معجزة السرايا

walidالإقتناع بأن آخر الدواء الكي، لا يبيح إشعال النار بالفقراء.

وأن يتعود اللبناني على المرّ، لا يعني إرغامه على تجرّع الأمرّ منه.

والمستغرب، فوق هذه المرارات، أن يطلب فخامة الرئيس من اللبنانيين تناول أدوية مرّة، لتشفى الثروات المتوحشة من أمراض الجمود الإقتصادي!.

أما خديعة إعفاء أهل الفقر من الضرائب، فلن تنطلي على البسطاء. فليس كل ما تعتبره الحكومة من الكماليات، يمكن أن يعتبره أصحاب الدخل المحدود، أو المعدوم، لزوم ما لا يلزم.

فمن قال لكم، أن الذين خبزهم كفاف يومهم، وهم الغالبية وهم المغلوبون، لا يدخنون ولا يسكرون. مع أنهم الأحوج لسيجارة تجلي همهم، ولسكرة تنسيهم يأسهم وبؤسهم؟.

ومن قال لكم، أن تجميد سلسلة الرتب والرواتب، لن يحرم طبقة الموظفين من طبق الغذاء أو العشاء؟.

ومن قال لكم، وأنتم تُقرّون الإنتقائية في رفع الضريبة على القيمة المضافة، أن التجار الشطّار سيميزون بين السلع البورجوازية وبين السلع الشعبية. وبالذات في بلد، إنقلبت فيه الأمثال عن غاياتها، وصار “من يراقب التجار يعيش قبضاً”… والمواطن هو الذي “يموت هماً”.

ومن قال لكم، أن الإقتراب من أموال ورثة “قارون” رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه… فأطعتم وجنّبتم سلالة “قارون” ضرائبكم؟.

ومن قال لكم، أن اليد التي تمتد إلى الأملاك البحرية ستقطع. لأنها تقطع الطريق على قوافل السيّاح. وتقطع أيضاً أرزاق أصحاب المطاعم والمسابح والشاليهات. وتقطع كذلك موارد الدولة، بتجفيف ينابيع الدولار والدينار واليورو والريال؟.

ومن قال لكم، أن لمكافحة الفساد طريقاً واحداً يمر من فم “أبو النواس” صاحب حكمة “وداوها بالتي كانت هي الداء”؟.

ومن قال لكم، أنكم باستحضاركم كلمة “الطوارئ”، سترعبون المتهرب من دفع الضرائب، وستردعون المهرب من عبورالمعابر الشرعية وغير الشرعية؟.

ومن قال لكم، أن “حسابات السرايا تغلب حسابات القرايا”؟… كما لو أن مداخيل الدولة لن يقصف عمرها تراجع القدرة الشرائية. وكما لو أن أرقام وزارة المال ستدخل، بلا نقصان، إلى بيت مال اللبنانيين؟.

ومن قال لكم، أن سندات الخزينة ما زالت سنداً يعينكم في الملمات؟.

ومن قال لكم، أن المصرف المركزي كرم على درب الحكومة، وأن بمقدوره تقديم الدعم على مدى الدهر، دون أن تسقط دعائمه؟.

في المقابل،

من قال لكم، ويل للبنان إذا صَدقت “فيتش”، ولم تُصدّقنا “موديز” وقرينتها “ستاندر أند بورز”؟.

ما زال بإمكاننا تكذيب تصنيفات المؤسسات الإئتمانية الأميركية الثلاث. وما زال بإمكاننا التعامل مع توقعاتها، كما لو أننا نتعامل مع توقعات ليلى عبد اللطيف.

صحيح أن كثرة الأيدي المختلفة تحرق الطبخة. لكن الأصح أن القليل من الأيدي المتعاونة والمتضامنة يطفئ الحريق.

ولما كان الإعتراف سيد الأدلة، فلا بد من الإقرار بأن الرغبة بلا قدرة، هي أشبه بجعجعة بلا طحين. فما سمعناه في لقاء قمة بعبدا الإقتصادية، يندرج في إطار الرغبات…وبينها رغبات عدة تقع تحت طائلة التحريم الشعبي.

أما إذا بقي أمل في معجزة ما، فمكانه الشرعي والوحيد مجلس الوزراء، حيث يترأسه رجل تخلّى عن مذهبيته وشعبيته لإنقاذ شعبه.

