لزوم ما لا يلزم

الصورة التذكارية لحكومة تمام سلام

الصورة التذكارية لحكومة تمام سلام

من المؤسف أن يوصف اختلافكم أو اتفاقكم على البيان الوزاري بالمسخرة.

لا نعتقد أنه يستحق كل هذه الجلسات التي انعقدت، وكل هذه الحوارات التي دارت، وكل تلك الصدامات التي وقعت.

هو مجرّد كلام بكلام.

لا يحل ولا يربط.

لا يقدّم ولا يؤخّر.

لم يؤخذ يوماً على محمل الجد.

وعن جد … هل تقبضونه عن جد، وهو لزوم ما لا يلزم؟

ماذا يحصل لو اعترف البيان الوزاري بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة؟

هل تتحوّل الطريق الجديدة إلى بيئة حاضنة لسلاح “حزب الله”؟

هل ينافس سمير جعجع محمد رعد في الدفاع عن المقاومة؟

هل ترفع باب التبانة وعكار وعرسال صور السيد حسن نصر الله افتخاراً؟

هل تسود الصداقة بعد العداوة بين “حزب الله” و”تيار المستقبل”؟

وفي المقابل، ماذا يحصل لو التزم البيان الوزاري بإعلان بعبدا؟

هل ينسحب مقاتلو “حزب الله” من سوريا؟

هل يسلّم الحزب سلاحه للجيش؟ … أم يحتفظ به مقابل وضعه تحت أمرة الدولة؟

ماذا يضر لو أن لجنة الصياغة وضعت في بيانها الجملتين معاً: ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة وإعلان بعبدا؟

ماذا لو أورد البيان حق المقاومة بالتسلح وحق الدولة باحتكار السلاح؟

ماذا لو نص البيان على شرعية حرب “حزب الله” الاستباقية في سوريا … وعلى النأي بالنفس عن الأزمة السورية؟

هكذا بيان وزاري يجمع التناقضات في حكومة سمّيت بـ”الجامعة”.

أي أنه ينسجم مع طينة هذه الحكومة التي شُكّلت لإرضاء الجميع.

وإذا كان اللبنانيون قد رفضوا حكومة الأمر الواقع … فعلى الأقل، عليهم القبول ببيان الأمر الواقع، طالما أنه لن يبدّل شيئاً من الواقع.

ترى كم من البيانات الوزارية ألقيت في مجالس النواب المتلاحقة … لتلقى لاحقاً في سلّة المهملات؟

ندرك جيداً أن البيان الوزاري يساعد على كسب الثقة النيابية، لكنه بالتجربة الواقعية لن يمنح المواطن ثقته لأي حكومة على أساس بيانها الوزاري.  فهو يعلم أن وعوده من عائلة “سوف” التي تعود أصولها إلى عائلة النسيان.

لا شك في أن بيانكم الوزاري لن يكون سوى نكتة سبق لنا سماعها مرات عدة.  فاعذرونا إذا لم نبتسم، ولو مجاملة، فنحن نعيش في زمن لا تقوى فيه بياناتكم على رفع أحزان اللبنانيين ومآسيهم.

سامر الحسيني

لبنان الشركة

الوحدة الوطنية!

العيش المشترك!

الشريك الآخر!

المشاركة!

هذه هي أكثر المصطلحات تداولاً في لبنان.  بعضها مكتوب في الدستور، وأغلبها يشكّل نصّاً مشتركاً في تصريحات السياسيين إلى أي جهة انتموا.

كلها تدلّ، بل تؤكّد، على أن لبنان “شركة مساهمة”.  وأن اللبنانيين شركاء، يختلف نصيب كل شريك من الأسهم باختلاف الطائفة والمذهب.

من هذا الاختلاف تسقط العدالة، ويبدأ التمييز المذهبي.  فحَمَلَة أغلبية الأسهم موزّعة بين المذاهب الأربعة الرئيسية: السنة والشيعة والموارنة والأرثذوكس.  أما المذاهب الـ14 الباقية، فلا دور لها سوى الخضوع لقرارات الأكثريات المذهبية.  وهذا يعني أن أهمية اللبناني مرتبطة في مذهبه لا في لبنانيته.

