عون – جعجع: مرشحا الفوز المستحيل

 كتب المحرر السياسي:

لم يكن «الصبر مفتاح الفرج»… بل مفتاح الانفراجات.

لقد فتحت كل الأبواب التي كانت مقفلة باحكام.

قوانين صدرت بالجملة.

تعيينات تليها تعيينات.

فرَّ قادة المحاور في باب التبانة وجبل محسن. واختفى السلاح والمسلحون.

دخل الجيش الأحياء المسلحة في الشمال ورشه الأهالي بالأرز، وكان يُرش بالرصاص والقذائف. كما أغلقت أبواب جهنم بين عرسال واللبوة وأزيلت الحواجز غير الشرعية وحلت مكانها حواجز الجيش بـ«الأهلاَ والسهلاَ».

لا مشاكسات ولا مقاطعات في مجلس النواب.

كل هذا يعني أن السحر الذي حلَّ على لبنان كان باتفاق السحرة جميعاً، وإلا ما كان هذا التوافق اللبناني المستعصي أن تفكك عقده، ويتحوَّل الى سهل ممتنع عن المعوقات التي أرهقت وأزهقت روح حكومة نجيب ميقاتي.

لكن النِعم لا تدوم. فمن يبطل السحر الغامض والمجهول الأسباب؟.

لا شك في أن الاستحقاق الرئاسي سيفرِّق بين السحرة، وستعود الخلافات والانشقاقات الى مجلسي الوزراء والنواب، وبالتالي، سينتهي شهر العسل، لتعود حليمة الى عاداتها القديمة.

والمأزق الأقدر من استحقاق الرئاسة على إزالة مفعول سحر التفاهم والوئام هو قانون الانتخابات، الذي لا يحتمل المسايرة، وبالتأكيد لا يقبل التوافق، بدليل السقوط المبكر لقانون النسبية في مجلس النواب.

لا أحد ينكر أن معركة الرئاسة بدأت ساخنة.

المرشحان الرئيسيان، العماد ميشال عون والحكيم سمير جعجع، يدركان أنهما مرشحان للفوز المستحيل. وإذا كانا لا يناوران، فإن فريقي 8 و14 آذار يناوران بهما.

إن التأييد النظري لميشال عون من قبل فريق 8 آذار، يقابله التاييد النظري من قبل فريق 14 آذار لسمير جعجع.

الفريقان يعرفان جيداً أن رهانهما على أقوى الأحصنة المسيحية هو رهان خاسر. فالمعركة أكثر تعقيداً. والرغبات لا تكفي لشق الطريق الى بعبدا. فهي «طريق دولية» تحتاج الى بلدوزرات أوروبية وأميركية، وإلى رافعات سورية وإيرانية وسعودية. مما يعني أن شقها يحتاج الى تفاهم وظروف موضوعية، أكبر بكثير من السحر الذي أنقذ تمام سلام من الفشل.

كل هذا يشير الى أن الفراغ هو المرشح الأوفر حظاً في الفوز بمنصب صاحب الفخامة. إلا إذا نجح الثنائي المتماسك، نبيه بري ووليد جنبلاط بتسويق مرشحهما المنسي جان عبيد لدى الجهات الدولية والإقليمية، التي تشكل الناخب الرئيسي والحقيقي.

هذا الصراع الخفي، هل يؤدي الى سقوط خيار الرئيس القوي جداً لمصلحة الرئيس الضعيف جداً.

من الصعب أن تقبل بكركي بهذه النهاية لموقعها الرئاسي الأول مسيحياً ولبنانياً.

ولا يمكن التفاؤل بقدرات الأستاذ نبيه بري على إقناع سوريا وإيران برئيس ملحق بقصري عين التينة وكليمنصو.

وربما كان وليد جنبلاط أقل نفوذاً بتسويق عبيد لدى السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خصوصاً وأن علاقاته مع هذه الجهات متأرجحة ولا تصل الى حد التأثير في القرارات التي ترتبط بمصالحها لست سنوات لبنانية.

إن تكتم الثنائي، بري ـ جنبلاط، على التسويق لجان عبيد، لن يبقى سراً. رغم أن الثنائي المسوق، يتمتع بالحنكة السياسية، ويملك مهارات المناورة، مما جعله يبدأ بجس النبض، في انتظار استحكام عقد انتخابات الرئيس بفريقي 8 و14 آذار، ومن ثم، استسلامهما للعجز بتوفير فرص الفوز لأي من المرشحين عون وجعجع.

لكن هذا العجز لا يعني السير بانتخاب جان عبيد. فلكل من الفريقين مرشحه الاحتياطي، الذي هو بالحقيقة مرشحه الحقيقي. وإذا كان مرشح 8 آذار معروفاً، فإن العماد عون قد بكر بالكشف عن اسمه، بإعلانه أنه لن يترشح إذا ترشح سمير جعجع، هذا يؤكد أن بوصلة 8 آذار تتجه الى سليمان فرنجية، ويعزز من هذا التوجه إعلان الرئيس بشار الأسد أنه يسعى الى رئيس ممانع.

