الخروج من الاحراج الكبير

walidأسباب استقالة الحكومة لا تعد، وأسباب استمرارها لا تحصى.

إن استقالت، يستحيل تشكيل حكومة جديدة، في ظل انقسام سياسي تخفيه دائما تفاهمات مغشوشة.

وإن استقالت، ستستمر كحكومة تصريف أعمال. وهذا وضع يحول “العهد القوي” إلى ملاكم فقد ذراعيه.

وإن استقالت، فلا قوانين “إصلاح” ولا مراسيم “تغيير”، وسيكون البلد عرضة لكوارث إقتصادية ومالية وإجتماعية … وربما أمنية. وهي كوارث، كالساعة الموعودة، آتية لا ريب فيها.

أما إذا استمرت، فلن يكف بعض فرقاء الحكومة عن ابتزاز رئيسها، سعد الحريري، باقتناص المناصب والمكاسب … على اعتبار أن “جحا أولى بلحم ثوره”.

وإذا استمرت، فسيستمر البعض الآخر في لعبة الإحراج للإخراج. وذلك بتصعيد أزمة عودة النازحين السوريين، وبتحويل سياسة “النأي بالنفس” إلى بناء جسور الممانعة، وهدم الجسور القائمة مع السعودية، مع إدراكهم المسبق أن الإصرار على هذا النوع من الخبث السياسي لن يدفع الحريري إلى الاستقالة، لأنه يدرك قدرته على منع الانقضاض على البيان الوزاري والاستقرار الحكومي. خصوصاً وأن “العهد القوي” لا يمكنه اتخاذ القرار بالانتحار المبكر. فالتيار الوطني الحر لن يشارك بمثل هذه العملية الانقلابية، التي سيكون العهد أول ضحاياها، عبر إصابته بنكسة مباشرة في أول “شبابه الرئاسي”.

وهكذا سيحافظ التيار على تصريحاته النارية والنازية في الحرب ضد طواحين الهواء، من دون أن يسمح لحلفائه الحقيقيين بتنفيذ انقلابهم الحكومي.

ولأن سعد الحريري يعرف هذا جيداً، فهو لن يستجيب لتحريض بعض محازبيه على الاستقالة، تحت زعم أنها، أي الاستقالة، ستشد العصب السني، وستكرسه زعيماً وحيداً لسنة لبنان.

وبما أن الاستقالة ستكون الثقل الذي يقصم ظهر البلد، فهو بالتأكيد لن يقدم على ارتكاب مثل هذه الجريمة الوطنية، عملاً بقول والده الشهيد رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”. والتزاماً بهذا القول الشهير، تصبح الاستقالة أُمنية مستحيلة لبعض الحلفاء وأكثر الخصوم، ويبقى الاستقرار هدفاً لحكومة، تحاول بالممكن المتاح، إصلاح ما أفسده الدهر المذهبي … والعهر السياسي.

وليد الحسيني

Advertisements

كفى… لن يكفْ

walidيحتكم سعد الحريري إلى ميزان “تطبش” فيه كفة “لبنان” على كفة “الأنا”.

وهو ميزان لا تستخدمه عادة الزعامات السياسية اللبنانية.

فعندما اعتمد شعار “لبنان أولاً”، يكون قد وضع “الأنا” في مرتبة متأخرة.

وبالتزامه هذا الشعار، ذهب بعيداً في مخالفة رأي جماعته. اذ رشح سليمان فرنجية لمنصب رئاسة الجمهورية، في محاولة منه لمنع لبنان من الوقوع في هاوية انهيار المؤسسات، بعد أن أشرفت المؤسسة الاولى، أي رئاسة الجمهورية، على التآكل التام. وذلك بفعل الفراغ الرئاسي المتعمد، الذي طال وطول. وكأنه فراغ حكم بالمؤبد.

محاولته الانقاذية هذه باءت بالفشل. والسبب أيضاً تغييب نصاب مجلس النواب. النصاب الذي خضع لقرار الاصرار على “هو” أو لا أحد.

