المتنبيان

الفيتوري والأبنودي

الفيتوري والأبنودي

يرحل الشعراء ويبقى الشعر.

عبد الرحمن الأبنودي متنبي العامية. ومحمد الفيتوري متنبي الفصحى.

كان شيطان الشعر عند كل منهما هو أعظم شياطين شعراء هذا الزمن.

تمرد كلاهما على مدرسة الشعر البارد، التي حولت الشعر من إثارة وثورة، ومن صور ساحرة، ومن إيقاع موسيقي يصل مرحلة الطرب، إلى شعر تتحول فيه الندوات الشعرية الى قاعة تخضع جماهيرها للتنويم المغناطيسي. وإلى شعر تقدم فيه صور تتزاوج بين التعقيد والنمطية. وإلى شعر إيقاعة يقع في الرتابة والملل.

كانا متنبيين في الحضور والإلقاء وقوة السبك ومتانة المتن والعجز.

لم ينجرا الى الخلط بين الشعر والنثر. ولم ينحرفا في اتجاه كسر الوزن والقافية.

لقد ألهبا الجماهير وأسمعت أشعارهما من به صمم.

رحم الله الراحلين عبد الرحمن الأبنودي ومحمد الفيتوري.

كانا صديقين وصادقين في انحيازهما للناس والعامة.

حقاً رحل الشاعران وتيتم الشعر حتى ولو كان بيننا أكثر من ألف شاعر.

وليد الحسيني

نورا مرعي: أخوض الشعر والرواية والنقد بمقبض الطموح

الشاعرة اللبنانية نورا مرعي

الشاعرة اللبنانية نورا مرعي

غادة علي كلش:

المتابع لنهج الدكتورة الشابة اللبنانية نورا مرعي في التأليف الشعري والروائي والبحثي تستوقفه هذه البنية الإنتاجية الثلاثية الأطراف، فكل طرف يعادل بعمقه وجمالية أسلوبه الطرفين الآخرين، فما هو سرّ هذه السواسية المتميزة في كتابة البحث والشعر والرواية، وماذا عن روايتها الجديدة “ستحبينني يوما”؟

تقول نورا: كل طلقة لا تصيب لا تساوي شيئًا، وتلك المعادلة الصّعبة رأيتها من خلال ثلاثيتي في الشّعر والبحث والرّواية، لكل طرف من هذه الأطراف طلقته الّتي أصابت في مكان، وأدّت إلى شيء في مكان آخر، فلكل مجال طريقته الخاصة ودربه الّذي سرت عليه كي أحقّق ما أصبو إليه في التّعبير والكتابة وإنتاج ما سيصل إلى الجميع. بالنّسبة إلى مجال البحث الأكاديمي، فهو يتعلّق برغبتي في تحقيق حلمي في أن أكون متخصصة بمجال الأدب العربي لا سيما الرّمز في الشّعر العربي الحديث، وهذا الدّرب ساعدني، بل سهّل عليّ الدّخول إلى عالم الشّعر والتّعمق في ثناياه، وكان لي رؤاي الخاصة وكتاباتي في هذا المجال، بالإضافة إلى ما أقوم بكتابته يوميًّا والّذي صار يحمل طابعًا مغايرًا، ويميل حينًا إلى الغموض وحينًا آخر إلى السّهولة… أمّا مجال الرّواية، فذلك عالم آخر، من خلاله تمكّنت من الكتابة عن تلك الخلجات الدّاخلية والانكسارات المتكررة الّتي رغبت في أن تكون موضوعاتي، والّتي تجلّت منذ الرّواية الأولى ” هذا هو قدري”، والّتي كان موضوعها مختلفًا عن رواية ” ستحبينني يومًا” الّتي ولجت فيها عالم الحب الافتراضي والالكتروني، لأعالج موضوعًا كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة.

■ روايتك الجديدة “ستحبينني يومًا” تخوض في الحالة الإنعكاسية الجديدة لعالم التواصل الإلكتروني ولمفرداته النفسية والعاطفية والإجتماعية المريبة أحيانا، وتمتلك مفاتيح السرد الراقي والتصوير الوافي. هل يمكن القول إنّ عملك الروائي هذا هو المكشاف العميق لسريّة إجتماعية جديدة مستمدة من شبكة هذا التواصل ومن الفيس بوك تحديدا؟

– لا يمكن اعتبار أعمالي في مجال كتابة الرواية على أساس أنّها مستمدة من عالم الفيس بوك على الرّغم من تداخل بعض التّفاصيل مع هذا العالم الّذي شكّل نقلة نوعية على صعيد الاتصالات وإزالة الحواجز؛ ولكن عالم الرّواية يظلُّ المجال الرّحب لبثّ الأفكار والإضاءة على فلسفة المؤلف وعلى نظرته إلى الحياة وإلى قضايا الإنسان كما يفهمها وكما يريد للقارئ أن يقتنع بها! كلّ ذلك يجري على لسان أبطال الرّواية وعبر سلوكهم وحواراتهم ؛ من دون أن يكون المؤلف واضحَ الحضور في نسيج الرّواية.

■ أين يمكننا أن نتلمس تأثير الفيس بوك في روايتك (ستحبينني يوما)؟

– في فضاء الفيس بوك، الكثير من الأسرار الّتي صار يعيشها الجميع، وأسمع عنها في كلّ جلسة، ونتكلم بها في كلّ مكان…. وفكرة تلك الرّواية بالذّات استمدها خيالي في لحظة كنت أتكلم بهذا الموضوع مع صديقة لي تعرّضت لخيبة عشقية بسبب تلك المواقع، إذ لم تتمكن من كشف حقيقة حبيبها الّذي كان متزوّجًا إلا بعدما وقعت في فخ الحبّ… وكان أن فتح الحوار معها بابًا خياليًّا، فبدأت بسرد أحداثها، منها ما كان واقعيًّا ومنها ما كان غير واقعيّ، وفي الأحوال كلّها تمكّنت من نقل موضوع صار لا بدّ من إلقاء الضّوء عليه… حتّى لا يتبخّر فوق جدار السّراب… وحتّى يكون لهذا الصّراع الجديد في هذا العالم وجودٌ نبشّر به ونحاول إرشاد النّاس إلى ضرورة الانتباه في ظلّ عالم متحرّر، ومتفكّك في آنٍ معًا… والصّراع الّذي ولد في تلك الرّواية بين الحبّ والأخلاق، وبين بدايات العشق ونهاياته، هو صراع قاتل واقعي يعايشه الجميع، بحيث يصل كل إنسان إلى الضّياع إن لم يتمكّن من وضع النّقاط على الحروف، كي تغلب كفّة الأخلاق على سواها.

