عمر البشير!؟

walidيصف نفسه بالديمقراطي. ويصفه الشعب بالديكتاتور.

يزعم عمر البشير في خطابه الأخير، أنه فتح أبوب الديمقراطية على الواسع.

تذاكى، فطالب بتأجيل، لا إلغاء، تعديل الدستور، الذي تسد مواده عليه طريق الخلود في رئاسة السودان.

لا شيء يمنعه من انتظار مرور العاصفة الشعبية الغاضبة. فإن لم يأت التعديل اليوم، فإن غداً لناظره قريب.

وفي الخطاب نفسه، أعلن حالة الطوارئ، ليواجه، بصلاحياتها، أي طارق للحرية يدق أبواب القصر الجمهوري.

أغدق الوعود على الشباب. وأبدى حرصاً غير مسبوق على مشاركتهم الفعلية في الحكم. وبعد ساعات من الخطاب، الذي حاول فيه خطب ود الجيل الصاعد، وزّع المناصب على المسنين من كبار خدم البلاط الرئاسي. فهو يعمد، منذ أن مكّنه “الإسلام السياسي” من الحكم، إلى اختيار المسؤولين بمعايير التبعية.

إستقال من رئاسة الحزب الحاكم… وبقي هو الحاكم.

عمر البشير، الذي ازدهرت في عهده صراعات القبائل والأعراق، قرر سلوك دروب الديمقراطية، بعد أن أوكل شروطها لشرطته.

لم يكذب، عندما لقن شعبه بأن التغيير الديمقراطي يكون عبر صناديق الإقتراع. فلينتخب السوداني من يشاء، حتى ولو كان “معارضاً شريراً”. وليملأ الشعب صناديق الإقتراع تحت أعين المراقبين الدوليين.

سيوفر البشير للمشككين كل أشكال النزاهة والشفافية. فبالنتيجة للشعب صناديقه، ولحكومته صناديقها.

والأهم، أن لهم حق الإقتراع. وله حق الفرز. وإذا كان الماء يكذب الغطاس، فإن الفرز سيكذب الناس.

إن سمرته الداكنة لم تمنع وجهه من التلون.

هو إسلامي متطرف، إلى حد احتضان أسامة بن لادن، الذي أقام في حمايته زمناً. وعندما حان “بيع الأوراق” طلب منه الخروج، فخرج إلى أفغانستان ليبدأ من هناك افتتاح أكبر مصانع الإرهاب في التاريخ الحديث.

وهو ثوري جرئ يمنح حق اللجوء لـ “كارلوس” ولـ “أبو نضال”. وفي سوق “بيع الأوراق” نفسها، سلم “كارلوس” إلى فرنسا، وطرد “أبو نضال” إلى العراق لينتهي مقتولاً.

وهو قومي، يعقد وحدة مع ليبيا، وفي سوق تداول “بيع الأوراق” يتنصل منها كشعرة التصقت خطأ بعجينة العروبة.

هو سعودي الهوى، ينضم إلى دول التحالف في اليمن، وإيراني المصالح، حتى ولو أدت به إلى صنعاء حليفاً ضد التحالف.

يسعى إلى رضى الولايات المتحدة بكل الوسائل، ولا يترك وسيلة لإثبات التزامه بالتوجيهات الروسية.

لم يحفظ وحدة السودان، فخرج جنوبه إلى غير رجعة. وما زالت دارفور تأكلها نيران الحرب الأهلية.

لم يبن سداً على النيل العظيم.

لم يصلح أرضاً للزراعة.

بنى مجتمعاً معقداً. فالمرأة التي تلبس “الجينز” تجلد مئة جلدة. والمعارض عليه أن يختار بين السجن أو الفرار إلى الخارج. ولا صوت للإعلام والإعلاميين سوى صوت التطبيل والتزمير لحكمته في الحكم.

لقد شارك، وهو المتنقل البارع بين المواقف المتناقضة، في صناعة “الربيع العربي” في كل من مصر وليبيا. وها هو الربيع يأتيه غاضباً يكاد من القهر أن يتكلمَ.

إنه عمر البشير… فأبشر يا شعب السودان.

