المجتمع يفقد هويته بطريقة او بأخرى. وما يحدث على الساحة اللبنانية اليوم، نزف من مكان، وتدفق من مكان آخر. وهذا ما يغير، في طبيعة الحال، من هوية المكان ويبعده عن الطابع الاساس الذي كان مطبوعا به. ان ما اشير اليه في روايتي “حب في زمن الغفلة”، هو هذا النوع من الهجرة، التي بدت مرتبطة بالاجتماعي اكثر، وبالظروف التي نتجت عن التمزق النفسي الى حد كبير، بالاضافة الى العناصر المادية الضاغطة على الاسرة الصغيرة. ولا شك في ان التكنولوجيا، لعبت دورا جديدا في وسائط الاتصال المختلفة، بطرق اكثر اتساعا وشمولية، بين المقيم والمهاجر. ويمكن القول ان ابناءنا اليوم يتعرضون ـ شئنا أم أبينا ـ لنوع من التربية المختلفة، عن تربيتنا، وعن ثقافتنا. لذلك يبدو لهم النموذج الغربي اكثر انفتاحا، وأكثر اغراء.

■ المتابع لرواياتك، خصوصا في رواية سابقة لك هي “نوارة” وفي روايتك الجديدة هذه، يلاحظ ان واقع الجريمة هو واقع متداخل الاسباب والاساليب، مرتبط بقوة السلطة، وبسلطة المال. هل يسعى الروائي في رأيك الى ادانة القاتل والقتيل معاً؟ هل تسعى هدى عيد الى تكريس السرد التراجيدي الذي يدين ولا يدان؟

– انا أكتب الاجتماعي، فالمجتمع هاجس اساس بالنسبة إلي. وأجد نفسي دائما مع مقولة ان الرواية يمكنها ان تكون الحقيبة الاخيرة لتهريب التاريخي. وبالتالي لسنا مضطرين دائما للعودة الى قراءة التحليلات السياسية العميقة، حتى نستقرئ الاجتماعي. لذلك احاول في رواياتي، لفت النظر الى تغير المجتمع، بطريقة او بأخرى، وبابتعاده عن السلمية الاهلية التي كنا فيها، كانت الحرب عنصرا خارجا. اليوم بات افراد من المجتمع، ينتجون الحرب، عبر فصل القتل. نحن نحيا في مجتمع مفتوح على الجريمة. وهذه مسألة خطرة، وتشكل بالتالي اشارة ضوء ينبغي ان نتنبه لها كمواطنين، وكمتابعين لحركة المجتمع في حيثياته الصغيرة والكبيرة. المقلق في الموضوع ان الجريمة هنا هي بلا عقاب. وهذه مسألة خطيرة جدا، وينبغي على السياسي والمفكر والفنان، وكل فرد قائم في المجتمع أن يتنبه لها. لقد باتت الجريمة تشكل هاجسا في اعمالي الروائية، لأنها تحولت الى شخص معنوي موجود على الارض، ويتحرك بحرية تامة، من دون أن ينال عقابا له. لذلك اصبحت الجريمة احدى مكونات البناء السردي، الذي اعمل على ايجاد مداميك ثابتة له، بالنسبة الي هذه الظاهرة الخطرة بالذات.

■ التقنية السردية في اعمالك الروائية، تتسم بتطوير الشكل التقليدي لآلية الحوار. رأينا ذلك في روايتك “حياة اخرى” وفي روايتك الجديدة هذه. هل اكتملت في رأيك مهمة التطوير التي تبذلين جهدك في تكريسها، ام انك مستمرة في تقديم اضافات اخرى؟

