“ما فيش فايدة”

walidمن كل خطب وكلمات الزعيم سعد زغلول، كانت كلمته “ما فيش فايدة” هي الباقية في ذاكرة الناس، لأنها الكلمة الأصح والأصلح لذلك الزمن المصري، ولهذا الزمن العربي… وربما لأزمان مقبلة.

لبنانياً: “ما فيش فايدة” أن يتخلى اللبناني عن أن يحب لأخيه ما يحبه لعدوه. و”ما فيش فايدة” في الإنتصار على الفساد، لأن لا أحد يستطيع الإنتصار على شعبه. و”ما فيش فايدة” في القضاء على المذهبية طالما أنها تبيض ذهباً. و”ما فيش فايدة” في التخلص من النفايات في الشوارع، إذا لم يتم التخلص منها في الدولة وفي أهل السياسة. و”ما فيش فايدة” في إيقاف الهدر، وحكوماتنا تنفق كأنها تملك ثروة السعودية، في حين أن مداخيلها توازي مداخيل الصومال.

عراقياً: “ما فيش فايدة”، فكأس السم التي تجرعها الخميني في الحرب مع العراق، يردها خامنئي للعراقيين بتجريعهم كؤوس الحنظل. و”ما فيش فايدة” في أن يتوقف الحشد الشعبي عن حشد همجيته في مناطق السنة، ليوقظ الفتنة النائمة منذ أكثر من ألف عام. “ما فيش فايدة” في استعادة السيادة، في ظل الوجود العسكري الأميركي والنفوذ الشعبي الإيراني. و”ما فيش فايدة” في أن تعود المياه إلى مجاريها في دجلة والفرات وشط العرب، بعد أن شفطت، السدود التركية والحفريات الإيرانية، مصادر الحياة، التي جعل الله منها كل شيء حي.

مصرياً: “ما فيش فايدة” وقد ألهاهم التكاثر السكاني عن التكاثر الإنمائي.

سورياً: “ما فيش فايدة” في خروج الميليشيات. و”ما فيش فايدة” في إعادة الإعمار. و”ما فيش فايدة” في النصر الكامل على الإرهاب، ولا في الهزيمة الكاملة للإرهابيين.

فلسطينياً: “ما فيش فايدة” في التحرير، وقد دفنت منظمة التحرير الكفاح المسلح في ثلوج أوسلو. و”ما فيش فايدة” في توحيد البندقية الفلسطينية، منذ أن اعتنقت “حماس”، عبر جناحها المسلح “كتائب القسّام”، إستراتيجية الإنقسام.

يمنياً: “ما فيش فايدة” في الوصول إلى صنعاء مهما طال السفر. و”ما فيش فايدة” في أن يعود الحوثيون إلى إنتمائهم اليمني، بعد أن عمّدوا إيرانيتهم بالدم. و”ما فيش فايدة” في أن يحصل اليمنيون على كفاف يومهم من الخبز… والقات.

ليبياً: “ما فيش فايدة” بانقضاء شهر فبراير، الذي تسبب بالنكبة. فرغم أنه أقصر أشهر السنة، إلا أنه أطولها ليبياً، فهو ممتد منذ 8 سنوات. و”ما فيش فايدة” في أن يحل قريباً عن ظهر ليبيا، التي تحولت إلى فاقة بعد غنى، وإلى ذل بعد عز.

عربياً: كي لا يطول السرد ما بين المحيط والخليج، نقول باختصار: كما في البدء كانت الكلمة… ففي النهاية لا كلمة تعلو عربياً على كلمة سعد زغلول “ما فيش فايدة”.

وليد الحسيني

Advertisements

قمة “كلام الليل”

walidهذه جامعة الدول العربية، وليست الجامعة اللبنانية.

هذا أحمد أبو الغيط، وليس الدكتور فؤاد أيوب.

هذا يتلقى التوجيهات من القادة العرب، أو على الأقل، من وزراء خارجيتهم، وليس من مرجعيات دينية أو سياسية.

صحيح جداً ما قيل قديماً بأن “العرب اتفقوا على أن لا يتفقوا”. وصحيح أن هذا القول لا يقبل النسيان، مهما هرم الملوك والرؤساء، ومهما شاخ الشيوخ والأمراء.