■ تقاربين في كتاباتك دلالات الغدروالألم في الحب،  والصبر في الكفاح، والتفوق في العلم. وهي دلالات موجودة في مرتكزاتنا. ما هوالصدى الذي يلاقيه قلمك عند المتلقي في مجتمعنا العربي؟

– عندما يكتب الكاتب رواية يكون ملزمًا بإتاحة الحرية لأبطالها بحيث تجري الأحداث على طبيعتها، ومهما كان موضوع الرّواية؛ فإنّها تتّخذ من الإنسان موضوعًا لها؛ وطالما أن الحديث عن الإنسان فلا بدَّ للرّواية من أن تتمحور حول عواطف الإنسان وميوله وأنماط سلوكه سواء في ذلك ما كان إيجابيًا وما كان منها سلبيًا؛ لذلك لم يكن غريبًا في أعمالي الرّوائية أن أتناول العواطف والميول الّتي أشرت َ إليها وذلك من أجل الإحاطة والموضوعية لا سيما وأن أبطال رواياتي حقيقيون؛ من هنا كان تقبّل القرّاء كثيفًا إلى درجة أنني وتلبية للإقبال سأكرّر الإصدارات طالما أن الجمهور من القرّاء يتابعني بهذا.

■ تخطى الشعر العربي منذ عقود الشعر الكلاسيكي، وانصهر في الشعر الحديث. ماذا عن الرواية العربية، فاليوم ثمة تقنيات حديثة في روايات الغرب،هل نجح الروائي العربي في مجاراتها برأيك؟

– اسمحي لي، وقبل أن أجيبك على سؤالكَ، بأن أوضّح فكرة ظلّت في نطاق التّداول منذ بداية القرن الماضي عن مفهوم الكلاسيكية، حيث يجري التّعاطي معها على أساس أنّها تمثّل القديم والأصيل، والصّحيح أنّ الكلاسيكية ترتكز إلى العقل وتتخذ موضوعاتها من الماضي. لذا، فإنّ النّتاج الشّعري العربي ومنذ القديم؛ لم يعرف الكلاسيكية كما عرفها الغرب بحيث ظلّ شعرنا غنائيًا وذاتيًا بمعنى آخر ظل أبعد ما يكون عن إنتاج المسرحية والملاحم والرّوايات، لذلك سنظل نلهث للحاق بالغرب وخاضعين لقوانينه النّقدية في كلّ مرة نريد أن نكتب ملحمة أو نؤلف مسرحية أو أن نكتب رواية، وقد توصل الكثير من كتاب الرواية عندنا إلى، ليس مجرد اللّحاق بالغرب، إنّما تجاوزه نحو الأحسن.

■ ما هو السبب أو الأسباب التي أوصلتنا الى هذا الوضع؟

– كانت قسوة البيئة وعدم استقرارها في جزيرة العرب تذكي حرارة المنافسة بين الشّعراء وتدفعهم للانكماش والتّقوقع حول الذّات، وكان التّكسّب بالشّعرعاملاً إضافيًا يميل بالشّاعر صوب ذاته ومن ثمّ يألفها ولا يرى لها مثيلاً لذلك، وربّما لأسباب أخرى صار شعرنا كما ترى ذاتيًا بمعظمه ما خلا بعض الشّوارد عند البحتري وبعض الأبيات الّتي ذهبت مذهب المثل عند المتنبي وغيره أمثال أبي العلاء المعري وابن الرومي.

■ هل تختصرالقصيدة التي تكتبينها روايتك. وهل تفيض روايتك بكل مااختصرته القصيدة. أم أنّ لديك ميكانيكية خاصة تفصل بين النتاجين على صعيد الغاية والخلاصة؟

– ما يصح في بناء الرواية لا يصحّ بالضّرورة في عالم الشّعر بالمطلق؛ وذلك أن الرّواية عمل كلاسيكي يرتكز إلى العقل، وربّما غلب على الكتابة مناخ رومنسي خلال الحوارات المنولوجات أو ما يقوله الرّاوي؛ فستظل الرواية محسوبة على الكلاسيكية وسيظلّ ارتباطها بالعقل وثيقًا. أمّا في حالات الشّعر فالأمر مختلف جدًا حيث يميل الشّعر إلى الغموض والرّواية تنزع إلى الوضوح؛ في عالم الرّواية عليّ أن اتوارى وراء الأحداث، أما وأنا مأخوذة بالشّعر فإني أصير أكثر التصاقًا بذاتي، في الرّواية يكون الآخرون وفي الشّعر أكون أنا.

■ هل أثرت بيئتك الثقافية والاجتماعية في ثقافتك العلمية والأدبية ، أم كان لمكوّنك الشخصي فرادة في درب الشّعر والأدب والفكر؟

– لقد كنت منذ الصّغر عاشقة الكتاب وعاشقة القراءة وتمكّنت من تكوين شخصية سارت في متون الكتب بمفردها أولاً وبدعم من أساتذتي لاحقًا، هذا كلّه أسهم في صقل شخصيتي الثّقافية والعلمية والأدبية. فقراءة جبران خليل جبران ومصطفى لطفي المنفلوطي وطه حسين وغيرهم… ومن ثم الانتقال إلى عالم الشّعر من خلال قراءة المتنبّي ونزار قبّاني ونازك الملائكة والسيّاب وأدونيس ودرويش وحاوي وغيرهم من الشّعراء الّذين تركوا أثرهم الخاص في كتاباتي وفي تحوّل كتاباتي من مجرد خواطر عادية إلى بنى متكاملة، عمدتها الغموض والإيحاء والرّمز. لذا، لا يمكن اعتبار أنّ عاملاً واحدًا هو الأساس في التأثير بكتاباتي، إنّما مجموعة عوامل أسهمت في ذلك، ولا يمكن أن ننسى أن الشّاعر ابن بيئته وبالتّالي فمن الطّبيعي أن يتأثر ببيئته الاجتماعية والثّقافية أيضًا.

جميلة الرضا: جدلت النهر وأحصيتُ سبع مرايا لسماء واحدة

غادة علي كلش:

تدهشك الشاعرة الطبيبة اللبنانية جميلة عبد رضا  بقصائدها المجدولة بباقات الياسمين،المنسابة إلى جداول الأرض،المتسللة بين هسيس العشب، والموصولة بأنغام العصافير. قصائدها  تغتني بالرهافة والتفكر، وتعتمد العاطفة والحب موئلا لها. عن ديوانها الأول: “أجدل نهرا كي لا أغرق”، وديوانها الثاني “سبع مرايا لسماء واحدة” الصادر حديثا،كان “للكفاح العربي” مع الشاعرة جميلة هذا الحوار:

■ يحملُ ديوانك  الشعريّ  الأول  “أجدلُ   نهرًا   كي  لا  أغرق”  ابتداء  من عنوانه  وانتهاءً  بخاتمته  صيغة   بنائية غنيّة  بمفردات  الطبيعة والبحر  والأصداف والموج  والغيمات والحب  والآهات. هل   شعرك   هو وليد   الغوص   في  أنهار  النفس والحياة  واللغة، علمًا أنك طبيبة   تتعاملين  مع   قوة  المقبض؟

– لم لا، من البديهيّ أنّ  التأثر  بالطبيعة  لا  يؤثر   بسلوكنا وقاموسنا  اللغويّ فقط، بل ولشدّة تأثرنا،نحن  نتآخى  مع  الطبيعة  ونقلّدها… ونتقمص أدوارها  أحيانا. ألا نذهب  بأسرارنا  إلى  الأشجار   نجالسها؟ وإلى  النهر  نوشوشه، وإلى  البحر  نرمي  أسرارنا فيه ونحاكيه ونتعلم السباحه ليس  من  أجله  بل  أيضًا  من  أجل  الغوص  في  ذواتنا  وهي  الأصعب؟ مع  تجربتي  الأولى، كان  عليّ  أن  أعنْوِن  كتابي وأعرّف  عن  هويتي  الجديدة  بعد  الطبّ. فذهبت  الى داخلي  وانتبهت إلى  انني. أكتبُ  كي: “أستردّ  أنهاري  من  صخرة  الضجر

  كي  أُهدي  الألم  قيثارة وخواتم  من  مطر…

  أكتبني  كي  لا  أغرق

  وجدلتُ  النهر  كي  لا  أغرق.”