وليد الحسيني

ديمقراطية لبنان… هجرة أم تهجير؟

walidلم تعد أرض لبنان صالحة لزراعة الديمقراطية. فالأرض التي كانت تحرث بمحراث الدستور، أصبحت تحرث بمحراث السلاح والتهديد… وهناك أسباب أخرى كثيرة منها:

  • “دودة المذهبية”، التي تنهش ثمار الديمقراطية قبل أن تنضج.
  • “الأمية”، التي تظهر فجأة على أصحاب النفوذ، فقط عند تهجئة نصوص الدستور. مع أنهم من بلد يزعم أنه الوطن الأول للأبجدية.
  • “الوطنية”، التي كثيراً ما تتنقل بين الداخل والخارج.
  • “الواسطة”، التي تعتمد نظرية “الأقربون أولى بالمشاريع والوظيفة”.
  • “الفساد”، الذي يحلل الحرام… ويحرم القانون.

إذاً، من حق الديمقراطية أن تتعب، وتهاجر من لبنان. تماماً كما يهاجر اللبنانيون منه. فلا خبز لها ولهم في هذا البلد، الذي لم يبق فيه من الحريات سوى حرية المنع بقوة “الممانعة” ورفع “الأصبع”. وكذلك حرية إلقاء التهم جذافاً. تضاف إلى ذلك حرية تقاسم الصفقات… وشفط المال العام.

من حقها أن تهرب بجلدها. فلبنان لم يعد مسقط رأسها العربي، كما كانت تعتقد شعوب الدول العربية أيام زمان.

لم تعد النصوص تحميها من لصوص الدستور والقوانين. فهي أسيرة بدعة “المكونات”. فأي مكون مذهبي يستطيع منفرداً إعتقالها في زنزانة منفردة.

وهي إذا نجت من مصيدة “المكونات” علقت بـ “الديمقراطية التوافقية”، في بلد لا يعرف التوافق ولا يحترم الإتفاقات.

لا شك أن الديمقراطية في لبنان تعيش محنة، لا تعيشها حتى في أعتى الدول ديكتاتورية.

لا يوجد لبناني لا يدعي حبها، إلى درجة العشق الإلهي. ومع ذلك لا أحد يقبل استقبالها في بيته أو حزبه أو مذهبه.

بعد هذا، من العبث البحث والتحري عن الديمقراطية في لبنان. حيث لا ندري إذا ما تم تهجيرها قسراً، أم أنها هاجرت بإرادتها، إلى بلاد لا تعرف قوانين انتخابية، تنتسب زوراً إلى “النسبية”. ولا تعرف هرطقة حكومات الوحدة الوطنية، التي يختلط فيها الماء والنار. فيتم توزير من دب موالياً، ومن هب بسلاحه معارضاً ومعترضاً. ومن نهب فوُهِب، ومن شب على الوصولية… فوصل.

الأكيد أن الديمقراطية خرجت من لبنان.

لقد راحت وأراحت.

الآن برحيلها يستطيع حزب الله فرض “الرضوخ”.

الآن يصبح السنة سادة لبنان، إذ يكفي “ستة” منهم لتحديد مصير البلد… ولتحديد أي كارثة يختارونها له.

الآن يمكن اعتبار “تفاهم مار مخايل” بديلاً عن تفاهم الطائف.

الآن لا شيء يمنع من أن يتحول لبنان إلى رئة إيرانية، تساعد على مرور الهواء إلى طهران، عندما يشتد خناق العقوبات الأميركية.

الآن لا حاكم ولا حكومة… فالجميع محكوم بالخضوع للقوة والقوي… ففي ظل نظام الفوضى فإن الأقوياء هم من يحكمون.

ترى هل تعود الديمقراطية من غربتها؟.

نأمل أن يشملها “قانون باسيل” في إعادة منح الجنسية للمغتربين… فهي أيضاً من أصول لبنانية.

