كفى… لن يكفْ

walidيحتكم سعد الحريري إلى ميزان “تطبش” فيه كفة “لبنان” على كفة “الأنا”.

وهو ميزان لا تستخدمه عادة الزعامات السياسية اللبنانية.

فعندما اعتمد شعار “لبنان أولاً”، يكون قد وضع “الأنا” في مرتبة متأخرة.

وبالتزامه هذا الشعار، ذهب بعيداً في مخالفة رأي جماعته. اذ رشح سليمان فرنجية لمنصب رئاسة الجمهورية، في محاولة منه لمنع لبنان من الوقوع في هاوية انهيار المؤسسات، بعد أن أشرفت المؤسسة الاولى، أي رئاسة الجمهورية، على التآكل التام. وذلك بفعل الفراغ الرئاسي المتعمد، الذي طال وطول. وكأنه فراغ حكم بالمؤبد.

محاولته الانقاذية هذه باءت بالفشل. والسبب أيضاً تغييب نصاب مجلس النواب. النصاب الذي خضع لقرار الاصرار على “هو” أو لا أحد.

عندئذٍ، انتقل الحريري من البعيد الى الأبعد.

ذهب الى “هو”، سابحاً عكس اتجاه تياره الأزرق، مرشحاً العماد عون للرئاسة.

نجح الحريري أخيراً في انقاذ لبنان من التحول الى “دولة فاشلة”، كانت تستعد لدفن دستورها، الذي كان يعاني من حشرجة الموت بعد أن تجرّع سم الفراغ القاتل. وكان هذا، لو تم، سيعني طبعاً عودة لبنان الى “ديموقراطية القوة”. لكنها عودة من فريق واحد، لأن الافرقاء الآخرين لا حول لهم ولا “قوة”.

واستمرت تضحيات “لبنان اولا”. فقبل الحريري بتشكيل حكومة “استعادة الثقة” من وزراء لا يثق بكثير منهم.

لم يكتف زعيم تيار المستقبل بما قدم. بل تابع جلد نفسه، فأخذ على عاتقه الدفاع عن خصومه، تحت وطأة الخوف على استقرار البلد.

صحيح أنه في واشنطن لم يتمكن من “رد قضاء” قانون العقوبات الأميركية على فريق لبناني، لكنه تمكن من “اللطف فيه”. ومع ذلك هاجموه بعنف، ربما لأنه لم يُقدم على إعادة صفة “الشيطان الأكبر” على بيت ترامب الأبيض، بعد أن كانت ايران قد ألغتها على بيت اوباما الأبيض.

وفي الكويت نجح في سحب أزمة “خلية العبدلي” من ملف القطيعة السياسية والسياحية والاقتصادية، تاركا أمرها لملف العلاقات القضائية.

وبالتأكيد لن ينجو من هجوم ما، عندما يحين وضع ملف هذه القضية المعقدة في دوائر التحقيق والتقصي.

ترى متى يكمل الحريري واجباته اللبنانية، ويعمل بالحديث الشريف “ان لنفسك عليك حقاً”.

كفى يا سعد.

سبق وأن قالها له نجيب ميقاتي بسوء نيّة. اليوم يقولها كثيرون بنية حسنة.

كفى يا سعد.

لكنّ سعد لن يكف… وسيستمر بـ”لبنان أولاً”، حتى لو استمر بأن يكون “الخاسر أولاً… وأخيراً”.

وليد الحسيني

Advertisements

سليمان فرنجية رئيساً … بالتسوية

2015-11-30T185141Z_3_LYNXMPEBAT175_RTROPTP_3_LEBANONسليمان فرنجية … من أنت؟

ألست لبنانياً؟

ألست مسيحياً؟

ألست مارونياً؟

ألست أحد أعمدة الثامن من آذار؟

ألست صديقاً فوق العادة للرئيس الأسد؟

ألست أول يد مسيحية بارزة تمتد للتحالف مع “حزب الله”؟

ألم تسبق الجنرال عون، الخصم السابق، إلى هذا التحالف؟

إذا كنت كل هذا، فلماذا يرفضونك رئيساً جامعاً وجامحاً نحو إنقاذ لبنان؟

وهل يكفي لسد منافذ قصر بعبدا وأبوابه في وجهك أن من اختاروك للإنقاذ مسلمون؟

وهل صحيح أن المسيحيين فقط يختارون رئيس الجمهورية وأن المسلمين فقط يختارون رئيس الحكومة؟

هل حصل هذا في تاريخ لبنان من قبل؟

التاريخ ينفي ذلك.