بكلام آخر، فكما تسيطر “الرأسمالية المتوحّشة” على صغار المساهمين، تسيطر “المذهبية المتوحّشة” على صغار المذهبيين.

بعد هذه الحقيقة المرّة، نفهم لماذا نعيش في دولة تنتحل صفة الدولة، طالما أن اللبنانيين ليسوا سواء في الوصول إلى المناصب، وفي اتخاذ القرارات المصيرية … والعادية.

من هنا تبدأ العلّة، التي تلد ما يعيشه لبنان من علل لا شفاء منها.

لا شك في أن سياسة “التمييز المذهبي” هي التي مكّنت الزعامات السياسية للمذاهب “الذهبية” من تحويل الدستور، من نص مقدّس، إلى نص مدنّس بالمصالح والأهواء.

لقد عُدّل الدستور “أكثر من مرة” … وفي كل تعديل يتم التصويت على أنه “لمرة واحدة”.  وهكذا، مرة بعد مرة، عُطّلت الاستحقاقات الدستورية، وضُربت نصوصها بعرض الحائط.

حتى “لبنان الشركة” فقد أُدير خلافاً لقوانين الشركات وأعرافها.  فمنذ سبع سنوات تسير “شركة لبنان” بلا ميزانية يطّلع من خلالها المساهمون، أي الشعب أو من يمثّلهم في المجلس النيابي، على الوضع المالي للشركة، أي لبنان.

إذاً، لا نحن دولة، ولا نحن شركة.

نحن عبارة عن دولة بلا هوية، تعيش فيها تجمعات بشرية متناقضة.

تخيّلوا لو أخذنا من سعد الحريري شعار “العبور إلى الدولة”.  ومن نبيه بري “إلغاء الطائفية السياسية”.  ومن ميشال عون “محاربة الفساد”.  ومن أمين الجميل وسمير جعجع “السيادة والاستقلال”.

ألا يؤدّي عندئذ “العيش المشترك” بين هذه الشعارات إلى قيام دولة حديثة، بدل “العيش المشترك” تحت هيمنة المذهبية والتبعية والفساد وخرق الدستور وتعطيل المؤسسات؟

لا بد من جراحة تشريعية توقف تدهور لبنان.  فقلب الخسة مهترئ، ولن تبقى أوراقها الخارجية الخضراء خضراء.  فالاهتراء سيصيبها، وعندها لن نستطيع أن نخدع أنفسنا والآخرين بلبنان الأخضر.

سامر الحسيني

صباح الملل

في كل صباح، “ننظر” على عجل إلى عناوين الصحف، و”نقرأ” بتمعّن الصور المنشورة، فلا نجد تغييراً جوهرياً في الأحداث.

مازالت الأخبار روتينية كما كل يوم:

–          الرئيس المكلّف تمام سلام يجتمع برئيس الجمهورية ميشال سليمان في قصر بعبدا، ويبحثان آخر مستجدات المشاورات حول تأليف الحكومة.

–          لا جديد في الموضوع الحكومي.

–          فريق 8 آذار يطالب بتشكيلة 9-9-6 مسيّسة.

–          فريق 14 آذار يطالب بتشكيلة 8-8-8 بلا سياسيين.

–          فريق 8 آذار يطالب سنّة البقاع والشمال بالكف عن دعم المعارضة السورية.

–          فريق 14 آذار يطالب “حزب الله” بالانسحاب من سوريا.

–          جلسات مؤجلة لمجلس نيابي ممدّد لا تنعقد بسبب غياب النصاب.

–          لا حوار حول قانون الانتخابات النيابية.

–          نشرة جنبلاطية عن “الموقف اليوم”، باتت أشبه بالنشرات الجوية حول تقلّبات الطقس.

–          تزايد لا محدود لأعداد النازحين السوريين، يقابله تزايد لا محدود أيضاً في عنصرية اللبنانيين.

–          تبادل الاتهامات حول نشر المذهبية.

الوقائع والأخبار متشابهة ومضجرة.

المختلف الوحيد، والذي يكاد أن يتحوّل أيضاً إلى روتيني، ملاحقة السيارات المفخخة، التي تشيع المصادر الأمنية أنها دخلت لبنان وتبحث عن مكان للانفجار.