سار عكس رياح المذهب، فعقد تسوية حلّ عقدة الفراغ. وغامر بولاء أنصاره، مختاراً الطريق الوسط، حتى لو خرج البعض من “بيت الوسط”.

يا وزراء الأحزاب والكتل الكبرى، إجلسوا إلى طاولة القرارات الإنقاذية. وكونوا أنتم، ومن تمثلون، مثله متبرئين من نقيصتي المذهبية والشعبوية.

كونوا يداً واحدة. وستجدون، خلافاً لما يقال، أن اليد الواحدة تصفق… ويُصفق لها.

حاولوا أن تكون السرايا دار المعجزة، لا دار العجزة.

حاولوا… فالأخطار كبيرة جداً. وقد بلغت مرحلة الكبائر… فاحذروا التمسك بالصغائر.

حاولوا… فالانقاذ يحتاج إلى أكثر من محاولة.

وليد الحسيني

Advertisements

“الإبراء المستحيل”

walidوأخيراً، ختم الصبر بعدنا بالتلاقي. وتبيّن أن “البيك والمير” كانا يتبارزان بسيوف خشبية.

ويبقى السؤال المريب:

لماذا غاب جبران باسيل عن لقاء بعبدا الخماسي. مع أن المجتمعين يدركون جيداً، أن لا قيمة لمصالحة، لا يكون بطلها بطل مسلسل “الآتي أعظم”؟.

وهم يدركون أيضاً أن لا فائدة من مصافحة “المختارة” و”خلدة”، إذا لم تمتد إليها يد “ميرنا الشالوحي”، المتفرغة كلياً لشق طريق باسيل إلى “فخامة الكرسي”.

ترى، متى يعي العهد أن ارتكاب الأخطاء الكبرى، هو الذي يحوّل الرابح إلى خاسر، ويجعل الخاسر رابحاً.

لقد حقق “العونيون” أقصى أحلامهم. فازوا بالرئاسة الأولى. وبالكتلة النيابية الأكبر. وبالثلث الحكومي المعطّل. وبوزارة الوصاية على القضاء. وبخارجية تسير على هوى وزيرها، وأهواء تحالفاته… فتنأى بنفسها عن سياسة “النأي بالنفس”.

لقد حصل “التيار الوطني الحر”، على كل ما وعد نفسه به. وأخلّ بكل وعوده للبنانيين. حيث أن “العهد القوي” لم يقوَ على توفير بيئة بلا تلوث. ولا إقتصاد بلا فساد. ولا إدارة بلا رشوة. ولا ميزانية بلا ضرائب. ولا جمارك بلا تهريب. ولا معابر بلا مهربين. ولا مساواة بلا واسطة. ولا عدالة بلا ظلم. ولا قضاء بلا سياسة. ولا حريات بلا ملاحقة. ولا سفارات بلا طوابير مهاجرة. ولا سير بلا زحمة. ولا كهرباء بلا تقنين. ولا شوارع بلا زبالة. ولا شواطئ بلا مجارير. ولا مياه شفة بلا براز. ولا ليطاني بلا مكبات. ولا أغذية بلا مسرطنات. ولا دواء أرخص من دواء الموت.

لم يعرف التاريخ قبل لبنان، حاكماً يتساهل بإفشال حكمه. وبإطلاق الألسنة الفالتة، والأيدي الفاسدة، لإفساد سمعته.

يوم صار عون رئيساً للجمهورية، أجمع اللبنانيون على التفاؤل بالخير. لكنهم لم يجدوه، كما وعدهم القول العربي المعروف.

ماذا وجدوا إذاً؟.

وجدوا “تياراً” أدمن الفراغ كوسيلة لإبتزاز الدستور والتسوية.

وجدوا مقامات تستمع إلى مونولوج “بوس تيريز”، وشعباً يغني بمرارة “للصبر حدود”، بعد أن تجاوز صبره الطويل حدود “لعلّ وعسى”. ولولا بقايا من صبر سعد الحريري، لكان لبنان أقرّ واعترف بانهيار الدولة.

هذا كثير. فالبلاد ضاقت ذرعاً بمواقف تخفي عكس ما تعلن.

من لا يتذكر، أن الموقف القديم من اتفاق الطائف أدى إلى تصعيد القتال منعاً لتنفيذه. فكيف يقتنع اللبناني اليوم بأن ارتداء عباءة الطائف، لم يتم بهدف تحريفه وتعديله، انتقاماً للجرح القديم، الذي من الواضح أنه لم يلتئم؟.