عندئذٍ، انتقل الحريري من البعيد الى الأبعد.

ذهب الى “هو”، سابحاً عكس اتجاه تياره الأزرق، مرشحاً العماد عون للرئاسة.

نجح الحريري أخيراً في انقاذ لبنان من التحول الى “دولة فاشلة”، كانت تستعد لدفن دستورها، الذي كان يعاني من حشرجة الموت بعد أن تجرّع سم الفراغ القاتل. وكان هذا، لو تم، سيعني طبعاً عودة لبنان الى “ديموقراطية القوة”. لكنها عودة من فريق واحد، لأن الافرقاء الآخرين لا حول لهم ولا “قوة”.

واستمرت تضحيات “لبنان اولا”. فقبل الحريري بتشكيل حكومة “استعادة الثقة” من وزراء لا يثق بكثير منهم.

لم يكتف زعيم تيار المستقبل بما قدم. بل تابع جلد نفسه، فأخذ على عاتقه الدفاع عن خصومه، تحت وطأة الخوف على استقرار البلد.

صحيح أنه في واشنطن لم يتمكن من “رد قضاء” قانون العقوبات الأميركية على فريق لبناني، لكنه تمكن من “اللطف فيه”. ومع ذلك هاجموه بعنف، ربما لأنه لم يُقدم على إعادة صفة “الشيطان الأكبر” على بيت ترامب الأبيض، بعد أن كانت ايران قد ألغتها على بيت اوباما الأبيض.

وفي الكويت نجح في سحب أزمة “خلية العبدلي” من ملف القطيعة السياسية والسياحية والاقتصادية، تاركا أمرها لملف العلاقات القضائية.

وبالتأكيد لن ينجو من هجوم ما، عندما يحين وضع ملف هذه القضية المعقدة في دوائر التحقيق والتقصي.

ترى متى يكمل الحريري واجباته اللبنانية، ويعمل بالحديث الشريف “ان لنفسك عليك حقاً”.

كفى يا سعد.

سبق وأن قالها له نجيب ميقاتي بسوء نيّة. اليوم يقولها كثيرون بنية حسنة.

كفى يا سعد.

لكنّ سعد لن يكف… وسيستمر بـ”لبنان أولاً”، حتى لو استمر بأن يكون “الخاسر أولاً… وأخيراً”.

وليد الحسيني

سليمان فرنجية رئيساً … بالتسوية

2015-11-30T185141Z_3_LYNXMPEBAT175_RTROPTP_3_LEBANONسليمان فرنجية … من أنت؟

ألست لبنانياً؟

ألست مسيحياً؟

ألست مارونياً؟

ألست أحد أعمدة الثامن من آذار؟

ألست صديقاً فوق العادة للرئيس الأسد؟

ألست أول يد مسيحية بارزة تمتد للتحالف مع “حزب الله”؟

ألم تسبق الجنرال عون، الخصم السابق، إلى هذا التحالف؟

إذا كنت كل هذا، فلماذا يرفضونك رئيساً جامعاً وجامحاً نحو إنقاذ لبنان؟

وهل يكفي لسد منافذ قصر بعبدا وأبوابه في وجهك أن من اختاروك للإنقاذ مسلمون؟

وهل صحيح أن المسيحيين فقط يختارون رئيس الجمهورية وأن المسلمين فقط يختارون رئيس الحكومة؟

هل حصل هذا في تاريخ لبنان من قبل؟

التاريخ ينفي ذلك.

منذ بشارة الخوري أول رؤساء الاستقلال وإلى ميشال سليمان آخر رؤساء الزمن الديمقراطي، ومنذ رياض الصلح أول رؤساء حكومات لبنان المستقل إلى تمام سلام آخر رؤساء حكومات الشلل الدستوري، كان الخيار دائماً مشتركاً.  ودائماً لم يكن رئيس الجمهورية المسيحي يأتي بأصوات مسيحية فقط.  ودائماً لم يكن رئيس الحكومة المسلم يأتي بأصوات مسلمة فقط.  وكذلك كان دائماً أمر اختيار رئيس مجلس النواب.