 فنحن   حين  نبحث   عن  ملامحنا  الشاردة  أو  التائهة، قد  نفرّ  إلى  الطبيعة للتنفّس  لأننا  نتشابه  في   المرايا  والخبايا ، ولكننا  أيضَا  نبحث   عن  ذاتنا  في   الأعماق، وليس  فقط  فوق  المسام  والملامح. هو  البحث، ربما  عن  فسحة  الخلاص  والحياة.وأنا  حين  أعلنت  عن هويتي  الجديدة   تلبَسْتُ  النهر… كتابةً فجدلته    للخلاص.. خوفا  من  الغرق  والموت  المعنوي.

 فما بين  الشعر  والطبّ… هو الانسان. الشعر  فن  الحواس والطبّ علم الحواس  والجسد. الطبيب  هو  الأكثر  إدراكاً   للحسّ   وللحواس. ألم   يؤنْسن  الشاعر  الشعر؟  وما   المقبض  الا  سندان  المنطق  الذي  يتمسك  به  الطبيب  حين  يلمس  بحسّه  ومنْطِقه  آلام  الآخر.  فالطبيب لم  يكن  بالمرّة، محايدا   للألم   وللإحساس، بل هو يدخل  متطرفًا  في  مشاعره   كما   منطقيًا  في  وضع   نقاطه. يدخل  حياة  ألم  الآخر  في  العمق.

■ لكِ   مفردات في  متون قصائدك  تُذكرنا   بمهنة الغوّاص  الذي  يغنم   من  أعماق   البحر  بكنوز  خفيّة. هل  مرد ذلك   كونك إبنة  صور التاريخية  الساحرة.

– لي   منطقتان   في  هويتي. فأنا  بالمفهوم  الأوضح  إبنة صور  التاريخة  وحفيدة  أليسار وهنا  تعلمتُ. أمّا في النشأة الأولى  فأنا  إبنة  منطقة  العامرية  الساحلية التي  تمتد  من  صور  ساحلا  جنوبا  نحو  خط  الناقورة، وحنينًا  صوب  فلسطين… هي منطقة  ملازمة  لبساتين  الليمون  والأشجار  وشجر  الكينا  وعصافير  الدوري  والطيور.  هي  الجارة  للبحر أيضأ… ومتنفس  النوارس. هي  المشرفة  على  تلال  الزيتون  وذكريات الصنوبر.  فهذة   الطبيعة  حيث  نشأت  ومازلتُ  أعيشُ  فيها، جبلت  طبيعتي فأصبحت  مائية  هوائية  ترابية نارية.

ولا  أخجل  من أن  تلوّنني  مفردات  طبيعتي.  لكن  أقول  إنّ  الفن هو  قائم  في ذاته، فلا  النشأة  ولا  الأصول  تلد  شاعرًا  أوكاتبا  أو موسيقيا، إنما هي  تّهذب  روحه  وتصقل  سلوكياته.وإن  قلنا   نهفو الى  الطبيعة  فهي  خطوة… ولكنّ   الذهاب  إلى  الروح   وقراءتها  أصعب… قد  يكون   الذهاب  مشيًا، وقد  يكون سباحةً  وغوصا، وقد  يكون  تحليقا وهو الشامل  لرحلة  الذهاب  نحو  لغة  الجسد  والروح. وفي رأيي هو الأجمل.

 وأخيرًا، نعم، ربّما هو قاموسي  المائي المريّش  بلغة  الطير وطقطقة الأصداف.

■ تتهادى   الصور  الحسيّة   الرقيقة   والعميقة   في  ديوانك هذا   لتشكل   نمطا خاصاً   بك.  هل  في   بالك   هدف  الوصول    الى  مقام  ما  في   دنيا  الشعر؟

-لا  أعرف ما  هوية كتاباتي  رمزيةّ  حسيّة أم  مجازية. لا  أعلم  إلا   انها   توظيف  لعملية  الحواس. فعندما  أكتب لا  أدري   كيف  تكون الأمور باللاوعي  واللاإدراك.  أكتب  ولا  أعلم من الذي  يتهادى  أو  يقفز  ولكن  هي  حالة  لاواعية، وربما  تكون مرّة  موجة  ومرّة مركبًا.

لكنّ  ما  يقودني  إلى  الكتابة  هوالشغف  أولاً… وحالة ممزوجة  بالقلق  والطاقة  في الوقت ذاته.  هو صحو وتلاشٍ، خلاص  وغرق. كلّ  هذا  هو   التحليق  والتنفس.

نحن بداية  نقول: “نكتب لأنفسنا”، وأقول: “أكتبُ”  كي لا أغرق. و”نكتب”  حين  نلامس  أنفسنا  بالعمق   بثلج    الروح وجمره.

ولكنّ   الحقيقة  أنّنا  نكتب  حتى  نلامس  الآخر، نلامس  إحساسه،   قلبه  وعقله. ورّبما  نودّ  ملامسة الآخر  القابع  فينا. أين   نصل  أو أصل  لا  أعلم إن  كانت   كيمياء  الشعر توصل  إلى  أيّ   مقام.

■ تمزجين  المعاني   المضادة  والعناصر   المتعددة  في  مزيج ساحر   رومانسي كأنما  ثمة مخيلة   بيضاء  تشكلت معك منذ الصغر،هل  للطفولة  دور  في  تكوين   هذا  المزج؟

-أنا  الآن هو ذاك الطفل  الذي  كان. منذ  الطفولة تحدّد تقريبًا  هوية الانسان وشخصيتة وتبقى  الّذاكرة  والمخزون  العاطفي  شحنة المخيلة.

أنا، ومنذ  عمر مبكر، أحببت  القراءة… كانت  الهدايا  التي  تأتيني  كتبا. وكنت  أكتب  دندنات  هكذا سميتها  من  الصغر… إلى  أن  تعالى  صوتي  فاشتركت  في نشاطات  المدرسة  ومجلة  المدرسة  وشاركت  في  نشاطات  عامة… كنت  أحب  الشعر  وإلقاءه. أحبه وأحب الفن، لكنني  ما  استطعت  العزف  ولا  الرسم. من هنا لا أظن مخيلتي بيضاء… فقد كانت  مشاغبة ملونة  خجولة  شقية. كانت المزيج.  ولهذا  اشعر  بأنني  أمزج  الأضداد   حتى أصل  إلى  التجانس.

■ هل تحضّرين  لديوان جديد، وما هو تقييمك  لردّ  فعل  النقّاد والقرّاء  على  ديوانك  الأول؟

-نعم  لدي ديوان جديد ثان هو   ” سبع  مرايا   لسماء  واحدة”  صدر حديثا عن “دار  نلسن”  وسأوقعه في  “معرض بيروت  العربي الدولي للكتاب” مطلع هذا الاسبوع.