ومن بين الكثير كذلك، ظاهرة تكذيب الحقائق. إلى درجة أن الحقيقة لا تصبح حقيقة، إلا إذا صدر تكذيب لها ، من وزراء تخصصوا بأكاذيب التكذيب.

رغم كل ما سبق، فإن اللبناني يحن إلى أحلامه الأولى في هذا العهد. لكن على ما يبدو أنه الحنين المستحيل… ربما لأن “عاطفة القربى” تجعل “الإبراء مستحيلا” أيضاً.

وليد الحسيني

دولة “جبران” الخواطر

walidفي البدايات، كانت الريح تجري بما تشتهي سفن العهد.

حتى الخصوم مدّوا إليه اليد.

منهم من آمن. ومنهم من هادن. ومنهم من داهن. ومنهم من فضّل الصمت.

لا يهم أين كان العهد وكنّا. الأهم أين أصبحنا… ومنذ مدة لم يصبح لبنان على خير.

لقد زادت الأثقال. وبات البلد ينتظر بقلق الساعة التي تحطّ فيها على ظهره الشعرة القاصمة.

لبنان اليوم “دولتان في دولة”. ومن باب الإحترام لـ “الوعد الصادق”، سنصدّق أن حزب الله لا يحكم لبنان. إذ من الطبيعي في “دولة الدولتين” أن يتقاسم الحكم “حاكم” و”متحكّم”.

وهذا يعني أنه إذا تعذر على حزب الله فرض كل ما يريد على الحكومة، فإنه من المتعذر على الحكومة أن تفرض ما يرفضه حزب الله.

وفي “البدايات” أيضاً، كان اللبناني يعتقد أن التيار الوطني الحر، يمشي عكس تيار الطائفية. إلى أن سقطت ورقة التوت العلمانية، وتعرّى التيار طائفياً على يد “حارس في غابة” أوقف التيار تعيينه، لأن التعيين يخل بـ “المعيار المسيحي”، الذي وضعه خادم الرعية نيافة البطرك جبران باسيل.

وهكذا “أصبحنا” على إهانة مجلسي الوزراء والنواب، بامتناع رئيس الجمهورية عن تصديق قانون الموازنة، الذي أنهك المجلسين درساً وتنقيباً عن مخارج لاستعصاءات مالية معقدة.

لقد جعلوا من الطائفية ممحاة مسحت النص الدستوري الذي حرر الوظائف الدنيا من المناصفة.

وإذا استمر التعنت بحجز الموازنة، فإن ممحاة الطائفية ستمحي سيدر وملياراته… وكأنك يا سعد الحرري ما غزيت.

ومن جملة “إصباحاتنا” الجديدة، التحرر من “عبودية” القضاء. وها هو العهد يقف بصلابة إلى جانب حرية المشتكي في اختيار القضاء، وربما القاضي. وقد تبلغ الحرية قمتها في إنتقاء الحكم وتحديد العقوبة.

إنها ظاهرة جديدة لا يمكن استيعابها بسهولة. فمحاكم الجنايات والجنح وُضعت، على ما يبدو، لمحاكمة النوع الرخيص من المجرمين. وهي بهذه الصفة لا تناسب أصحاب النفوذ والحمايات في “دولة الدولتين”… فكما لكل مقام مقال، فلكل مقام محكمة.

وهكذا “أصبحنا” على “المجلس العدلي”. وهكذا أصبح على لبنان إما أن يحيل إليه ملف الفتنة الأصغر، بانتظار أن يخرج عليه بالفتنة الأكبر، وإما أن يرفضه… فيستمر العمل بتعطيل حكومة “إلى العمل”. وعندئذ لا سيدر ولا موازنة و لا حل أزمة النفايات… وبالتالي لا مهرب من تحوّل لبنان واللبنانيين إلى ما يشبه مسلسل “أفواه وأرانب”. أي أزمات تستولد أزمات. ومجاعات تقود إلى مجاعات.

أما وقد “أصبحنا” على ما نحن عليه، يحق للمواطن أن يسأل:

كيف يمكن للعهد أن يعطّل حكومته، وهو الذي وعد بتسليم البلاد للرئيس المقبل بأحسن مما تسلمها؟.

