إضرابات “اللهم نفسي”

walidلو لم يعمّ المرض، لما كان لبنان بحاجة إلى كل هذه الوصفات الطبية.

ولو لم يصب الإقتصاد بالهزال، ويتسخ البلد بالهدر، ولو لم تفح رائحة الإنهيار، لما لجأت الحكومة، مجبرة، إلى تعميم التقشف، الذي يفترض أن لا يميّز بين “بنت ست وبنت جارية”.

لكن للأسف فإن جميع القطاعات والطبقات، من عمال وأرباب عمل وموظفين، وصولاً إلى المؤسسات العسكرية والمدنية، وصعوداً إلى الوزارات… يعتبر نفسه من سلالة الست… وكأن الجارية مقطوعة من شجرة.

وبالإعتراف الصريح والمعلن، تعترف “الكافة” وتعلن: أن خزينة الدولة تعاني من فقر خطير في الدم.

و”كافتهم” يدعون بإلحاح إلى التبرع بالدماء. وفي الوقت نفسه، وبإلحاح أشد، يستثني كل فريق نفسه من هذا الواجب المتعب، لأنه لا يتحمل شك الإبرة في الوريد. مما جعل مهمة سيارات الإسعاف تقتصر على إطلاق زمامير الخطر، لأن وحدات الدم لم تصل إليها لتقوم بنقلها إلى مستشفى الإنقاذ في وزارة المالية… حيث يرقد لبنان معانياً سكرة الموت.

وإذا كان انتشار إضرابات “اللهم نفسي” قد عطل التوافق المسبق على بنود في الموازنة، بسبب عدم شعبيتها، فإن إعادة فتح أبواب النقاش في كل أبواب الموازنة، يجعل الشك مبرراً في الجهة السياسية، التي تنادي بالإنقاذ قولاً، وتعاديه إستمهالاً، بتقديم أوراق تساهم في تمديد الوقت الضائع.

إذا لم نسارع إلى إقرار الموازنة الجراحية، فإن النزيف المالي لجراحنا الإقتصادية، سيكون الأسرع في الوصول إلى مصير مجهول العواقب.

في الحقيقة لا يمكن لقارئ الأحداث أن يكتشف الأسباب الخفية للتأخير المتعمد في “ساعة سيدر”.

ترى، هل يستهدف هذا التأخير حكومة سعد الحريري؟… خصوصاً وأن صاحب المعالي جبران باسيل قد أعلن، من الكورة، أنه لن يبقى في حكومة لا تأخذ بـ “أوراقه الإصلاحية”. فيكون بذلك آمراً قامعاً فيطاع… تلبية لكونه مأموراً تابعاً فيطيع.

أم تراه يستهدف وضع لبنان في مأزق إقتصادي، يشبه مآزق سوريا وإيران، مما يسهل تقديم الخدمات الملتفة على العقوبات الأميركية؟.

إذا كانت هذه هي الأسباب، فهي أسباب يستحيل إعلانها. ويستدعي تحقيقها تمويهاً إصلاحياً يحرف الإنتباه… ويجرف الحقائق.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة ألسنة تتذرع بالإصلاح… وأن ثمة أذرعاً تعبث به؟.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة شعارات تطلق لاستهلاك الإستقرار، وأن ثمة ممارسات تنفذ لإنتاج الفوضى؟.

يبدو أن عنترة هذا الزمان قد استبدل سيفه في مواجهة الأعداء، بخنجر يطعن به ظهر “الحلفاء”.

هنا تكبر مسؤولية اللبناني، الذي بات يتحتم عليه أن يقتنع، بأن كَرَمَ الدولة لم يعد كرْماً على درب. ففاكهته اليوم محرمة، وببساطة، لأنها غير موجودة… وعلى العسكري أن يعترف بأنه عندما دخل إلى الجيش، لم يكن هدفه التدبير رقم 3. لقد دخل وهو يعلم جيداً أن دوره على الحدود. وأن التدبير الذي يعطيه ثلاثة أضعاف حقه، هو تدبير أخذ في زمن البحبوحة وعطاءات الشهيد رفيق الحريري… ولم يحظ بمثله جيش من جيوش المنطقة، وإلا لشارفت مصر على الإفلاس قبل العبور. ومثلها سوريا قبل حرب تشرين. ولكانت ميزانية العدو الإسرائيلي أقرب إلى ميزانية الصومال بسبب حروبها واعتداءاتها التي لا تتوقف.