أما بالنسبة الى ديواني الأول فعندما يذهب  الكتاب  الى  القراء  أفقد  ملكيته  ويصبح  ملكا  لمن يقتنيه.لذلك أنا أحترمُ كلّ  رأي  وتفاعل  مع  النصّ، ثمة من أظهر تفاعله مع مختلف قصائد الديوان،منهم منْ يعرفني  شخصيا  ومنهم من لا  يعرف  جميلة.  كذلك الأمر بالنسبة الى النقّاد، فأنا أحترم  كل  رأي.  فالقارئ والناقد  والصحفي، لكل واحد  منهم  ذائقته الخاصة.  وهذه  الكيمياء،  كيمياء   الشعر  إمّا  أن  تصل  الى  القلب  أو لا  تصل  أبدا.

■ كيف   تصفين    خطوة   النشر   كطبيبة    تدخل  حديثا    في  خانة   احتراف  الكتابة  الشعرية؟

– أوّلا خطوة النشر  هي  قرار. كتبت  منذ  فترة  طويلة، وكل كتاباتي  احتفظت  بها   وبقيت  في  الجوارير.

الآن  أتى  قراري  بأن  اخطو  نحوالنشر  كأي  شخص  آخر  وصل   إلى هذه  القناعة.  ولا  اقول  انه  قرار  خال  من  القلق  والخوف  والتردد  أحيانا. إلا  أنه  تم كطبيبة  فانا  أولا  إنسان وأُعيد  القول  إنّ الفن  قائم  في  ذاته، ولا علاقة لا  للنشأة  ولا  للأصول  به. وطبعا  ككل  شخص   ينوي  الدخول  الى  هذا  الفضاء، بي  ما  بي  من  حالات  قلق اولا، ولكنني  أتمسك  بالهواء  بكل  ما  فيه. وأحاول  تثبيت  قدمي  على  التراب، والتمسك  بالطاقة  والشغف، شغف  الحياة  رغم  واقعنا  الشجيّ  والمتعب، وذلك كي  أستمر  في احتراف الكتابة  وأبقى  على  قيد  التنفس.

من ديوانها الجديد “سبع مرايا لسماء واحدة”:

“أعبرُ إليكَ بمرايا الروح

من وردي

سبعَ مراتٍ

وسبعَ مراتٍ من مرايا الرؤى

نحو الجهة السرِّية من رقمي

لأشهد أنك سمائي

الواحدة”.

حسين حسون: “توت النسوة” شجرة شِعر تتحدّى القتل المجّاني

:غادة علي كلش

يدخل الكاتب والصحافي اللبناني حسين حسون إمارة الشعر، مستريحا بعض الشيء من كاهل الكتابة  في السياسة وفي قضاياها العربية والدولية. يطل علينا بباكورة شعرية عنوانها” توت النسوة”. عن هذه الباكورة بما فيها وما لها من مناخ ودور وغاية، كان لـ”الكفاح العربي” مع الشاعر حسون هذا الحوار:

■ “توت النسوة” باكورتك الشعرية المتأخّرة قياسًا إلى رقميّة عمرك. والمتقدّمة قياسًا إلى خاصيّة شعرك. هل هي وليدة السرّ الكامن بين ما تأخّر وما تقدّم؟

 – صحيح أنّ كتابي “توت النسوة” جاء متأخّرًا بعض الشيء، فأنا قد أوليت الإهتمام بكتاباتي السياسية أكثر. إلاّ أنّ الشعر في رأيي لا يقاس بعدد أعوام العمر. الشعر مكنون داخلي قد ينطلق في أي زمن عمريّ معيّن. لذا أطلقت شعري هذا في باكورتي ليكون ردّا معاكسًا لهذا الزمن الرديء الذي نعيشه. زمن القتل والإجرام والجهل والظلم والدم. أردت أن أتحدّى هذا الزمن بالحب والسلام والغزل. فقصائدي هي تحدّ للموت المجّاني، وللواقع المزري الذي نعايشه اليوم.

■ عنوان ديوانك يحمل دلالة إيمائية خاصة. إلى أي مدى تتقاطع ثمار شجرة التوت مع غمار كينونة الأنثى في مملكة  حواس الرجل؟

– معروف في تاريخ اللغة تعبير نون النسوة الذي هو أحد مكنونات اللغة العربية. ولأنّ هذا التعبير شائع ومتداول كثيرًا في الكتابات المنشورة، إرتأيت أنْ ألعب على دلالة نون النسوة، فاخترت تعبير توت النسوة، سيما وأنّ شجرة التوت لها ولأوراقها أيضا مدلول تاريخي ومعان عديدة.  لقد إخترتها لكي أصبغ على المرأة ثمرة من ثمار الدنيا المحكي عنها تاريخيًا. فالمرأة هي الكينونة التي تملأ الحياة، لذلك أنا لا أعتبرها نصف الحياة، بل أعتبرها كلّ الحياة.

■ ثمة رموز أساسية تنهض عليها معظم قصائد الديوان، منها مرادفات الغرام في المنام والبوح والأسر والأطياف. ومنها أيضًا معادلات الغزل في الضوء والبصر والنهار والدُجى. هل تسعى إلى قصيدة غزلية بمنظار تصويري مضيء، وهل تسعى إلى إخراج المرأة من القصيدة الساكنة في العتمة، نحو القصيدة الثابتة في التوهج؟

-هذا ما  سعيت إليه بالفعل. فقد استخدمت لغة شعرية خارجة نوعًا ما عن المألوف. واستخدمت شكل النصوص القصيرة وكتبتها  بأسلوب خاص لإخراج المرأة في صورة تعبيرية جديدة ومفردات غير تقليدية،ودور مختلف التوصيف. ذلك أنّ الدور الذي تؤدّيه المرأة في الحياة هو دور أساسي ومهمّ. من هنا كتبت قصائدي في صيغة من الدهشة، ضمن قالب شعري مسكون بمفردات  هذه الدهشة وصورها وتعابيرها. فالنّص الشعري الذي لا يحمل إدهاشا لا يكون شعرا.  من هنا قدّمت في ديواني هذا صورًا شعرية مشعّة بالمرأة، وأظهرت كرامة خاصّة لكينونتها الجسدية والروحية على حد سواء.

■ تقبض في قصائدك على مفاتيح الأشياء التفصيلية. كالسرير والثياب ورصيد البنك والسجاد، وتصهرها في البوح الشعري بفنيّة عالية. هل تمارس بشعرك فنّ النحت بأدوات القصيدة؟

– سبق وكتبت عن مسألة النحت بالكلمات. هذه مقاربة جيدة وأنا أحب هذه المفردة. أجد نفسي أنحت صورة المرأة الشعرية بأدوات الوصف التفصيلي المتميز، أي غير التقليدي، أحفر دقائقها وأصف تفاصيلها بالأشياء التي ترافقها في يومياتها، كالسجاد والسرير والفستان. أتطرق إلى أشيائها التي تتلاءم مع كينونتها وجمالها وأسلوبها وطبعها وذوقها. أنا احتفل بكل شيء يخص المرأة. فالمرأة هي جنّتي على الأرض.

