إعلانات بالدم

walidعندما يروّج بوتين للسلاح الروسي بقوله أن المعارك في سوريا جعلت العالم يعرف جيداً قدرة وقوة وأسماء أسلحته، يكون قد حوّل المأساة السورية إلى شاشة إعلانات.

هذا السلوك التجاري المعيب، يُفقد روسيا مصداقية الإدعاء بأنها جاءت إلى سوريا من أجل محاربة الإرهاب، والمحافظة على وحدتها وشرعيتها.

إنه يعلن بصراحة مخزية أن الأرض السورية، بمدنها وريفها، كانت حقل تجارب لأسلحته الجبارة. أنه بذلك يكون قد أثبت للدول الباحثة عن السلاح، أن موسكو هي المصدر المثالي للتسلح.

هذا استثمار رائع لمأساة مروّعة. فما تكلّفته روسيا في حربها السورية، ستعوّضه أضعافاً في صفقات السلاح المتوقع أن تنهمر طلباتها على الكرملين.

هذه ليست الدعاية الوحيدة التي قدمتها سوريا للقيصر الروسي. فقد منحته أيضاً دعاية سياسية عالية الجودة، حيث أتاحت له إستعمال “الفيتو” مراراً، مؤكداً من خلال مجلس الأمن، أن روسيا حليف لا يعوّض، في حين أن التحالف مع الغرب ليس أكثر من ثرثرة عاطفية.

وهكذا تكون سوريا قد وفّرت لبوتين قاعدة عسكرية في حميميم، وقاعدة سياسية قي نيويورك.

في حميميم وطرطوس، تحقق روسيا حلمها بالوصول إلى المياه الدافئة. وفي نيويورك، تمت لها السيطرة المطلقة على قرارات مجلس الأمن، ساحبةً بذلك البساط من تحت أقدام ترامب الأميركي وماكرون الفرنسي وتيريزا ماي البريطانية.

أكثر من سبعين عاماً والشركاء الخمسة في الإنتصار على النازية، يحكمون العالم بالفيتو.

يمارسون ديكتاتوريات الدول العظمى على دول لم تسهم في خوض حروبهم، ولم تقتل الملايين. في حين أن القتلة أخذوا من فظاعة ماضيهم مكافأة الحق في إدارة العالم، وحماية السلم العالمي والحريات وحقوق الإنسان.

وهم اليوم، يكررون، إلى حدٍ ما، ماضيهم العنفي. فبسبب صراع مصالحهم، يفتعلون الأزمات والحروب الأهلية. ويتحالفون مع ديكتاتوريات كرتونية. ويتسببون بنزوح الملايين هرباً من النزاعات المسلحة، هادرين بذلك أدنى الحقوق البشرية لهذه الأسر المشردة، عبر حرمانها من المأوى والرغيف والطبابة والمدرسة.

إذا بقي النظام الأممي على حاله، وهو باقٍ بكل تأكيد، فإن دول العالم الثالث ستبقى حطباً متروكاً لنيران الفيتو.

لكن الفيتو نفسه، قد يتحوّل إلى حزام ناسف ينفجر بحامليه. ودلائله تبدو في التنافس القذر، بين روسيا وأميركا، على لقب الدولة الأعظم. خصوصاً وأن خطوط التماس المباشر بينهما أصبحت متعددة ومتقاربة، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن أو كوريا أو أوكرانيا.

هذه ليست عودة إلى الحرب الباردة فقط. فمع وجود بوتين وترامب، وما يحملانه من عنجهية ومن جنون العظمة، نخشى من ارتكاب حماقات كبرى، تتحوّل معها حربهم الباردة إلى حرب ساخنة جداً.

وليد الحسيني

Advertisements

فرقة الكورال

walidللعرب أعداء. أما الأصدقاء، إذا وجدوا، فهم ليسوا من فئة “الصديق وقت الضيق”.

قائمة الأعداء طويلة، وهي إلى مزيد.

في التفاصيل:

إكتشف كولومبوس أميركا … وأميركا إكتشفت إسرائيل فوقعت في حبها وحبائلها.

وأميركا نجحت في أن تمثل علينا دور الحامي … وأن تمارس على ثرواتنا دور الحرامي.

روسيا، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، أشاحت بنظرها كلياً عن دول أوروبا الشرقية، وركزت بأبصارها وأطماعها على بعض الدول العربية.