– الفن الروائي، فن مفتوح كسائر الفنون. لذا، أعتقد ان الروائي الحقيقي، عليه ان يجرب اكثر من مرة، وعليه ان يجدد اساليبه وتقنياته، ولا يركن الى المألوف والمعتاد. نحن امام قارئ مختلف. القارئ لم يعد محصورا بقراءة الكتابات المنتجة باللغة الام. اصبح يقرأ اعمالا روائية منتجة على الصعيد العالمي. وهنا ينبغي ان نعترف بأن الرواية العالمية في الخارج، اكثر تطورا وأكثر ديناميكية من الرواية العربية. وعنصر التجريب لا ينتهي فيها. لذلك علينا ان نحاول ونجرب دائما في الروي الخاص بنا. شخصيا، ومن خلال عملي على سردية الحوار بطريقة مختلفة، اؤمن بأن الحوار هو تقنية مهمة وحيوية في العمل الروائي. وما امارسه وما مارسته في هاتين الروايتين كان طريقة محببة في الحوار السردي، لاقت استحسانا من قبل القراء. فقد كسرت هذه الطريقة المسافة بين المتحاورين، وبالتالي جعلت الحديث يبدو اكثر حميمية، وأكثر صدقية، حيث شكل نوعا من تداخل  الاصوات ضمن الشخصية الواحدة. هذه التقنية تحتاج الى جهد كبير، والى نوع من الاستغراق والذوب فيها، حتى يمكننا الحصول على هذا الصوت المتداخل بصدقيته وبقمة حرارته وشفافيته العالية.

■ معنى الغفلة، ومعنى الضياع، اين يتشابهان في عمليك الروائين “الحياة في الزمن الضائع” و”حب في زمن الغفلة”، وأين يتقاطعان، خصوصا انهما يمثلان رمز المرأة الشرقية في مجابهتها للرجل والمجتمع، وفي رغبتها بحياة اخرى، وحب جديد؟

– دائما علينا ان نسأل ما هو الهدف من الوجود الانساني على الارض. هل وجد الانسان ليعاني فقط، وليتألم ويحتار من التقلبات التي تأخذه ذات اليمين وذات اليسار؟ ام عليه ان يشعر بنوع من الاستقرار، وبنوع من الامان والثبات؟ اتساءل دوما لِمَ هناك اناس عديدون حول العالم، لا يعانون مما نعاني نحن؟ دائما نبقى في مراحل  التحول الذي يصهرنا ويجعل كل مشاعر الالم والضياع تهيمن علينا في بعض المراحل، لذلك اجدني اركز على هذه المفردات، مثل الضياع والخيبة والغفلة. ففيها اشارات الى زمن يمر من غير ان نستطيع القبض عليه، ومن غير ان نسمره بطريقة انسانية عالية. فيما المرأة ههنا، هي العنصر الاكثر تلقيا لهذا النوع من الضياع، وهذا النوع من الغفلة، لأنها اساسا في المجتمع، كانت هي الحلقة الاضعف، اليوم باتت اقوى من السابق، إلا أنها تلقت الخيبات والغفلات بطريقة اعلى حساسية ومعاناة. ولكن ما من شك في ان الضياع بمدلولاته  يطاول المرأة والرجل على حد سواء، ويجعل الزمن يتسرب من بين ايديهما، من دون أن يحسنا استغلاله بطريقة تخدم انسانيتهما، وتخدم هدفيهما في أن يكونا داخل الحدث، لا خارجه.

“رقصات التيه”: رقصٌ تائِه في سجون تائِهة

غادة علي كلش:

يخوض الروائي اللبناني سامي معروف في روايته الجديدة ” رقصات التيه”الصادرة عن ” دار الفارابي” في بيروت لجى السجون وبراكينها التي تقذف حمماً بين فترة وأخرى. عاملا على ربط أدوار الإعلام والسلطة والمؤسسات الإجتماعية، في شبكة من الأحداث التثويرية ضد منظومة السجون البالية، والتي تعزز بسياستها الهوجاء، ، نِسب الجريمة والمجرمين.