■ الحب في قصائدك هو حب واقعي أرقّ من حدّ الخيال، وهوحب خيالي أكثر من حدّ الواقع. أليس في ذلك مماهاة دقيقة تجعلك موجودًا بين الحدّيْن؟

-عندما نعيش حالة حب مع الحبيبة،فنحن نعيش هذا الحب في الخيال  كما نعيشه في الواقع. لكنّنا نسعى إلى تحويل ما نتخيله في حياتنا اليومية عن المرأة إلى واقع، ونحيل الواقع بالتالي إلى خيال يحرّك أحاسيسنا ومشاعرنا أكثر من حدّ الواقع ـ كما جاء في سؤالك ـ فالمُحِّب يهمّه أن لا يغرق في جمود الواقع، ويهمّه أنْ يحرّكه أحيانًا بخيال رقيق وجميل يضفي العذوبة على حالة الحب.

■ لديك كتاب عنوانه” اللبنانيون والهجرة” هل تعتقد أنّ هجرة اللبنانيين في مرحلتها الماضية، ومرحلتها الراهنة اليوم، أصبحت منقسمة بين زمنين: زمن الشمس وزمن اليأس؟

– نعم إنّ ما نعيشه اليوم شكّل ويشكّل حالة يأس عند اللبنانيين. فهناك يأس عام في لبنان يطاول كلّ اللبنانيين في ظلّ هذا الواقع العربي المرير الذي نشهده.  فلبنان هو جزء من هذا العالم العربي. من هنا اختلفت دوافع هجرة اللبناني اليوم عن هجرة آبائه بالأمس. فهجرة اللبنانيين في الماضي كانت من أجل العلم والتجارة والمال والأمل وتحقيق الأحلام الكبيرة. أمّا هجرته اليوم فقد أصبحت من أجل الحياة نفسها. اللبناني يهاجر اليوم من أجل أبسط مقوّمات الحياة، أي لكي يبقى على قيد الحياة.

■ هل ثمة خوف على مفهوم الهوية في ظلّ هذا النوع المخيف من أنواع الهجرة؟

-لا أعتقد أنّ ثمة خوف على مفهوم الهوية والإنتماء الوطني. فهذه الهجرة لا تتعلق بالمواطنة والإنتماء،بل تتعلق بالهروب من الموت المجاني الذي يخلو من أي قضية صغيرة كانت أم كبيرة. فحب الوطن يظل موجودا في قلب المهاجر. والمهاجر يفضّل أنْ يحبّ وطنه وهو حي،عن أن يموت في وطنه من أجل لا شيء. وهذه مرحلة ستكون عابرة،ولن تؤثر على علاقة اللبناني بهويته ولن تسلخه عنها.

الشاعر حسين حسونمقتطفات من ديوان “توت النسوة”:

“عندما تتصلين بي

يرنّ قلبي

وتتسابق كلّ حواسي

على الرد”

“تجمعنا لغة واحدة

أنت ممنوعة من صرفي

وأنا كلي نحوك”

“كنت مريضًا في الغرام

أغسل دمي كل شهر

مع إمراة جديدة

وحدها فئة حبك

ناسبت دمي… فشفيت”

سامية خليفة: الشعر جزيرة الأحلام

:غادة علي كلش

خطت الشاعرة اللبنانية سامية خليفة خطوتها الشعرية الأولى  في احتراف الشعر عبر نشر باكورتها الشعرية الأولى “هاتفني الحب” التي شكلت تجربة متميزة في البوح التعبيري واللغوي والتصويري المرهف. وهي اليوم تتحضّر لنشر ديوانها الثاني والتماس مواضع التطوير الجمالي في تجربتها الشعرية.

عن خطوتها الأولى هذه، وعن رؤيتها للآفاق الشعرية التي تصبو إليها كان لنا مع سامية هذا الحوار:

■ عنوان ديوانك الجديد. يحمل في مؤشراته معنى كلمة الهتاف. هل يمكن اعتبار المهاتفة المجازية بين الحب والإنسان، بطاقة دخول الى تعابير شعرية خاصة بسامية خليفة؟

– إنها المناجاة. أهاتف حبيبا، أهاتف أملا أصبو إليه. أهاتف نفسي وأسبر أغوارها. أهاتف الآخر لأتعرّف عليه أكثر. وأنا أكتب أشعاري، أكون في صومعة بعيدة قريبة… بعيدة عن كلّ ما يوقف استرسالات خيالي، وقريبة من نفسي ومن الآخر ومن الطبيعة. ورغم وجودي داخل أربعة جدران، إلاّ أنّني أكون محاطة برياحين وورود، بأمطار لا تتوقف زخّاتها لتعلمني في كلّ لحظة أنّ الإنسان هو من يحضن الحب وليس فقط أنّ الحبيب هو من يحضن الحبيب.

■ قصائد ديوانك تنضح بصور تعبيرية ومفردات تنقيبية لا تخلو من الرقة والعتاب. هل قصيدة الحب عندك هي وليدة تأمل، أم إحساس مرهف، أم إختمار لقراءات كثيرة في دنيا الشعر؟

– هي رحلتي مع القراءة المتعمقة منذ صغري. كان لديّ شغفٌ كبير في القراءة لأهم الكتّاب. وفي المرحلة الثانوية حزت في مسابقة أدبية المرتبة الثالثة على جميع مدارس ساحل لبنان الجنوبي أقامتها “جمعيّة حقوق المرأة” وكان موضوعها حول الطفولة. وحينما تزوجت، شجعني زوجي المغفور له محمد عضاضة وهو يكتب الشعر ويبرع فيه، أن أدرس الأدب العربي بالإضافة إلى حيازتي على شهادتين في علم النفس وفي الرسم والتصوير. وهذا ما عمّق معرفتي أكثر باللغة  وعندما توفيّ زوجي إتخذت كتاباتي نزعة صوفيّة روحيّة وكان الحبّ هو العنصر الأهم فيها. فتحت صفحة على الفايس بوك كان هناك الروائي اللبناني المبدع علي سرور يقدّم منشورا يدعو فيه من يجد لديه موهبة في الكتابة لعرض كتاباته في موسوعة أدبية. فبدأت أكتب وقد شجّعني كثيرا. وصرت عضواً في المنتدى الثقافي  الذي يرأسه الشاعر علاء الحامد.  كما صرت محرّرة في مجلتيّ الثقافي والناس الإلكترونيتين وكلّفت من قبل الأديبة مريم الترك لاستلام منتدى أدبي وهو “الدار الثقافي اللبناني العربي”. وقد نلت شهادات تقديرية  كان آخرها شهادة أفضل كاتبة وشاعرة في مجموعة كلمات التي تضم ما يفوق 25000 منتسب عن العام 2014.

■ كيف تقيمين تجربة نشر ديوانك على صعيد النقد الأدبي، وعلى الصعيد التجاري التسويقي؟

– من يريد خوض غمار الأدب والفن والشعر، عليه أن يركّز في الدرجة الأولى على أهمّية عمله وقيمته وجودته، وليس على ما يمكن أن يدرّ عليه هذا العمل من مكاسب مادّية. فنجاح الدّيوان هو في أهميّة ما يحتويه وما يتركه في نفس القارئ، هذا ما وجدته في قراءات الآخرين لديواني. أعتقدُ أنّه أمرٌ كاف لأعتبر أنّ تجربتي كانت ناجحة، لذلك فأنا سأكرّرها في إصداري الجديد لديواني المقبل وهو بعنوان (أمطر حبّاً) سيقام حفل توقيع له في “معرض بيروت العربي الدولي للكتاب” في أواخر شهر تشرين الثاني نوفمبر من هذا العام. وذلك في دار غوايات، التي سبق وأن روّج لديواني (هاتفني الحب) عبر موقع نيل وفرات.