تركيا، حملت خنجرها العثماني العتيق … وتحيّنت فرص الطعن في الظهر العربي.

الاتحاد الأوروبي، يعطينا من طرف اللسان حلاوة، ويعطي إسرائيل من القلب الموقف والمال والسلاح. وإذا خطى خطوة نحونا، يخطي خطوات نحوها.

دول عدم الإنحياز، أصيبت بالصدأ، ونامت على صدى صوت عبد الناصر.

منظمة المؤتمر الإسلامي، لم تعد تعرف من الإسلام سوى أداء “صلاة الميت”.

أما إيران، فقد زادت في طنبور الغناء عداء، منذ أن برعت في إشعال النيران في الديار العربية.

ترتدي “قناع فلسطين” داعية العرب إلى الاندفاع خلفها نحو القدس. فهي تمسك بأكبرأحلامنا، وتتشدد في إزالة إسرائيل ومسحها من خريطة ما بين النهر والبحر.

في الوقت نفسه، تكشف إيران عن وجهها الإمبراطوري، فتصيب وعينا القومي بالهلع.

هي محتلة لجزر الإمارات. وطامعة في دولة البحرين. ومتدخلة حتى الثمالة في حروب سوريا والعراق واليمن. ومحرضة على السعودية. ومهيمنة على لبنان. ومتورطة في تكريس الإنشقاق بين غزة والضفة. ولا يزعجها الإرهاب في سيناء.

تشكل في العراق “حشداً” اختلط فيه “الشعبي” بالشيعي، فأشعل فتنة تهدد بقايا قوتنا العربية، المصابة أساساً بالوهن والتبعثر.

وفي اليمن لا يقاتل الحوثيون بطيور أبابيل. فثمة من يمدهم بالمال والسلاح والخبرة. ولا يمكن إلقاء هذا المدد على المَشجَب الإسرائيلي. على اعتبار أن التعاطف الإيراني المعلن مع الحوثية يخلع هذا المَشجَب من جذوره، لإيماننا الثابت بأن إيران لا يمكن أن تتلاقى مع المؤامرة الاسرائيلية في أي مكان وأي زمان.

أما المَشجَب الأميركي، الذي نعلّق عليه هو الآخر مصائبنا، فهو أيضاً مَشجَب مُخلّع، وبالكاد يحمل أزماته الداخلية ونكساته الخارجية.

إنطلاقاً من كل هذا، لا يبقى من رصيد الحوثيين سوى إيران، التي تزعم أن التدخل السعودي في اليمن حرب “وهابية” ضد الشيعة. وهكذا يتم صب الزيت على جمر المذهبية في الوطن العربي.

إن جرثومة المذهبية التي تنتشر محيطاً وخليجاً، هي أخطر من كل ما واجهناه من أخطار، منذ الاستيطان العثماني في كل الوطن العربي، إلى الاستيطان الصهيوني في كل فلسطين.

أخيراً، تخلى العرب منذ أزمنة بعيدة عن وهم استعادة جغرافيا الخلافة العربية، التي حكمت في قديم الزمان بلاداً باسم الإسلام. ونتمنى على إيران التخلي بدورها عن الطموح المستحيل بقيام إمبراطورية فارسية، أيضاً بإسم الإسلام. فذاك زمان مضى، وهذا زمن لن يأتي.

نتمنى أن نجنح معاً إلى السلم والاستقرار والأمان. وأن نتجه فعلاً إلى فلسطين … بالأفعال، لا بالأقوال. فقد قلنا وقلتم كثيراً … إلا أن فلسطين لا تحتاج إلى فرقة “كورال” … بل إلى فرق عسكرية.

وليد الحسيني

ما بعد الجرود

samer husseini

سامر الحسيني

لا داعي لكل هذه الرومانسية الوطنية في حب الجيش والاحتفال بتحريره نصف الجرود، بعدما أوكل لـ”حزب الله” مهمة تحرير نصفها الآخر.

فالزواج القسري بين الجيش والمقاومة “غير المنسّق”، كما يعلن الناطقون العسكريون، يخضع اليوم لاختبارات اقليمية ومتغيرات دولية قد تفكك الروابط وتنسف التفاهمات بينهما.

إن معركة الجرود هي جزء من حرب أوسع على الارهاب، تتداخل فيها غرف العمليات الأميركية والروسية والإيرانية والعراقية والسعودية والتركية والأردنية وأخيرا اللبنانية.