وليد الحسيني

إيه ولاّ إيه ولاّ إيه؟

walidيوم صدرت جريدة النهار بالحبر الأبيض، تذكرت نكتة تقول أن الشرطة ألقت القبض على مواطن يوزع أوراقاً بيضاء. وفي التحقيق إعترف بأنها مناشير ضد الدولة. سخر المحقق منه قائلاً: لكنها بيضاء بلا كتابة. أجابه بمرارة: حاكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

وها نحن، مثل هذا المواطن الحائر، نسأل أنفسنا: نكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

هل نكتب عن الحكومة، التي ما زالت معتقلة في سجن “باستيل الباسيل”؟.

أم عن الإقتصاد الذي يحتضر بانتظار حضور عزارئيل شخصياً؟.

أم عن قرارات “مؤتمر سيدر”، التي انقطعت فيها الطرق إلى لبنان. وتكاد تتبخر أموالها بسبب إرتفاع حرارة الخلافات السياسية وبلوغها درجة الغليان؟.

أم عن الدستور، الذي لا تتناوله الزعامات خوفاً من “مواده الدسمة”، التي تضر بالصحة التسلطية، وتتسبب بارتفاع الضغط؟.

أم عن العهد القوي، الذي يستعمل قوته في البلد، كما استعمل شمشون الجبار قوته في هدم أعمدة الهيكل؟.

أم عن التفاهمات التي ما ينفع اللبنانيين منها ذهب مع رياح المصالح، ولم يبق سوى التفاهم الذي يفرش السجاد “العجمي” إلى قصر بعبدا؟.

أم عن الكهرباء، التي جعلت من كلمة “التقنين” أكثر المفردات اللبنانية تداولاً؟.

أم عن كهرباء وزير الإقتصاد المصرّف للأعمال، والمتصرف بالقانون. فالقانون الذي يعتبر مولدات إشتراكات الكهرباء غير قانونية، اعتبر وزير “دولة المؤسسات” أن إقدام أصحاب المولدات على إزالة مخالفتهم للقانون، هي إزالة تخالف القانون… وتستحق العقوبة؟.

أم نكتب عن المقالع والكسارات، حيث بفضلها تم تمزيق ثوب لبنان الأخضر… وتكشّفت عورته، التي تكاد تشبه بعد قليل عورة الصحراء الكبرى في أفريقيا؟.

أم نكتب عن النفايات التي لا تغيب عن العين ولا تفارق الأنف؟.

أم عن الليطاني، الذي تحول من مصدر رزق للمزارعين، إلى مصدر رزق وفير للمستشفيات والأطباء والصيادلة… ومجالس التعزية؟.

أم نكتب عن الحريات، حيث بدأت مواقع التواصل الإجتماعي تزخر بمحققي مكتب المعلوماتية، الذين يطلبون من المغرد الإنتقال من “FOLLOW”  إلى “FOLLOW ME”؟.

أم عن الفساد والسرقات والعمولات والرشوة، وهي تشكل الطريق الأمثل للوظفية العامة، ولرسو الإلتزامات والمناقصات؟.

أم عن المرتشي الصغير، الذي يقبل بفتات المشاريع. ونعني الوطن، بالكاد يقبض عمولات من هذه الوزارة أو تلك، ليصرفها على ملذاته التافهة في التعليم والصحة والزراعة والصناعة والأشغال والنقل والإتصالات والطاقة؟.

وبما أن لا أحد فوق القانون، فإن الوطن هو المرتشي الوحيد، الذي تثبت عليه جريمة الرشوة. فهو لا يستطيع الهروب من التهمة بإنكار بناء جسر هنا أو حفر نفق هناك. فشهود الإثبات هم الجسور والأنفاق نفسها.

وأخيراً، ولأن مساحة المنشور لا تتسع لإضافات… يبقى في الوقائع، الكثير من الإيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه.

وليد الحسيني

حكاية لبنان

walidإقتحم المواطن القلق غرفة الأطباء صارخاً:

صارحوني. هل مات فعلاً؟

يقول طبيب محاولاً تهدئة المواطن المنهار:

لا. لم يمت بعد. لكن حالته سيئة جداً.

يرد المواطن متوسلاً:

أرجوكم افعلوا شيئاً لإنقاذه.