إذاً أين هو العيب الدستوري في أن يطرح المسلم السني، أي سعد الحريري، والمسلم الدرزي، أي وليد جنبلاط، خصمهما السياسي سليمان فرنجية كمرشح لرئاسة الجمهورية؟

هل العيب في أنهما اختارا أهون الخصوم لا ألدّها؟

لنتذكر أن التسوية كانت البطل الذي يطل على خاتمة الكوارث.

انتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1958 بتسوية فرضت فؤاد شهاب.  وانتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1990 بتسوية الطائف التي فرضت رينيه معوض، ومن ثم الياس الهراوي.  ومن قبلهما فرضت “تسوية” الاجتياح الاسرائيلي بشير الجميل، ومن ثم أمين الجميل.  وخرجنا من كارثة 7 أيار بتسوية الدوحة التي فرضت ميشال سليمان.

ونسأل الرافضين لتسمية سعد الحريري سليمان فرنجية عما إذا كانوا لم يفعلوا ما هو أدهى عندما فرضوا نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، وهو الأضعف سنياً، على سعد الحريري الأقوى سنياً وإسلامياً بما لا يقاس.

إنها فرصة الخروج من كارثة الفراغ والشلل الضاربة بلبنان، ومن الكوارث الأسواء الزاحفة إليه.

لا تجعلوا الطريق إلى بعبدا يتوقف عند مستديرة الصياد لاستدارة إجبارية نحو الفراغ إلى زمن يبدو أنه بلا نهاية.

فكروا بلبنان، قبل أن يكفر به اللبنانيون.

وإذا كانت رئاسة الجمهورية طاولة زهر، فالعبوها “فرنجية” … وإياكم أن تلعبوها “محبوسة” … فتحبسوا بذلك قصر بعبدا والدستور وأنفاس اللبنانيين.

سامر الحسيني

فخامة الجنرال

تظاهرة عون في ساحة الشهداء

تظاهرة عون في ساحة الشهداء

أثبت الجنرال ميشال عون شعبيته حاشداً الحد الأقصى من مؤيديه.

وقبله، في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، حشد الرئيس نبيه بري جمهوره في النبطية.

لا ندري أي الحشدين كان أكثر عدداً.

لكننا ندري أن الرئيس سعد الحريري أيضاً له حشوده الكبيرة.  وأن الحكيم سمير جعجع هو أيضاً وأيضاً من كبار الحاشدين.  وأن زعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط كذلك.  وأن السيد حسن نصرالله قد يكون أكثر من ذلك.

إذاً، الشارع ليس ميزة محتكرة لأحد.  فلكل زعيم شارعه.  وهذا يعني أن اللعب في الشارع، هو “لعبة شوارعية”، إذا كان الغرض من لعبها الاستعراض والاستفزاز ورفع الشعارات التي لا شرعية لها.

ووفق لازمة جنبلاط نسأل عون: ماذا بعد؟

لا بعد ولا بعدين.  فتظاهرة “التباهي” ستنتهي، بل هي انتهت فعلاً، إلى مجرد مادة أرشيفية للتلفزيون البرتقالي يستعملها في برامجه السياسية، في محاولة لتذكير الناس بما لا يهمهم ولا يعنيهم.

يا “فخامة” الجنرال، اللبناني يعرف جيداً أن كل المطالب التي رُفِعت أنت المسؤول عن عدم تنفيذها.

يبدو أن لا بد من تكرار سردها … فالتكرار، كما يقولون، يعلّم الذين يصعب أن يتعلمّوا.