كما ندرك أن التفاهمات الروسية – الأميركية حول مناطق خفض التوتر في سوريا وتوحيد الجهود في محاربة الارهاب في العراق، عبرت الحدود اللبنانية عبر الدعم المباشر للجيش في رأس بعلبك والقاع، وغير المباشر لـ”حزب الله” في جرود عرسال.

إذاً، توقيت تحرير الجرود المشتركة بين لبنان وسوريا لم تضبطه عقارب الحكومة اللبنانية ولا قيادة الجيش، وإنما حدّدته أجندات خارجية لم تعد ترى في “داعش” و”النصرة” إفادة في مشروعها الشرق أوسطي الجديد.

من الطبيعي أن يكون لبنان مستفيدا من هذه اللحظة الاقليمية – الدولية التوافقية.  لكن ماذا بعد تحرير الجرود؟

أي معادلة ستحكم لبنان، بعد تحقيق الجيش والشعب والمقاومة الانتصار؟

لا يكفي أن يرفض البعض الاعتراف بدم شهداء “حزب الله” لاسقاط المقاومة من المعادلة.  فمناطق النفوذ الروسي – وإن شكّلت تنافساً مزعجاً للنفوذ الإيراني الذي لا تزال تحكمه قواعد التنسيق – تتمدد اليوم في سوريا والعراق وتقترب من لبنان.

و”حزب الله” ينظر إلى ما بعد معركة الجرود بعين الحذر، وهو يعلم أن القواعد الجوية والبحرية الروسية التي تمسك بمفاتيح مستقبل سوريا، لم تأت من أجل حماية حكم “البعث”، وإنما جاءت في إطار تقاسم خرائط المنطقة بعد الفراغ الذي أحدثته سياسة الانكفاء الأميركي في عهد الرئيس باراك أوباما.

فأين يقع لبنان في الخريطة الجديدة؟

وأي دور لـ”حزب الله” سيحدده أصحاب النفوذ الجدد؟

إن كان لبنان من حصة روسيا، فهل يخضع سلاح “حزب الله” للتفاهمات بين موسكو وواشنطن؟  وإن كان لبنان من حصة أميركا، فمن يتولى مهمة نزع السلاح؟

سامر الحسيني

 

كيف يفكر بوتين؟

كتب جورج مراد:

هل انتهت الحقبة الأميركية؟ التحديات كثيرة والتراجعات الأميركية تتسارع، في سوريا وإيران والقرم.  الخريطة العالمية تتغيّر، وبقع النفوذ الأميركي تتقلّص.  انخدع الأميركيون بـ”شريكهم” الروسي، وتأخروا في اكتشاف نزواته التوسعية.  فها هو الاتحاد الروسي يستعيد أمجاد الاتحاد السوفياتي، الذي وصف فلاديمير بوتين انهياره بـ”المأساة”.

 

الانكسار الأميركي الأول كان في الاتفاق النووي الايراني، الذي وضع واشنطن حول طاولة مفاوضات واحدة مع “عدوها” التقليدي إيران.  الانكسار الثاني ظهر في التراجع المفاجئ عن الضربة الأميركية ضد سوريا، وعدم الوفاء بتعهدات تسليح المعارضة التي تواجه انتكاسات عسكرية على الأرض.  الانكسار الثالث تمثّل في ضم القرم إلى الاتحاد الروسي والاجتياح العسكري الروسي الممنهج والمدروس للجزيرة الأوكرانية، دون أي رادع غربي لم يتجاوز حدود الادانات والتهديدات الكلامية.

إن المسار الانكساري للغرب أمام الكرملين بدأ منذ العام 2009، حين كان أوباما لا يخفي حرصه على انهاء الحروب المستنزفة والتطرف المقلق والانتشار النووي والانكماش الاقتصادي، عبر اعلانه “انطلاقة جديدة” للعلاقات مع روسيا حينها.

غير انه وبعد بضعة اشهر من عودة بوتين الى سدة الرئاسة قبل عامين، بدا واضحا ان “الانطلاقة الجديدة” لم تلق آذاناً صاغية في الكرملين، كما كان عليه الوضع في عهد الرئيس السابق ديمتري مدفيديف.