أيها اللبناني… أينما كنت… كن لبنانياً وتحمل شك الإبرة وأنت تتبرع ببعض الدم… وهذا الكلام لمن “عنده دم”.

وليد الحسيني

Advertisements

حكومة الجرأة … والخوف

walidسنوات كثيرة سبقت، والبلد ماشي من دون موازنة، حتى كادت تتلاشى أهميتها. فلا الحكومات انكبت على إعدادها. ولا جهابذة الاقتصاد تذكروا وذكّروا أن البلاد من دونها، كمن يصرف ما في الجيب من غير أن يحسب ما في الغيب.

هذا ما كان، إلى أن حضر الغيب، فلم يجد ما يكفيه في جيب الدولة.

أما وقد ظهرت عوارض الإفلاس، فكان لا بد من اللجوء إلى ميزانية جراحية.

وفات وزير المالية أن الطبيب الجراح الذي ترتعش يده، بسبب خطورة العملية، وضخامة الأورام الخبيثة المنتشرة في جسد المريض، لا يمكن أن يفضي أرتعاشه وتردده إلى غير الفشل.

كما فات الجميع أن إخفاء تفصيلات المرض، والتكتم على أخطاره، لا ينجم عنهما سوى استهتار المريض بتعليمات الطبيب، إلى حد قد يصل إلى رفض تناول الدواء … وهذا ما يحصل الآن. إذ لا أحد يقبل الاقتراب من جيبه أو رصيده أو حقه في الرشوة والعمولة.

يعتبر لبنان اليوم أسوأ مرضى دول المنطقة، وأقربها إلى الانهيار الاقتصادي. ولا تجوز معالجة هلعه بادعاء قدرات وهمية تشفي المريض وتحيي الرميم.

وهذه الحكومة ليست ضعيفة. إلا ان بعض أحزابها المشارك في الحكم، يبالغ في مخاوفه على شعبيته من سياسة الكي الاقتصادي، كآخر وأنجع دواء لإنقاذ البلد من العواصف المالية والاجتماعية الزاحفة حثيثاً باتجاه الجميع.

وباتجاه الجميع، يجب أن يتحرك التقشّف، بعد أن اعتمد كسياسة إنقاذية. فالمريض الذي يحمل إلى المستشفى، يجبر على تناول طعام المستشفى، لا ما لذ له وما طاب واشتهى.

يفترض من حيث الشكل، أن تكون الحكومة على قلب واحد. فهي حكومة وحدة وطنية، وفق إعلانها.

ويفترض من حيث الشكل أيضاً، أن تكون حكومة عمل. فهي حكومة “إلى العمل” وفق ما أطلقته على نفسها.

يفترض … ولكن.

لكن … كيف يمكن أن تكون الحكومة على قلب واحد، وأكثر وزراء أحزابها قلبهم على شعبيتهم؟

وكيف يمكن أن تكون حكومة “إلى العمل”، وأغلب مكوناتها السياسية يشجع مختلف القطاعات الوظيفية والعمالية على الاضراب عن العمل؟

إنها الشعبوية التي تحاول أن تتغذى من دم الاقتصاد المتأزم.

وتحت وطأة “الجمهور عايز كده”، تجبر الحكومة على تسويات، يفقد معها الدواء فاعليته. وهكذا تبقى أثقال الكارثة جاثمة، وبالتالي تجد الموازنة نفسها راضخة للشعبوية، مهما حاولت فذلكتها، فذلكة الحلول.

أي حلول هذه؟

فالجيش خط أحمر. والمصرف خط أحمر. والموظف خط أحمر. والمتقاعد خط أحمر. والتقديمات خط أحمر. والراتب خط أحمر … وحتى الراتب المتعدد الرواتب هو الآخر خط أحمر.

بعد كل هذه الخطوط الحمراء، ماذا يبقى للوطن غير الخط الأسود والحظ الأسوأ؟

لا ندري وسط مثل هذه المسؤولية العبثية والمستهترة، ماذا بمقدور سعد الحريري أن يفعله، وهو الوحيد الذي لم تأخذه الشعبوية إلى الكذب على الشعب. إنه الوحيد الذي صارحه ونصحه بقبول التضحية قبل أن يتحوّل إلى ضحية.