تطالب بالانتخابات النيابية، وقد عارضت التمديد، لكنك في الوقت نفسه ترفض إجراء الانتخابات وفق القانون الساري.  وتقبل الاستمرار في مجلس نيابي تزعم أنه غير شرعي.

إذاً، أي شرعية هذه التي تطالب بها؟  وأي انتخابات هذه التي تصرّ عليها؟  وأي دولة مؤسسات هذه التي تحترمها، إذا كنت لا تلتزم بقوانينها؟

معك يدوخ اللبناني بين ما هو مطلوب وما هو مرفوض.  فمطالبك يا “فخامة” الجنرال تحمل الشيء ونقيضه.

ومن مطالبك التي لا تغيب عن تصريحاتك، انتخاب رئيس للجمهورية.  وكأنك أنت وحلفاءك في صدارة النازلين إلى مجلس النواب لتحقيق النصاب، الذي ابتكره الرئيس بري خلافاً للدستور.  وكأن نواب 14 آذار هم الذين يقاطعون فيعطّلون النصاب ويحرمون بعبدا من رجلها المنتظر.  وكأنهم هم من يقذفون بالرئيس إلى عالم الغيب الإيراني!!

ومن مطالبك أيضاً المرتفعة الصوت إلى حد الصراخ، محاربة الفساد.  وكأن المليار والمئتي مليون دولار التي خصصها صهرك الوزير جبران باسيل، قد حقّقت معجزة الـ 24 على 24.  وكأنها لم تتبخّر في طنجرة طبخ البحص، لتنقل اللبناني من تقنين الثلاث ساعات إلى تقنين 12 على 24؟

أخيراً يا “فخامة” الجنرال … نرجوك أن تساعدنا على أن نفهمك.  ونرجو أن تخبرنا متى تكون مسيحياً فقط، ومتى تكون علمانياً، وكيف تكون مدنياً وجنرالاً في آن.

نرجوك … فلا تخيّب رجاءنا.

سامر الحسيني

الحريري – نصر الله: حوار التهدئة

الحريري ونصر الله في صورة من الارشيف

الحريري ونصر الله في صورة من الارشيف

كتب المحرر السياسي:

الحوار المرتقب بين «المستقبل» و«حزب الله» يشغل اللبنانيين ويترقبونه، وكأنه الحل السحري لكل مشاكل لبنان.

وفق تراكم المعطيات، فإن أقصى ما قد يصل إليه حوار التناقضات، هو الوصول الى التهدئة إذا كانت السياسة فعلاً فن الممكن.

وبما أن المكتوب يعرف من عنوانه، فإن العناوين الثابتة، لكل من حزب «المستقبل» و«حزب الله»، هي ثوابت معطلة للغة الكلام بين المتحاورين.

إذا كانت البدايات تحمل معضلة إعداد جدول أعمال الحوار الثنائي، فكيف يمكن حل معضلات الخلافات الكثيرة والكبيرة… وكيف يمكن الوصول الى نتائج إيجابية لحوار لا يحتمل إلا الفشل.

يقول الطرفان أنهما سيتركان القضايا الخلافية الأساسية جانباً، وأنهما سيكتفيان بالبحث عن مخارج للقضايا الهامشية التي تحفظ الإستقرار واستمرار الدولة. وعند تفسير هذا المدخل للحوار يظهر المأزق. فالرئيسي في مفهوم تيار «المستقبل» هو هامشي في مفهوم «حزب الله». والرئيسي في مفهوم «حزب الله» هو هامشي في مفهوم «المستقبل». فبينما يستبعد «المستقبل» من الحوار ثوابته كانسحاب «حزب الله» من سوريا ونزع سلاحه في لبنان، سيكتفي ببحث انتخاب رئيس الجمهورية والتفاهم على قانون جديد للانتخابات النيابية. في المقابل يتصلب «حزب الله» بموقفه من انتخاب الرئيس، متمسكاً بشعار «عون أو لا أحد». ولن ينزلق «حزب الله» الى الموافقة على قانون للانتخابات لا تأكل فيه النسبية نسبة لا بأس بها من حصة «المستقبل» في مقاعد المجلس النيابي.

