فخامة المعالي

walidتعددت الأسباب والمسبب واحد. فجبران باسيل يتصدر قائمة الشخصيات السياسية الأكثر تداولاً… ربما لأنه “يكمن في التفاصيل”. فهو الحاضر بقوة في أغلب الأزمات، والمصدر الأغزر لأخطر التداعيات.

لقد نجح “فخامة المعالي” في فرض، تصريحاته النافرة وتحركاته المستنفرة والمستنكرة، على اللبنانيين عامة وعالم الإعلام خاصة.

يستغل بمهارة “حرية التعبير”، التي قد تتحول إلى جريمة إذا لم تمارس مع “أدب التعبير”.

هو يعرف أن حادثة الجبل شكلت منشطاً مخيفاً للفتنة.

هو يعرف، لكنه لا يعترف، بأن من حاول إيقاظ الفتنة، تدلّ عليه التصريحات المستفزة، وغرور “أغرار” السياسة.

لا أحد ينكر حق جبران باسيل في أن يسلك الدرب الذي يوصله إلى قصر بعبدا. لكن ليس كل من سار على الدرب وصل. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. إلا أن باسيل قرر أن يبدأ مسيرة الخطوة بسرعة الألف الميل.

الرجل لم يدرك خطر سرعته الجنونية هذه. خصوصاً وأنه لا يتكل على ساقيه، بل يسرع متكئاً على عكازتي القربى من سيد العهد… والتقرب من سيد المقاومة.

إنه يقتحم المناطق اللبنانية بأقدام مستعارة. وهي ليست إستعارته الوحيدة. فهو أيضاً يتكئ على شعبية مستعارة، من نفوذ يتجاهل دورة دولاب الزمن، وتبدّل الأيام من يوم لك إلى يوم عليك.

وعلى ما يبدو، فإن التواضع تهمة لا تليق بطموحات صهر العهد الحالي، وممني النفس بالعهد التالي. ليصبح، كشبوب بعبدا، “خي الكل” بعد أن سادت وتحكمت بالبلاد نظرية “بي الكل”.

وبما أن ثمة ما هو مشترك بين بلدة الحدث وما حدث في قبر شمون، نسأل فخامة المعالي:

هل شخير “المستأجر” المسلم يستفز مسيحيي الحدث ويقوّض خصوصيتهم، في حين “تملك” المكاتب البرتقالية، وهتافات محازبيها، ورفع راياتها، وحمايتها بالدشم والمسلحين… لا يستفز ولا يقوّض خصوصية دروز الجبل وشيعة البقاع وموارنة الشمال وسنة طرابلس وعكار؟.

كثيرة هي علامات الإستفهام والتعجب، التي ترافق “فتوحات باسيل” اللبنانية.

ترى لماذا يستقوي علينا بذاكرة، تفتح من جديد ذاكرة الحرب الأهلية؟.

ترى لماذا، وهو المؤمن، ينطلق بجولاته “التوحيدية”، ومن خلفه وأمامه وإلى جانبه، مرافقات عسكرية حاشدة من جنود وملالات ودبابات؟.

ترى لماذا يتمسك بحرية التنقل في مدن لبنان وقراه، وكأنه ذاهب إلى بعلبك لتناول “الصفيحة البعلبكية”. أو إلى زغرتا لتذوق “الكبة الزغرتاوية”. أو إلى بشري لزيارة متحف جبران خليل جبران. أو إلى طرابلس لأكل “حلاوة الجبن الطرابلسية”، أو… أو؟.

ألا يدرك أن تنقلاته غالباً ما تنقل التعايش المشترك، إلى أحقاد سادت ثم بادت؟.

نعود ونسأل:

ترى من أقنعه بأنه يدافع عن العهد بتفوقه على خصوم العهد بتشويه سمعته والإساءة إليه؟.

ترى من يشجع “الوزير الشجاع” على النفخ في النار؟.

ألا يدري أن لعبة الموت قد تبدأ في أي لحظة ينفجر فيها الخلاف الأميركي – الإيراني؟… حيث تخطط إيران لحرب لبنانية – إسرائيلية تشغل أميركا عن الخليج والنووي الإيراني، وتدفع بترامب إلى التفرغ لجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة لإثبات صهيونيته التي لا شك فيها.

إن حب لبنان أيها “الوزير العاشق” لا يكون بتملك حزبك للبنان.