فعلاً لا جديد، ولا شيء في لبنان يشكّل مفاجأة. وما علينا إلا أن نتابع صباحاتنا المعتادة إلى بئس المصير.

ما علينا إلا انتظار وصول جرثومة “الربيع العربي” وانتقال العدوى إلينا، لنتحوّل من متفرّج على المجازر إلى ضحية.

من كان يتخيّل أن مشاهد القتل العشوائي اليومي في العراق، ستتكرر في ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا؟

أما وقد تحوّل “التخيّل” المستحيل إلى واقع، فيبدو أن لكل شعب عربي مواسم قطاف لحروب داخلية. ومما يزيد الخطر خطراً تحوّل الأنظمة العربية إلى عوازل حقيقية للحرارة القومية.

لا أحد يعمل على إطفاء الحرائق العربية، لكن أغلبنا ينفخ فيها.

هل تشك دولة من دولنا أنها ليست وديعة في خارطة الشرق الأوسط الجديد، وقد ترك تحديد موعد استحقاقها إلى البيت الأبيض.

نعود إلى عناوين الصباح وأقوال الصحف اللبنانية.  فنلاحظ أن سياسة “النأي بالنفس” قد سحبت من التداول، بعد أن عمّ التنافس بـ”زج النفس” في الأزمة السورية المعقدة.

وزج النفس لم يقتصر على تصدير المقاتلين والسلاح والمال، فهو يشمل اليوم ربط كل الاستحقاقات الدستورية بما يدور في سوريا.

لا حكومة، لا قانون انتخابات، لا جلسات نيابية… وربما، بل من المؤكد، لا انتخابات رئاسية.

والعجيب الغريب، أن في سوريا نفسها حكومة وقانون انتخابات وجلسات نيابية … وتجري الاستعدادات لانتخابات رئاسية.

وهذا يعني أن سوريا هي التي نأت بنفسها عن لبنان، وبالتالي، تكون قد نجت من انقسامات يستعصي حلّها ولو بعد أجيال.  في حين أن حربها الداخلية ستجد حلاً … آجلاً أو عاجلاً.

سامر الحسيني

التأليف المستحيل والاعتذار الصعب

إذا كان تمام سلام ملك “الصبر”، فعليه أن يدرك بأن صبر اللبنانيين قد نفد.

لا هو قادر على تأليف الحكومة، ولا هو قابل بالاعتذار.

لا شك في أنه باعتذاره يكون قد أغلق الباب على مستقبله السياسي.

لكنه لو فعلها واعتذر، لن يكون الأول.  فقد اعتذر قبله ثلاثة رؤساء هم:  الشهيد رفيق الحريري الذي سجّل أول اعتذار في تاريخ تشكيل الحكومات، وذلك في زمن الرئيس إميل لحود في العام 1998.

تلاه الرئيس عمر كرامي معتذراً عن تأليف حكومة كلف بتشكيلها، بعد أكثر من شهر بقليل على استقالته، وكلن ذلك في نيسان من العام 2005.

ثالث المعتذرين كان الرئيس سعد الحريري الذي اعتذر في 10 أيلول من العام 2009، ليعاد تكليفه مرة ثانية بعد أسبوع من الاعتذار.

والفرق بين الاعتذارات السابقة، والاعتذار المنتظر، أن تلك تمّت من موقع القوة، في حين أن اعتذار تمام سلام، إذا وقع، فهو يأتي من موقع الإفراط بالضعف، حتى ولو كانت المصلحة الوطنية إحدى مبرراته.

ولإنصاف الرجل، فإن اتهامه بالضعف لا يعود لشخصه، بل يعود لهرطقات دستورية، في ظل ديمقراطية لبنانية غريبة عن الديمقراطيات التي يعرفها العالم.

في ديمقراطيتنا العجيبة، تتحوّل الأكثرية إلى حالة معنوية، يتباهى فيها الأكثري على الأقلي، لكنهما في الواقع يتساويان في النفوذ وفي القدرة على التعطيل، حتى من دون الثلث المعطّل، وهذا هو المأزق الذي يتخبّط فيه الرئيس المكلّف.