لكن الأصح أن لخلافات قممهم آدابا لم يسبق أن خرقت بالتهديد والوعيد وقطع الطرقات.

لا يمكن تحميل لبنان ما لا يملك. فهو في توجيه الدعوات إلى القمة مجرد “بوسطجي”… ومستضيف فرضت عليه قائمة الضيوف.

إن دعوة ليبيا وعدم دعوة سوريا أمران لا ناقة فيهما للبنان ولا جمل ولا جميل.

حتى سوريا تدرك ذلك. ولذلك لم تحتج، ولم تطلب من لبنان أن يكون “قصر بعبدا” أكثر تمسكاً بالمشاركة من “قصر المهاجرين”، أو أن يكون جبران باسيل ملكياً أكثر من وليد المعلم.

أما ليبيا فإن حضورها لا يمثل ليبيا، على اعتبار أن حاكمها فايز السراج جاءت به قسراً “الشرعية الدولية”، في مخالفة صريحة للشرعية الليبية. وهو بهذا، أي بحضوره أو بحضور من يمثله، تبقى ليبيا، بشرعية مجلس نوابها، غائبة عن القمة. مما يعني أن الإعتراض على مشاركتها لزوم ما لا يلزم.

من هنا تصبح الإعتراضات بلا جدوى. فهي لا ترضي سوريا، ولا تضر بليبيا. لكن أضرارها اللبنانية ستكون فادحة سياسياً ومعنوياً، والأخطر، أمنياً.

ومن الملفت أن الرئيس نبيه بري أعلن مسبقاً أنها قمة فاشلة، إذا انعقدت بليبيا ومن دون سوريا.

ترى لماذا استعجال الفشل، وهو مكتوب على جبين القمم العربية منذ ولادتها الأولى؟

كل القمم في فمها ألسنة للخطابات التاريخية، وفي فم قادتها ماء. ولقراراتها ذرائع بلا أذرع. وهي دائماً تسقط من قمة الإمكانات إلى قعر الممكن.

إنها بالفعل قمم كلام الليل، الذي يمحوه النهار التالي.

وحكماً وحتماً، لن تغرد قمة بيروت الإقتصادية خارج سرب ما سبقها من قمم.

والسؤال:

أليس بالإمكان اتخاذ قرارات ممكنة التطبيق؟

ممكن.

كأن نضع توصيات تفرق ولا توحد. ونصوغ قرارات تحرر الأنظمة من أي مسؤولية قومية. وكأن ننتقل، من التبشير بالسوق العربية المشتركة، إلى المباشرة بفرض المزيد من الضرائب الجمركية. وأن نمتنع عن إغراق الوعود بالمساعدات والهبات، إلى العمل على أن تكون كل عنزة عربية مربوطة بكرعوبها.

مثل هذه القرارات ستنفذ بلا تردد وبلا متابعة. ولن تتهم، كما ما قبلها، بأنها حبر على ورق… وإن كانت فعلاً ورقا بلا حبر.

وليد الحسيني

الحكومة الآن… وقبل فوات الأوان

walidالسياسي اللبناني، الذي لم ينل “دكتوراة الكذب” بذكائه، نالها فخرية بمذهبيته.

وشهادات الكذب في لبنان “على قفا من يشيل”.

مثلاً،

الجميع يدعي تقديم التنازلات مُسهلاَ تأليف الحكومة. وكأن “العقد” فعلها مجهول الاسم والعنوان والطائفة.

هذه ليست الكذبة الأكبر.

الأكبر منها، أن ساسة البلد يزعمون أنهم سادة أنفسهم.

لا قائد يقوده الخارج. حتى لو كانت تكاليف مأكله ورواتبه وسلاحه تملأ الخزائن… بلا إملاءات!.

إذاً من حسن فطن سعد الحريري إلتزامه الصمت، كي لا ينضم إلى جوقة الكذابين. حيث من المستحيل إتهام الممتنع عن الكلام بالكذب.

وكما الشعر، فإن أعذب التغزل بلبنان… أكذبه.

وأغرب الغرائب، وأعجب العجائب، أن ساسة لبنان يدركون جيداً أن عدم تشكيل الحكومة بالسرعة الأقصى، هو إنهيار البلد بأقصى سرعة.