إقنع بما هو لك وله.

توقف عن قراءة الجغرافيا اللبنانية بشراهة من يسأل:

لماذا ليس لي هذا؟.

 

وليد الحسيني

Advertisements

رمد الحريري وعمى جبران

walidلا شك أن رمد “التسوية” أفضل من عمى الخلافات. وبالذات في زمن التناقضات المحلية المجلية في سماء لبنان.

ثمة فريق يرى في “التسوية” فرصة لاقتناص المكاسب والمناصب والصلاحيات. وثمة فريق آخر يرى أنها جلبت الدب إلى الكروم اللبنانية. وأن هذا الدب الشره يسن أسنانه لقتل الناطور والإنفراد في أكل العنب.

الفريقان يشوهان “التسوية”، ويحملانها ما حدث من عواقب وخيمة… وما يمكن أن يحدث مما لا تحمد عقباه.

تعالوا نتصور أن “التسوية” لم تكن. فبأي حال كان حال لبنان؟.

فراغ رئاسي يدخل لتاريخه عامه الخامس… وربما كان إصرار فريق الممانعة على استمرار فقدان النصاب النيابي سيمنحه، أي الفراغ، ولاية رئاسية ثانية.

مجلس نيابي يمدد لنفسه، ويتمدد على رقاب الديمقراطية. وفي الوقت نفسه يكون قد تجاوز مرحلة الشيخوخة، وبالتالي، سيكون عاجزاً عن سن تشريعات خارج الخرف الدستوري.

حكومة تصريف أعمال، لأعمال غير قابلة للتصريف. إما لأن الخلافات تفسد الود بين الوزراء، وإما لأن الصرف الأثني عشري لا يلبي متابعة المشاريع وتسديد المستحقات. وإما لأن الأموال المتناقصة لا يمكن تعويضها بالإستدانة، التي أصبحت عرفاً ملزماً للحكومات المتعاقبة.

في مثل هذه العبثية المؤسساتية، يكون “قط الدولة” قد غاب، مما يتيح للفئران “المسلحة” بالأنياب القارضة أن تلعب بأمن لبنان واستقراره واقتصاده.

كل ما سبق يؤكد أن سعد الحريري في ارتكابه فعل التسوية، يكون قد أخطأ في حق نفسه، لكنه أصاب في حق لبنان. وهكذا تكون قد تغلبت عليه وفيه مقولة والده الشهيد: لا أحد أكبر من وطنه.

إذاً هذه التسوية، ورغم ما حملته من مساوئ، إلا أنها أنقذت البلد من الأسوأ. ولبنان اليوم أكثر حاجة إليها مما مضى. فالأمراض اللبنانية تحولت إلى وباء. ومعالجتها، أو الحد من مخاطرها، يحتاج إلى ورشة إصلاحية كبرى. فالوحدة الوطنية مفككة، واستمرار التسوية وحده بإمكانه تجميعها مجدداً، ومنعها من التناثر والتصادم، بعد أن ثبت عجزها عن التلاحم.

نحن بلد بالغ الهشاشة. وأسوأ ما فيه أنه يُحضّر دائماً لمستقبل هو مجرد إعادة لفيلم تسجيلي، من بطولة فتن لا نعلم متى تستيقظ. ولمصالحات مغشوشة. وإعمار لا يكتمل. ومرابط خيل خارجية وديمقراطية مصابة بالكوليسترول المذهبي، والتشوهات المناطقية. وخطوط حمراء تفرضها الكنائس والمساجد.

ها نحن، نتعرى، لا كما خلقنا ربي، بل كما اخترنا لأنفسنا. فهل يمكن أن نتخلى عن “التسوية”. وهل نسوّي أمورنا بخلافات أشد وأنانيات تتمرد على الضمير الوطني؟.

لكل هذا إختار الحريري المضي من الوسط، إلى الإلتزام بأن “خير الأمور الوسط”. وهو يدرك مسبقاً أن هذا الخيار سيجعله هدفاً سهلاً من “النيران الصديقة”، كالتي أغدقتها عليه تويترات وليد جنبلاط. ومن نيران “شركاء التسوية” التي تطلقها باتجاهه طموحات جبران باسيل التي لا تحد… والتي يعتقد باسيل أنها لا ترد.