المعضلة أننا قرأنا الفقرة “ياء” من مقدمة الدستور، وفسّرناها وفق مصالحنا المذهبية.

تقول “الياء” أن “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. لا ندري سرّ التمسّك بـ”الياء”، وسرّ إهدار “الدال” من المقدمة نفسها، التي تقول أن “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية”، أي عبر الانتخابات… أي عبر الأكثرية، والأكثرية فقط.

“العيش المشترك” لا يعني المشاركة في السلطة.  وعندما يمارس الشعب السلطة، فهذا يعني، بالضرورة، أن الحكم لمن له الأكثرية في مجلس النواب.

بين التوسّع في تفسير “الياء” والتعمّد في تضييق الخناق على “الدال”، يكون العقل اللبناني قد ابتكر ديمقراطية مضادة للديمقراطيات.

هذا الافتراء على الدستور، هو وراء تعطيل تشكيل الحكومات، ومن ثم، تعطيل الحكم والاستقرار ومصالح الناس، وصولاً إلى تهديد الوطن.

بذلك نكون قد حمّلنا الدستور ما ليس فيه … ونكون قد حمّلنا تمام سلام ذنوباً لم يرتكبها.

سامر الحسيني

لبنان مواطن في دولة الإرهاب

هل تحوّل لبنان من وطن إلى مواطن في دولة الإرهاب؟

هل تحوّلت مبادئ “القاعدة” إلى دستور؟

هل تحوّلت رسائل أيمن الظواهري الصوتية إلى سلطة تشريعية؟

هل تحوّلت السيارات المفخخة إلى سلطة تنفيذية؟

هل تحوّلت “المحاكم الشرعية” إلى سلطة قضائية؟

إذا لم يصل لبنان بعد إلى هذا الحد، فانتقاله إليه أسرع من تنقّل السيارات المفخخة في أراضيه.  خصوصاً وأن نبوءات وزير داخليته أكثر تشاؤماً وترويعاً من نبوءات ليلى عبد اللطيف … حتى ولو صدقت عندما تدّعي وتكذب!

وبين أن نكون طعماً للفتنة وطعاماً للموت العشوائي، أو لا نكون … لا تزال هناك فرصة سانحة للنجاة وإن ضاقت.

والفرصة السانحة عمرها قصير، وقصير جداً.  فقد تكون ضحية سيارة مفخخة تالية … أو ضحية تلك التي تليها.  خصوصاً وأن الشائعات عن “المفخخات” تتوالى، وهناك أكثرية تُصدّق وقلة تُكذّب.

والفرصة سانحة للبنانيين وقياداتهم سوية.

إذا نسي اللبنانيون ما جرى لهم في حربهم الأهلية الماضية، وهو صورة هزلية أمام ما ينتظرهم في حربهم المذهبية المقبلة، فإن عليهم معالجة عيونهم المصابة بعمى الدماء السورية والعراقية والليبية والمصرية.

إن العمى الشعبي عن رؤية أنهار الدم العربي المتدفق في بلاد “الربيع العربي”، يمنعنا من رؤية حافة الهاوية التي نقف عليها، والتي ستقودنا عمى البصيرة إلى الوقوع في برك دمائنا، التي قد تتحول بسرعة قياسية إلى أنهار، كما في العراق وسوريا.

أما إذا فتحنا أعيننا على هذه المشاهد الوحشية والإجرامية، ولم نستوعب دروسها، ولم نرتدع عن المضي حثيثاً باتجاهها، فهذا يعني أننا كالثيران التي يحوّلها الذعر إلى قطعان هائجة، تبحث عن النجاة بإلقاء نفسها في نهر تتربص فيه التماسيح القاتلة.

إذا كان هذا هو واقع أكثرية اللبنانيين، فإن ثمة أملاً في أكثرية زعماء لبنان إذا ما قرروا اللجوء إلى الحكمة والعقل والتعقل.  وذلك بالإحجام عن الإثارة والأفعال المثيرة، وبالإمتناع عن الإصرار على تشكيل حكومة النار والبنزين، والقبول بحكومة إطفاء للحرائق اللبنانية المتنقلة.

وهذه قرارات تحتاج إلى تغليب مصلحة الوطن، لا إلى تغليب المصالح على الوطن.