ومع ذلك، فسمعان ليس على السمع. ولا أحد يرى كيف تحولت الطبقة السياسية إلى طبقات إسفنجية امتصت أحواض لبنان الإقتصادية، وتركتها فارغة إلا من الطحالب الكريهة والأعشاب المسممة.

هذا يعني أن الوطن يحتاج إلى حكومة الآن… لا بعد فوات الأوان. خصوصاً وأنه لا مفر في النهاية من إغلاق مصانع “العقد”. حيث لا فكاك من التلاقي ولو مكرهين. ومن التعاون ولو مرغمين.

لم يعد بمقدور لبنان الوقوف في محطات الإنتظار. فحتى “سيدر”، الذي يشكل آخر أحلام النجاة، هو مهدد أيضاً بالغرق في مجاري بلد المجارير، إذا لم يبادر ضمير أهل السياسة إلى الإستيقاظ قبل أن تستيقظ الكوارث المدمرة. فالتصريحات المتفائلة لن تمنع البناء المنحرف من الإنهيار، ولا يمكنها أن تشكل دعائم الخلود.

يعلم الذي رحّل تشكيل الحكومة إلى قيام الساعة، أن ساعة تأليفها آتية لا ريب فيها. وأن تعطيلها يعتبر جريمة وطنية، سيحاسب عليها الشعب قبل أن يتولاها الله يوم الحساب.

صحيح أن لبنان، لأكثر من خمسين سنة، عاش على عرش إزدهار إقتصادي، ما كان ممكناً لولا أزمات الغير.

بدأ الإزدهار بنكبة فلسطين، التي أدخلت إلى لبنان الكثير من أموال أثرياء فلسطين. وانتعش الإزدهار بثروات هائلة فرّت من إشتراكية مصر وسوريا والعراق. وأصبح لبنان سويسرا الشرق بإدارته أموال نفط الخليج في الخمسينات والستينات.

هذا كان يا مكان.

اليوم استعادت السلطة الفلسطينية مستثمريها وأموالها. والإشتراكية خرجت ولم تعد. وصار للخليج عباقرته في الإقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والمصارف.

لم تعد هناك مصائب قوم لتصبح عند قومنا فوائد. حتى ما ابتكر مجدداً من تدفق أموال الممانعة الإيرانية. فهو تدفق تحكمه العقوبات الأميركية بالتراجع… وربما إلى حد الزوال.

لا يبقى لما يمكن إنقاذه، سوى قيام حكومة وطنية الإتجاه، لا حكومة وحدة وطنية بعدة إتجاهات.

هل هذا ممكن؟

ممكن فقط عندما يتواضع المتمكن ويكف عن الحكم غير المباشر… والتحكم المباشر. 

وليد الحسيني

وسام المقابر

walidلن يغفر الله لنا إذا نسينا أن في ميلاد السيد المسيح، كان الميلاد الأول للإنسانية.

لكننا نسينا، وبالغنا في النسيان.

إن الأعداد المتنامية لجياع العرب، تجعلنا نرتعش خوفاً من نهاية مأساوية لإنسانية تغمض عيونها عن صور مزلزلة لأطفال، تحولت أرجلهم إلى ما يشبه الحبال. وأيديهم إلى خيوط مهترئة. وعيونهم إلى مغارات غائرة.

ليس سهلاً أن ينخر الذباب العظم الحي، المغلف بالجلد المتقرح.

ليس سهلاً أن يطبق الصمت على الأفواه الرضيعة، التي أصبحت أضعف من أن تبكي.

ليس سهلاً أن يفرّغ رجل، ما بقي لديه من طاقة، بحفر قبر لنفسه، بانتظار نفسه الأخير.

وسط ذهول مخيف، مما تحمله وكالات الأنباء من أخبار وصور، لأشباح من أهلنا في اليمن والعراق وسوريا وليبيا والسودان، يصح السؤال عما إذا كانت الإنسانية بعدها على قيد الحياة. وأن ثمة مؤمنين يؤمنون بها داخل الأديان. وأن الدول الغربية ما زالت تقيم وزناً لـ “قيمها الفاضلة”… أو ما بقي من فضلاتها.

لقد انهمرت دموع الملايين من شعوبنا المنكوبة، بغزارة لم تعرفها أكثر مواسم الشتاء مطراً. وكبرت المآسي إلى أن أصبح الموت، هو الدواء المجاني الوحيد المتاح، الذي ينقذ من الأمراض والجوع والذل والإذلال.