عن عمله الروائي الأول، بعد صدور مجموعات قصصية سابقة له، كان لنا مع الكاتب سامي معروف،  هذا الحوار:

 

■ تبدو روايتك “رقصات التيه” محطة حياة شائكة وصاخبة، عنوانها “السّجن بكلّ خطوطه التحتيّة، وأمكنته العفنة، ومعاملاته اللامتحضّرة”.هل أردتها ثورة روائيّة على نظام السّجون؟ وإلى أيّ مدى يؤثرالسّرد الرّوائيّ على الواقع؟

“- رقصات التيه” رواية تعكس ما يحدث على أرض الحقيقة. هي كاميرا تصوّر المشاهد المأساويّة المتناثرة في رحاب شرقنا البائس. ليست الغاية البكاء ورثاء الذات البتة، بل خلق حالة رافضة لكلّ “الستاتيكوات” المزمنة التي تقيّد شوق الأمّة إلى التطوّر والرقيّ. فإذا كانت الأحداث صاخبة ومعقدة، والشخصيّات ثائرة ناقمة.. فهذا هو الفصل التراجيديّ الذي نعيشه الآن في واقعنا الرّاهن. ممّا لا شكّ فيه أنّ الشّرق متخلف… بل هو موغل في تخلفه! والأسباب كثيرة. أنا أردت في روايتي أن أسلـّط الضّوء على نقطة واحدة تمثل جانباً واحداً من تخلفنا هي “السّجن”. في السّجن تنحشر آفات المجتمع كلها، بل السّجن هو مجسّم لبكتيريّاته المتنوّعة. وهو الصّورة السّالبة لديناميّة المجتمع ومستوى وعيه ورقيّه. والسّجن أداة حادّة! إذا أحسنا استخدامَها تكنِ الثمارُ مباركة، أو أسأنا استخدامها تكنِ النتيجة “مصنعاً للجريمةِ” مخيفاً مرعباً. تقولين “ثورة روائيّة”! وهل هناك تغيير بلا ثورة؟ التاريخ في كلّ فصوله ومحطاته يؤكد لنا أنّ الثورة هي ديناميّة وروح الحياة. لا تثب الحياة وثبة واحدة إلى الأمام بلا ثورة، لأنّ الثورة ألمٌ وشوق في آنٍ معاً. المتألـّم ثائر، والمُشَوَّق أيضاً ثائر.وأبطال الرّواية أناس عانوا آلاماً وظلماً مزمناً. فدفن الظلمُ في خوابي وعيهم مارداً ناريّاً غاضباً، ينتظر بفارغ

سامي معروف

سامي معروف

الصّبر تلك السّاعة التي يُطلقُ فيها إلى الحريّة. لماذا أسلوب الرّواية في المعالجة؟ لأنّ الرّواية هي الحياة. الرّواية تقول للناس كيف يحيون. ونحن عندما نروي نقول للناس هكذا أنتم تعيشون. هذا حسن فاعملوه وذاك سيّء فاجتنبوه. القصّة مرآة الحياة، لذلك هي خارقة إلى أعماق الذات أكثر بكثير ممّا تفعله الخطبة أو السّجال أو الحجّة أو المقالة أو الإعلان.. إنّها تأخذ القارئ إلى عالمِها الخاصّ وموحياته الممتعة… هناك أراد الكاتب تصويب الوجدان إلى فصل من فصول معاناة الإنسان وجهاداته في هذا العالم.

■ عنوان الرّواية يعاكس خشونة الأحداث وظلاماتِها ومعاناة شخوصها. هل التيه الرّاقص هو بوارق الأمل والحبّ التي عاشها ناجي وسحر في رحلة بحثهما عن الحقيقة؟