يحاول رئيس الأطباء طمأنة المواطن قائلاً:

لا تخف. فهذه ليست المرة الأولى التي يعاني فيها لبنان سكرة الموت. سبق وأنقذناه من حالات خطيرة كثيرة. كل ما نطلبه منك بعض الصبر.

يهدأ المواطن قليلاً. لكنه يعود إلى السؤال:

هل اكتشفتم مرضه؟

يجيب أحد الأطباء بتهكم:

مرضه؟! قل أمراضه. فهي لا تعد ولا تحصى.

يتملك القلق المواطن مجدداً. ومرة أخرى يسأل:

ممّ يعاني؟ أخبروني بحق السماء.

يتأفف طبيب المخدر مجيباً:

أوه… لا أدري من أين نبدأ.

يمسك المواطن بيد رئيس الأطباء مستعطفاً:

بالله عليكم صارحوني. فليس لي غيره. وعمري لا يسمح بالبحث عن وطن بديل.

يستجيب طبيب لطلب المواطن ويبدأ بسرد الأمراض:

مريضك يا عزيزي يشكو من فقدان المناعة. وهذا أدى إلى تراكم الأمراض واختلاطها. ولأنه لا يستطيع مقاومتها فقد استفحلت في جسده المتهالك.

يستغرب المواطن كلام الطبيب ويرد مستنكراً:

من أين أتيتم بهذا الهراء. فكل زعاماتنا وأحزابنا وتلفزيوناتنا وصحفنا تقول أنه وطن الصحة والعافية والجمال والقوة والإزدهار؟… هل نسيتم أنه سويسرا الشرق؟… إذاً، لماذا سويسرا لم تصب بأمراضه؟… لا شك أنكم أخطأتم توصيف المرض.

يفقد رئيس الأطباء صبره ويتوجه للمواطن بعصبية غير معهودة قائلاً:

إسمع أيها المغرور. أنت وأمثالك سبب كل هذه الأمراض الخطرة. لقد تسببتم له بذبحة دستورية عندما استعملت قياداتكم أوراق دستوره في الحمامات. وأنتم تسببتم له بفقر الدم الديمقراطي عندما أصبح السلاح غير الشرعي هو الحاكم والمتحكم. وأنتم من حولتم سيادته إلى سلع تستورد من الخارج. وأنتم من ذبحتم قوانينه كما تذبحون الخراف والأبقار لتنهشوا لحومها. ورجال أديانكم أصبحوا كفتيات الإعلان يثيرون “الفتنة”. وشبابكم تفرقوا كالبدو الرحل في أرجاء العالم بحثاً عن الماء والكلأ، وموظفوكم اختاروا الرشوة لسد جوع أطفالهم وتسديد أقساط مدارسهم. حتى عاصمته تم تقسيمها على عواصم دول القرار. وأنتم الذين اقتلعتم جباله الخضراء بالمقالع والكسارات… وأقمتم بديلاً عنها جبال النفايات.

خرج المواطن من المستشفى حزيناً محبطاً. انطلق بسيارته. صعد إلى الأرز. ألقى نظرة أخيرة. مسح دمعته. ثم اتجه بحراً إلى الشمال. لم يشم هناك رائحة زهر الليمون كالمعتاد. أمسك أنفه بأطراف أصابعه وغادر إلى الجنوب ودع أمكنة التاريخ في صيدا وصور. وحين وصل إلى بعلبك كان صوت فيروز قد غادرها. فلم يسمع سوى صوت الرصاص. عاد إلى بيروت. ذهب إلى صخرة الروشة واعتذر عن الإنتحار.

بعد أن أكمل رحلته في الوطن… انتقل إلى السرادق وجلس على الكرسي ينتظر وصول الزعماء ومواكب الثلاثين وزيراً… ليقدم لهم واجب العزاء بلبنان.

وليد الحسيني

عام 2014… الإتجاه نحو الأسوأ

1

ربَّ «عام» بكيت فيه فلما صرت في غيره بكيت عليه.

بهذا الكلام المثبت بالأحداث الدامية والسياحة المحرمة والإفلاسات المتزايدة، يودع لبنان العام 2013 ويستقبل العام 2014.