لكن هذا هو قدر الحريري، وإلا فإن قدر لبنان سيكون المزيد من الأحقاد المذهبية، ومن الأزمات الإقتصادية، التي يبدو أنها تسرح وتمرح وتردح كما كان يفعل “أبو المراجل”.

الحريري، بالتأكيد، لا يمكنه أن يكون المنقذ. لكنه الساعي الأقدر على الإنقاذ. وهو سعي لن يصل إذا بقي الوصل مقطوعاً بين اللبنانيين… وهذا وصل لا يتحقق إلا عبر “التسوية”.

مهمة الحريري صعبة. والتفاؤل الذي يصر عليه، لا يلغي إصرار اللبناني على التشاؤم.

ترى أي من الإصرارين سينتصر؟. وأيهما أفضل للبناني: رمد الحريري أم عمى جبران باسيل؟.

وليد الحسيني

لقاء العقل والتعقل

walidطبعاً لا تليق المقارنة بين أحداث الخليج وما يفعله “أحداث” السياسة في لبنان.

إنها مقارنة أقرب إلى “الكاريكاتير” السياسي. وقد تتهم بالإستهزاء بالقامات الدولية. ومع ذلك، لا ضرر ولا ضير في مقارنة ما يقوم به “الحرس الثوري” في الخليج العربي، بما يقوم به “التيار الوطني الحر” في لبنان.

هناك، في بحر عمان ومطار أبها، وقبلهما في مينائي الفجيرة الإماراتي وينبع السعودي، يضرب السيد خامنئي الإستقرار في المنطقة… وربما في العالم.

هنا، يهز جبران باسيل، بعضلات عمه، أسس الإستقرار في وطن الأرز. أحياناً بتصريحات تفتقد للدبلوماسية وتتنكر للجميل. وأحياناً بممارسة هواية دفع البلاد إلى الهاوية.

هناك، تلعب إيران بالنار… فتحترق أصابع أميركا.

هنا، يشعل باسيل النيران… فتحترق أصابع لبنان.

هناك، يهدد الحرس الثوري بتعطيل الملاحة النفطية، وينفذ تهديداته… وبأسرع من سرعة طوربيداته يسارع إلى نفي مسؤوليته. ويلحق النفي بالإدانة والإستنكار. وفي المقابل يتعهد ترامب بالرد. ويهدد ويتوعد. وعندما يستحق الوعد، ويحين الوفاء بالعهد، يعدُّ سيد البيت الأبيض للعشرة. وتمر الأخطار خطراً بعد آخر، وما زال العداد الأميركي يعدّ العشرات… عشرة بعد عشرة.

هنا، يتهم باسيل السنة بسرقة الموارنة. ويهدد باسترداد الصلاحيات المسروقة. وينتقل بتهديداته إلى المسيحية نفسها، متعهداً ومتوعداً بفضح شعبية القوات اللبنانية، وبأنها بالكاد تتجاوز الصفر. وبما أن لا حجم لها، يُحجم باسيل عن إعطائها منصباً في التعيينات. أو نصيباً في التسويات، التي تنكر لها ودفنها في مقابر “أوعى خيك”. وفي المقابل، يعتقد فرعون العهد، متوهماً كعادته، أنه لن يجد من يرده، ولا من يوقفه عن حده.

ولأن هناك، أي في الخليج العربي، لا دور للبنان سوى انتظار التداعيات والمخاطر، فلا بد من التركيز على ما يجري هنا.

في البدء، نسأل الله أن يكون في عون عون. فهذا ما جناه عليه باسيل، علماً بأن الرئيس لم يجن على أحد.

وبالتالي، يترتب على باسيل أن يفيق من أحلامه. فمن يحاول منازلتهم ليسوا طواحين هواء. وعليه أيضاً الإقرار بأنه يعيش في بلد الـ “لا غالب ولا مغلوب”. وأن محاولة فرض صيغة الغالب، ليست أكثر من مراهقة سياسية. ففي البلاد قامات وزعامات راسخة لا يمكن أن تقتلعها الزعامات الطارئة. والتي ستزول حتماً بزوال أسباب انتفاخها… فنعم “الممانعة” لا تدوم.