“- رقصات التيه” عنوان يحوي التناقض الحقيقي المرّ. الحياة حُلوة ومُرّة في آنٍ معاً. الحياة صراع مستمرّ بين الحياة والموت، بين النور والظلمة، النجاح والإخفاق، الحريّة والعبوديّة، الأمل واليأس… إلخ. الرّقص يرمز إلى الفرح، والتيه إلى الفشل والخيبة والكآبة. إذاً هكذا هي حياتنا في هذا العالم (رقص تائِه). حقيقة موجعة! بيد أنّ أكثر صور الوجع هذا تتجسّد في حياة السّجين. إنّ الشّابّ الذي عمره 45 عاماً مثلاً، منذ عشريناته وهو داخل خارج من السّجون، كأنّ شبابه ليس له بل لآخر.. هذا هو الرّقص التائه. السّجين مقامر بحياته، يلعب بأعوامِه لعبة آثمة غبيّة، ولا يدرك أنه على قاب قوسين أو أدنى من الهاوية. إنّ العنوان سيّدتي يعكس بالضّبط هذه الدّراما الناشبة في ظلامات ووحشة أقبية السّجون. ناجي وسحر هما أيضاً دراما أخرى نُسجَت من مأساة السّجن. ربّما هما سجينا الغرام! أو الظـّلم، أو الإهمال والتسيّب الإداريّ. ناجي سجين مزمن بريء، وسحر صحافيّة ثائرة.. ولكنّ أخاها مجرم خطير من “فبركة السّجن” وهو ليس مجرماً أصلاً. قصّة حبّ بوليسيّة طريفة شَكـَلت حكاية الظلم بحكاية الاهمال الإداري، فتشكَّـلَ الملفّ العاطفيّ الملغوم بين الاثنين ليصلَ في نهاية المطاف  إلى الزّواج رغم عقبة فارق السِّنّ.

■ ثمّة دعوات عمليّة تضمنتها فصول الرّواية لتغيير أنظمة السّجون البالية في لبنان. منها ضرورة اعتبار المجرم مريضاً يحتاج الى العلاج وليس إلى التأديب. وضرورة توقـّف إدارة السّجون بممارساتها التطبيقيّة، عن “المشاركة بتصنيع الجريمة” وإنتاجها باستمرار. هل يمكن للمنظمات الإعلاميّة والأهلية والأكاديميّة أن تغيّر واقع السّجون، وفقاً لمسَار الرّواية ومُجرياتها؟

– هناك حروبٌ مشتعلة في كلّ مكانٍ من العالم حاليّاً. والسّلاح الأقوى الأكثر فعاليّة وإنتاجيّة في قلبِ موازين وخلق موازين أخرى هو وبلا منازع (الإعلام). الإعلام ساحرٌ بارعٌ مخيف. وطالبُ التغيير يكون مخطئاً إذا أهمل استخدام هذه الوسيلة المؤثرة. سحر صحافيّة ثائرة. وثورتها العنيدة أوصلتها إلى قُبلةِ أحلامها ورؤاها. الرّواية صوّرت سحر “مُناضلة أسطوريّة”، وحصلت على مبتغاها في تغيير واقع السّجون في شكل مبالغ فيه. لا بدّ من قول الأشياء بمبالغة أحياناً لشدِّ الإنتباه، أو إعلاء الصّوت لإسماع القادة والمسؤولين. أرجو أن أكون في بعض علاجاتي وطروحاتي المبالغ فيها في نهاية الرّواية قد خلقت شوقاً وحماسة لاستيلادِ سَحَر ما بل سَحَرات في شرقنا العربي يحمِلن لواءَ سحر سالم بطلة الرّواية ويمشين وراءَها.

■ بين الظلم والحرمان، والخطيئة والتوبة،والسّياسة والجريمة،تمضي خيوط “رقصات التيه”.إلى أيّ مدى تقاربُ هذه الخيوط سيرة أناس حقيقيّين؟

– إذا كانت الرّواية تحاكي الحياة، فيجب أن تتحدّث عن كلّ مضامينِها ومكوّناتِها. ممّا تتألـّف الحياة؟ الناس والسّاسَة والانحِراف والعِقاب والخطيئة والإيمان والظلم والحبّ والتسامح والثورة. لقد عرضتُ كلّ هذا في الرّواية. كنت أقول رأيي في كلّ شيء في الحياة من خلال القضيّة المحور (السّجن)، وأحياناً رأيي في أمور دنيويّة أخرى أكثر أهميّة من السّجن. موضوع شهوة الانتقام والغفران مثلاً. موضوع فارق السنّ في الحبّ، ثمّ موضوع توبة الإنسان وهي ليست منه بكاملها! بل هي عمل إلهي سماويّ خارق في أعماق الذات. وعملُ السّماء دائماً يُحيّر العقل. والسّؤال: هل شخصيّات الرّواية حقيقيّة؟ أقول لكِ أنّ الرّواية لم تأتِ من العدَم. ما شاهدته داخلَ السّجن، وأنا أعمل هناك، وآلمني كثيراً، كان حافزاً وملهماً قويّا لأن أكتبَ ما كتبت. لقد صوّرت أناساً حقيقيّين، وآخرين أنصاف حقيقيّين، وآخرين يُشبهون الحقيقة، وآخرين من بنات الخيال. الأسماء مبتكرة والأزمنة مختلفة والأمكنة ليست كما هي. ولكنّي كنت أروي واقعاً حقيقيّاً مُرّاً. وكنت أسعى لاكتشاف رؤيا ما أو حلّ.