وسط هذه التناقضات العصية على الحل، تتعرض مبادرة الرئيس سعد الحريري، وموافقة السيد حسن نصر الله عليها، الى الضياع.

وعلى فرض أن الطباخين المهرة نجحوا في صياغة جدول أعمال، فمن المؤكد أن النتائج ستصطدم بالثوابت المتعاكسة لكل من الطرفين، وبالتالي، يصبح الفشل هو النتيجة الوحيدة المتاحة، حتى ولو غلف ذلك بصدور بيان عائم عن المتحاورين، قد تكون التهدئة أنضج ثماره. كأن يتوقف الطرفان، إعلامياً وسياسياً، عن الحملات العنيفة والتصريحات الملتهبة.

طبعاً فإن الحوار، الذي تشير تعقيداته الى أنه لن يبدأ، قد يبدأ كإستجابة خجولة لإصرار  الرئيس نبيه بري على عقده، خصوصاً وأنه رب من يدوّر الزوايا الحادة، ويطوّع المواقف المتمردة.

ويرمي بري الى اصطياد عصفورين بحجر الحوار. الأول سحب ورقة عون من السباق الرئاسي، وهذا عصفور لا يرى المراقبون أن «حزب الله» سيسمح باصطياده. والثاني ترسيخ صورة بري على أنه بيضة الميزان والتوازن اللبنانيين، والدرع الأمني المضاد للرصاص المذهبي والسياسي معاً.

كل ما سبق يشكل العُقَدْ المحلية للحوار المنتظر، والأمر سيكون أكثر تعقيداً إذا انتقلنا الى العُقَد الخارجية التي تمنع انعقاده قبل الوصول الى حلها، أو حلحلتها على الأقل.

والعُقد الخارجية متداخلة من أميركا الى تركيا مروراً بغالبية الدول الإقليمية في المنطقة. والتداخل هنا يصعب فصله، حيث يختلط الملف النووي الإيراني بأمن إسرائيل. وحيث يصطدم طموح تركيا بطموح إيران. ونفوذ روسيا بنفوذ الولايات المتحدة، وتهديد طهران لأمن الرياض بتشجيعها للتحركات المسلحة في البحرين واليمن. فمن الواضح أن إيران تحضر لمحاصرة أمن السعودية عبر اليمن، المصدر المحتمل لإحداث هزات عنف في شرق المملكة، وعبر تقويض استقرار دول الخليج بتقويض استقرار البحرين.

وفي داخل هذا المشهد المتشابك تظهر قطر كعامل داعم لتوتير الوضع في مصر، ولتفجير الوضع في ليبيا، وفي توفير وسائل الاستمرار للأحداث الدامية في سوريا والعراق. تساعدها على ذلك تركيا، التي تغطي موقفها المساند للإرهاب الداعشي، بتسهيل دخول بضعة مئات من مقاتلي بشمركة أكراد العراق للمشاركة في الدفاع عن أكراد عين العرب السورية.

قد يسأل البعض ما دخل هذه البانوراما الإقليمية والدولية بحوار بين فريقين لبنانيين، يفترض أن لا حول لهما ولا قوة في هذه الصراعات الخارجية الكبرى؟.

صحيح. لكن لهذه الصراعات كل الحول والقوة، في الشأن اللبناني.

لقد تم تعطيل اللعبة الديمقراطية، وبقي كرسي الرئاسة فارغاً، لأن إرادة أحد المتصارعين الإقليميين حريصة على وصول شخصية موالية.

والفراغ سيبقى قائماً ما لم تتحول الأحداث لترجيح إحدى كفتي الإعتدال أو التطرف.

إذاً، ما بين لبنان المعلق في تداعيات الخارج، ولبنان العالق في خلافات الداخل، لن يجد التفاؤل بالحوار مكاناً له إلا تحت سقف التهدئة… هذا إذا انعقد… فكيف إذا تعقّد؟.