ألا يدرك القادرون من أثرياء العرب، أن بمقدور هؤلاء الجياع، منح كل هؤلاء الأثرياء، “وسام المقابر” من الدرجة الأولى، لو قاموا بحفر المدافن، لمواطنين انحصرت أكبر طموحاتهم بالحصول على قبر في مقبرة.

لا نعتب على الجثث العربية الحية، إذا انطفأت أحلام أصحابها بالنجاة من حروبنا الأهلية، المؤهلة للإستمرار والتمدد من دولة إلى دولة. العتب على أولئك، الذين لم يقصروا في إشادة القصور، والذين لهم في مراحيضهم الذهبية قدوة حسنة لتكريم مؤخراتهم السامية.

ترى لماذا لا يتم تأكيد “الأخوة العربية” بأن يقوم رجال المال والأعمال العرب، بدفن الموتى من  الجوع والأمراض، والذين لا يملكون ثمن القبر، تحت أساسات قصورهم واستراحاتهم.

ألا يعلم هؤلاء أن الله بذلك، يكون قد أتم عليهم نعمته ورضي لهم بالإسلام دينا.

أليس بذلك إخفاء لمعالم جرائم الفقر والإبادة، في أمة لا تتوانى دولها عن شراء الأسلحة بمليارات الدولارات سنوياً، على طريقة هواة جمع الطوابع البريدية القديمة.

من وجع اليمن وسوريا والعراق وليبيا والسودان، يمكن القول أن الحالة العربية دامية، رغم أن لا دماء في ما بقي من أجساد عظمية جافة.

إنه الموت باليباس الإنساني… فهل يحيي الله الإنسانية… وهي اليوم رميم؟.

وليد الحسيني

“الإسفنجة” عقدة العقد

walidمن المستبعد إستبعاد العامل الخارجي عن أسباب تعطيل تشكيل الحكومة. فالحديث عن القرار اللبناني المستقل هراء قديم، كشفه الزمن منذ أزمنة. فلا فارس بيننا، إلا ولفرسه مربط خارج لبنان.

جميعنا، من شعب وزعامات وأحزاب وتيارات، يذهب في النهاية إلى “بيت الطاعة”.

يقول التاريخ أن “بيوت الطاعة” كانت في باريس لأهل اليمين. وفي موسكو لأهل اليسار. وفي القاهرة لأهل العروبة. وفي الرياض لأهل الإعتدال.

ويذكر التاريخ أن بيوت موسكو والقاهرة أقفرت من ساكنيها، بعد أن نزح فريق من اللبنانيين إلى “بيوت طاعة” أقيمت في طهران ودمشق.

يسوقنا هذا إلى الإعتراف بأن تعطيل تشكيل الحكومة يرجع لتعليمات خارجية حتى ولو أجمع الجميع على النفي.

لكن من هي الدولة المعطّلة؟… وهل يكفي إتهام السعودية، لإخفاء الآمر الناهي الحقيقي؟

عند التدقيق، تقول الأرقام أن أصدقاء السعودية هم أقلية برلمانية. وهي مهما عطّلت، فلن تحصل سوى على ثلث معطل، أو أكثر بقليل. والواقعية تفرض عليها القبول بالمقسوم. فثلث معطل بوجود الحريري، أفضل من أن تخسره بخروجه.

في دفتر الحسابات المضادة، تقول الأرقام أن حلفاء إيران يشكلون أكثرية نيابية. وأن بمقدور هذه الأكثرية الوصول إلى حكومة مغلقة، تقرر ما تقرره طهران.

والطريق إلى حكومة محررة تماماً من المعارضة، يبدأ بالتعطيل، لينتهي إلى حكومة بلا شريك. مما يسهل على لبنان التحايل على العقوبات الأميركية من دون تعطيل، وكذلك فتح المعبر الرسمي إلى سوريا عبر معبر نصيب من دون إعتراض.

وتحقيقاً لغواية هذه الغاية، تم إختراع العقد بالجملة.

عقدة مسيحية. عقدة درزية. عقدة سنية.

لكن ألا يلاحظ اللبناني، أن كل هذه العقد ما كانت لتكون، لولا “عقدة الإسفنجة” التي تريد أن تمتص حصص الآخرين.