إن شد عصب العنصرية، وتوجيه السهام إلى العلاقات العربية، وسياسة الألسنة الفالتة… كلها لن تدفع مثلاً بسعد الحريري إلى مواجهة التوتير بالتوتر. فما زال، وسيبقى الرجل مسكوناً بالحكمة الوطنية… وبمجرد زيارته قصر بعبداً، ومن ثم، لقاء العقل والتعقل، يكون باسيل قد ضيع في الأحلام… جهده.

                                                                          وليد الحسيني

باسيل والحريري

walidترى هل يستطيع جبران باسيل الإقتراب من الحكمة السياسية، بعد أن بالغ في ولوج التهور السياسي؟… وهل يستطيع التخلي عن ركوب أمواج المد والجزر؟.

لقد نسي أن “التسوية”، التي أقدم عليها سعد الحريري، هي التي جعلت منه “الرجل القوي” في معبد “العهد القوي”.

وإذا كان “شمشون الجبار” أحد أبرز رموز “الرجل القوي” في زمن الأساطير والخرافات، فمن المنطق أن يتذكر باسيل بأن “شمشون” عندما قرر الموت لأعدائه، كان قد اختار طريق الإنتحار.

من أكبر الأخطاء والأخطار، أن يحوّل “ولي العهد” الوطن إلى ملعب، والتسويات والتفاهمات إلى لعبة.

لقد أكثر من حفر الحفر. مما أدى إلى اتساع الفجوة بين تياره الحر من جهة، وبين المستقبل والقوات من جهة أخرى. ومع استمرار غياب الوعي الوطني، يصبح التنسيق بين رئيس التيار الوطني والآخرين محاولة في المستحيل. فلا الرئيس الحريري يستطيع الإحتفاظ بالتسوية، مع تمادي باسيل في خرقها واختراقها، ولا باسيل يستطيع المحافظة على مكاسب التسوية، وهو يسعى إلى جمع كل مكاسبها في قبضته، التي يستعملها عشوائياً في جولات ملاكمة عبثية.

يقول، لا فض فوه، أن البلد تحول إلى “عصفورية”. وإذا صح قوله هذا، فإن الجنون لا يعالج بمزيد من الجنون.

أما المراهنة على صبر سعد الحريري وتسامحه، فهو رهان يخلط بين حدود الصبر المحدودة، والمقامرة السياسية المفتوحة والمفضوحة.

المسامحة ليست كنزاً لا يفنى. فعن أي التجاوزات يمكن مطالبة الحريري بالصفح عنها؟.

في الشأن الخارجي، ينحاز باسيل للإجماع الإيراني، على حساب الإجماع العربي.

في الشأن الداخلي، يختار التمرد على تفاهميْ معراب وبيت الوسط، ويخضع بإذعان مذل لتفاهم حزب الله.

في شأن التصريحات السياسية، يقول كلاماً مفجراً للأزمات والخلافات، وينفيه في اليوم التالي.

في الشأن الإنساني، يهاجم النازح السوري واللاجئ الفلسطيني، ويدافع بقوة عن النازح والمستوطن اللبناني في بلاد الإغتراب من أفريقيا إلى أوروبا إلى أوستراليا إلى الأميركيتين.

في الشأن القضائي، يصر على تملك وزارة العدل لإصلاح العدالة، ويعتبر في الوقت نفسه أن العدل أساس ملكه وبعض ممتلكاته.

في شأن الإصلاح، جعله شعاراً، لم تشعر بوجوده وزارة أو مؤسسة أو عصابة فاسدين.

من الصعب أن يحظى محلل نفسي بمعرفة ما في نفس هذا اليعقوب.

ومع هذا، ومع كل ما سبق من مبررات لقطيعة، لا يمكن وصلها، فإن سعد الحريري، وكرمى عيون الرئيس عون، قد يتجاوز مرة أخرى تجاوزات باسل.

لكن هل يقدر مبتكر الخلافات، أن يتراجع عن ابتكاراته الدون كيشوتية؟.

بالطبع يقدر… إذا تخلى عن الأحلام الخارقة والمارقة.

وليد الحسيني

ملك التعطيل

walidقبل جبران باسيل، كان التعطيل يطال، بحياء، قانوناً ما. كقانون الكسارات والمقالع. أو قانون السير والتغاضي عن مخالفات ربط أحزمة الأمان. أو قانون منع التدخين في المطاعم والمقاهي. أو …

لكن به، وبعده، أصبح التعطيل يطال الدولة بمؤسساتها وأساساتها.