لا ندري حقيقة إلى ماذا ستنتهي المصارعة بين التقشف والتأفف؟

ترى هل ينجح الحريري في توحيد عضلات وزراء حكومته لتستعيد الحكومة جرأة المواجهة … أم أن الخوف على الشعبية هو الذي سينجح في تحويل الموازنة من دواء إلى داء؟

وليد الحسيني

دعوة بري: لها … وعليها

walidنحذر من عدم تلبية دعوة نبيه بري إلى إصدار قانون جديد للإنتخابات. إذ لا بد من إنقاذ لبنان من “القانون الأفعى”، الذي وهبنا مجلساً نيابياً، هو بالحقيقة هبة من شيطان “النسبية”.

نذكر أن “القانون الأفعى”، بدأ فور إعلان جيشه النيابي، بتعطيل تشكيل الحكومة، التي كانت كلما خرجت من عقدة سامة، دفعت إلى عقدة مسمومة أخرى.

دعوة بري ليست مبكرة. بل يجب أن تبحث بصيغة القوانين المستعجلة. فقانون الإنتخابات لا يحمل التسويف والمماطلة. فهو، وإن أخذ صفة القانون، إلا أنه بسلطات نتائج صناديق إقتراعه، يصبح أقوى من الدستور بجلالة قدره وقدسية موقعه.

هو أقوى من الدستور لأنه يملك، بأغلبية ثلثي نوابه، صلاحية تعديله إلغاء وإضافة.

وهو قانون يشرع كل القوانين من دون استثناء.

وهو ينتخب رئيس الجمهورية. ويقرر من يكون رئيس مجلس النواب.

وهو الذي يكلف رئيس الحكومة ويخرجه من السرايا متى أراد.

وهو الذي يفرض الضرائب ويلغيها.

وهو الذي يوافق على الموازنة العامة، ويلعب ببنودها وأرقامها نقصاناً وزيادة.

وهو الذي يصدر قانون العفو عن المجرمين.

وهو الذي يحدد متى تقترض الدولة وكم وممن.

حتى قيادة المواطن لسيارته هو الذي ينظم سيرها بقانون سيره.

وهو الذي يهبط بدرجات إهتماماته إلى مستوى السماح بالتدخين والأركلة في أمكنة، ومنعهما في أمكنة أخرى.

النتيجة، أنه بنتائج صناديق اقتراعه، يستحوذ على سلطات في البلاد والعباد، لا تغلبها إلا سلطات الله. فأمره علينا وعلى دولتنا، هو أيضاً بين كاف ونون.

إذاً، علينا الإعتراف بأن قانون الإنتخبات هو الذي يشكل مجلسنا النيابي. وبأدواته من النواب يفرض إرداته وما يريد… وغالباً ما يراد له.

ولأن له هذه القدرات التشريعية الهائلة والمطلقة، يستحق صياغة بلا شوائب ولا مخاطر.

من هنا نستأذن الرئيس نبيه بري في الإعتراض على دعوته إلى الإنتقال من نسبية الدوائر إلى نسبية الوطن.

إن النسبية على مستوى لبنان، يا سيد التشريع، هي للأسف ستؤدي إلى هيمنة “الشيعية السياسية” على صناديق الإقتراع، من رأس الناقورة جنوباً، إلى العريضة شمالاَ. ومن بيروت غرباً إلى المصنع شرقاً.

هذه الهيمنة المذهبية، لا يمكن أن يقبلها، يا دولة الرئيس، تاريخك الوطني. لكن النسبية المطلقة لن تنتج إلا مثل هذه الهيمنة.

كيف ذلك؟

ببساطة، وكأمر واقع ومعروف ومعاش، تتوحد أصوات “الشيعية السياسية” في كتلة إنتخابية واحدة، باستثناء تسربات لا قيمة لها عند فرز الأصوات.

تقول الأرقام، أن كتلة الناخب الشيعي تشكل ثلث المقترعين في لبنان على الأقل. وهي كتلة تصويتية تذهب إلى لائحة واحدة، يجمعها اتجاه سياسي واحد. وإذا أضفنا إلى الثلث الشيعي المقترع، جزءاً بسيطاً يمثل أصوات سنة الممانعة. إلى جانب مجموعات متناثرة من دروز أرسلان ووهاب. وإذا انضمت، إلى هذا الحشد الإنتخابي المقاوم، حشود من مسيحيي عون وفرنجية والطاشناق، فالأرقام ستقول مرة أخرى أن مجلس نواب عام 2022 سيكون سيده سيد المقاومة. وسيكون أكثر من ثلثيه تحت قبضة تيار الممانعة.