ألا يلاحظ اللبناني، أنه كلما نجح الحريري في انتزاع تنازلات تقود إلى تسوية ما، غطست “الإسفنجة” وامتصت المياه النقية من الحوض الحكومي الموعود، ليعود لبنان إلى الخيبة والقلق والخوف.

وما لا تدركه “الإسفنجة” أنها بذلك تمتص قوة “العهد القوي”.

وما لا تدركه “الإسفنجة”، استحالة إستصدار حصر إرث الميثاق الوطني بـ “الإسفنجة” مهما كبر حجمها، وكذلك استحالة إستصدار بدل عن ضائع عن دستور الطائف، فيه من التزوير ما يعيد للرئيس صلاحيات سادت ثم بادت.

وما لا تدركه “الإسفنجة” أن لبنان جمهورية لا إمبراطورية… وأن الخطيئة لا يمكن أن تكون صواباً.

وأخطر ما لا تدركه “الإسفنجة” أنها وهي تحاول أن تمتص كل شيء… قد تمتص ميكروبات قاتلة.

                وليد الحسيني

كنز الإرهاب

walidإنحصرت “لعبة الأمم” بين لاعبين: أميركي وروسي.

فقد هبط عليهما “كنز الإرهاب” لتقاسم النفوذ.

ولكل منهما طريقته الخاصة في إثارة الجروح، التي يزعم أنه يعمل لشفائها.

عدالتهما أبشع أشكال الظلم. وحيادهما أسوأ أنواع الإنحياز.

ها هي دماؤنا تضيع على طريق السعي عبرهما إلى الإستقرار والقضاء على ما نعانيه من فوضى وإرهاب.

نوزع بيضنا الهش في سلتيهما… وننتظر بلا جدوى أن يَسْلم البيض من التكسير.

لقد تمكن اللاعبان من مسح إرهاب إسرائيل من ذاكرتنا الشعبية والرسمية، وأقنعا الأمة العربية، من محيطها إلى خليجها، بأن بضعة آلاف من الدواعش والنصرة هي التي تهدد الأمن العربي ومصير المنطقة.

إن مجمل التفاهمات الواقعية بين أميركا وروسيا، وما يجري بينهما من تنسيق سري في الموضوع السوري، نرى أنه لم يقدم شيئاً إلا لإسرائيل بتحصين أمنها ومطامحها.

حتى الشياطين لا تملك هذا القدر من الغدر. فها نحن نقع بين فكي كماشة، يشترك في صناعتها الروسي والأميركي. وها هي بلادنا تتحول من دول إلى مجموعة قواعد عسكرية لهذا الطرف وذاك. وليست مصادفة أن يشرع الكنيست الإسرائيلي قانونه العنصري فور إطمئنانه على أمن وأمان حدوده المغتصبة من سوريا.

مأساتنا مزدوجة. فمن حيث الشكل، الأميركي حليف لبعضنا، والروسي حليف لبعضنا الآخر. ومن حيث المضمون، فإن الحليفين المزعومين، حليفان بالمطلق لإسرائيل.

علينا أن نملك شجاعة القراءة لهذه التفاهمات، التي تبدو غامضة، وهي في غاية الوضوح.

اللاعبان، إياهما، يلعبان في ساحاتنا لعبة المصالح الكبرى.

إشعال اليمن لإشغال السعودية.

تعطيل العراق بالفتن المذهبية.

إغراق سوريا بدمائها.

تحويل حماس إلى سكين تفصل رأس غزة عن جسمها الفلسطيني.

عزل مصر وتحويلها من طرف إلى وسيط.

لقد وفرت روسيا وأميركا، ويمكن بعد تردد، أن نضيف إليهما إيران، مناخاً مناسباً لتمدد معدة إسرائيل الجغرافية في أرض فلسطين.

فقانونها العنصري، الذي أدانت البشرية نظيره الجنوب أفريقي في زمن مضى، هو نفسه يمر اليوم من دون إدانات. بل توفّر له ظروف النجاح والتنفيذ من خلال ظروف “الربيع العربي” ونتائجه القاتلة.

لا شك في أن هذا القانون، الذي ينأى بالفلسطيني عن حقوقه الإنسانية والسياسية، يأتي ممهداً ومكملاً لصفقة القرن، أو صفعة القرن، التي يعدها الرئيس ترامب. فالقانون سيمنح الصفقة شرعية، والصفقة ستمنح القانون قوة تنفيذية.