والسؤال الأكثر إلحاحاً:

هل تقاس المسافة إلى سجن رومية بالكيلومترات، أم تقاس بالتحريض والعنصرية وتعطيل الدولة والتسبب في الخراب؟.

لا شك أن الطريق الثاني أقصر بكثير… لكنها مقطوعة من “الدولة المتحكمة”… وربما أيضاً من قبل “الدولة الحاكمة”… إذ لا بد من “جبران” الخواطر.

وليد الحسيني

أنظر حولك

walidلا يحتاج اللبناني إلى تفسيرات جهابذة السياسة والإقتصاد، ليفهم ما يجري في البلد.

يكفي أن ينظر حوله ليحل ألغاز القلق والخوف.

لو بدأ من الأعالي، لفهم أنه لولا عودة الروح إلى المقولة القديمة، “قوة لبنان في ضعفه”، لما أمكن تبرير وصف هذا العهد بـ “العهد القوي”. فبعودتها، وبمعاييرها، يكون هو العهد الأقوى، منذ أيام “الإنتداب” إلى أيام “الندب” هذه.

الإقتصاد في أضعف أزمنته… وفي أقوى أزماته.

الأمن “أوهن من بيت العنكبوت”، قبل “مبسوط” طرابلس و”قبرشمون” الجبل وبعدهما.

التعايش المشترك يعاني من إشتراكات مذهبية قاتلة.

الدستور طُمر، عن عمد، في مطامر الصلاحيات المتشابكة، والتشريع غير الشرعي.

القوانين مصابة بفقر دم التنفيذ.

الحرب على الفساد، يتولاها “دونكيشوتيون”، ما زالوا يطاردون، بذريعة “الإصلاح والتغيير”، طواحين الهواء.

رغم كل ما ورد من أمراض ووهن وضعف، ثمة من ينكر ويستكثر على العهد صفة القوي، وكأن مقولة “قوة لبنان في ضعفه” ليست تراثاً لبنانياً… يفرض على اللبنانيين إحياءه من حين لحين.

***

ننتقل إلى الأزمات المنتفخة بالعقد والنكد.

هناك أزمة متمادية إسمها الموازنة، تتأبط شراً إسمه “قطع الحساب”.

صحيح أنها خرجت أخيراً شبه سالمة من مجلس النواب، إلا أن ألسنة الحلفاء والخصوم الطويلة، ما زالت تتطاول على سمعتها.

ولا يُستبعد إستعدادها لشرشحة إقتصاد البلد مرة أخرى، عند قيام ساعة موازنة 2020.

ربما يترتب على سعد الحريري، ليتجنب التحامل والحملات، أن يلجأ إلى الغش. كأن يقدم للناس ونوابهم، ما يشبه ميزانية سويسرا. تماماً كما تقدم الصناعة الصينية في أسواق التقليد، ساعات مغشوشة تشبه الساعات السويسرية.

من السهل عليه إدخال “سوف” إلى لغة الأرقام، لتخدير اللبنانيين، وبالتالي المزايدة على النواب المزايدين.

لكنه، بالتأكيد، لن يفعل. فالبلاد تعاني من أمراض، لا يشفيها باعة الكلام. هي بحاجة إلى طبيب جراح. وعلى اللبنانيين تحمل آلام الجراحة.

***

ومن أزمة مقيمة وقديمة، ننتقل إلى أزمة مستجدة ومفتعلة، إذا لم تعالج بالسرعة الواجبة، فستفعل في لبنان ما لم ينجح الإرهاب في فعله.

لقد قضى إتفاق “معراب” بالمناصفة، في كل شيء، بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. إلا أن حصادة جبران باسيل حصدت النصفين.

القوات حاولت بعث الإتفاق وهو رميم. فورطت نفسها في تقاسم “العنصرية” مناصفة مع التيار. له قطع أعناق النازح السوري، ولها قطع أرزاق اللاجئ الفلسطيني.

فجأة استيقظ “المنتافسان” على تطبيق القانون المنسي. مع تناسي أنهما بالتنافس على ميدالية قمة “العنصرية”، يوقظان فتنة وطنية قد تدمي الوطن.

***

أيها اللبناني أسرع وانظر حولك قبل فوات الأوان… وقبل أن تخسر “الوطن الجنة” من أجل “تفاحة”… سيقضمها الفاسدون.