لقد أخطأ الغرب في الحكم على بوتين.  فرغم دعم واشنطن لبوتين في أزمة الأسلحة الكيميائية السورية والملف النووي الايراني، إلا أنها بدت عاجزة أمام ضم بوتين شبه جزيرة القرم الاوكرانية ذات الحكم الذاتي، وسكانها ذوي الاصول الروسية الى موسكو.

سياسات بوتين تبدو من وجهة نظر واشنطن غير منطقية بالنسبة لدولة تخلت عن الاشتراكية لصالح رأسمالية صاخبة ورحبت بدول العالم في العاب سوتشي، لكنها تواجه اليوم العزلة وعقوبات اقتصادية وتهديد بالطرد من مجموعة الثماني وستتحمل اضرارا اقتصادية.

غير أن بوتين يعتمد منطقا مغايرا.  يقول الخبراء أن نظرته للعالم متأثرة بالتدريب الذي تلقاه في وكالة الاستخبارات الروسية “كي.جي.بي” وحسابات الخسارة المطلقة او الربح المطلق كما في فترة الحرب الباردة.

ويتساءل الخبراء اليوم: هل تتوقف الموجة الروسية عند حدود القرم وأوكرانيا، أم أنها ستشمل استعادة الكرملين مواقعه في أوروبا الشرقية؟ في المقابل، يسأل المشككون في القوة الصاعدة لروسيا بوتين: هل لدى موسكو ما يكفي من قوى نائمة في بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة لتوسيع حدودها الجيوسياسية؟

على أي حال، هناك حدود للقوة، فلا روسيا قادرة على التمادي في عملياتها العسكرية إلى أبعد مما وصلت إليه بدون أثمان فادحة تنال منها قبل غيرها. ولا الغرب يحتمل حربا اقتصادية مفتوحة تضر به قبل غيره.  ففي التوسع العسكري انزلاق إلى مواجهات غير مضمونة النتائج وتصعيد مع القوى الأوروبية يكلفها تراجعا موجعا في اقتصادها.

وفي العقوبات الاقتصادية أضرار فادحة متبادلة تؤكدها الأرقام الرسمية لأحجام التجارة ما بين روسيا وكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهناك سلع استراتيجية يصعب الاستغناء عنها مثل الغاز الروسي للاتحاد الأوروبي الذي يمثل ربع احتياجاته، وبالنسبة لألمانيا فإنها تعتمد عليه بصورة شبه كاملة.

هناك حدود للقوة بتجلياتها المختلفة، المصالح الاقتصادية المشتركة تردع، وعدم القدرة على الحسم المنفرد يردع، وخشية الفوضى توقف الصراع عند حدود لا يتعداها.

لا يمكن لطرف ما أن يتصور الصراع صفرياً، يحصد فيه كل شيء أو لا يحصد شيئا على الإطلاق.

فى سباق الحسابات الهادئة والمسؤولة، تضع الحقائق خطوطها الحمراء في الفضاء السياسي والقاعدة الرئيسية حتى الآن: الكسب بالنقاط لا بالضربات القاضية وأن تظل الأزمة الأوكرانية محكومة في الأطر السياسية للتوصل إلى تسوية تضمن بدرجة ما مصالح كافة الأطراف.

في التوجه الروسي رسالة تقول: خطوة عسكرية واحدة تكفي لرسم خط أحمر في فضاء الأزمة بأن موسكو هنا ولا يملك أحد أن يتجاهل مصالحها الاستراتيجية.

لقد كانت الصراعات بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي طوال سنوات الحرب الباردة تتجنب المواجهات العسكرية المباشرة وتخوض الحروب بالوكالة، ومحاولة أن يطرح كل طرف على العالم نموذجه السياسي والاقتصادي كخيار وحيد للمستقبل. هذا العالم لم يعد موجودا الآن واستدعاء الصور القديمة أقرب إلى استشعار أن شيئا مختلفا يولد في بنية العلاقات الدولية دون أن تستبين حتى الآن قواعده.

بمعنى آخر لا الحرب الباردة عائدة إلى المعادلات الدولية لأن عصرها قد انقضى، ولا القرن الحادي والعشرين هو قرن أميركي جديد يتحكم البيت الأبيض في مصائره وحده.