من أجل هلوسته بالسلطة، تمّ تعطيل تشكيل كل الحكومات تلبية لتطلعاته، تحت شرط الخضوع لتوزيره. ومن بعد إستجابة لاشتهائه وزارة دون أخرى.

في البدء، انفتحت الشهية على وزارة الإتصالات. ولأسباب لا يعرفها إلا الراسخون في طلب النفوذ، انتقلت الشهوة إلى حقيبة الطاقة. وعندما وجد خليفة لا يخالفه، أورث الوزارة لسيزار أبي خليل، ومن بعده لمستشارته، ندى البستاني، التي تستشيره في كل شيء، والتي لم يستشرها يوماً في أي شيء.

وهكذا تفرغ باسيل لوزارة الخارجية، تمهيداً لشق طريق دولية تصل به إلى قصر بعبدا.

ولأنه يعوّل كثيراً على العائلة، تحمّس لخطة حزب الله في تعطيل الدولة، بافتعال الفراغ الدستوري لمدة تجاوزت السنتين، وكان المقدر لها سنوات مفتوحة، لولا أن الحكمة الوطنية دفعت بسعد الحريري إلى التجرؤ على لعنة التعطيل، بإعلان تسوية، أتت بالجنرال عون، عم باسيل، رئيساً للجمهورية.

ومن أجل إخراج الصهر من عقدة الرسوب المتكرر في إمتحان الإنتخابات النيابية، جرى تعطيل السلطة التشريعية، إلى أن تمّ تشويه الديمقراطية، بإصدار قانون للانتخابات، أساء لسمعة النسبية، ولعن أباها. لكنه جاء على قياس باسيل، وكان للصوت “التفضيلي” الفضل في فوزه وفوز حزبه وأحزاب حلفائه. وبعد أن أكدت له، التجارب السابق ذكرها، أن التعطيل هو الوسيلة الأقدر على تحقيق الغايات، تمسك به وأدمنه، على اعتبار أن الغايات السيئة، لا تنضج ثمارها، إلا بالأفعال الأسوأ منها.

وهذا ما كان، عندما حان وقت إنجاز الموازنة، لإنقاذ البلد من إنهيار إقتصادي، لا يخفى على شاطر كجبران باسيل.

ظن “ملك التعطيل” أنه سيكون “ملك الشعبوية” أيضاً، بتأخيره إقرار الموزانة.

وهكذا، فكلما التأم جرح في مناقشة الموازنة، فتح باسيل مزاد الجراح. تارة تحت شعار الإصلاح. وتارة تحت شعار الدفاع عن الفقراء ومتوسطي الدخل.

أما وأن “الموازنة” تحمل اليوم أثقالها متجهة إلى قصر بعبدا، فمن منطلقات وطنية، لا بد من مناشدة باسيل وفريقه الوزاري بالقول: “هدوها ولا تهدوها”.

ولا بد كذلك من لفت الإنتباه إلى أن انقطاع الكهرباء في لبنان، لا يعني أن اللبنانيين لا يرون ما يدور وما يدبّر لهم.

نتمنى أن لا يبالغ باسيل في تسويق الوهم، عبر إصلاحات مبهمة يتوهم أنها ستنشل البلد.

عليه أن يدرك أنه بتأخير إقرار الموازنة، يكون قد ابتكر مذهباً إقتصادياً رابعاً، خارج المذاهب الإقتصادية الثلاثة، التي يعرفها العالم.

فلا هو، بسلوكه التعطيلي، رسخ النظام الرأسمالي الحر. ولا ذهب بالبلاد إلى النظام الإشتراكي، ولا بشر بالنظام المختلط.

إذا لم يتخل عن عروش الملكية في التعطيل والشعبوية، وإذا لم يعد إلى وعيه الوطني… فهو بذلك يقدم للعالم نظاماً إقتصادياً رابعاً… هو نظام الفوضى.

وليد الحسيني

إضرابات “اللهم نفسي”

walidلو لم يعمّ المرض، لما كان لبنان بحاجة إلى كل هذه الوصفات الطبية.

ولو لم يصب الإقتصاد بالهزال، ويتسخ البلد بالهدر، ولو لم تفح رائحة الإنهيار، لما لجأت الحكومة، مجبرة، إلى تعميم التقشف، الذي يفترض أن لا يميّز بين “بنت ست وبنت جارية”.