وليد الحسيني

فخامة المعالي

walidتعددت الأسباب والمسبب واحد. فجبران باسيل يتصدر قائمة الشخصيات السياسية الأكثر تداولاً… ربما لأنه “يكمن في التفاصيل”. فهو الحاضر بقوة في أغلب الأزمات، والمصدر الأغزر لأخطر التداعيات.

لقد نجح “فخامة المعالي” في فرض، تصريحاته النافرة وتحركاته المستنفرة والمستنكرة، على اللبنانيين عامة وعالم الإعلام خاصة.

يستغل بمهارة “حرية التعبير”، التي قد تتحول إلى جريمة إذا لم تمارس مع “أدب التعبير”.

هو يعرف أن حادثة الجبل شكلت منشطاً مخيفاً للفتنة.

هو يعرف، لكنه لا يعترف، بأن من حاول إيقاظ الفتنة، تدلّ عليه التصريحات المستفزة، وغرور “أغرار” السياسة.

لا أحد ينكر حق جبران باسيل في أن يسلك الدرب الذي يوصله إلى قصر بعبدا. لكن ليس كل من سار على الدرب وصل. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. إلا أن باسيل قرر أن يبدأ مسيرة الخطوة بسرعة الألف الميل.

الرجل لم يدرك خطر سرعته الجنونية هذه. خصوصاً وأنه لا يتكل على ساقيه، بل يسرع متكئاً على عكازتي القربى من سيد العهد… والتقرب من سيد المقاومة.

إنه يقتحم المناطق اللبنانية بأقدام مستعارة. وهي ليست إستعارته الوحيدة. فهو أيضاً يتكئ على شعبية مستعارة، من نفوذ يتجاهل دورة دولاب الزمن، وتبدّل الأيام من يوم لك إلى يوم عليك.

وعلى ما يبدو، فإن التواضع تهمة لا تليق بطموحات صهر العهد الحالي، وممني النفس بالعهد التالي. ليصبح، كشبوب بعبدا، “خي الكل” بعد أن سادت وتحكمت بالبلاد نظرية “بي الكل”.

وبما أن ثمة ما هو مشترك بين بلدة الحدث وما حدث في قبر شمون، نسأل فخامة المعالي:

هل شخير “المستأجر” المسلم يستفز مسيحيي الحدث ويقوّض خصوصيتهم، في حين “تملك” المكاتب البرتقالية، وهتافات محازبيها، ورفع راياتها، وحمايتها بالدشم والمسلحين… لا يستفز ولا يقوّض خصوصية دروز الجبل وشيعة البقاع وموارنة الشمال وسنة طرابلس وعكار؟.

كثيرة هي علامات الإستفهام والتعجب، التي ترافق “فتوحات باسيل” اللبنانية.

ترى لماذا يستقوي علينا بذاكرة، تفتح من جديد ذاكرة الحرب الأهلية؟.

ترى لماذا، وهو المؤمن، ينطلق بجولاته “التوحيدية”، ومن خلفه وأمامه وإلى جانبه، مرافقات عسكرية حاشدة من جنود وملالات ودبابات؟.

ترى لماذا يتمسك بحرية التنقل في مدن لبنان وقراه، وكأنه ذاهب إلى بعلبك لتناول “الصفيحة البعلبكية”. أو إلى زغرتا لتذوق “الكبة الزغرتاوية”. أو إلى بشري لزيارة متحف جبران خليل جبران. أو إلى طرابلس لأكل “حلاوة الجبن الطرابلسية”، أو… أو؟.

ألا يدرك أن تنقلاته غالباً ما تنقل التعايش المشترك، إلى أحقاد سادت ثم بادت؟.

نعود ونسأل:

ترى من أقنعه بأنه يدافع عن العهد بتفوقه على خصوم العهد بتشويه سمعته والإساءة إليه؟.

ترى من يشجع “الوزير الشجاع” على النفخ في النار؟.

ألا يدري أن لعبة الموت قد تبدأ في أي لحظة ينفجر فيها الخلاف الأميركي – الإيراني؟… حيث تخطط إيران لحرب لبنانية – إسرائيلية تشغل أميركا عن الخليج والنووي الإيراني، وتدفع بترامب إلى التفرغ لجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة لإثبات صهيونيته التي لا شك فيها.

إن حب لبنان أيها “الوزير العاشق” لا يكون بتملك حزبك للبنان.

إقنع بما هو لك وله.

توقف عن قراءة الجغرافيا اللبنانية بشراهة من يسأل:

لماذا ليس لي هذا؟.