2

بشائر العام الجديد تحملها أسراب من «البوم» تقودنا الى الخراب وتؤكد لنا أن الآتي أعظم.

3

حكومة، إن ظهرت وسدت الفراغ، فهي معرضة لأن تقاومها المقاومة، ولو على طريقة 7 أيار. وهذا يعني أن الفراغ في السرايا سيرتد الى فراغ مخيف في الأمن والاستقرار.

4

ومن علامات العام الجديد عودة الإغتيالات والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة الى شوارع بيروت، وكل المدن اللبنانية، التي يرى الإرهاب أنها تساعد على تفجير الاستقرار وإشعال الفتنة.

5

الآن، وقد تحكم فينا العند والحقد، علينا أن نستعد في العام 2014، لحصاد الأيام الحمراء والسوداء، التي زرعتها الأعوام التي سبقت.

6

في هذه الأجواء المفعمة بالقلق والخوف، هل يصح أن يتبادل اللبنانيون التهنئة في العام 2014 بالجملة المعهودة «Happy New Year». أم أن عليهم استبدالها بأخرى أكثر واقعية مثل «كل عام وأنتم أسوأ حالاً»…

حتى ولو كانت في هذه «التهنئة السوداء» مبالغة في التفاؤل؟.

7

كما لم يكن اغتيال وسام الحسن نهاية الإغتيالات، فلن يكون اغتيال محمد شطح سوى نهاية لجرائم العام 2013، ليكون، بالتالي، بداية لجرائم العام 2014.

8

لقد تقطعت سبل الحوار وجفت منابعه. ولا أمل له بالحياة، إلا إذا تدفقت التعليمات من أولياء الخارج الى موالي الداخل. وهذا أمر مرتبط بأمور خارجة عن إرادة لبنان واللبنانيين.

9

ولأن الواقع هو هكذا، يصبح لبنان ملعباً مغرياً للإرهاب، الذي تصب عملياته في أغلب الأحيان، لمصلحة هذا الفريق أو ذاك.

10

ولا يكفي استنكار الأطراف اللبنانية المتخاصمة، ولا توزيعها مسكنات الإدانة على الشعب لمنع الكوارث الأمنية من التجول في لبنان واستهداف رجاله. فالأمن الذي يظهر عضلاته في فترات، هو نفسه الذي يتلقى الضربات الموجعة أحياناً ويفشل في ردها، ومن ثم، منع تكرارها.

11

إذاً، لم يكن اللبنانيون بحاجة الى ليلى عبد اللطيف أو ميشال حايك للتنبؤ لهم بعام جديد من التفجيرات والإغتيالات. وبالإذن منهما، فكل ما فعلاه أنهما فسرا الماء بالماء. فلبنان يعيش منذ اغتيال رفيق الحريري مناخات التهيئة لفتنة، قد تكون أبشع من الحرب الأهلية.

12

إذا استعرضنا فترات الاستقرار القصيرة التي عاشها لبنان، فسنرى أنها شكلية وهشة، وأنها ما تكاد تشكل طبقة من الرماد فوق نيران الفتنة، حتى تطير بقنبلة أو رصاصة قناص أو سيارة مفخخة.

13

هذا في الأمن، أما في السياسة فهناك تكمن الطامة الكبرى والخطر الأكبر. فالخلافات بين أهلها تتحول الى متاريس بين شوارعها.

14

حتى العلاقات القسرية، التي يفرضها «العيش المشترك»، قد انقطعت ولم يعد يستر انقطاعها أي شكل من أشكال الحد الأدنى من المجاملات المصطنعة.

15

إن من يقرأ ارتباطات الداخل بالخارج، ومن يقرأ الوضع الاقتصادي المتردي، ومن يقرأ رياح النار، التي تهب على لبنان من عواصف «الربيع العربي» عموماً، والكارثة السورية خصوصاً، من يقرأ كل هذا يدرك ببساطة أن لبنان يعيش حرباً أهلية مموهة، لا يحتاج إشهارها سوى انتظار ساعة الصفر… وهي آتية لا ريب فيها.

 16

بعد كل هذه الحقائق، هل يحق لنا بمناسبة حلول السنة الجديدة أن نخاطب بعضنا ونقول: كل عام وأنتم بخير؟.