عندئذ، وعذراً على التساؤل المذهبي المقيت، ما هو مصير نسبية أكثرية السنة والموارنة والدروز.

عندئذ، فإن كل نواب الفائض عن حاجة حزب الله، لا يشكلون سوى أقلية نيابية، أقل ما يقال عنها أنها كتل الأطرش في زفة التشريع.

ألا ترى، يا سيد التشريع، أن قانون النسبية المطلقة هو نقلة من قانون الأفعى إلى قانون الأفاعي.

واعذرنا مرة أخرى يا دولة الرئيس نبيه بري إذا ناقضنا “غودو” وقلنا: أن لا يأتي مثل هذا القانون أفضل من أن يأتي… وإلا فإن الآتي أعظم.

وليد الحسيني

إلى سعد الحريري

walidحسن الظن يا دولة الرئيس لا يمنعك أبداً من الحذر. فمن السهل على “الحلفاء”، قبل الأعداء، تحويلك من مضحي إلى ضحية، إذا ما وقعت واقعة الإنهيار الإقتصادي.

ألا ترى دولتك علامات ذلك، عندما اتجه تلميح الرئيس عون إليك في أزمة إقرار الموازنة، متجاهلاً صراع التقشف بين صهره ووزير دفاعه؟.

منذ سنوات بعيدة يا دولة الرئيس، ومؤشرات الإنهيار الإقتصادي، تطل على لبنان، وتستقطب التصريحات المحلية من فوق إلى تحت، وتسيطر على تحليلات خبراء المال، ولا تغيب عن تقارير المنظمات الدولية.

لقد بلغ إضطهاد القانون مداه الأعلى، قبلك، وفي غيابك عن الحكم، وفي حضورك رئيساً للحكومة. مما يعني أن مسؤولية الهدر والفساد تطال جميع “القبائل” السياسية، و”العشائر” العائلية، وحراس مغارة علي بابا، وجماعات القناعة بأن لبنان كنز لا يفنى.

أما المواطن يا دولة الرئيس فقد فقد الأمل. ولم يعد يجد رابطاً منطقياً، بين التصرفات المترابطة شكلاً، والتي تكرس الفساد فعلاً، وتعترض عليه بافتعال الإصلاح.

اليوم، إنتقل الخطر من التحذير إلى الإنذار الأخير.

الإنذار بالإنهيار، لم يعد شائعة. إنه جرس أكبر من جرس كنيسة نوتردام وأكثر التهاباً من حريقها. إنه جرس تقرعه بقوة، وبلا توقف، المرجعيات السياسية والإقتصادية والدينية في البلد. الجميع يشد حباله ليدوي صوته ويُسمع من به صممُ.

إذا حدث الذي نخاف أن يحدث. فمن الطبيعي أن يدافع الجناة عن أنفسهم. فالغاية تبرر الوسيلة، كما يقول مكيافيللي.

وكي لا يقال أن حكومتك قصمت ظهر إقتصاد الوطن. وكأنها لم تكن حكومة الوحدة الوطنية، التي خلطت الحابل بالنابل. وكأنها ليست حكومة العهد الأولى، كما يصر على تسميتها صاحب العهد وتياره. وكأنها حكومة سعد الحريري فقط. وكأنه هو من اختارها بإرادته الحرة، ووزع حقائبها على مزاجه وهواه. وكي لا يحصل لدولتك، ما حصل ليوسف، ويلقي بك “أخوتك” في التسوية والحكم، في بئر تهمة الإنهيار الإقتصادي. وقبل أن يمارسوا شطارة التضليل، وقبل أن تقع الكارثة، بادر يا دولة الرئيس إلى دعوة الجميع إلى مؤتمر إنقاذي. لا تسمح لأحد بالهرب من المشاركة، وبالتالي، التهرب من المسؤولية.

إن الوضع ينطلق بأقصى سرعة إلى أسوأ الإحتمالات. هذا ما يشعر به كل لبناني. والذين يستعدون لاتهامك، يدركون جيداً أنك الوحيد القادر، بعلاقاتك الخليجية والدولية، على سد ثقوب المركب وانقاذ لبنان من الغرق.

فكما “مؤتمر باريس”، الشهير بسيدر، يشكل طوقاً للنجاة، فإن انعقاد “مؤتمر بيروت” سيشكل طوق النجاة الأضمن لمنع سفينة لبنان من الإبحار في النموذج اليوناني.

