إرهاب أشد من الإرهاب

walid

كعادتنا، نبالغ في كل شيء.

ومن مبالغاتنا، إدعاء الأمان، الذي سينعم به لبنان، بعد تحرير جرود عرسال من إرهابيي «النصرة»، وسنبلغ قمة المبالغة، بعد إتمام تحرير جرود القاع ورأس بعلبك من «الدواعش» وعصرهم الهمجي.

هل هذا فعلاً ما كان يهدد أمن لبنان واللبنانيين؟.

منذ سنوات قليلة، لم نشهد عملية انتحارية تسفك دماءنا. ولم تنفجر سيارة مفخخة تذهب بأرواح الأبرياء. ولم تزرع عبوة في طريق تزرع الرعب فينا.

بالتأكيد كان سبب ذلك عيون الأمن المتيقظة والكاشفة للخلايا الإرهابية النائمة.

باختصار، كان هناك أمان، يشوبه غياب الاطمئنان.

أما وقد بدأ الخلاص من مصادر الخوف على يد «حزب الله»، ويكاد يكتمل على يد «الجيش اللبناني»، فإن الواقع يفرض علينا عدم الاطمئنان، الى هذه الانتصارات المحدودة، لأن الأمان في هذا البلد مهدد بأخطار أشد إرهاباً من الإرهاب.

فما زلنا على انقساماتنا. وما زلنا نغذّيها بالحقن المذهبية والاحتقان العنصري.

وما زال اقتصادنا يتآكل بالنمو المخيف للدين العام.

وما زال اللبنانيون يتساقطون بالجملة تحت خط الفقر.

وما زال التلوث يفتك بالهواء والبحر والسهل والجبل.

وما زال الموت هو الدواء الوحيد المتوافر للفقراء.

وما زال «الاصلاح» يتحرك على طريق المصالح.

وما زال «التغيير» يعني تغيير مالك الى مالي.

وما زال «السلاح» يفرض رأيه على حرية الرأي.

وما زال اللبنانيون منقسمين بين عرب وعجم.

لا شك في أن هذه الأمراض المستوطنة فينا هي أكثر خطراً من إرهاب «داعش» و«النصرة».

ولا شك في أننا نعيش في بلد غير آمن. وأننا نقيم على أرض مهددة بالبراكين والزلازل والحروب الأهلية.

إذاً، المطلوب قبل وبعد تطهير حدود لبنان، تظهير أفكارنا ونفوسنا وقلوبنا، من النوايا السيئة والكمائن الغادرة.

تطهير؟!… إنه «التطهير المستحيل».

وليد الحسيني

Advertisements

السيناريو الأسود: مخيمات للنازحين اللبنانيين… متى وأين؟

جندي لبناني في عرسال

جندي لبناني في عرسال

كتب المحرر السياسي

توحي تشكيلتها، التي جمعت مختلف الفرقاء، أنها حكومة “إئتلافية”.  وتؤكد نتائج إجتماعاتها أنها حكومة “إختلافية”.  فباستثناء الإتفاق على استمرارها، تعجز حكومة تمام سلام عن اتخاذ أي قرارات يمكن أن توصف بالمهمة.

ليست هذه هي المشكلة، لأن اللبنانيين تعودوا على تأجيل البت في القضايا الكبيرة، كما تعودوا على المماطلة في اتخاذ القرارات التي تستدعي الاستعجال.

المشكلة لا تكمن في هذا “التجمع” الوزاري المختلف والمتخلّف عن اتخاذ الاجراءات لمواجهة الانفلات الأمني والكهربائي والمائي والاجتماعي، بل في غياب خطة لمواجهة أحداث يتوقّف عليها مصير البلاد وصيغة حكمها، وصولاً ربما إلى وحدة أرضها.

ومما يزيد الظروف تعقيداً، استمرار الفراغ الرئاسي، وتفرّد كل وزير بصلاحيات رئيس الجمهورية، حيث أن وزيراً واحداً من الـ24 يستطيع أن يعطّل استحقاقاً، ويبطل مرسوماً، ويشلّ مصلحة أو مؤسسة.

الخلاصة أن لبنان يعيش أحداثا لا يملك سلطة تنفيذية حقيقية لمعالجتها.  والأدهى أنه ينتظر أحداثاً أكبر وأكثر خطورة، فكيف يتجنبها إذا كانت حكومته منقسمة بين متورّط مباشرة مع طرف في هذه الأحداث، وبين متعاطف مع الطرف الآخر؟

والأشد إثارة للمخاوف أن لا المتورّط ولا المتعاطف في وارد التراجع عن موقفه، رغم أن الكارثة السورية بدأت بالتمدد إلى لبنان القريب منها، ومن دون أن نعد لها العدة، فيما نجد الدول البعيدة قد تجمّعت ووضعت استراتيجيتها العسكرية لمنع آثار ما يحدث في سوريا والعراق من الوصول إليها.