وليس من قبيل الشك، بل علم اليقين، بأن روسيا مطلعة على التفاصيل، وضالعة بالإعداد. وأن ذلك تم في قمة هلسنكي، وفي لقاءات بوتين ونتنياهو المفعمة بالتفاهمات.

يتم كل هذا بعد أن نضجت مرحلة الإستسلام الكبيرة… وبعد أن ألغينا مقولة “الحياة وقفة عز”… لأننا أصبحنا أمة لا تقوى على الوقوف.

 

وليد الحسيني

أين الثورة؟

walidالمنافسة محتدمة على لقب “أم النكبات”.

فلسطين تعتبره حقاً تاريخياً لها.

وسوريا تعتبره إنجازاً، وصل بها إلى أن تكون فتيلاً لشبه حرب عالمية، بعد أن استوطنت فيها جيوش روسيا وتركيا وإيران، وأغار عليها حلفاء كبار. فهي اليوم مركز صراع القوى العظمى في العالم. ولا أحد بمقدوره التنبؤ بالمصير الذي يمكن أن ينتج عن مواجهات العناد والحماقة بين بوتين وترامب.

والعراق الذي غزته أميركا تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل، تحقق فيه الدمار الشامل دولةً ومدناً وشعباً. فسجّل بذلك نقاطاً كارثية تدخله عن جدارة في سباق “أم النكبات”.

واليمن يكاد يتحول إلى “وطن المقابر”، بعد أن فتكت به الحوثية والمجاعات والأمراض. وهذا يعني أن المؤرخين سيقبلون، مرغمين، ترشيحه إلى لقب “أم النكبات”.

وإلى أن يحسم أمر هذا اللقب المخيف، تبقى فلسطين النكبة الأم.

فهي منكوبة بجرائم إسرائيل التي لا تتوقف. ومع ذلك لا بد من أن يقال ما لا يسمح بأن يقال … وإن أغضب ذلك “الممانعين”.

نقول، لا يمكن التمادي بالاستشهاد المجاني.

إن ما حصل وقد يحصل منه المزيد، بدءاً من يوم الأرض، وصولاً إلى “جمعة العودة”، هو مأساة من صناعة فلسطينية. فحب الظهور على “ظهور الشهداء” يشكل مسرحية دموية، يحافظ فيها أبطال الخشبة على نجوميتهم، في حين يتغيّر دور الجمهور من مشاهد … إلى شهيد.

حصيلة ثلاث جمع عشرات الشهداء وآلاف الجرحى.

تباهى المحرضون بالأرقام … وانتظروا بغباء تاريخي أن تصب لعنات الرأي العام العالمي على إسرائيل. وأن يغضب مجلس الأمن فيصدر قراراً “نافذاً” ضد إسرائيل.

تناول المحرضون قهوة الصباح. تصفحوا الصحافة العالمية. تابعوا نشرات التلفزيونات.

الأخبار روتينية. مسيرات العودة والشهداء والجرحى لا يثيرون اهتماماً دولياً ولا استنكاراً شعبياً.

أكثر من سبعين سنة مضت، إرتكب خلالها العدو مجازر لا تحصى. وكانت أشد فظاعة ووحشية. ولكن جميعها مر تحت مبرر “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

لم يعد من الجائز التشجيع على الاستشهاد المجاني في انتظار لفت الأنظار.

الثورة لا تكون بتحويلها إلى احتفالية دموية.

يوم كانت، كانت “ثورة … ثورة حتى النصر”. فلا النصر أتى ولا الثورة استمرت.

سقط في أوسلو “الكفاح المسلح”. وسقطت في غزة وحدة السلاح.

حتى الأنفاق “الغزاوية” أصبحت ممراً سرياً لتنقل السلع والتجار، لا لنقل السلاح والمقاتلين.

إلى أن يكتشف المحرضون الثورة مرة أخرى، عليهم أن يتوقفوا عن دفع الأبرياء والسذج إلى الاستشهاد العبثي.

ضحايا مسيرات العودة ثوار حقيقيون … لكن نسأل “فتح” و”حماس” وغيرهما: أين الثورة؟

وليد الحسيني