■ إلى أي مدى ترفدين قصيدتك الشعرية من تجربتك العلمية والحياتية معا؟

– لي فلسفتي الخاصة في الحياة. فالعلم بساطه يمتدّ عندي إلى اللانهاية. ولا زلت أقف على أبواب العلم في مطالعتي وقراءتي وحبّ المعرفة. كل ذلك عزّز لديّ القدرة على الكتابة بأسلوب خاص لا أعتمد فيه التأثّر بأحد من الشعراء، أنا أقرأ لغيري كثيراً،ولكنّني أبقى حياديّة في تأثراتي، كي لا ينعكس ذلك سلبا على شخصيّتي وبالتّالي على أسلوبي في الكتابة. أمّا من الناحية الحياتية فالصدمات قد تحبط الآخرين ولكن في فلسفتي ورؤياي، فإنّ اليأس يلغى، والأمل يكون هو الإشعاع الذي أرى من خلاله طريقي. لذلك ألغيت في قصائدي اليأس. وكان الأمل دوماً هو ركيزة القصيدة. فمثلا في قصيدة جزيرة الأحلام تشاء الأقدار أن أجد نفسي في جزيرة مهجورة، أحوّلها بأحلامي إلى أجمل جزيرة كتبت فيها: سافرْتُ على مركبِ اللارجوعِ رسوتُ على شاطئ جزيرةٍ طويتُ صفحاتِ البحرِ واعتزمت اللاعودة… كانت زوّادتي بعضُ أفكارٍ وحلم ملأتُ بها سلّتي وما أصيبَ منها برصاص الغدرِ كفّنتُهُ بمناديلي ورميْتُ به في البحرِ أقمْتُ في جزيرةٍ مهجورةٍ إلاّ من بقايا ركامٍ ومن طبيعةٍ ميتةٍ خَلَتْ منها أصواتُ الطّيورِ فيها الأشجارُ لا تثمرُ والغيومُ لا تمطرُ علّمتُ الطّيورَ أن تشّدوَ بالأنغام والأشجارَ أن تحملَ الثّمار والغيومَ. أن تستسقيَ الأمطار. وبنيتُ من بقايا الرّكام قصري صنعتُ من الغيومِ أراجيحَ القمرِ ومنَ النّجومِ قناديلَ السّمرِ غنّيتُ مواويلً الحنينِ. وقبيلَ أنْ أنامَ كنتُ أناجي البحرَ المطويّ في ديوانِ الشّعر فأطبعُ قبلاتِ المسافة على وجهِ الأنينِ. كنتُ أعانقُ الجبالَ فتسمعُ النسمات خفقاتُ قلبي تحمرّ خجلاً فتختبئ في أقصى الوديان وترتعشُ على ضفافِ الأنهرِ قطعان من الغزلان تسلّقْتُ سلّم النهاية الخشبيّ المتّجه نحو السّماء اجترَرْتُ من أخشابِهِ العتيقَةِ الأفكارَ والأحلام وفي قصيدة أخرى هناك التّحدّي الذي لا تقف بوجهه أي عراقيل، ليبقى الأمل دائماً سيّد الموقف.

■ هل يمكن للشاعر الإعتماد في توقيع كتبه على أصدقاء الفيس بوك؟ أم أنّ الواقع على الأرض له حسابات مختلفة؟ وماذا عن هاجسك الشعري المقبل،هل ترين أن عملية النشر تضغط دوما على الشاعر،لصالح الوقت، وليس لصالح العمل؟

– قد أستقطب في المرّة الثانية مع ديواني الثاني عددا أكبر من الأصدقاء. فالصعوبة كانت في أنّ الأكثرية من الأصدقاء هم من دول عربية يتعذّر تواجدهم أثناء التوقيع  ومهما يكن، فالفايس بوك أصبح من أرض الواقع. بيد أنّ عالم الفيس بوك هو العالم الأنسب للكتّاب من أدباء وشعراء، حيث هناك من يدمن صفحتك. أما عن الهاجس  فأراه هاجس الآخر أكثر مما هو هاجس الشاعر، من هنا لا توجد ضغوط  تصب في غيرصالح العمل،حيث يكون الشاعرعرضة للنقد فيحاول أن يظهر في أحسن حلّته. ولا توجد ضغوط لصالح الوقت،  طالما أن الإنتاج عبر الفيس بوك متواصل وذو جودة عالية فالمئات ومن بينهم النقاد ينظرون إلى عملنا وكتاباتنا ويتابعون تطوّرنتاجنا الشعري.

من قصائد الديوان:

“إنْ بردٌ خيّمَ… أو ثلجٌ غطّى لنْ يثنيَ فؤادي عن لقيا حبيبي.

 إنْ حملتني زوبعةٌ ورمتني بعيدا أبعدَ من حلم… لمكانٍ أقصى سأشدُّ الخطى… للقيا حبيبي

 ولن أرجعَ خطوة سأظلُّ أمضي

ظلّي يتبعُني يلهثُ يتركني

 لكنّي سأبقى حُلمي يسبقُني أتبعُهُ سكرى

 أهذي إليكَ حبيبي سأهدي نظرة”.

سميح القاسم: سلاح القصيدة بين الكبد والمكابدة

كتبت غادة علي كلش:

نبدأ من هنا. من كبد سميح القاسم الذي كابد في كبره  المرض الخبيث، فهزمه الموت عن عمر ناهز 75 عامًا. ونرجع إلى الوراء إلى شعر سميح القاسم  الذي كابد منذ شبابه احتلال العدو الصهيوني لبلده فلسطين، ليسطّر  وجها صارخا في ترسيخ معاني الحياة، أي، كيف يكون الجسد مطيّة، وكيف تكون الكلمة سلاح الهوية.

سميح القاسم أحد أهمّ وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبطت إسماؤهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل الأراضي المحتلة في العام 1948. كان مؤسس صحيفة “كلّ العرب”، وعضوا سابقا في الحزب الشيوعي. ولد في مدينة الزرقاء يوم 11  أيار (مايو) 1939، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس،ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي.

تنوعت أعمال القاسم بين الشعر والنثر والمسرحيات، وبلغت أكثر من سبعين عملا. كما اشتهر بمراسلاته مع الشاعر محمود درويش الذي ترك البلاد في السبعينيات. هذه المراسلات عُرفت بـ”كتابات شطري البرتقالة”. ووصِفت بأنها “كانت حالة أدبية نادرة وخصوصا بين شاعرين كبيرين قلّما نجدها في التاريخ”. صدر له أكثر من ستين كتابا في الشعر والقصة والمسرح والترجمة، وصدرت أعماله في سبع مجلدات، كما ترجم له عدد كبير من أعماله وقصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية ولغات أخرى.

كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، وكان من بين اهتماماته إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.