وجهات نظر: الحوار

1

«الحوار» موضة عربية درجت وعمَّت.

بدأت في لبنان قبل سبع سنين. وها هي تطل مجدداً بإصرار من قصر بعبدا.

وها هي في سوريا تنتظر تأشيرة دخول إلى سويسرا.

وها هي تظهر وتختفي في مصر.

وها هي تنعقد وتتعقد وتحضر وتغيب في تونس.

وها هي في ليبيا توجه بطاقات للانعقاد لا تجد من يستلمها.

2

اللافت أن ظاهرة الحوار تنتشر في وقت تعطلت فيه لغة الكلام وسادت فيه لغات السواطير والمدافع والصواريخ والسيارات المفخخة.

3

الجميع على حق. المطالبون بالحوار والرافضون له.

هو مضيعة للوقت. ومناسبة للثرثرة. وهو أيضاً الباب الوحيد للتفاهم والنجاة من الغرق في بحر الدماء.

والحقيقة أن الحوار العربي، حيثما انعقد، لا يملك القدرة على نزع الصمغ الذي يلتصق بالمواقف المتطرفة الملتصقة بكل الأطراف.

4

ماذا ينفع الحوار إذا كانت الأفكار الإسمنتية قد أنجزت بناء جدارها الفاصل، الذي يمنع تفاهم الآخر مع الآخر؟.

إذاً لماذا يتحاور العرب وعلى ماذا؟.

لماذا وجميعهم لا حول ولا قوة له إلا بالخارج… ولا قرار له إلا من الخارج؟.

5

ترى أي التوكيلات يمكن اعتبارها نافذة؟.

توكيلات «ثوار» الربيع العربي وحكوماته لدول إقليمية وغربية؟… أم توكيلات هذه الدول لـ«ثوار» الربيع وما أنتج من حكومات؟.

المؤكد أن وكالاتهم الدولية لكم تمنعكم من التصرف، والثابت أن وكالاتكم لهم غير قابلة للعزل.

6

إذاً، ماذا ستفعلون أيها العرب حول طاولاتكم المستديرة، وقد استدرتم جميعاً وتوزعتم الجهات الأربع بمن جاوركم وبمن جار عليكم.

7

وعلى فرض التقيتم واتفقتم، وهذا لن يكون. وعلى فرض أنه كان، فجميعكم يملك مهارات التهرب، والتلاعب على الألفاظ، وابتكار التفسيرات المعطلة.

 8

أنتم لن تتحاوروا بألسنتكم. لقد نمت أنيابكم، وطالت أظفاركم، وتطاير الشر المستطير من عيونكم.

إذاً، لا حوار بينكم إلا بما ملكت أيمانكم من أسلحة القتل والتدمير.

العربية لم تعد لغتكم. والعروبة لم تعد تجمعكم. ولا يملك أي منكم مفتاحاً للحل سوى مفتاح حل رسائل الشيفرة التي تصلكم من قريب منكم وبعيد عنكم.

9

لا تضيعوا أوقاتكم الدامية في الحوار… فما زال في وطننا العربي من ينتظر حتفه… فلا تطيلوا عليه الانتظار.

حديث الشارع

لا نحتاج إلى أجهزة تنصّت لنكتشف الخفايا والخبايا … و”النوايا”.

الجميع عيونهم على قانون الستين … والجميع “يتفون” عليه.

الجميع مع التمديد، تحاشياً لمفاجآت الصناديق … وتوفيراً للإنفاق المالي، في زمن العسرة والندرة وانكماش “الكاش”.

الجميع يقدم التنازلات، ويستمر في تسلّق سلالم المطالب البديلة … والمستحيلة.

الجميع يبكي على حالتنا … ويضحك علينا.

الجميع مع النأي بالنفس … ويدفعنا إلى أن نفتدي سوريا بالروح والدم … والنفس.

الجميع ضد الجميع … والجميع يؤدي خدمة للجميع … فعلى أي جميع يجتمع اللبنانيون … وقد أجمعوا على الاختلاف؟

“شوارعي”

ننام في بيروت … فهل نستيقظ في مقاديشو؟

حقول الخلافات منتشرة في كل لبنان.  وغلال “الغل” وافرة.  وكل ما يحصل يبشّر بموسم كارثي مخيف.