في المقابل، تبدو خيارات 14 آذار في المرشح البديل لجعجع، أكثر صعوبة. فهي تحتاج الى شخصية مارونية توازي سليمان فرنجية في تشدده ووضوح موقفه السياسي. وجدول أسمائها لا تتوافر فيه أسماء بهذه الصفات، إلا إذا قررت المضي باعتماد الحكيم.

وإذا كان ثمة من يطرح اسم أمين الجميل، فهو لا يمثل الحصان الصالح للرهان في هذا السباق الرئاسي المحموم. وإذا كان الجميل قد استولى على حصة القوات في حكومة سلام، فلن يقبل سمير جعجع باستيلائه على فرصته بالرئاسة الأولى.

وبما أن فريق 14 آذار يفتقر الى الصقور، على ضوء  انتهاجه الاعتدال، فإن فرص التخلي عن الحكيم باتت متضائلة، خصوصاً وأن الحكيم يتمتع بعلاقات قوية مع الممسكين بالملف اللبناني في المملكة السعودية.

كل ما سبق يوحي بأن الفراغ هو أقوى المرشحين الى الرئاسة… وأن جلسة مجلس النواب لانتخاب الرئيس ستفتقد النصاب، عندما يجد الفريقان المتنافسان أن مرشحيهما لا يحظيان بالأصوات المطلوبة. وعندئذ لا بد من الانتظار الى حين انتخاب الرئيس في كواليس السياستين الدولية والإقليمية… وإلى أن يتم ذلك سيبقى لبنان محكوماً بالفراغ.

Advertisements

لبنان الشركة

الوحدة الوطنية!

العيش المشترك!

الشريك الآخر!

المشاركة!

هذه هي أكثر المصطلحات تداولاً في لبنان.  بعضها مكتوب في الدستور، وأغلبها يشكّل نصّاً مشتركاً في تصريحات السياسيين إلى أي جهة انتموا.

كلها تدلّ، بل تؤكّد، على أن لبنان “شركة مساهمة”.  وأن اللبنانيين شركاء، يختلف نصيب كل شريك من الأسهم باختلاف الطائفة والمذهب.

من هذا الاختلاف تسقط العدالة، ويبدأ التمييز المذهبي.  فحَمَلَة أغلبية الأسهم موزّعة بين المذاهب الأربعة الرئيسية: السنة والشيعة والموارنة والأرثذوكس.  أما المذاهب الـ14 الباقية، فلا دور لها سوى الخضوع لقرارات الأكثريات المذهبية.  وهذا يعني أن أهمية اللبناني مرتبطة في مذهبه لا في لبنانيته.

بكلام آخر، فكما تسيطر “الرأسمالية المتوحّشة” على صغار المساهمين، تسيطر “المذهبية المتوحّشة” على صغار المذهبيين.

بعد هذه الحقيقة المرّة، نفهم لماذا نعيش في دولة تنتحل صفة الدولة، طالما أن اللبنانيين ليسوا سواء في الوصول إلى المناصب، وفي اتخاذ القرارات المصيرية … والعادية.

من هنا تبدأ العلّة، التي تلد ما يعيشه لبنان من علل لا شفاء منها.

لا شك في أن سياسة “التمييز المذهبي” هي التي مكّنت الزعامات السياسية للمذاهب “الذهبية” من تحويل الدستور، من نص مقدّس، إلى نص مدنّس بالمصالح والأهواء.

لقد عُدّل الدستور “أكثر من مرة” … وفي كل تعديل يتم التصويت على أنه “لمرة واحدة”.  وهكذا، مرة بعد مرة، عُطّلت الاستحقاقات الدستورية، وضُربت نصوصها بعرض الحائط.

حتى “لبنان الشركة” فقد أُدير خلافاً لقوانين الشركات وأعرافها.  فمنذ سبع سنوات تسير “شركة لبنان” بلا ميزانية يطّلع من خلالها المساهمون، أي الشعب أو من يمثّلهم في المجلس النيابي، على الوضع المالي للشركة، أي لبنان.

إذاً، لا نحن دولة، ولا نحن شركة.

نحن عبارة عن دولة بلا هوية، تعيش فيها تجمعات بشرية متناقضة.

تخيّلوا لو أخذنا من سعد الحريري شعار “العبور إلى الدولة”.  ومن نبيه بري “إلغاء الطائفية السياسية”.  ومن ميشال عون “محاربة الفساد”.  ومن أمين الجميل وسمير جعجع “السيادة والاستقلال”.

ألا يؤدّي عندئذ “العيش المشترك” بين هذه الشعارات إلى قيام دولة حديثة، بدل “العيش المشترك” تحت هيمنة المذهبية والتبعية والفساد وخرق الدستور وتعطيل المؤسسات؟

لا بد من جراحة تشريعية توقف تدهور لبنان.  فقلب الخسة مهترئ، ولن تبقى أوراقها الخارجية الخضراء خضراء.  فالاهتراء سيصيبها، وعندها لن نستطيع أن نخدع أنفسنا والآخرين بلبنان الأخضر.

سامر الحسيني