لا بد في البدء من ملاحظة التطور السريع للأزمة السورية.  فما بدأ في مدينة درعا القريبة من الجولان المحتل، والأقرب إلى الأردن، الذي تعصف بعلاقاته مع سوريا رياح من التوتر المخفي أحياناً والمعلن في أكثر الأحيان، تسارَعَ لينتشر كحرائق الغابات في كل سوريا، باستثناء العاصمة دمشق وبعض الساحل.

وتَسارَعَ الحدث إقليمياً، فدخل إلى جانب النظام مباشرة “حزب الله”، وبشكل غير مباشر العراق وإيران.  ودخلت إلى جانب المعارضة المسلحة دول كتركيا وقطر.  ثم ما لبثت الأحداث السورية أن استولدت تنظيمات إسلامية متطرفة، نقلت الصراع إلى العراق، لتصبح بلاد الرافدين جزءاً وثيق الصلة بالحالة السورية.  وهذا التمدد أدى إلى دخول كردستان العراق حلبة الصراع.  وكاد لبنان يسبقها عبر معركة عرسال المفتوحة.

وتسارع الحدث دولياً، فاستنفرت الولايات المتحدة حلفاءها، عندما أدركت أن مصالحها العالمية أصبحت تحت رحمة “داعش” والتنظيمات الإرهابية الأخرى.  وهكذا تشكّل التحالف الأربعيني، الذي بدأت طائراته عملياتها العسكرية في كل من سوريا والعراق.  وهو تحالف لن يستطيع تجنّب القتال البري طويلاً.

إنها إذاً شبه حرب عالمية على حدود لبنان الهشة.  وهذا يدفعنا إلى التساؤل:  كيف تتورّط أوستراليا وكندا في الحرب السورية – العراقية، وهما في أقصى العالم، وكيف يمكن للبنان أن ينجو إذا كانت أقدام التطرف قد توغّلت في أراضيه، ويد النظام السوري المتشابكة مع أيادي إيران و”حزب الله” موجودة بشكل طبيعي داخل النسيج اللبناني وفي مؤسساته الرسمية كافة؟

لبنان سينجرّ إلى شبه الحرب العالمية هذه، شاء من شاء وأبى من أبى.  فهذه حرب أُعدت لتكون طويلة باعتراف من خطط لها وأعلنها.  وهذا يعني أنها إذا تأخرت اليوم فساعتها آتية لا ريب فيها، خصوصاً وأن ثمة من يستدعيها ويستعجلها.

يبقى السؤال الذي يقلق اللبنانيين:  هل ثمة أمل في تجنب الكارثة؟

من يستمع إلى تصريحات المسؤولين، يستطيع أن يطمئن إلى نجاة لبنان.  لكن من يرى الواقع، يدرك أن التورّط اللبناني بدأ منذ فترة طويلة، وأن براميل البارود المنتشرة في البقاع والشمال على أهبة الانفجار.

إن غياب فرص الحل السياسي لأحداث المنطقة، أدى إلى تصاعد العمليات العسكرية.  وإذا كانت هذه العمليات قد ألغت الحدود بين دولتين كبيرتين في المنطقة، أي سوريا والعراق، وذلك عبر إعلان “داعش” لـ”دولة الإسلام” من الموصل إلى الرقة، فإن الحدود اللبنانية لن تكون مصانة.  وهي قد تعرّضت، وستتعرّض إلى مزيد من محاولات التنظيمات الإرهابية المتطرفة لجعلها مكمّلة لساحة “جهادها” الذي تدّعيه.  وما يحصل على الحدود لن يبقى بعيداً عن باقي المناطق اللبنانية.

إذاً، ماذا ينتظر زعماء الطوائف والأحزاب والكتل النيابية للاتفاق على خطة تحمي لبنان من الوقوع في المحنة السورية؟

لا بد من اتفاق لبناني يتجرّع فيه كل الفرقاء سم التنازلات، قبل أن يفرض عليهم تجرّع سم الفتنة الكبرى … وعندئذ لن نبحث عن إقامة مخيمات للنازحين السوريين، لأننا سنكون مشغولين في البحث عن مخيمات للنازحين اللبنانيين.  ولكن متى وأين؟

الجواب عند القيادات المستهترة بالواقع المحلي والإقليمي والدولي.

لبنان الممزق: الجيش يخوض معركة سياسية بين “الممانعة” و”الامتناع”

كتب المحرر السياسي:

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ليس الفراغ الرئاسي سبباً وحيداً لظاهرة انهيار الدولة في لبنان، فالأسباب المختلفة تتوالد بسرعة أفقدت، ما تبقى من مؤسسات، القدرة على المعالجة الجدية.