لكن للأسف فإن جميع القطاعات والطبقات، من عمال وأرباب عمل وموظفين، وصولاً إلى المؤسسات العسكرية والمدنية، وصعوداً إلى الوزارات… يعتبر نفسه من سلالة الست… وكأن الجارية مقطوعة من شجرة.

وبالإعتراف الصريح والمعلن، تعترف “الكافة” وتعلن: أن خزينة الدولة تعاني من فقر خطير في الدم.

و”كافتهم” يدعون بإلحاح إلى التبرع بالدماء. وفي الوقت نفسه، وبإلحاح أشد، يستثني كل فريق نفسه من هذا الواجب المتعب، لأنه لا يتحمل شك الإبرة في الوريد. مما جعل مهمة سيارات الإسعاف تقتصر على إطلاق زمامير الخطر، لأن وحدات الدم لم تصل إليها لتقوم بنقلها إلى مستشفى الإنقاذ في وزارة المالية… حيث يرقد لبنان معانياً سكرة الموت.

وإذا كان انتشار إضرابات “اللهم نفسي” قد عطل التوافق المسبق على بنود في الموازنة، بسبب عدم شعبيتها، فإن إعادة فتح أبواب النقاش في كل أبواب الموازنة، يجعل الشك مبرراً في الجهة السياسية، التي تنادي بالإنقاذ قولاً، وتعاديه إستمهالاً، بتقديم أوراق تساهم في تمديد الوقت الضائع.

إذا لم نسارع إلى إقرار الموازنة الجراحية، فإن النزيف المالي لجراحنا الإقتصادية، سيكون الأسرع في الوصول إلى مصير مجهول العواقب.

في الحقيقة لا يمكن لقارئ الأحداث أن يكتشف الأسباب الخفية للتأخير المتعمد في “ساعة سيدر”.

ترى، هل يستهدف هذا التأخير حكومة سعد الحريري؟… خصوصاً وأن صاحب المعالي جبران باسيل قد أعلن، من الكورة، أنه لن يبقى في حكومة لا تأخذ بـ “أوراقه الإصلاحية”. فيكون بذلك آمراً قامعاً فيطاع… تلبية لكونه مأموراً تابعاً فيطيع.

أم تراه يستهدف وضع لبنان في مأزق إقتصادي، يشبه مآزق سوريا وإيران، مما يسهل تقديم الخدمات الملتفة على العقوبات الأميركية؟.

إذا كانت هذه هي الأسباب، فهي أسباب يستحيل إعلانها. ويستدعي تحقيقها تمويهاً إصلاحياً يحرف الإنتباه… ويجرف الحقائق.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة ألسنة تتذرع بالإصلاح… وأن ثمة أذرعاً تعبث به؟.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة شعارات تطلق لاستهلاك الإستقرار، وأن ثمة ممارسات تنفذ لإنتاج الفوضى؟.

يبدو أن عنترة هذا الزمان قد استبدل سيفه في مواجهة الأعداء، بخنجر يطعن به ظهر “الحلفاء”.

هنا تكبر مسؤولية اللبناني، الذي بات يتحتم عليه أن يقتنع، بأن كَرَمَ الدولة لم يعد كرْماً على درب. ففاكهته اليوم محرمة، وببساطة، لأنها غير موجودة… وعلى العسكري أن يعترف بأنه عندما دخل إلى الجيش، لم يكن هدفه التدبير رقم 3. لقد دخل وهو يعلم جيداً أن دوره على الحدود. وأن التدبير الذي يعطيه ثلاثة أضعاف حقه، هو تدبير أخذ في زمن البحبوحة وعطاءات الشهيد رفيق الحريري… ولم يحظ بمثله جيش من جيوش المنطقة، وإلا لشارفت مصر على الإفلاس قبل العبور. ومثلها سوريا قبل حرب تشرين. ولكانت ميزانية العدو الإسرائيلي أقرب إلى ميزانية الصومال بسبب حروبها واعتداءاتها التي لا تتوقف.

أيها اللبناني… أينما كنت… كن لبنانياً وتحمل شك الإبرة وأنت تتبرع ببعض الدم… وهذا الكلام لمن “عنده دم”.