■ لِفسادِ الطبقة السياسية دورٌ بارزفي أحداث الرّواية. نعلم أن علم السّياسة يُكتسَب بالدّراسات العُليا والمُمارسات الحكيمة الذكيّة.أين السياسيّ في لبنان من ذلك كلـِّه؟ هل تاهَ في نظامٍ سياسِيّ متوارث إقطاعيّاً؟

– سيّدَتي، ليسَ هناك من نظريّة أو مبدأ أو عقيدة أو ناموس يُطبّق! بالكاد يمارس الإنسان 40 % من هذه الأطر والمواثيق الذي ابتكرها للأسف، هو. ولو طبّق السّاسة أصول السياسة لما كان هناك مشكلة. لقد انحرفت السيّاسَة عن معناها الحقيقي وهو (إدارة حاجات وأمور الناس)، وأصبحت كلمة سياسَة توازي المفردات التالية: ثعلب، نمر، أسد، داهية، ديكتاتور، بازار، بيع وشراء، كول وطعمي، نفوذ وسيطرة، غلبة الأقوى، الزواريب الضيّقة، لعبة الأمم، مصالح الكبار، الصّراع الاستراتيجي… إلخ. لقد ولـّى زمنُ القادة العظماء الذين صنعوا الشّعوب والأمم وأمجادَها. وباتت السّياسة لعبة مراوغة ومداورة “متثعلبة” في أزقـّة حسابات الرّبح والخسارة. ومعاناة الجماهير إن هي إلاّ ورقة لاعبة فوق الطاولة أحياناً وتحت الطاولة أحايين أخرى، بل همُ الوقود الحقيقيّون لنار تذاؤبِ الذواتِ الكونيّةِ الكبرى.

■ روايتك تغزل خيوطَ الثورة على أوضاع السّجون في لبنان. خاصّة وأنّ “عدوى الإجرام في السّجون متداولة”.وعملك الرّوائِيّ يؤكـّد على أنّ مكوّنات المجتمع الأهليّ هم أبطال ملحمة الثورة، لا السُجناء أنفسهم فقط. هل يفلح الأمر برأيك؟