هنا لا بد من الإشارة إلى أنه بعد وقت قصير من نهاية الحرب الباردة، بدأت تتحرك مراكز نفوذ جديدة على الساحة الدولية: الاتحاد الأوروبي بنزعته النسبية لبناء رؤية سياسية على شيء من الاستقلال تخص دوله، وروسيا باستعادة شيء من عافيتها الاستراتيجية والاقتصادية مع صعود رجلها القوي بوتين، والصين بقفزتها الاقتصادية الكبرى إلى مستوى منازعة الولايات المتحدة على المركز الأول، ودول أخرى فى الشرق الأسيوى كالهند والعالم اللاتيني كالبرازيل تؤكد حضورها الاقتصادي، والأوزان الاقتصادية تترجم نفسها فى النهاية بأوزان سياسية.

الشرق الأوسط

الافتراضات التي تلت الحرب الباردة وضعت مرة واحدة تحت الاختبار في الأزمة الأوكرانية. وما يتمخض عنها من نتائج ينعكس على العالم وأزماته ومن بينها أزمات الشرق الأوسط.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي فإنه منشغل بحريق فى بيته وقد تنخفض حركته الشرق أوسطية لبعض الوقت.

بالنسبة للإدارة الأميركية فإن الأزمة أربكت أولوياتها، فالملف السورى تراجع على جدول أعمالها والمنازعة مع روسيا الطموحة اتسع مداها.

لو أن روسيا نجحت بصورة ما في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في البحر الأسود، فإنها ستنظر بعناية أكبر إلى المصالح ذاتها في البحر المتوسط ويرتفع منسوب دورها في الملفين السوري والإيراني. ولو أن حضورها الاستراتيجي قد تعرض لأضرار فادحة في أوكرانيا فإنها سوف تندفع إلى الشرق الأوسط في محاولة لمنع تصدع دورها الدولي.

على الصعيد المصري، فإن موسكو مستعدة أن تمضي في علاقاتها المصرية إلى الحد الذي تتوقف القاهرة عنده.  في المقابل الأميركي، هناك الآن اتجاهان داخل الإدارة الأميركية تجاه الأوضاع المصرية الحالية. وزارة الخارجية والبنتاغون فى ناحية، ومجلس الأمن القومي الأميركي والمجموعة الملتفة حول الرئيس باراك أوباما فى ناحية أخرى.

الاتجاه الأول يميل إلى الواقعية بما يحفظ المصالح الاستراتيجية الأميركية. والاتجاه الثاني يضغط من أجل تطويع السلطة المصرية وإعادة دمج جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية.

أما بالنسبة لإسرائيل، فمصالحها مضمونة في كل الأحوال. وعلى هامش مكتسبات الأميركيين ستحصد الدولة العبرية أكثر من مليون مهاجر من أوكرانيا ليستوطنوا في أراضي الدولة الفلسطينية منعاً لأي إمكانية لحل الدولتين.

إن  روسيا اليوم ليست كروسيا الأمس. فهي واثقة من قدرتها على مواجهة التحديات والعقبات التي تعترضها لأسباب كثيرة، أبرزها:

–          استفادت روسيا من التجربتين الليبية و السورية في ما يسمى بالربيع العربي. فتدخل الناتو في الأولى ومنعه عن التدخل في الثانية عبر حق النقض في مجلس الأمن، وفشل دول الناتو في تحقيق الاستقرار في ليبيا ما بعد القذافي، عزز موقع موسكو المعارض لتوجهات الغرب، وجعلها أكثر حصانة في حماية حدائقها الخلفية في الشرق الأوسط.

–         تحتاج واشنطن لموسكو لضمان انسحاب القوات الأميركية من افغانستان نتيجة التذمر الأوروبي والضغط الشعبي الأميركي، والوعود التي قطعها أوباما على نفسه بسحب القوات الأميركية في العام 2014. وأوباما بحاجة لموسكو للاتفاق على عدة ملفات قبل سحب قواته من أفغانستان. وقد يتحول المشهد الاوكراني إلى مسرح مساومات تستخدمه واشنطن لاستعجال موسكو لإنجاز هذه التسويات.

حديث الشارع: بوتين

بوتين ليس لينين، كما يصفه مؤيدوه.

وبوتين ليس ستالين، كما يصفه معارضوه.

وليس راسبوتين، الذي يخافونه حكام أوكرانيا الجدد.

وليس القيصر، كما يسميه الإعلام الدولي.