سُجن سميح القاسم أكثر من مرة كما وُضع رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنزلي، وطُرد من عمله عدة مرات بسبب نشاطه الشعري والسياسي، وواجهَ أكثر من تهديد بالقتل. وفرضت عليه الإقامة الجبرية من قوات الاحتلال بسبب مواقفه الوطنية والقومية. واعتقل عدة مرات، وتفرّغ تمامًا للأدب المقاوم بعد تركه الحزب الشيوعي.

حصل سميح القاسم على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدّة مؤسسات. فنالَ جائزة: “غار الشعر” من إسبانيا. ونال جائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي. كما نال جائزة “البابطين”، و”وسام القدس للثقافة” من الرئيس ياسر عرفات، وجائزة” نجيب محفوظ” من مصر، و”جائزة الشعر الفلسطينية”، و”جائزة السلام” من واحة السلام.

سميح القاسم، إحتفلت به الألقاب في حياته، واستحضرتها الأوراق في مماته. فهو على ألسنة كبار الكتّاب والمثقفيّن العرب: “شاعر المقاومة الفلسطينية” “شاعر القومية العربية” “الشاعر العملاق” “شاعر الغضب “شاعر المواقف” الثوري “شاعرالملاحم” الدرامية “شاعر الصراع”، “مارد سُجنَ في قمقم”، وشاعر “البناء الأوركسترالي للقصيدة”.

 نستحضر هنا بعض أبياته من بعض قصائده التي يُردّدها الشعب الفلسطيني ومحبّو الشاعر الراحل:

تعبت من الحياة بلا حياة

وتعبت من صمتي

ومن صوتي

تعبت من الرواية والرواةِ

ومن الجناية والجناة

ومن المحاكم والقضاة

وسئمت تكليس القبور

وسئمت تبذير الجياع

على الأضاحي والنذور

وأيضاً من أبياته نذكر:

روت الأرض عن الأرض عن الأرض فقالت:

الرحى تطحن قمحي وظلالي

والرحى تصقل أحزان رجالي

وأنا منتظرة

وأنا أشهد حزن الياسمينة

وعذاب القنطرة

ريثما ترجع من منفى التواريخ الهجينة

قبلة ممهولة بالدمع في بعض الليالي المقمرة

محمود النجار: القلب البديل غربة الوريد عن الجسد

حوار غادة علي كلش:

 يعيش الكاتب العراقي محمود النجار، ومنذ زمن ليس بالقصير في هولندا. أي وسط حياة المجتمع الأوربي بكل فئاته.  هو شاعر واعلامي أيضا، وعضو إتحاد الكتاب والشعراء الهولنديين .شارك في الكثير من الأمسيات الشعرية العربية- الهولندية المشتركة . وتمت ترجمة الكثير من أعماله الى اللغة الإنكليزية والهولندية وبعض اللغات الأخرى . روايته الأخيرة” القلب البديل” التي صدرت عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” تخط سيرة صراع بين الحياة والموت، وتروي سيرة غربتين. حول هذه الرواية  كان “للكفاح العربي” مع  محمود النجار الحوار الآتي:

* تغدو معادلة البديل في روايتك الأخيرة” القلب البديل” أبعد من تجريد الفعل أومن تفريد الإجراء. كأنما البدائل تستقيم في ثلاثة أبعاد: الموت/ الحياة وما بين الموت والحياة.هل يمكن اعتبار روايتك هذه مرثية إشكالية بطلها وضحيتها في الوقت عينه القلب؟

– قد تكون  روايتي  هي من الأعمال القلائل التي استطاعت أن تكتب عنوانها منذ الوهلة الأولى وأن تتمسك به كعنوان دائم لعمل روائي وجد له مكاناً بين الكتب ولم تتنازل عنه ، وقد أضحى عنواناً ثابتاً لا بديل له وهو القلب البديل ، مثلما اختطت ونقشت حروفها الأولىبنفسها على قمة أسطر فصولها.

نعم استطيع القول بأن رواية القلب البديل  ،هي أبعد من أن تتلخص بالحديث عن عملية كبيرة ومعقدة ، إلا وهي عملية زرع القلب. هي بالفعل مثلما تفضلت بسؤالك ، أبعد من تجريد الفعل وفرادة الإجراء وتفاصيله ، فهي تحمل في طياتها الكثير من الأبعاد الانسانية ، واستطيع القول بأن الرواية تتحدث عن إنسان بصورة قلب وقلب ينبض بلا تناغم وبوجعٍ لا تضبط إيقاعاته أية قواعد تذكر ، لكنه أصر على أن يبقى إنساناً ومعطاءً وكان على يقين أن يلتقي برفيق يحبه ، ليتبادلا الحياة معاً . فإن الواهب ودع قلبه والمستفيد اِحتضن القلب ورحب به واِنتعش بالأخذ والعطاء بذات الوقت ، وبهذا صنعا معاً سمفونية الحياة مع اليقين الوافر والركون بعض الوقت تحت الرعاية الإلهية بمرحلة غيبوبة قلقة على ضفاف الموت. وهي كما أشرت إليه حضرتك في سؤالك وفي شقه الثالث بالتحديد، بأنها مرثية بطل القلب ذاته .

* السرد في فصول الرواية، يرتقي بالمكنون الصوتي الداخلي،إلى سيرة من نوع آخر- ان صح التعبير- سيرة لا تخلو من صدى النبض والدماء،ولا من يوميات الحياة البديلة. ما هي البوصلة الفنية التي استخدمتها كروائي وشاعر،في استجواب ايقاع الأوردة؟

– بالفعل بدأت الكتابة مثلما أسلفت من قبل ، منذ الاستيقاظ الأول من الغيبوبة التي سافرت بها الى ضفاف العالم الآخر والعودة للحياة ، عالم الموت وضفاف السَكينة لعدة أيام ، ومنذ تاريخ العودة ولحظاتها الأولى والإنتباه لما يدور من حولي واستقبالي للحياة الجديدة بتلك الدهشة المغموسة بالوجع والفرحة التي حاول العقل أن يؤجلها، لهذا حاولت توثيق الكثير من الحالات الإنسانية ومحاولة لتقديم الشكر لمن وهبوني الحياة وأعادو لي البسمة التي نسيت طرائقها وملامحها منذ زمن طويل، وهم مجموعة متكاملة .إنها القدرة الإلهية والواهب الإنسان الذي تبرع بقلبه ، أما عن البوصلة الفنية ، أظنني حاولت أن أنقل تجربتي الحياتية بطريقة سردية وإيصال رسالة معنونة عن واقع حياتنا العربية ، ولهذا حاولت جاهداً إدخال ما استطعت من الواقع الحقيقي ومخاضات حيوات إنساننا العربي، محاولاُ التطرق بطريقة مبسطة  الى طفولتنا وما مرّت به من براءة وقساوة وألم وصولاً لمرحلة الشباب الذي عانى ويعاني من حرائق الحروب وارهاصات الحرمان والكبت . حاولت من خلالها إيصال رسالة للقارئ أينما كان عما يدور في حياتنا العراقية والعربية وعما يدور بالجانب الآخر من الحياة وهي حياة الاغتراب وحياة التطور الغربي. نعم  حاولت أن تكون الرواية وبوصلتها عبارة عن خلطة إنسانية خالصة تحمل الكثير من الألوان والشخوص الحياتية التي تصادفنا ونتعامل معها .