لبنان الممزق: الجيش يخوض معركة سياسية بين “الممانعة” و”الامتناع”

كتب المحرر السياسي:

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ليس الفراغ الرئاسي سبباً وحيداً لظاهرة انهيار الدولة في لبنان، فالأسباب المختلفة تتوالد بسرعة أفقدت، ما تبقى من مؤسسات، القدرة على المعالجة الجدية.

مجموعة من العقد والأزمات تتراكم فوقها عقد وأزمات جديدة. وعند التدقيق تتساوى جميعها باحتلال مرتبة الأولويات. فعقدة عرسال مثلاً، لا تقل أهمية عن أزمة الفراغ الدستوري. وأزمة الفراغ شديدة الارتباط بالأزمة السورية.

وأخطار داعش لم تلغِ خطر عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وعدم إقرارها نتجت عنه فضيحة إفادات الثانوية العامة.

وخطف الجنود وأفراد من قوى الأمن، لم يهز معنويات الجيش فقط، بل يهدد بالانسحاب على القضاء، عبر مساعي مبادلة المخطوفين بقيادات من المتطرفين المسجونين في سجن رومية. والإفراج عن المتطرفين لن يفرج عن الاستقرار الأمني المهدد، باعتراف الدولة نفسها، بخلايا داعش وأخواتها النائمة شكلاً والمستيقظة فعلاً.

وكل هذه العقد تتضاءل أمام عقدة العطش التي تهدد اللبنانيين، في دولة لا تعرف سياسة درء الأخطار قبل وقوعها، ولا بعد وقوعها.

ولا تغيب أزمة ألف مياوم في اختلاق أزمة التعتيم الكهربائي، الذي بات يكلف المواطن أكثر من نصف دخله ثمناً لتشغيل المولدات الكهربائية تحاشياً لتلف الأغذية، والغرق في بحر من العرق، بسبب الحر الشديد والرطوبة الأشد.

يضاف الى كل هذه الأزمات الأمنية والاجتماعية، الغلاء المتصاعد في أسعار السلع، وهو أمر لا يستطيع المواطن تحمله، ولا قدرة للدولة على مواجهته والحد منه.

المصالحات المستحيلة

الى جانب كل هذه العقد والأزمات المستعصية يعيش لبنان عقداً وأزمات سياسية أشد استعصاءً. فالمصالحات بين الفرقاء لم تزل محصورة بشكليات يقوم بها النائب وليد جنبلاط، وما زال المتصالحون معه، (حزب الله وعون وفرنجية)، يعتبرونها شكلية ولا يأخذونها على محمل الجد. أما المصالحات المجدية فهي تنتظر مصالحات إقليمية، من المؤكد أنها بعيدة المنال. فمصالحة «تيار المستقبل» و«حزب الله» تحتاج الى علاقات بين السعودية وإيران ما تزال عالقة في حرب حكومة اليمن مع الحوثيين، وفي الحراك الشيعي في البحرين، وفي الهيمنة الإيرانية على العراق، وفي التداخل والتدخل في الأزمة السورية الحادة والممتدة في المجهول.

وعندما تغيب هذه المصالحة، التي بمقدورها وحدها كسر حدة الخلافات السياسية والمذهبية في لبنان، تصبح الاستحقاقات الدستورية، ما مضى منها، أي انتخاب الرئيس، وما هو آت، أي الانتخابات النيابية، مجرَّد استمرار في تعطيل الدستور وضرب أسس الديمقراطية في بلد يدعي دائماً أنه الديمقراطي الأول في منطقة امتلأت بالديمقراطيات المشبوهة والمشوَّهة.

الجيش أولاً

في خضم هذه التراكمات غير القابلة للعلاج، يبرز موضوع الجيش كمؤسسة حية بين مؤسسات تحتضر، وتنتظر ما هو أكبر من الفوضى ليجري دفنها.