 

وليد الحسيني

رمد الحريري وعمى جبران

walidلا شك أن رمد “التسوية” أفضل من عمى الخلافات. وبالذات في زمن التناقضات المحلية المجلية في سماء لبنان.

ثمة فريق يرى في “التسوية” فرصة لاقتناص المكاسب والمناصب والصلاحيات. وثمة فريق آخر يرى أنها جلبت الدب إلى الكروم اللبنانية. وأن هذا الدب الشره يسن أسنانه لقتل الناطور والإنفراد في أكل العنب.

الفريقان يشوهان “التسوية”، ويحملانها ما حدث من عواقب وخيمة… وما يمكن أن يحدث مما لا تحمد عقباه.

تعالوا نتصور أن “التسوية” لم تكن. فبأي حال كان حال لبنان؟.

فراغ رئاسي يدخل لتاريخه عامه الخامس… وربما كان إصرار فريق الممانعة على استمرار فقدان النصاب النيابي سيمنحه، أي الفراغ، ولاية رئاسية ثانية.

مجلس نيابي يمدد لنفسه، ويتمدد على رقاب الديمقراطية. وفي الوقت نفسه يكون قد تجاوز مرحلة الشيخوخة، وبالتالي، سيكون عاجزاً عن سن تشريعات خارج الخرف الدستوري.

حكومة تصريف أعمال، لأعمال غير قابلة للتصريف. إما لأن الخلافات تفسد الود بين الوزراء، وإما لأن الصرف الأثني عشري لا يلبي متابعة المشاريع وتسديد المستحقات. وإما لأن الأموال المتناقصة لا يمكن تعويضها بالإستدانة، التي أصبحت عرفاً ملزماً للحكومات المتعاقبة.

في مثل هذه العبثية المؤسساتية، يكون “قط الدولة” قد غاب، مما يتيح للفئران “المسلحة” بالأنياب القارضة أن تلعب بأمن لبنان واستقراره واقتصاده.

كل ما سبق يؤكد أن سعد الحريري في ارتكابه فعل التسوية، يكون قد أخطأ في حق نفسه، لكنه أصاب في حق لبنان. وهكذا تكون قد تغلبت عليه وفيه مقولة والده الشهيد: لا أحد أكبر من وطنه.

إذاً هذه التسوية، ورغم ما حملته من مساوئ، إلا أنها أنقذت البلد من الأسوأ. ولبنان اليوم أكثر حاجة إليها مما مضى. فالأمراض اللبنانية تحولت إلى وباء. ومعالجتها، أو الحد من مخاطرها، يحتاج إلى ورشة إصلاحية كبرى. فالوحدة الوطنية مفككة، واستمرار التسوية وحده بإمكانه تجميعها مجدداً، ومنعها من التناثر والتصادم، بعد أن ثبت عجزها عن التلاحم.

نحن بلد بالغ الهشاشة. وأسوأ ما فيه أنه يُحضّر دائماً لمستقبل هو مجرد إعادة لفيلم تسجيلي، من بطولة فتن لا نعلم متى تستيقظ. ولمصالحات مغشوشة. وإعمار لا يكتمل. ومرابط خيل خارجية وديمقراطية مصابة بالكوليسترول المذهبي، والتشوهات المناطقية. وخطوط حمراء تفرضها الكنائس والمساجد.

ها نحن، نتعرى، لا كما خلقنا ربي، بل كما اخترنا لأنفسنا. فهل يمكن أن نتخلى عن “التسوية”. وهل نسوّي أمورنا بخلافات أشد وأنانيات تتمرد على الضمير الوطني؟.

لكل هذا إختار الحريري المضي من الوسط، إلى الإلتزام بأن “خير الأمور الوسط”. وهو يدرك مسبقاً أن هذا الخيار سيجعله هدفاً سهلاً من “النيران الصديقة”، كالتي أغدقتها عليه تويترات وليد جنبلاط. ومن نيران “شركاء التسوية” التي تطلقها باتجاهه طموحات جبران باسيل التي لا تحد… والتي يعتقد باسيل أنها لا ترد.

لكن هذا هو قدر الحريري، وإلا فإن قدر لبنان سيكون المزيد من الأحقاد المذهبية، ومن الأزمات الإقتصادية، التي يبدو أنها تسرح وتمرح وتردح كما كان يفعل “أبو المراجل”.