* ثمة غربتان أساسيتان في الرواية. غربة البطل عن قلبه. وغربته عن وطنه. هل يخاف المرء برأيك من خسارة الوطن أكثر من خسارة القلب؟ ولا ننسى ههنا أن البطل حاول في الماضي وهو في بلده أن ينتحرمع صديقيه؟

– هناك غربتان قاحلتان ، من المؤكد إن الغربة الأولى هي غربة الوطن والتي قاربت على العقدين من الزمن وأدمن عليها بطل الروايةبكل مراراتها وعقمها ، بل إعتبرها انتصاراً للحياة وجهاداً ، إرتحل بقلبه المتعب باحثاً عن عشبة الحياة المفعمة بالصحة والكرامة ، وهاهو يظفر بها بآخر المطاف ، فلو إنه تقاعس وبقي في وطنه الأم ، لقضي أمره منذ ما يقارب العقدين من الزمن ، وهذا ما أشار اليه وما مرّ به وسجل معاناته بين فصول الروايه من موت محقق قبل هذا البديل الناقذ والمخلص، أما غربة القلب عن البطل أو العكس، فأنها حقيقة طبية وعلمية وربانية ، فليس من السهل تطابق الأنسجة ورضوخ القلب لحاضنة جديدة بعد مرور أكثر من اربعة عقود ونيف ، لهذا كانت مرحلةالترويض صعبة وعملية معقدة ، تلك التي نشأت بين القلب والجسد ومحاولة تطويع وقبول أحدهما الآخر ،ولم تمر تلك العملية بسهولة ، وقد حدثت بعض الانتكاسات الصحية المتفاوتة ، لولا رعاية الله والرعاية الكبيرة من قبل الأطباء ، بالأضافة إلى العقاقير الباهظة الثمن ودعوات الأهل ودموع الوالدين والأخوة والأخوات .. أما المقاربة بين خسارة القلب وخسارة الوطن .. فكلاهما خسارة موجعة وتعني ” لا الحياة ” ، ولولا الوطن والقلب لما وجد للبطل أو القلب أي نبض يذكر ، أما الحديث عن محاولة الانتحار للطفل اقصد البطل في طفولته ، لهو دليل قاطع على شخصية البطل القوية وعدم تقبله للخسارة بسهولة وهذا ما انعكس على طريقة حياته والنجاحات الكثيرة رغم الكبوات خلال مسيرته الطويلة ، وما تحمله شخصيته من عناد واصرار على الوصول لغايته ، كان هو الدافع القوي على اتخاذه قرار إجراء العملية بمفرده وكان لديه القناعة الكاملة على النجاح واصرار كبير على الاستمرارية والتشبث بالحياة .

* تشهد بلادنا العربية تاريخا مفصليا مخيفا. كيف تتفاعل شخصيا مع هذه التحولات الدراماتيكية في العراق بشكل خاص؟

– لم أنفصل يوماً عن قضايا بلدي وبقية البلدان العربية، بل أن جميع النشاطات التي قمت بها من خلال مؤسستي الثقافية التي انشأتها عام 2010 ” مؤسسة أوطان الثقافية في لاهاي ، كانت تصب في غالبية انشطتها برسم الصورة الجميلة والحقيقية أمام المتلقي الأوربي، أما كيفية التعامل مع التحولات والأفكار والأفعال التي تدور في العراق ومنذ زمن ليس بالبعيد ، فأنه شيء يبعث على الحزن والقلق والخيبة وهي العقبة التي هزمت على جدرانها كل أحلامي ،وليس هناك الشيء الكثير الذي أفعله ، إلا الإلتزام الأخلاقي والصبر لقلمي ودعم كل مافيه خير لبلدي وشعبي من خلال القصيدة والرواية وما تطلقه أناي على منابر الأمسيات والمهرجانات الشعرية والأدبية، محاولاً نشر الخير والتحدث عن نعمةالأمان وصون ديمومة التعايش بهذه الحياة ، محاولاً إيقاد شمعة أمل أمام كل ما أراه وألمسه من تراجع سريع إلى زمن اللاستقرار واللاوعي والجهل والتخلف والقتل والدمار العشوائي الذي تمر به بلداننا العربية بصورة عامة وما يمر به العراق من خراب على وجه التحديد .

* كونك أيضا على تماس ثقافي مؤثر وفعال في هولندا، كيف تقوّم لنا فنون الآداب الهولندية،علما أننا لا نسمع الكثير عن الشعراء والكتّاب الهولنديين؟

– هناك في هولندا حراك ثقافي وأدبي دؤوب يكاد لا يتوقف على مدار السنة ، وحب الهولنديين للشعر وللرواية كبير ، بل أستطيع القول إن الغالبية العظمى منهم مازالوا متمسكين بشئ جميل قد نفتقر إليه في عالمنا العربي، ألا وهو القراءة المستمرة وحب الاطلاع على ثقافات العالم المختلفة، وهذا ما يجعلهم متقبلين وبرحابة صدر لثقافة الآخر والتعاطي معه، وإعطاء الفرصة للاستماع والاستمتاع ،في الوقت ذاته دعم المبدع أو المثقف من خلال توفير الكثير من مستلزمات النجاح وتطوير موهبته وقدراته الفكرية والأبداعية الأخرى، قد يختلف إنتاجهم الأدبي عما قرأناه سابقا من صور ومتغيرات وفلسفة وبحوث ورسائل ، تلك التي عاقرت وتزامنت ازمنة الحروب والتحولات السياسية والثقافية والمادية والوجودية، لكن أوروبا الآن وهولندا على وجه التحديد ، تمر ببعض البحبوحة الفكرية والهدوء الفكري والانساني، فغالبية كتاباتهم أخذت تتغنى بمرحلة الشباب والغنج والتي تحاكي البيئة ومفردات الطبيعة وألوانها والإنسانية ومفردات الحب المستريحة الخالية من العذابات والفراق وقسوة الأهل والشوق.. أما عدم سماع الكثير عنهم ، وذلك لاتساع الفجوة الفكرية بين ما تمر به ثقافتنا وبلداننا العربية وبين بحبوحة الثقافة والتقدم الذي يمرون به ، وبين ما تمر به امتنا من تراجع ومآسي وحروب وعدم الأهتمام بثقافات الآخر ، بالأضافة إلى صعوبة اللغة الهولندية ومحدودية مفرداتها ومستخدميها وعدم تداولها بشكل كبير خارج حدود هولندا ، ومع كل هذا  قدمت كما هو شأن عدد من المثقفين في الخارج  على صعيد التفاعل وتمازج الثقافات في أكثر من عمل عربي هولندي مشترك ، نشاطات عدة، وآخرها الإحتفالية التي أقامتها مؤسستنا ” أوطان ”  بالتعاون مع مسرح داكوتا  بمناسبة مهرجان الشعر العالمي والذي شارك فيه عدد من الشعراء الهولندين واذكر منهم ، اديث ده خلده وفرانس تيركن وخيرت فينامه وبريوني بورنس وآننا ديوريس واليزابيث دي بليكورت وغيرهم كثر.