ندعوك يا دولة الرئيس لتدعو إلى السرايا المرجعيات الثلاث، وقادة الأحزاب، ورؤساء غرف التجارة والصناعة، وأصحاب المصارف، وخبراء الإقتصاد والمال… وكل من له صلة قربى بالإنقاذ.

لقد أدى الخارج دوره في إعانة لبنان. ويبقى على اللبنانيين أداء أدوارهم في إنقاذ بلدهم. إذ لا يعقل أن لا يحب اللبنانيون لبنان بأقل من حب الخليجيين والأوروبيين له… وإذا لم يفعلوا، تكون فيروز قد كذبت عندما غنت، باسم اللبنانيين، “بحبك يا لبنان”.

ليكون “مؤتمر بيروت” أفعل من مؤتمر سيدر، نحتاج إلى تضحيات، لا إلى البحث عن ضحية.

كثيرون ممن سيشاركون في “مؤتمر بيروت”، يعرفون في قرارة أنفسهم، أنهم سبب البلية. فمنهم “المرابي” و”الحرامي” و”المرتشي” و”التاجر الفاجر”.

ولتبييض سجلهم الوطني، فإن الفرصة متاحة لهم في مؤتمر بيروت، بتبييض وجوههم مع لبنان… تبرعاً وتعاوناً واعترافاً بالمسؤوليات… ومن غير ذلك يستحيل إنقاذ خزينة البلد من الفراغ والتفريغ.

              وليد الحسيني

قانون “أبو النواس”

… وكأن الشاعر العباسي “أبو النواس”، قد أصبح مصدراً من مصادر التشريع اللبناني. فهو الذي شرّع قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”. وهذا تماماً ما يفعله لبنان.

يداوي داء الفساد بمزيد من الفساد. ويداوwalidي داء الطائفية بمزيد من الطائفية.

في الفساد:

يحارب التضخم الوظيفي، الفائض عن الحاجة، بتوظيف الأتباع، ممن لا حاجة للدولة بهم.

يكافح الرشوة بمطاردة الموظف المحتاج والجوعان و”الكحيان”، ويترك أبواب صفقات مشاريع المليارات مستباحة، بعمولاتها الكبيرة، لكبار السماسرة والنافذين.

يهدم غرفة في بيت متواضع، بُنيت لحاجة عائلية، لأن رب البيت لم يدفع رسوماً للبلدية والدوائر العقارية، ويغض النظر، إلى حد العمى الكامل، عمن أشاد منتجعات سياحية، ضخمة وفخمة، على شواطئ لا يملكها. ومازال يشيد المزيد، وينهش المزيد من أراضي البر والبحر.

يحل مشكلة استنزاف شركة الكهرباء، لأكثر من ثلث الخزينة العامة، باستنزاف الوقت ما بين الحل الدائم والمؤقت. ففي المؤقت سيرتفع منسوب العمولات في البواخر والمناقصات. وفي الدائم ستتراكم الأرباح الفلكية لمحتكري استيراد المازوت… وقريباً الغاز.

في الطائفية:

بداية يعتز لبنان بطوائفه ويعتبرها مفخرة تتفوق على كل المفاخر. فهي التي جعلت منه بلد “التعددية”. وحفاظاً على هذه الميزة الإلهية، تم تقسيم وتقاسم الوظائف والمناصب والمؤسسات والسلطات بين الطوائف. وتم للبنانيين التغني بالصيغة اللبنانية الفريدة.

وبناء على هذا البناء الطائفي، قلّما نجد مسيحياً ينتسب إلى أحزاب مختلطة. فالبلد يعج بأحزاب لا يدخلها إلاّ من آمن بالرب يسوع.

هناك القوات اللبنانية. ومن يشك بنقاء مسيحية سمير جعجع، بسبب علاقته بسعد الحريري، باستطاعته الذهاب إلى الكتائب، حيث لا صوت يعلو على أصوات أجراس الكنائس. أما من أخذته مسيحيته إلى التشدد، ومصالحه إلى النفوذ، فسيختار، بلا تردد، الإنتساب إلى التيار الوطني الحر. وفي حال فقد المسيحي التائه قدرة الصبر على جبران باسيل، فحزب المردة يفتح له صالات الشرف.

أما المسيحي الذي يتمسك بالتراث، ويحن إلى الزمن الحزبي الجميل، فليطرق أبواب حزب الوطنيين الأحرار، أو الكتلة الوطنية، مطمئناً بذلك على ماضيه العريق.