لا شك في أن اختطاف مجموعة من أفراد الجيش وقوى الأمن الداخلي، شكل عبئاً على معنويات الحارس الأخير للوطن. ويبدو أن هذه القضية تتجه الى التصعيد الأعمى وسط تسليم بمبادلة بين المخطوفين والمتطرفين، وبين رفض للمبادلة، وحتى لمبدأ التفاوض تحت ذريعة الحفاظ على هيبة الدولة… حتى ولو كان ذلك على حساب هيبة الجيش الذي حشر في زاوية الانقسام السياسي حول هذا الموضوع الشديد الحساسية. إذ أن توالي عملية ذبح المخطوفين العسكريين، لن تهتز بسببه هيبة الجيش بل ستهتز معها معنويات الجنود والضباط الذين وجدوا أن الدولة وقواها السياسية لم تفعل شيئاً لرفع سكين الجزار الداعشي من فوق رقاب رفاقهم.

وكذلك يقع الجيش مرة أخرى أمام القرار السياسي المنقسم على نفسه، فلا هو قادر على ترك عناصره للذبح البشع، ولا هو مسموح له الدخول في مغامرة عمليات عسكرية لإنقاذ رفاق السلاح، نظراً لما قد تحمله هذه العمليات من تطورات وتورطات في الأزمة السورية.

وهكذا تكون الدولة قد وضعت أهم مؤسساتها تحت خيار مقصلة الذبح الداعشي أو العجز الحكومي.

وسط هذه المخاطر لا يجد الجيش إلا طبقة من «المطربين» الذين يغنون له الأناشيد الحماسية، في حين أن طبقة السياسيين لا تنسى، وهي تدفعه الى المأزق الكبير، من الاشادة به وبقياداته، من دون أن تتوقف عن تشييد الأفخاخ المتفجرة في طريقه.

في ضوء هذا المأزق اللبناني الأكبر يبرز دور الرئيس سعد الحريري في توفير الدعمين المالي والتسليحي عبر مساعيه السعودية والروسية. لكن ماذا تفيد الإمكانات، إذا كان جيشنا المتمكن، معطل بالخلاف السياسي حول دوره، حيث منهم من يريده «ممانعاً»… ومنهم من يريده «ممتنعاً».

التكاذب الديمقراطي

المشكلة في أزماتنا المتراكمة والمعقدة، كثرة الوصفات الدوائية التي يقدمها السياسيون لشفاء لبنان منها. والمصيبة الفاضحة أن أصحاب هذه الوصفات هم أنفسهم من يمتنع عن تناول هذه الأدوية.

آخر دواء لفك الاستعصاء الرئيسي في البلاد، أي انتخاب الرئيس، كان في مبادرة 14 آذار، التي تقضي بالتخلي عن عون وجعجع، كمرشحين استفزازيين، وبالتالي البحث عن مرشحين آخرين ينتمون الى الاعتدال، أو الى ما يمكن وصفه بالمنحاز المعتدل، سواء كان الانحياز الى «8 آذار»، أو كان لـ«14 آذار».

لكن هذا الدواء سرعان ما سحب من الصيدليات السياسية بقرار من التيار الوطني الحر، وبذلك وجد اللبنانيون أنفسهم أمام معاناة يصح فيها القول: «فالج لا تعالج».

والخوف، كل الخوف، من أن تكون نهاية تراكم مثل هذا الكم من الأزمات، وقوع الانفجار الأكبر الذي يجعل اللبنانيين ينسون انتخاب الرئيس والنواب، وينسون كذلك المخطوفين وسلسلة الرتب والرواتب وانقطاع الكهرباء وشح الماء… ويكتفون فقط في البحث عن ملجأ آمن.

من الأخير: 24 صاحب فخامة

هل يصبح كرسي الرئاسة شاغراً في 2014؟

هل يصبح كرسي الرئاسة شاغراً في 2014؟

بالصبر نجح تمام سلام وملأ فراغ السرايا.