وعلى عاتق هؤلاء الزعماء يقع إنقاذ لبنان من أن يتحوّل من وطن إلى مواطن في دولة الإرهاب.

وهذا يتطلب التنازل عن شهوة السلطة والتسلط.  أما إذا كانت شهوة الحكم والتحكم هي الغاية، فعندئذ لن نستغرب إذا تحوّلت شوارع لبنان ومدنه وبلداته وقراه إلى غابة تتقاتل فيها المذاهب، وتصبح بالتالي، شهوة الذبح أقوى وأبقى من شهوة الحكم.

سامر الحسيني

 

تمام سلام سجين الصبر

لا رغبة عنده في الإعتذار … ولا قدرة لديه على التأليف.

هذا هو حال الرئيس المكلّف تمام سلام.

الرجل يحاول بالصبر أن لا يدخل نادي الرؤساء من باب الفشل الذي دخله من قبله الرئيس الراحل أمين الحافظ.  وبصبر المراهنين على نفاد صبره، فلن يُسمح له بدخول النادي كرئيس فعلي لمجلس وزاري حقيقي.

الصراع المحتدم، بين شروط من رشّحه، وشروط من ناور بتأييد ترشيحه، يضيّق فسحة الأمل بتشكيل حكومة تنقل الرئيس المكلّف من قصر المصيطبة إلى قصر السرايا.

لقد تأكد أن تفويضه بالتأليف، الذي كاد يبلغ إجماع النواب، كان سببه عجز فريق 8 آذار عن ترشيح شخصية من أركانه، ففضّل اختيار تمام سلام متحاشياً هزيمة الاستشارات النيابية، بعد انقلاب جنبلاط وميقاتي على انقلابهما الأول ضد سعد الحريري.

القابلون قسراً، أو على مضض، بتكليف تمام سلام، تفرّغوا لوضع الأفخاخ التي تبقي على الفراغ الحكومي، الذي يطيل في عمر حكومة تصريف الأعمال المحكومة بأغلبيتها من قبل وزرائهم.

ونصب الأفخاخ في لبنان عملية سهلة، طالما أن الدفاع عن أي شروط، سواء كانت منطقية أو غير منطقية، لها جمهورها المؤيد “على العمياني”.

لقد طرح تمام سلام فكرة حكومة المصلحة الوطنية.  وعرض أن يكون أعضاؤها من سياسيي المنطقة الرمادية.  أي من الذين لا تصبغهم الألوان السياسية الفاقعة.  وأيده بذلك فريق 14 آذار وأعلن زهده الموقت بالحكم، مسهّلاً إنقاذ السلطة التنفيذية من فراغ السرايا.

لكن “حزب الله”، الذي غالباً ما كان يؤكد زهده في دخول الحكومات، تراجع عن ذلك مشترطاً أن “لا حكومة من دونه”، متجاهلاً أن حكومة نجيب ميقاتي تشكّلت بلا تيار المستقبل، وبلا الكتائب، وبلا القوات اللبنانية.  فكيف إذاً قامت “حكومة من دونهم” ولا تقوم “حكومة من دونه”؟

ومن الشروط التي تزيد عقد التأليف بلّة، إصرار التيار العوني على التمسّك بوزارتي الطاقة والاتصالات، وبوزيريهما، مع الإمساك بـ”الثلث المعطل”.  وهذا يعني أن الحكومة، إذا تشكّلت بشروط عون و”حزب الله”، فلن تستطيع أن تحكم.  فإن لم يعطّلها “الثلث المعطّل”، فسيعطّلها الخلاف حول بند ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة في البيان الوزاري.

على ضوء هذا الوضع، هل يدرك تمام سلام أن صبره لن يحل استعصاءات الشروط المعطّلة للتأليف؟  حيث لا هو قادر على تشكيل حكومة الأمر الواقع، ولا فريق 8 آذار يقبل بحكومة لا يتحكّم بقراراتها.

يبقى أن يدرك “سجين الصبر” … أن للصبر حدوداً قد تجاوزها وأن الوضع المتأزم والمتردي لم يعد يطيق الصبر على صبره.

سامر الحسيني