مجموعة من العقد والأزمات تتراكم فوقها عقد وأزمات جديدة. وعند التدقيق تتساوى جميعها باحتلال مرتبة الأولويات. فعقدة عرسال مثلاً، لا تقل أهمية عن أزمة الفراغ الدستوري. وأزمة الفراغ شديدة الارتباط بالأزمة السورية.

وأخطار داعش لم تلغِ خطر عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وعدم إقرارها نتجت عنه فضيحة إفادات الثانوية العامة.

وخطف الجنود وأفراد من قوى الأمن، لم يهز معنويات الجيش فقط، بل يهدد بالانسحاب على القضاء، عبر مساعي مبادلة المخطوفين بقيادات من المتطرفين المسجونين في سجن رومية. والإفراج عن المتطرفين لن يفرج عن الاستقرار الأمني المهدد، باعتراف الدولة نفسها، بخلايا داعش وأخواتها النائمة شكلاً والمستيقظة فعلاً.

وكل هذه العقد تتضاءل أمام عقدة العطش التي تهدد اللبنانيين، في دولة لا تعرف سياسة درء الأخطار قبل وقوعها، ولا بعد وقوعها.

ولا تغيب أزمة ألف مياوم في اختلاق أزمة التعتيم الكهربائي، الذي بات يكلف المواطن أكثر من نصف دخله ثمناً لتشغيل المولدات الكهربائية تحاشياً لتلف الأغذية، والغرق في بحر من العرق، بسبب الحر الشديد والرطوبة الأشد.

يضاف الى كل هذه الأزمات الأمنية والاجتماعية، الغلاء المتصاعد في أسعار السلع، وهو أمر لا يستطيع المواطن تحمله، ولا قدرة للدولة على مواجهته والحد منه.

المصالحات المستحيلة

الى جانب كل هذه العقد والأزمات المستعصية يعيش لبنان عقداً وأزمات سياسية أشد استعصاءً. فالمصالحات بين الفرقاء لم تزل محصورة بشكليات يقوم بها النائب وليد جنبلاط، وما زال المتصالحون معه، (حزب الله وعون وفرنجية)، يعتبرونها شكلية ولا يأخذونها على محمل الجد. أما المصالحات المجدية فهي تنتظر مصالحات إقليمية، من المؤكد أنها بعيدة المنال. فمصالحة «تيار المستقبل» و«حزب الله» تحتاج الى علاقات بين السعودية وإيران ما تزال عالقة في حرب حكومة اليمن مع الحوثيين، وفي الحراك الشيعي في البحرين، وفي الهيمنة الإيرانية على العراق، وفي التداخل والتدخل في الأزمة السورية الحادة والممتدة في المجهول.

وعندما تغيب هذه المصالحة، التي بمقدورها وحدها كسر حدة الخلافات السياسية والمذهبية في لبنان، تصبح الاستحقاقات الدستورية، ما مضى منها، أي انتخاب الرئيس، وما هو آت، أي الانتخابات النيابية، مجرَّد استمرار في تعطيل الدستور وضرب أسس الديمقراطية في بلد يدعي دائماً أنه الديمقراطي الأول في منطقة امتلأت بالديمقراطيات المشبوهة والمشوَّهة.

الجيش أولاً

في خضم هذه التراكمات غير القابلة للعلاج، يبرز موضوع الجيش كمؤسسة حية بين مؤسسات تحتضر، وتنتظر ما هو أكبر من الفوضى ليجري دفنها.

لا شك في أن اختطاف مجموعة من أفراد الجيش وقوى الأمن الداخلي، شكل عبئاً على معنويات الحارس الأخير للوطن. ويبدو أن هذه القضية تتجه الى التصعيد الأعمى وسط تسليم بمبادلة بين المخطوفين والمتطرفين، وبين رفض للمبادلة، وحتى لمبدأ التفاوض تحت ذريعة الحفاظ على هيبة الدولة… حتى ولو كان ذلك على حساب هيبة الجيش الذي حشر في زاوية الانقسام السياسي حول هذا الموضوع الشديد الحساسية. إذ أن توالي عملية ذبح المخطوفين العسكريين، لن تهتز بسببه هيبة الجيش بل ستهتز معها معنويات الجنود والضباط الذين وجدوا أن الدولة وقواها السياسية لم تفعل شيئاً لرفع سكين الجزار الداعشي من فوق رقاب رفاقهم.

وكذلك يقع الجيش مرة أخرى أمام القرار السياسي المنقسم على نفسه، فلا هو قادر على ترك عناصره للذبح البشع، ولا هو مسموح له الدخول في مغامرة عمليات عسكرية لإنقاذ رفاق السلاح، نظراً لما قد تحمله هذه العمليات من تطورات وتورطات في الأزمة السورية.