منذ بشارة الخوري أول رؤساء الاستقلال وإلى ميشال سليمان آخر رؤساء الزمن الديمقراطي، ومنذ رياض الصلح أول رؤساء حكومات لبنان المستقل إلى تمام سلام آخر رؤساء حكومات الشلل الدستوري، كان الخيار دائماً مشتركاً.  ودائماً لم يكن رئيس الجمهورية المسيحي يأتي بأصوات مسيحية فقط.  ودائماً لم يكن رئيس الحكومة المسلم يأتي بأصوات مسلمة فقط.  وكذلك كان دائماً أمر اختيار رئيس مجلس النواب.

إذاً أين هو العيب الدستوري في أن يطرح المسلم السني، أي سعد الحريري، والمسلم الدرزي، أي وليد جنبلاط، خصمهما السياسي سليمان فرنجية كمرشح لرئاسة الجمهورية؟

هل العيب في أنهما اختارا أهون الخصوم لا ألدّها؟

لنتذكر أن التسوية كانت البطل الذي يطل على خاتمة الكوارث.

انتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1958 بتسوية فرضت فؤاد شهاب.  وانتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1990 بتسوية الطائف التي فرضت رينيه معوض، ومن ثم الياس الهراوي.  ومن قبلهما فرضت “تسوية” الاجتياح الاسرائيلي بشير الجميل، ومن ثم أمين الجميل.  وخرجنا من كارثة 7 أيار بتسوية الدوحة التي فرضت ميشال سليمان.

ونسأل الرافضين لتسمية سعد الحريري سليمان فرنجية عما إذا كانوا لم يفعلوا ما هو أدهى عندما فرضوا نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، وهو الأضعف سنياً، على سعد الحريري الأقوى سنياً وإسلامياً بما لا يقاس.

إنها فرصة الخروج من كارثة الفراغ والشلل الضاربة بلبنان، ومن الكوارث الأسواء الزاحفة إليه.

لا تجعلوا الطريق إلى بعبدا يتوقف عند مستديرة الصياد لاستدارة إجبارية نحو الفراغ إلى زمن يبدو أنه بلا نهاية.

فكروا بلبنان، قبل أن يكفر به اللبنانيون.

وإذا كانت رئاسة الجمهورية طاولة زهر، فالعبوها “فرنجية” … وإياكم أن تلعبوها “محبوسة” … فتحبسوا بذلك قصر بعبدا والدستور وأنفاس اللبنانيين.

سامر الحسيني

عون – جعجع: مرشحا الفوز المستحيل

 كتب المحرر السياسي:

لم يكن «الصبر مفتاح الفرج»… بل مفتاح الانفراجات.

لقد فتحت كل الأبواب التي كانت مقفلة باحكام.

قوانين صدرت بالجملة.

تعيينات تليها تعيينات.

فرَّ قادة المحاور في باب التبانة وجبل محسن. واختفى السلاح والمسلحون.

دخل الجيش الأحياء المسلحة في الشمال ورشه الأهالي بالأرز، وكان يُرش بالرصاص والقذائف. كما أغلقت أبواب جهنم بين عرسال واللبوة وأزيلت الحواجز غير الشرعية وحلت مكانها حواجز الجيش بـ«الأهلاَ والسهلاَ».

لا مشاكسات ولا مقاطعات في مجلس النواب.

كل هذا يعني أن السحر الذي حلَّ على لبنان كان باتفاق السحرة جميعاً، وإلا ما كان هذا التوافق اللبناني المستعصي أن تفكك عقده، ويتحوَّل الى سهل ممتنع عن المعوقات التي أرهقت وأزهقت روح حكومة نجيب ميقاتي.

لكن النِعم لا تدوم. فمن يبطل السحر الغامض والمجهول الأسباب؟.

لا شك في أن الاستحقاق الرئاسي سيفرِّق بين السحرة، وستعود الخلافات والانشقاقات الى مجلسي الوزراء والنواب، وبالتالي، سينتهي شهر العسل، لتعود حليمة الى عاداتها القديمة.

والمأزق الأقدر من استحقاق الرئاسة على إزالة مفعول سحر التفاهم والوئام هو قانون الانتخابات، الذي لا يحتمل المسايرة، وبالتأكيد لا يقبل التوافق، بدليل السقوط المبكر لقانون النسبية في مجلس النواب.

لا أحد ينكر أن معركة الرئاسة بدأت ساخنة.

المرشحان الرئيسيان، العماد ميشال عون والحكيم سمير جعجع، يدركان أنهما مرشحان للفوز المستحيل. وإذا كانا لا يناوران، فإن فريقي 8 و14 آذار يناوران بهما.