وبصبر الآخرين عليه، نجح نبيه بري وقطع الطرق على الفراغ في البرلمان، وسدّ في وجهه كل الثغرات التي حاول التسلل منها إلى قصر عين التينة.  وبالتمديد لنفسه وغيره، بقي الموقع الشيعي الأول مستقراً على مدى 22 عاماً ومفتوحة على المزيد، في حضن “الأستاذ” نائياً بالفراغ عن كرسيه الدائم في رئاسة مجلس النواب.

لكن، وبصبر المسيحيين على انقساماتهم، يضحك الفراغ بعبّه، طامعاً بحكم البلاد، مستفيداً من الخلافات الإقليمية الكبرى حول الأزمة السورية، ومن الخلافات الدولية حول الأزمة الأوكرانية، حيث الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً منشغلة عن الاستحقاق اللبناني باستحقاقات مصير سوريا وجزيرة القرم.

وعوض أن يستفيد لبنان من هذا الانشغال، لاختيار رئيس جمهوريته بإرادة لبنانية للمرة الأولى، تعمل أطراف لبنانية كثيرة على تفويت الفرصة النادرة، خوفاً من التورّط برئيس لا ترضى عنه القوى الإقليمية والدولية، التي تعوّدت، بعد أن عوّدناها، على التحكم بالقرارات اللبنانية الكبرى.  مما يعني أن الاستحقاق الرئاسي معرّض للإصابة بمرض الفراغ، في انتظار الحسم في سوريا وأوكرانيا، على اعتبار أن الفريق المنتصر في الصراعين، ستكون له الكلمة الحاسمة في اختيار لبنان لرئيسه.

إلا أن هذه النظرية، رغم أنها أثبتت صحّتها في كل انتخاباتنا الرئاسية السابقة، قد يمكن اختراقها بنجاح مناورة من مناورتين يجري العمل بهما من فريقين لا يمكن وصفهما بالحلفاء ولا بالأعداء.

المعلومات المعروفة والمتداولة تتحدّث عن محاولات لإقناع الحريري بانتخاب عون، حيث أن أصوات التيارين “الوطني” و”المستقبل” مع بعض الأصوات النيابية المتحررة من الانتماءات المباشرة، تكفل نجاح الجنرال في الوصول إلى بعبدا.

هذه المناورة لا يمكن أن تمرّ.  فهي تعرّض فريق 14 آذار لانقسامات حادة لن يقبل الرئيس الحريري بها.  كما أنها لا تضمن عدم الانقلاب على تفاهماتها، خصوصاً وأن الجنرال لم يقدم عليها إلا بعد التنسيق مع حليفيه السوري و”حزب الله”.

أما المناورة الثانية فيتولاها بري وجنبلاط.

الإثنان يسعيان إلى انتخاب جان عبيد، على اعتبار أن المرشحين الجديين – عون وجعجع – لا يحظيان بفرص حقيقية، وأن أياً منهما يعتبر خياراً استفزازياً يفرق اللبنانيين.  وبالتالي، لن يجدا في مجلس النواب أصواتاً تكفي أحدهما للحصول على لقب فخامة الرئيس.

ورهان بري وجنبلاط يبدو واقعياً، وانطلاقاً من واقعيته يراهنان على رئيس التسوية جان عبيد.

غير أن هذه المناورة أيضاً تعاني من ضعف شديد يجعلها أقرب إلى الفشل من نظيرتها الأولى.  فجان عبيد شخصية غابت شمسها ولفها النسيان السياسي والشعبي والإقليمي والدولي.

وإذا لم تحصل مفاجأة خارج المناورتين، فإن الفراغ آتٍ لا ريب فيه، ولن ندري إلى متى سيكون لنا 24 صاحب فخامة، ومن ثم، إلى متى تحتل السرايا الحكومية قصر بعبدا؟

سامر الحسيني