وليد الحسيني

حكومة الجرأة … والخوف

walidسنوات كثيرة سبقت، والبلد ماشي من دون موازنة، حتى كادت تتلاشى أهميتها. فلا الحكومات انكبت على إعدادها. ولا جهابذة الاقتصاد تذكروا وذكّروا أن البلاد من دونها، كمن يصرف ما في الجيب من غير أن يحسب ما في الغيب.

هذا ما كان، إلى أن حضر الغيب، فلم يجد ما يكفيه في جيب الدولة.

أما وقد ظهرت عوارض الإفلاس، فكان لا بد من اللجوء إلى ميزانية جراحية.

وفات وزير المالية أن الطبيب الجراح الذي ترتعش يده، بسبب خطورة العملية، وضخامة الأورام الخبيثة المنتشرة في جسد المريض، لا يمكن أن يفضي أرتعاشه وتردده إلى غير الفشل.

كما فات الجميع أن إخفاء تفصيلات المرض، والتكتم على أخطاره، لا ينجم عنهما سوى استهتار المريض بتعليمات الطبيب، إلى حد قد يصل إلى رفض تناول الدواء … وهذا ما يحصل الآن. إذ لا أحد يقبل الاقتراب من جيبه أو رصيده أو حقه في الرشوة والعمولة.

يعتبر لبنان اليوم أسوأ مرضى دول المنطقة، وأقربها إلى الانهيار الاقتصادي. ولا تجوز معالجة هلعه بادعاء قدرات وهمية تشفي المريض وتحيي الرميم.

وهذه الحكومة ليست ضعيفة. إلا ان بعض أحزابها المشارك في الحكم، يبالغ في مخاوفه على شعبيته من سياسة الكي الاقتصادي، كآخر وأنجع دواء لإنقاذ البلد من العواصف المالية والاجتماعية الزاحفة حثيثاً باتجاه الجميع.

وباتجاه الجميع، يجب أن يتحرك التقشّف، بعد أن اعتمد كسياسة إنقاذية. فالمريض الذي يحمل إلى المستشفى، يجبر على تناول طعام المستشفى، لا ما لذ له وما طاب واشتهى.

يفترض من حيث الشكل، أن تكون الحكومة على قلب واحد. فهي حكومة وحدة وطنية، وفق إعلانها.

ويفترض من حيث الشكل أيضاً، أن تكون حكومة عمل. فهي حكومة “إلى العمل” وفق ما أطلقته على نفسها.

يفترض … ولكن.

لكن … كيف يمكن أن تكون الحكومة على قلب واحد، وأكثر وزراء أحزابها قلبهم على شعبيتهم؟

وكيف يمكن أن تكون حكومة “إلى العمل”، وأغلب مكوناتها السياسية يشجع مختلف القطاعات الوظيفية والعمالية على الاضراب عن العمل؟

إنها الشعبوية التي تحاول أن تتغذى من دم الاقتصاد المتأزم.

وتحت وطأة “الجمهور عايز كده”، تجبر الحكومة على تسويات، يفقد معها الدواء فاعليته. وهكذا تبقى أثقال الكارثة جاثمة، وبالتالي تجد الموازنة نفسها راضخة للشعبوية، مهما حاولت فذلكتها، فذلكة الحلول.

أي حلول هذه؟

فالجيش خط أحمر. والمصرف خط أحمر. والموظف خط أحمر. والمتقاعد خط أحمر. والتقديمات خط أحمر. والراتب خط أحمر … وحتى الراتب المتعدد الرواتب هو الآخر خط أحمر.

بعد كل هذه الخطوط الحمراء، ماذا يبقى للوطن غير الخط الأسود والحظ الأسوأ؟

لا ندري وسط مثل هذه المسؤولية العبثية والمستهترة، ماذا بمقدور سعد الحريري أن يفعله، وهو الوحيد الذي لم تأخذه الشعبوية إلى الكذب على الشعب. إنه الوحيد الذي صارحه ونصحه بقبول التضحية قبل أن يتحوّل إلى ضحية.

لا ندري حقيقة إلى ماذا ستنتهي المصارعة بين التقشف والتأفف؟

ترى هل ينجح الحريري في توحيد عضلات وزراء حكومته لتستعيد الحكومة جرأة المواجهة … أم أن الخوف على الشعبية هو الذي سينجح في تحويل الموازنة من دواء إلى داء؟

وليد الحسيني