نقترب من الخراب العظيم.  وجماهيرنا المتواجهة متأهبة للمواجهة.

قبل سنوات، دخلنا حرباً أهلية طويلة، لم تسقط من الذاكرة بعد.  وأدركنا في نهايتها، أنه إذا كانت الحروب عادةً تنتهي إلى منتصر ومهزوم، فإن الحرب الأهلية، دون غيرها، تنتهي دائماً إلى مهزومين فقط.  ومع ذلك، ها نحن نندفع إلى قمة التصعيد، استعداداً للإنزلاق إلى هاوية المأساة.  وكأن الاقتتال الداخلي هواية لبنانية، لا نستطيع، الإقلاع عنها.

كل ما في رؤوس قيادات البلد هو من الثوابت التي يستحيل التنازل عنها … إلا لبنان الذي يمكن أن يكون ثمناً سهلاً، مقابل أن لا تمس المصالح المذهبية، التي غالباً ما تتنكر بوجوه وطنية.

نحن اليوم أمام محاولة جديدة وجدية لانهيار الوطن.  فكل فريق يحمل عصيه ويضعها في دواليب الدولة، التي لم تعد قادرة على الحركة.

لا انتخابات، وبالتالي لا مجلس نيابي.  وإذا مدّد لنفسه فإن تمديده غير دستوري.

لا حكومة، لأن ثمة من لا يريد تشكيلها.  وإذا تشكّلت فهو متمسك بتعطيلها، عبر ثلثه المعطّل، الذي يعتبره شرطاً للتأليف.  وإذا تألفّت كأمر واقع، فوزراؤه لن يسلّموا مقراتهم لوزرائها … وفق ما سمعنا من تهديدات بفرض وضع اليد كأمر واقع على حكومة الأمر الواقع.

إننا أمام مرحلة لا مشرّع فيها ولا شرعية.  أما الذين يزعمون قدرتهم على التحكم بالأحداث وردات أفعالها، ربما كانوا لا يدركون أنهم عندما ينامون في بيروت، قد يستيقظون في مقاديشو.

إن أبواب لبنان مشرّعة للجنون، ومفتوحة على شوارع مجنونة.  أما الشرعيات، التي يفترض أن تحمي البلاد والعباد، فهي اليوم مضروبة بكاملها، وتتبادل الطعنات القاتلة.  فرئيس الجمهورية يطعن بتمديد النواب لأنفسهم.  ومجلس النواب يطعن بحكومة لن يسمح بولادتها، حتى على يد قابلة قانونية.

إنه بلد بلا ضوابط.  وهذا ما يجعل الوضع الآن أخطر مما كان عليه في الحرب الأهلية الماضية.  فقد كان للبنان في تلك الحرب ما يشبه الدولة، التي نحاول اليوم أن نلغي كل شرعياتها، لتصبح الفوضى الشرعية الوحيدة.

وإذا أضفنا إلى انقساماتنا حول حكم لبنان، انقساماتنا حول ما يحصل في سوريا، فلن يكون هناك مقر لإستقرار، ولا أمان لأمن، ولا وطن لوطني.

ومع ذلك نقول حمى الله لبنان.  ولكن ممن؟  هذا ما يريد أن يعرفه الله.

سامر الحسيني

حديث الشارع

392378_10151646876747990_851688728_nلو بحثنا عن زعيم للمرحلة العربية الراهنة، لن نجد سوى “الحمار”.

لقد ملأ سمعنا “النهيق” الديمقراطي.

وننظر في شوارعنا، فنجد أن الديمقراطية تتعرّض لـ”رفس” جماعي.

ونبحث عن العدالة، فنجد أن غالبية أهلنا يعيشون في “الزريبة”.

والشعب الذي يريد، تمكّن من إسقاط النظام، لكن “الربيع العربي” إستلم “العصا” ووضع الحرية في “الخرج”.