بوتين هو بوتين. رغم أن فيه شيئاً من لينين الذي رسخ الاتحاد السوفياتي، وهو عمل في ترسيخ الاتحاد الروسي.

لم يقتل وينفي، كما فعل ستالين.

لم يرعب الناس، كما فعل راسبوتين.

لم يتفرغ للملذات، كما فعل القيصر.

وقد يكون اسمه في التاريخ أشهر من أسماء أشهر أربعة في ذاكرة الشعب الروسي.

الرجل بنى ما دمره غورباتشوف، آخر زعماء الاتحاد السوفياتي، والذي نجح في تقويض مكانة روسيا بين الدول العظمى، والذي سهل للغرب ابتلاع كتلة أوروبا الشرقية.

بوتين رجل روسيا استمد قوته من ضعف أوباما رجل أميركا. فالأقوياء يصنعهم خصوم ضعفاء. فبوتين رجل زمن غاب فيه تشرشل وكيندي وديغول.

«شوارعي»

أوكرانيا وسوريا

walid«نحن معكم وسنرسل لكم خيماً ومعونات صحية وغذائية».

هذا هو الموقف الأميركي والأوروبي، في حده الأقصى، من أحداث سوريا، وأخيراً أوكرانيا. وكأنها بمساعداتها الانسانية، تدفع شعبي سوريا وأوكرانيا، الى المزيد من المآسي الانسانية.

أما روسيا فإنها تتعامل مع أحداث هاتين الدولتين، بكثير من الجدية الدبلوماسية والصرامة العسكرية. وذلك من تسليح متواصل لسوريا، الى تدخل عسكري مباشر في أوكرانيا.

من الواضح أن الغرب سعى، من خلال تشجيعه للأوكرانيين على الخروج من العباءة الروسية، الى إعادة روسيا الى ما قبل بوتين.

لكن من سوء حظ «الإنقلابيين» في أوكرانيا، و«المعارضين» في سوريا، أن رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما. فهو أضعف من أن يواجه بوتين الذي لا يعرف التردد، بعد أن نقل روسيا من ماضي «الستار الحديدي» الى حاضر «القرار الحديدي».

إن التلويح الأوروبي والأميركي بالعقوبات الاقتصادية، لن ينجح في أن يكون العصا التي تمنع موسكو من أكل جزرة كييف. فدولة بحجم روسيا وثرواتها الطبيعية، وعلاقاتها المتينة بدول تتمتع بفائض من القوة الاقتصادية، مثل الصين والبرازيل، تعرف جيداً أن مثل هذه العقوبات ذات اتجاهين، يدفع ثمنها المعاقِب والمعاقَب. فما تصدره دول الاتحاد الأوروبي الى روسيا، إذا توقف، سيصيب مؤسسات أوروبية بخسائر يصعب تجاهلها.

يصدق في الموقف الغربي من أحداث أوكرانيا وسوريا قول أبو العلاء المعري:

غير مجدٍ في ملتي واعتقادي

نوح باكٍ ولا ترنم شادي.

إن النواح الأميركي والأوروبي على اجتياح روسيا للسيادة الأوكرانية، أو على ما يهدر من دماء سورية، لن يردع الروسي عن أوكرانيا، ولن يوقف الفتنة في سوريا.

كما أن الترنم والشدو بالحريات وحقوق الانسان لن يؤديا وحدهما إلا الى النفخ في النيران الأوكرانية التي تهدد الأمن الأوروبي، وسيدفعان بالفتنة المشتعلة في سوريا الى التمدد في دول المنطقة المتجاورة مع بلاد الشام… وما بعدها.

يقول المثل الشعبي «من جرب المجرب عقله مخرب»، وهو مثل يمكن أن تنصح به المعارضة السورية حلفاءها في أوكرانيا، حيث سبق للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أن وعدت بتسليح المنشقين عن النظام السوري، وتوعدت النظام بضربات عسكرية… لكن الوعد والوعيد كانا ككلام الليل الذي يمحوه النهار. فعلى مدى ثلاث سنوات لم تغيِّم ولم تمطر.

لكل هذا يستطيع بوتين أن يمارس حرية الفعل… تاركاً حرية الكلام لأوباما وهولاند وكاميرون وميركل.

ولأن رباعي الغرب لا يخرج عن مربع الأقوال لا الأفعال… يصح القول: أبشر بطول سلامة يا بوتين.