وعملاً بقانون “أبو النواس” في الطائفة الإسلامية، يلتزم الشيعي بالانتماء إلى حركة أمل أو حزب الله. وإذا تجرأ، وانتمى إلى غيرهما، فسوف يتهم بخيانة دم الحسين.

وخيارات السني، لا تختلف عن الشيعي، الشريك اللدود في الإسلام، فهو مثله أمام خيارين، أحلاهما مر، أي الإنضمام إلى الأحباش أو الجماعة الإسلامية. أما إذا سار في طريق ثالث، فسيقع في المعصية، وينزل عليه غضب الله ورسوله.

والثنائية نفسها تنسحب على المسلم الدرزي. فهو إما في حزب المير طلال أرسلان، أو في حزب وئام وهاب. على اعتبار أن حزب وليد جنبلاط متورط تارخياً بالإختلاط، بسبب إصرار الأب المؤسس كمال جنبلاط، على ضم المسيحي والسني والشيعي. وبذلك يكون الإنتساب إلى الحزب التقدمي الإشتراكي سبباً في أن يفقد الدرزي بوصلة “التوحيد”.

تبقى الأحزاب المختلطة، الخارجة عن الملة. وإذا كان تيار المستقبل والحزب التقدمي أكبرها، فإن الضرورة قد تشدهما احياناً إلى المذهبية، لشد حبال دورهما في الدولة اللبنانية.

أما البقية الباقية من المختلط، كالشيوعي والقومي، فمازالا يغوصان في الإيديولوجيا المنقرضة، في بلد رست فيه الإيديولوجيات الحيّة على اقتناص الفرص.

أخيراً من المفيد التنبيه إلى أن قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”، قد شرّعه “أبو النواس” في باب الخمرة والسكر… وللأسف لا شيء يُسكر اللبناني ودولته مثل خمرة الفساد والطائفية. ولهذا لن يحاول أحد خرق “القانون النواسي” الصامد دون غيره من القوانين المضادة لفساد لا يحكمه القانون ولطائفية لا تعترف بالدستور.

وليد الحسيني

في حرب الفساد: أيها الطبيب طبّب نفسك

walidتتراكم المشاكل فوق لبنان، تماماً كما يتراكم الذباب فوق المزابل.

حيث ينظر اللبناني يجدها حوله. فهي تتسكع في كل مؤسسات الدولة. وتتسلل إلى بيوت اللبنانيين بلا إستثناء. وتنفخ في نارها المذهبيات بلا رحمة. وتتفرج عليها القيادات بلا مسؤولية.

هذا هو لبنان، الذي تزلزل الأرض فيه زلزالها. وتخرج من باطنها أثقالها. ولا يسأل أحد ما لها؟.

ترى من أي المشاكل نبدأ، وكلها ينافس كلها؟.

بعشوائية، سنتناول ما تيسر من مشكلات، وما تجذر من خلافات.

وقبل استعراض ما هو متاح للعرض، لا بد من التنبيه إلى أن “فريق الممانعة”، ومنذ زمن، بدأ باختراع “العرف” في حربه ضد “الطائف”. وما أن يخترع عرفاً، حتى يفاجئنا باستيلاد عرف جديد. إلى أن كادت البلاد تحكم بالأعراف. وإلى أن أصبح الدستور في ذيل مصادر التشريع.

آخر عرف مستحدث كان عندما خبط الرئيس بكفه، فاهتزت طاولة مجلس الوزراء، وطارت أهم أوراق الطائف. وهي الورقة التي تحصر القرارات الكبرى بيد الحكومة مجتمعة.

يومها إحتج سعد الحريري باللجوء إلى “الصمت الصارخ”. مفضلاً، بدافع الحرص على البلد، معالجة تجاوز الصلاحيات في اجتماعات مغلقة. فكانت له العودة عن “الغضب الرئاسي”، وبالتالي، العودة إلى شرعية الطائف وأحكامه.

والسؤال: هل هي عودة نهائية إلى الأصل… أم أن “عرف الخبيط” سيعود إلى بدعة الأعراف في ذات يوم… وفي ذات أزمة؟.

وفي مسلسل المشاكل، برز إنقسام اللبنانيين حول ركوب “سفينة نوح الإيرانية”.