– أنا لست شخصيّة ثوريّة بالمفهوم التقليدي للثورة، وأرفض العنف بكلّ مظاهره. هل تعلمين أنّ للمحبّةِ ثورة؟! غاندي!! يوحنّا المعمدان!! في أحيان كثيرة الأدوات الثقافيّة للثورة أكثر إنتاجيّة. هناك ثورة على طريقة لينين، وثورة على طريقة جمال عبد الناصر، وثورة على طريقة غاندي، وثورة على طريقة بشير الجميّل، وثورة على طريقة أبراهام لنكلن. بيد أنّ أيّ إنسان يملك حسّاً إنسانيّاً وأخلاقيّاً مرهفاً يرى بأمّ عينِه يوميّات سجون الشّرق.. إلاّ وتمور في دمِه نار الثورة حتى ولو كان ذو مزاج وشخصيّة فاترة. قال الشّاعر خليل حاوي واصفاً الإنسان الشّرقيّ: “لا البطولاتُ تنجّيهِ ولا ذلُّ الصّلاة”. أيّ يأس هذا! بيد أنّ الحراك الشّعبيّ الحاليّ مع ما فيه من شوائب وضعف وهشاشة في الوعي الثقافي الضّروري للتغيير.. إلاّ أنّه صنع تغييراً ما، وبعد عقودٍ من الرّكود والاستسلام. لا ثورة حقيقيّة صحيحة قبل مرحلةِ تجهيز الوعي الثقافيّ ومرحلة الثورة الفكريّة.. أو النهضة الفكريّة. لقد مهّد المفكـّرون للثورات في التاريخ: فلاسفة الثورة الأميركيّة، فلاسفة الثورة الفرنسيّة، فلاسفة القوميّة الألمانيّة.. ولم تنجح ثورة لينين إلاّ بعد ثمانين عاماً من التثقيف الماركسي. وكذلك الثورة المسيحيّة في القرن الأوّل احتاجت إلى عقود من النضج قبل انفجارها في رحاب العالم القديم آنذاك. إذاً الثورة الثقافيّة تمهّد للثورة العَمَليّة. ويا ويل أمّة تثور لا تحضيراً فكريّاً يمخضُها ولا ثوابت تؤكـّدها وتواكبها. كرجل يريد أن يشارك في أعظم سباقات السيّارات ولم يتعلـّم القيادة بعد. وفي النتيجة الثورة هي مطلب وحراك المجتمع بكاملة. الثورة يصنعها الأفراد وليس القادة. الثورة تصنع القادة وليس القادة من يصنعون الثورة. بيد أنّ جوهر الثورة هو ثورة على الذات أوّلاً… ثمّ على الشرّ والظلم والتخلف والجشع والاستزلام والاهمال والعصبيّة والفقر والمحسوبيّات وشهوة السّلطة وإله المال. كلّ هذه أصنام خبيثة تحتاج إلى ثائر نبيّ يحطـّمها بشجاعةٍ رسوليّة.. مفسحاً في المجال لقيام مجتمع حديث منتج يواكب الرّكب الحضاري.

■ هلْ يُمكن إدراج هذه الرّواية في خانةِ أدَب السّجون، أم أنّ لك إطلاقاً آخر؟

– الفكرة الرّئيسيّة في الرّواية هي السّجن. فالكتابة إذاً هي من أدب السّجون. ولكن كيف لي أن أعالج قضيّة السّجن في شكلٍ روائيّ؟! أحتاج إلى قصّة وحبكة وأشخاص. خصوصاً أنّ موضوع السّجن ليس شيّقاً. الجمهور يحبّ حكايات الغرام، والصّراعات السّياسيّة، والمؤامرات، والألغاز البوليسيّة، وحركيّة الأحداث المدهشة فلا يشعر بالملل. لقد قدّمت للقارئ فكرة لا يحبُّها في قالب الموضوعات التي يحبُّها. قدّمت فكرة السّجن إلى جانب الحبّ والسّياسة والإيمان والمؤامرة، مستخدماً كلّ الأدوات الإنشائيّة: السّرد والتأمّل والحوار والحبكة الذكيّة غير المتوقعة، المقالة، الخطبة، الحكمة، الخاطرة، المونولوغ، الشّعر. وأعتقد أنّ هذا التنوّع في الأساليب الكتابيّة يجعل القراءَة ممتعة مشوّقة. أمّا عن أهداف أخرى سوى السّجن، فقد تكلـّمت عن التعذيب في السّجون والأساليب البدائيّة في الاستنطاق وأخذ المعلومات. وتكلمت عن الغفران والانتصار على شهوة الانتقام، وهذه لا يستطيعها الإنسان من ذاته، برأيي، فهو يحتاج إلى طاقةونعمة إلهيّة. وجوهر محبّة الله للإنسان هي في مسامحته لخطاياه. وتكلمت أيضاً عن فارق السِّن بين الحبيبين. لقد خلقت “كونتراستاً” قويّاً بين الخير والشرّ في الرّواية لأظهر الشرّ شريراً كثيراً والخير خيِّراً كثيراً. لا بل جعلت الخير غالباً في نهاية المطاف، وعلى يد أشخاص ضُعفاء جعل الألمُ منهم أناساً أفذاذاً. وعندي أنّ آلام الإنسان في الحياة هي التي تصوغ شخصيّته وتحدّد له خياراته. وأرجو أن أكون قد وفقت في مسعاي هذا، والله وحده وليّ التوفيق.