الحريري، بالتأكيد، لا يمكنه أن يكون المنقذ. لكنه الساعي الأقدر على الإنقاذ. وهو سعي لن يصل إذا بقي الوصل مقطوعاً بين اللبنانيين… وهذا وصل لا يتحقق إلا عبر “التسوية”.

مهمة الحريري صعبة. والتفاؤل الذي يصر عليه، لا يلغي إصرار اللبناني على التشاؤم.

ترى أي من الإصرارين سينتصر؟. وأيهما أفضل للبناني: رمد الحريري أم عمى جبران باسيل؟.

وليد الحسيني

لقاء العقل والتعقل

walidطبعاً لا تليق المقارنة بين أحداث الخليج وما يفعله “أحداث” السياسة في لبنان.

إنها مقارنة أقرب إلى “الكاريكاتير” السياسي. وقد تتهم بالإستهزاء بالقامات الدولية. ومع ذلك، لا ضرر ولا ضير في مقارنة ما يقوم به “الحرس الثوري” في الخليج العربي، بما يقوم به “التيار الوطني الحر” في لبنان.

هناك، في بحر عمان ومطار أبها، وقبلهما في مينائي الفجيرة الإماراتي وينبع السعودي، يضرب السيد خامنئي الإستقرار في المنطقة… وربما في العالم.

هنا، يهز جبران باسيل، بعضلات عمه، أسس الإستقرار في وطن الأرز. أحياناً بتصريحات تفتقد للدبلوماسية وتتنكر للجميل. وأحياناً بممارسة هواية دفع البلاد إلى الهاوية.

هناك، تلعب إيران بالنار… فتحترق أصابع أميركا.

هنا، يشعل باسيل النيران… فتحترق أصابع لبنان.

هناك، يهدد الحرس الثوري بتعطيل الملاحة النفطية، وينفذ تهديداته… وبأسرع من سرعة طوربيداته يسارع إلى نفي مسؤوليته. ويلحق النفي بالإدانة والإستنكار. وفي المقابل يتعهد ترامب بالرد. ويهدد ويتوعد. وعندما يستحق الوعد، ويحين الوفاء بالعهد، يعدُّ سيد البيت الأبيض للعشرة. وتمر الأخطار خطراً بعد آخر، وما زال العداد الأميركي يعدّ العشرات… عشرة بعد عشرة.

هنا، يتهم باسيل السنة بسرقة الموارنة. ويهدد باسترداد الصلاحيات المسروقة. وينتقل بتهديداته إلى المسيحية نفسها، متعهداً ومتوعداً بفضح شعبية القوات اللبنانية، وبأنها بالكاد تتجاوز الصفر. وبما أن لا حجم لها، يُحجم باسيل عن إعطائها منصباً في التعيينات. أو نصيباً في التسويات، التي تنكر لها ودفنها في مقابر “أوعى خيك”. وفي المقابل، يعتقد فرعون العهد، متوهماً كعادته، أنه لن يجد من يرده، ولا من يوقفه عن حده.

ولأن هناك، أي في الخليج العربي، لا دور للبنان سوى انتظار التداعيات والمخاطر، فلا بد من التركيز على ما يجري هنا.

في البدء، نسأل الله أن يكون في عون عون. فهذا ما جناه عليه باسيل، علماً بأن الرئيس لم يجن على أحد.

وبالتالي، يترتب على باسيل أن يفيق من أحلامه. فمن يحاول منازلتهم ليسوا طواحين هواء. وعليه أيضاً الإقرار بأنه يعيش في بلد الـ “لا غالب ولا مغلوب”. وأن محاولة فرض صيغة الغالب، ليست أكثر من مراهقة سياسية. ففي البلاد قامات وزعامات راسخة لا يمكن أن تقتلعها الزعامات الطارئة. والتي ستزول حتماً بزوال أسباب انتفاخها… فنعم “الممانعة” لا تدوم.

إن شد عصب العنصرية، وتوجيه السهام إلى العلاقات العربية، وسياسة الألسنة الفالتة… كلها لن تدفع مثلاً بسعد الحريري إلى مواجهة التوتير بالتوتر. فما زال، وسيبقى الرجل مسكوناً بالحكمة الوطنية… وبمجرد زيارته قصر بعبداً، ومن ثم، لقاء العقل والتعقل، يكون باسيل قد ضيع في الأحلام… جهده.

                                                                          وليد الحسيني