أليس “النهيق” و”الرفس” و”الزريبة” و”العصا” و”الخرج” من مواصفات الحمار ولوازمه؟

إذاً، يستحق الحمار الزعامة، ويستحق أن ننهق له: مات الزعيم … عاش الحمار.

“شوارعي”

لبنان… الوطن اللقيط

walidنحن الآن بلا حكومة، وكنا كذلك قبل أن تستقيل.

وبما تعودنا على سماعه، فإن حكامنا هم أبرع من يتحدث عن تمسكهم بالمؤسسات الدستورية. لكن، وبما تعودنا على رؤيته، فإنهم الأبرع في تعطيلها.

نبدأ من مؤسسة مجلس الوزراء، وهي السلطة التنفيذية، وفق وصفها الدستوري، فقد تمَّ تعطيلها بصراع المصالح وبدعة الثلث المعطل. وها هي بعد الاستقالة، تنتحل صفة تصريف الأعمال المقتصرة على صرف الأموال وفق القاعدة الإثني عشرية.

ننتقل الى مؤسسة مجلس النواب، وهي السلطة التشريعية، كما يقول الدستور، فهي معطلة منذ شهور طويلة، ويجري العمل على تطييرها، بالسعي المشبوه لعدم إجراء الانتخابات، مما سيؤدي حتماً الى فراغ تشريعي، يؤكده إصرار الرئيس على عدم التمديد للمجلس النيابي الحالي، لأنه مخالف للدستور، ولأنه يتعارض مع تفويض الشعب لنوابه المحدد بأربع سنوات.

أما السلطة القضائية، فهي شبه معطلة بفراغات لم تسمح حسابات السياسيين بملئها.

كل هذا يتم، ليسهم، بشكل ما، باكتمال أسباب ومسببات الفتنة، التي تبعث إلينا كل يوم بعلاماتها المخيفة.

الآن، ونحن نعيش مراحل انهيار الدولة، لا نملك سوى انتظار الأيام الحمراء والسوداء.

ويحضر هذا الخطر، مع احتضار الأمن، واشتعال سوريا التي نرتبط بها، بما لها من أعداء لدينا، وبما لديها من حلفاء عندنا.

وفي غياب الإطفائيات، وتكاثر النافخين بالنار، لن يتوقف الحريق السوري، ولن يأمن لبنان من امتداده، حتى ولو استمرت النعامة بدفن رأسها في الرمال، زاعمة أنها تنأى بنفسها عن النيران المشتعلة حولها.

ويحضر هذا الخطر أيضاً، وسط انقسامات لبنانية واحتفاليات كيل الاتهامات والسب والتشهير.

وعند البحث عما يمكن أن يطمئن اللبناني، نجد أن الجميع يتعاون على الفتنة، ولا أحد يتعاون على الاستقرار. خصوصاً بعد أن ضَيَّعت منازعاتنا حصر إرث الميثاق الوطني واتفاق الطائف. فلا أحد يملك اثبات نسبه لوراثة ميثاق الاستقلال أو اتفاق انهاء الحرب الأهلية.

لقد اختلطت أنساب هذا الوطن بين أم أميركية وأخرى تركية وثالثة إيرانية ورابعة قطرية وخامسة سورية وسادسة سعودية.

ومع هذا الخليط جفت عواطف الأمومة والإخوة. وأصبح الوطن لقيطاً، يتعامل معه الجميع على أنه إبن حرام.

ومن عجائب اللبناني وغرائبه، أنه بدل العمل على التهدئة والاستقرار، يفعل كل ما يزيد قلقه قلقاً، ومخاوفه خوفاً.

يعاند ذاكرته، فلا هو يسمح لها في تذكر مآسي الحرب الأهلية، ولا الذاكرة تجد في رأسه المغلق مكاناً لاستعادة الماضي الذهبي للبنان الزاخر بالحياة والبحبوحة.

نحن، بصراحة، مجتمع مشوه، رغم كل ما نشيعه من تحضر ومعرفة وثقافة.

نحن، بصراحة، ومهما تعصبنا للبنان فإن عصبيتنا المذهبية أبقى وأقوى.

نحن، بصراحة، شعب متآمر… على نفسه.

وليد الحسيني