وليد الحسيني

وجه: يوليا … جدلية أم جديلة؟

كتب كريم الخطيب:

من الميدان إلى الحكم .. إلى السجن .. إلى الميدان وربما إلى الحكم مجدداً.  قد لا يجوز تشبيه يوليا تيموشنكو بنيلسون مانديلا. فتشابه الأحداث لا يعني تشابه الأشخاص. لكن بالنسبة للأوكرانيين فصاحبة الجديلة الشقراء هي أيقونة عالمية لـ”الثورة البرتقالية” التي تسعى إلى نقل أوكرانيا من الحضن الروسي إلى الفلك الغربي.

هل تتجه يوليا تيموشنكو إلى كرسي الرئاسة؟

بعد مجرد ساعات من إطلاق سراحها من السجن، أعلنت يوليا بوضوح أنها تخطط لخوض انتخابات الرئاسة. لكن من غيرالواضح ما إذا كانت المعارضة ستفتح ذراعيها وتستقبلها.  ففي حين يعتبر إطلاق سراحها بمثابة انتصار كبير للمعارضة، إلا أن ليس هناك ما يضمن أن مثل هذه المشاعر سوف تترجم إلى دعم سياسي لتيموشنكو، والسبب هو الإرث السياسي المعق

يوليا تيموشنكو

يوليا تيموشنكو

د، الذي تركته لنفسها في أوكرانيا.

عندما نزل الأوكرانيون في شوارع كييف في العام 2004 للاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية في ذلك العام، أصبحت تيموشنكو أيقونة لما عرف باسم الثورة البرتقالية.  إذ جاءت الثورة البرتقالية إلى نهاية خرافية للحركة السياسية الموالية للغرب في البلاد، إذ تم تثبيت فيكتور يوشنكو رئيسًا للبلاد، مع تسلّم تيموشنكو منصب رئيس وزرائه.

لكن ما أن وصلت إلى المنصب حتى احتدم الجدل إلى ما لانهاية وتبددت وعود الثورة البرتقالية. واليوم بعد مرور عشر سنوات، لايزال الاقتصاد الأوكراني الهش متواضعًا وبطيئًا مقارنة بالجارة الحيوية بولندا. في الأيام المقبلة، ستعلو أصوات التهليل لتيموشنكو كمنقذة لأوكرانيا، لكن لا بد من أن يتذكر هؤلاء أن زعيمتهم كانت لديها فرصة للقيام بذلك خلال انتخابات عام 2010 وفشلت.

خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2010، يقال إن تيموشنكو عملت على تضخيم المخاوف من تفشي أنفلونزا الخنازير من أجل تعزيز حظوظها السياسية، كما إنها نفسها قالت إنها “نسخة من إيفيتا بيرون” زوجة الزعيم الأرجنتيني خوان بيرون.

وعلى الرغم من أنها تهاجم إدارة يانوكوفيتش الموالية لموسكو لأساليبها الفاسدة، إلا أن يدها ليست نظيفة بأية حال، وفقاً لمجلة “فورين بوليسي”، التي أشارت إلى أن تيموشنكو راكمت خلال التسعينيات ثروة هائلة من عملها في منصب تنفيذي في مجال الطاقة خلال الفترة التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي. ويقول المراقبون أن الكثير من تلك الثروة مخبأ بعيدًا في حسابات مصرفية في الخارج.

تتمتع أيقونة الثورة البرتقالية بكاريزما واضحة، لكن يقال أيضًا إنها في بعض الأحيان تمثل “أسوأ عدو لنفسها”، وتخسر الحلفاء السياسيين في لحظات حاسمة، كما إنها تعزل نفسها من دون داع.

نشأتها

ولدت تيموشنكو في العام 1960 في مدينة دنيبروبيتروفسك الصناعية الواقعة في الجزء الشرقي من أوكرانيا الناطق بالروسية.

درست الهندسة والاقتصاد في معاهد شرقي أوكرانيا قبل أن تستغل الفرص الاقتصادية التي تفتّحت مع انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ أسّست في منتصف التسعينيات شركة تولت تزويد القاعدة الصناعية الضخمة للبلاد بالغاز، ما جعلها من أثرى الأثرياء وألصق بها لقب “أميرة الغاز”.