فريق يؤمن بما تحمله سفينة المعجزات من حلول لمشاكلنا المستعصية. فهي تحمل صواريخاً للجيش، ستردع العدو وتمنع خروقاته الشبه يومية. وهي تحمل أدوية يستطيع الفقير شراءها من دون إذلال على أبواب الضمان أو وزارة الصحة. وهي تحمل أيضاً مواد وآليات تشق الطرق والأنفاق وتبني الجسور… وتقضي بذلك على أزمات السير المزمنة. والأهم أنها تحمل محطات كهربائية عملاقة، تنقذ لبنان بكامله من العتمة وشبيحة المولدات.

فريق آخر سأل ببراءة: لماذا لا تفرّغ “سفينة نوح الإيرانية” حمولتها السخية في إيران نفسها؟. أليس “جحا أولى بلحم ثوره”؟. هذا إذا كان هناك فعلاً ثور يكفي لحمه الشعب الإيراني، الذي يعاني أكثر مما نعاني؟.

ويعتب هذا الفريق على الحكومة اللبنانية، التي رفضت الهبات المقدس سرها. ويسأل ببراءة أيضاً: لماذا لم “تلحق بإيران لباب الدار”؟. فالحكومة، بامتناعها عن قبول الكرم الإيراني المتدفق، تكون قد منحت إيران دعاية مجانية لفعل، كل الظن واليقين، أنها لن تفعله.

ونختار، من “كوكتيل المشاكل اللبنانية، مشكلة “النزوح السوري”. حيث “فريق الممانعة” يزعم، مؤكداً وواثقاً، أن حلم النازحين السوريين هو الحصول على “مرقد عنزة” في بلد ترقد فيه العنصرية والأحقاد.

يفوت فريق الدعوة إلى العودة القسرية والجماعية، أن السوري الذي يبحث عن جنسية تحترم إنسانيته، نزح إلى أوروبا وكندا. أما من اختار لبنان، فقد اختاره لأنه أقصر طرق العودة إلى المنزل والوطن. مما يعني أن “التوطين” كذبة تتفوق على كل الأكاذيب الرائجة.

أما أم المشاكل، الزاحفة حثيثاً نحو الفتنة المذهبية، فتتمثل بتصدر “حزب الله” مواقع الحرب على الفساد.

إنتحل صفة “المايسترو” في فرقة عزف “سمفونية” الإبراء المستحيل. وهو الذي يستحيل إبراءه من هدر المال العام.

نتذكر أنه في عام 2006 استدرج عرضاً للبطولة. وفاز يومها فعلاً بالميدالية الذهبية، عندما قهر الجيش الذي لا يقهر. لكنه لم يفز بقهره في مزارع شبعا. وبالتالي، فإن مليارات الدولارات، التي هدرت في تدمير البنية والأبنية، والتي رافقها استشهاد مئات الأبرياء، تكون قد ضاعت بلا جدوى وطنية.

وها هو الحزب يعيد تشغيل اسطوانة الإحدى عشر ملياراً. ويقول أنها تبخرت ما بين الهدر والنهب. لكنه، وهو الحزب الشجاع، تنقصه شجاعة الإعتراف بتعطيل طرق الصرف العادية، عندما حاصر مبنى الحكومة، وأغلق مجلس النواب، وساهم بذلك بعدم إقرار الموازنات، التي تحدد الإعتمادات وتعتمد أصول الصرف والإنفاق.

ولأن الدولة لا تملك خياراً غير الاستمرار بدورها وواجباتها، فقد اضطرت الحكومة إلى التصرف، فكان الصرف قانونياً، حتى ولو تجاوز القانون، بتجاوز أعباء الإنفاق القاعدة الإثني عشرية.

ويفوت “حزب الله” فتح ملف سرقات أضعاف الإحدى عشر ملياراً. هي مجموع ما سلب من عائدات جمركية وما هرب من بضائع عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، التي جميعها تخضع لقوة تحاول أن تبقى مجهولة.

أما الهبات التي وضعت في حسابات هيئة الإغاثة، لا في حسابات وزارة المال، فذلك يعود لأن الواهب دفعها لأهداف إنسانية، لا لتنفق في أنفاق وزواريب المالية العامة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر. فإن الهبات التي تلقاها “حزب الله” بعد حرب تموز، ويفوق حجمها مرات ومرات ما تلقته هيئة الإغاثة، التي وزعت ما ملكت صناديقها الهزيلة، بلا انحياز لمنطقة، وبلا تفضيل لمذهب. في حين أن هبات ما ملكت ايمانكم وزعت بين ناس السمنة والزيت… وسطح الصيف والشتاء.