إن التأييد النظري لميشال عون من قبل فريق 8 آذار، يقابله التاييد النظري من قبل فريق 14 آذار لسمير جعجع.

الفريقان يعرفان جيداً أن رهانهما على أقوى الأحصنة المسيحية هو رهان خاسر. فالمعركة أكثر تعقيداً. والرغبات لا تكفي لشق الطريق الى بعبدا. فهي «طريق دولية» تحتاج الى بلدوزرات أوروبية وأميركية، وإلى رافعات سورية وإيرانية وسعودية. مما يعني أن شقها يحتاج الى تفاهم وظروف موضوعية، أكبر بكثير من السحر الذي أنقذ تمام سلام من الفشل.

كل هذا يشير الى أن الفراغ هو المرشح الأوفر حظاً في الفوز بمنصب صاحب الفخامة. إلا إذا نجح الثنائي المتماسك، نبيه بري ووليد جنبلاط بتسويق مرشحهما المنسي جان عبيد لدى الجهات الدولية والإقليمية، التي تشكل الناخب الرئيسي والحقيقي.

هذا الصراع الخفي، هل يؤدي الى سقوط خيار الرئيس القوي جداً لمصلحة الرئيس الضعيف جداً.

من الصعب أن تقبل بكركي بهذه النهاية لموقعها الرئاسي الأول مسيحياً ولبنانياً.

ولا يمكن التفاؤل بقدرات الأستاذ نبيه بري على إقناع سوريا وإيران برئيس ملحق بقصري عين التينة وكليمنصو.

وربما كان وليد جنبلاط أقل نفوذاً بتسويق عبيد لدى السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خصوصاً وأن علاقاته مع هذه الجهات متأرجحة ولا تصل الى حد التأثير في القرارات التي ترتبط بمصالحها لست سنوات لبنانية.

إن تكتم الثنائي، بري ـ جنبلاط، على التسويق لجان عبيد، لن يبقى سراً. رغم أن الثنائي المسوق، يتمتع بالحنكة السياسية، ويملك مهارات المناورة، مما جعله يبدأ بجس النبض، في انتظار استحكام عقد انتخابات الرئيس بفريقي 8 و14 آذار، ومن ثم، استسلامهما للعجز بتوفير فرص الفوز لأي من المرشحين عون وجعجع.

لكن هذا العجز لا يعني السير بانتخاب جان عبيد. فلكل من الفريقين مرشحه الاحتياطي، الذي هو بالحقيقة مرشحه الحقيقي. وإذا كان مرشح 8 آذار معروفاً، فإن العماد عون قد بكر بالكشف عن اسمه، بإعلانه أنه لن يترشح إذا ترشح سمير جعجع، هذا يؤكد أن بوصلة 8 آذار تتجه الى سليمان فرنجية، ويعزز من هذا التوجه إعلان الرئيس بشار الأسد أنه يسعى الى رئيس ممانع.

في المقابل، تبدو خيارات 14 آذار في المرشح البديل لجعجع، أكثر صعوبة. فهي تحتاج الى شخصية مارونية توازي سليمان فرنجية في تشدده ووضوح موقفه السياسي. وجدول أسمائها لا تتوافر فيه أسماء بهذه الصفات، إلا إذا قررت المضي باعتماد الحكيم.

وإذا كان ثمة من يطرح اسم أمين الجميل، فهو لا يمثل الحصان الصالح للرهان في هذا السباق الرئاسي المحموم. وإذا كان الجميل قد استولى على حصة القوات في حكومة سلام، فلن يقبل سمير جعجع باستيلائه على فرصته بالرئاسة الأولى.

وبما أن فريق 14 آذار يفتقر الى الصقور، على ضوء  انتهاجه الاعتدال، فإن فرص التخلي عن الحكيم باتت متضائلة، خصوصاً وأن الحكيم يتمتع بعلاقات قوية مع الممسكين بالملف اللبناني في المملكة السعودية.

كل ما سبق يوحي بأن الفراغ هو أقوى المرشحين الى الرئاسة… وأن جلسة مجلس النواب لانتخاب الرئيس ستفتقد النصاب، عندما يجد الفريقان المتنافسان أن مرشحيهما لا يحظيان بالأصوات المطلوبة. وعندئذ لا بد من الانتظار الى حين انتخاب الرئيس في كواليس السياستين الدولية والإقليمية… وإلى أن يتم ذلك سيبقى لبنان محكوماً بالفراغ.