وعلى غرار الكثير من سياسيي بلادها، دخلت تيموشنكو “عالم السياسة”، إذ أصبحت وزيرة في الحكومة التي كان يترأسها يوشنكو 1999-2001، وأصدرت تشريعات تتعلّق بإصلاح قطاع الطاقة، لكنها ما لبثت أن تخاصمت مع الرئيس آنذاك ليونيد كوتشما، وبعدما أودعت السجن لشهر واحد بتهمة الفساد كرست جهودها للإطاحة به وشنّت من أجل ذلك حملة تكلّلت بالنجاح النهائي في “الثورة البرتقالية”.

وتباعدت صورة تيموشنكو ما بين “عين الرضا” و”عين السخط”، ففي عين مؤيديها كانت “الثورية الفاتنة” التي تتحدى المؤسسة السياسية الفاسدة، بعد أن ذاع صيتها وتعزّزت شعبيتها في صفوف من ضاق من الأوكرانيين ذرعاً بالفساد والركود الاقتصادي، بينما هي في عين منتقديها لا تختلف كثيراً عن الطبقة الفاسدة في البلاد، وإن كانت تحمل لقب “ثائرة”.

معضلة يوليا

يوليا تيموشنكو معروفة بصلابتها وشراستها في نضالها السياسي عندما كانت رئيسة للحكومة وداخل السجن.  ويرى خبراء ان خروجها من السجن يمكن ان يعقد الوضع بالنسبة للمعارضة.

يقول اندريه فايس من معهد كارنيغي للسلام الدولي “نرى شرخا في المعارضة ودخول تيموشنكو الى المعادلة قد يسبب خللا كبيرا”.

 من جهته، يقول الخبير السياسي الروسي ستانيسلاف بيلكوفسكي لاذاعة صدى موسكو ان “قادة المعارضة يخشون ذلك جدا اكثر من تخوفهم من يانوكوفيتش”. ويضيف “من الواضح انه مع خروج يوليا تيموشنكو من السجن سيكون اول ما تفعله هو ازاحة فيتالي كليتشكو (…) وبعد ذلك ستقيل ارسيني ياتسينيوك (زعيم حزبها) ثم سيختفي اوليغ تيانيبوك (زعيم الحزب القومي سفوبودا) في مكان ما”.

وهذه المرأة المعروفة بجديلتها الاوكرانية التقليدية، تتمتع باعصاب فولاذية تشكل ابرز خصائص صورتها ورمزيتها. وهي لا تستسلم حتى لو كانت مكبلة، كما اثبتت ذلك طوال حياتها السياسية.

وقد اعتادت هذه المرأة النحيفة ان تتطور في عالم يشكل الرجال محوره، على غرار محاكم الثورة البرتقالية واللقاءات مع رجل روسيا القوي رجل الاستخبارات السابق فلاديمير بوتين، واخيرا اثناء الانتخابات الرئاسية في شباط (فبراير) 2010 التي خسرتها امام يانوكوفيتش.

وفي مقابلة اجريت معها أخيراً، قالت تيموشنكو “لست وحشا خاليا من العاطفة، والخوف ليس غريبا عني، مثل اي شخص. لكن يمكننا التحكم فيه”.

 وفي مكتبها الانيق بكييف، يكشف تمثال صغير لجان دارك ومذكرات رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر وكتاب عن وزيرة الخارجية الاميركية السابقة مادلين اولبرايت، اكثر من اي خطاب سياسي، مرجعياتها السياسية وطموحاتها غير المحدودة.

 في المقابل، يعتبرها منافسوها السياسيون انتهازية بكل ما للكلمة من معنى ويحرصون على الاشارة الى نقاط الضعف في مسيرتها.

تسلمت تيموشنكو ادارة شركة كبيرة للطاقة حصلت على احتكار تصدير الغاز الروسي الى اوكرانيا بعد استقلال البلاد في 1991. وهذا المنصب الذي حصلت عليه بفضل بافلو لازارينكو رئيس الوزراء السابق المسجون اليوم في الولايات المتحدة بتهمة اختلاس وتبييض اموال، تسبب لها بملاحقات في اوكرانيا وروسيا بتهمة دفع مفترض لرشاوى الى مسؤولين في وزارة الدفاع الروسية.  واغلقت هذه القضية في 2005 في ظروف غامضة بعد الثورة في اواخر 2004 التي اوصلتها الى رئاسة الحكومة.