أليس هذا وذاك فساد يقوم على شراء الولاءات وإذكاء المذهبيات؟.

أما وقد قرر “حزب الله” أن يكون الطبيب الوحيد في حملة اللقاح ضد الفساد، فمن حق اللبناني أن يستعيد القول المعروف: أيها الطبيب طبّب نفسك.

وليد الحسيني

حكومة الأعباء الثقيلة

walidكثيرون آخذوه على صبره. والحلفاء اعترضوا على تنازلاته. لكنه أصرّ على تفكيك الألغام الكبرى، التي كان أي منها يهدد بانفجار كبير.

إذاً، بصبره وتنازلاته نجح سعد الحريري بانقاذ لبنان. واستحق بذلك ثقة نيابية، كانت ستقارب الإجماع لو حضر الغائبون، ولبقي “الحاجبون الستة” حُجّاباً على أبواب أعداء النجاة بالوطن.

تدل الثقة الكبيرة، التي منحها مجلس النواب لحكومة سعد الحريري، على أنها حصاد طبيعي لقدرات الرئيس (المكلف يومها) في تذليل كل المعوقات، التي استولدتها التعليمات الصادرة عن بعد.

فاجأنا حقاً هذا الشاب، الذي حمل إرث دم أبيه، وما تلاه من مذهبيات مسعورة، ضاعت معها الهوية، حيث لم يعد هناك لبنانيون، فالمذهب تحول إلى دويلات، لها رعاياها وعواصمها.

منذ زمن وبيروت عاصمة إفترضها الدستور، بعد أن تعددت العواصم الفعلية. فطرابلس عاصمة السنة. والضاحية عاصمة الشيعة. والمختارة عاصمة الدروز. وكسروان عاصمة الموارنة. والأشرفية عاصمة الأرتذوكس. وزحلة عاصمة الكاتوليك. وبرج حمود عاصمة الأرمن.

كل ذلك جعل لبنان ينطلق إلى مفترق الإفتراق. وتهيأ للبنانيين أن لا عودة إلى الوحدة الوطنية، ولا حتى إلى العيش المشترك. وأن العبور إلى الدولة أصبح من المستحيلات. وأن الإستقرار الأمني في طريقه إلى الزوال. وأن الإنهيار الإقتصادي شارف على الوصول.

وسط هذا الوضع المرعب، كيف يمكن لحكومة العمل أن تبدأ العمل؟.

الصحيح أنها حكومة الأعباء الثقيلة… فبأي الأثقال تبدأ وكيف وبماذا؟.

لا شك في أن أثقل الأثقال يكمن في الإنسجام داخل الحكومة المتعارضة بأفكارها وعلاقاتها الخارجية. ومن هنا يترتب على الحريري أن يدرك بأن الثقة بين وزراء مجلس الوزراء، أهم من الثقة التي نالها في مجلس النواب. فالعمل، ثم العمل، ثم العمل، الذي يسعى إليه، سيصاب بشلل في غياب التوافق، وبحضور المزايدات والمشاكسات. فما زالت في جعبة شركاء الحكومة أشراك، لا ندري متى يعلق بها لبنان. وهذا يعني أن على سعد الحريري، الذي جمع كل المتناقضين في حكومة واحدة، أن لا يركن للكلام العذب.

ولأن المكتوب يعرف من عنوانه، تتجه الإشارات الأولى إلى أن محاربة الفساد – وهي الجهاد الحكومي الأكبر – تسعى إلى إفساد معارك الإصلاح، وإلى فتح ملفات بلا أدلة، كل غاياتها تشويه سمعة قيادات تاريخية ورجالات دولة كبار.

العواصف المبيتة هبت مبكرة، سواء في خطاب السيد نصرالله أو في تصريحات النائب فضل الله، فالتلميح كان أوضح من التصريح.

ولن يحتاج الحريري إلى مواقف مُعلنة، ليتأكد أن “سيدر الخلاص” سيتعرض بدوره إلى حرب مضادة.

إن الحريري يحمل اليوم الجمر بيديه… وهذا قدر رجال الإطفاء، الذين يحاولون، بإخلاص، إنقاذ الوطن من حريق لن يوفر الأخضر واليابس.

لقد استهلك الشيخ سعد الكثير من الحكمة والصبر، ولا نشك أن في مخزونه منهما الكثير لجلسات وزارية حافلة بالنيات السيئة.

وليد الحسيني