وهكذا تكون الدولة قد وضعت أهم مؤسساتها تحت خيار مقصلة الذبح الداعشي أو العجز الحكومي.

وسط هذه المخاطر لا يجد الجيش إلا طبقة من «المطربين» الذين يغنون له الأناشيد الحماسية، في حين أن طبقة السياسيين لا تنسى، وهي تدفعه الى المأزق الكبير، من الاشادة به وبقياداته، من دون أن تتوقف عن تشييد الأفخاخ المتفجرة في طريقه.

في ضوء هذا المأزق اللبناني الأكبر يبرز دور الرئيس سعد الحريري في توفير الدعمين المالي والتسليحي عبر مساعيه السعودية والروسية. لكن ماذا تفيد الإمكانات، إذا كان جيشنا المتمكن، معطل بالخلاف السياسي حول دوره، حيث منهم من يريده «ممانعاً»… ومنهم من يريده «ممتنعاً».

التكاذب الديمقراطي

المشكلة في أزماتنا المتراكمة والمعقدة، كثرة الوصفات الدوائية التي يقدمها السياسيون لشفاء لبنان منها. والمصيبة الفاضحة أن أصحاب هذه الوصفات هم أنفسهم من يمتنع عن تناول هذه الأدوية.

آخر دواء لفك الاستعصاء الرئيسي في البلاد، أي انتخاب الرئيس، كان في مبادرة 14 آذار، التي تقضي بالتخلي عن عون وجعجع، كمرشحين استفزازيين، وبالتالي البحث عن مرشحين آخرين ينتمون الى الاعتدال، أو الى ما يمكن وصفه بالمنحاز المعتدل، سواء كان الانحياز الى «8 آذار»، أو كان لـ«14 آذار».

لكن هذا الدواء سرعان ما سحب من الصيدليات السياسية بقرار من التيار الوطني الحر، وبذلك وجد اللبنانيون أنفسهم أمام معاناة يصح فيها القول: «فالج لا تعالج».

والخوف، كل الخوف، من أن تكون نهاية تراكم مثل هذا الكم من الأزمات، وقوع الانفجار الأكبر الذي يجعل اللبنانيين ينسون انتخاب الرئيس والنواب، وينسون كذلك المخطوفين وسلسلة الرتب والرواتب وانقطاع الكهرباء وشح الماء… ويكتفون فقط في البحث عن ملجأ آمن.

من الموصل إلى عرسال: لبنان على خريطة “داعش”

دبابة للجيش اللبناني في عرسال

دبابة للجيش اللبناني في عرسال

كتب المحرر السياسي

وحدها «الخلافات» السياسية مستقرة في لبنان، فلا هي تتجه نحو الحل، ولا هي تتجه الى التصعيد. أما باقي الأمور فإنها تتحرك سلباً نحو التفاقم والتعقيد. فلا الاقتصاد بمنأى عن الانهيار، ولا مالية الدولة قادرة على التوازن، ولا الشعار المذهبي يصب في التهدئة، ولا سعير النار السورية قابل للانحسار عن لبنان، ولا الأمن بمقدوره أن يسد ثغرات التفجير المتنقل بين المناطق.

وإذا كانت الخلافات السياسية مستقرة عند الخط الأحمر، حيث لا يجرؤ أحد على تجاوزه، تجنباً للانفجار الكبير، فإن ثمة تراجعات في المواقف السياسية برزت مع مفاجأة اقتحام تنظيمات التطرف الإسلامي بلدة عرسال وجرودها.

ولعل أبرز هذه المتغيرات تراجع وليد جنبلاط عن إدانة تدخل حزب الله في سوريا، ووصولاً الى دفاعه عن مشاركته في القتال الى جانب قوات المالكي في العراق.

ويرى المراقبون أن هذا التراجع ينذر بقلب التوازنات السياسية، وبالتالي، يهدد بدخول «الخلافات» مرحلة جديدة من الاهتزازات، حتى لو تجاوزت الخط الأحمر، الذي كان يبدو أن فرقاء الصراع قد التزموا الوقوف عنده.

فها هو وليد جنبلاط يحرك المياه الراكدة سياسياً، ويدفعها مجدداً إلى التلاطم؟ حيث يبدو أنه سيغادر موقعه «الوسطي» شيئاً فشيئاً، مقترباً من التحالف مع حزب الله… ومتقرباً من سوريا إذا ما توافرت في دمشق فرصة الصفح مرة أخرى.

وهو، وفق معلومات تنقلها مصادره، يقوم باستعادة العلاقات المقطوعة مع شخصيات من قدامى حزبه، والذين ما زالت تربطهم علاقات معقولة مع دمشق، في محاولة لمد الجسور مرة أخرى مع الرئيس السوري بشار الأسد، أو على الأقل، مع رجاله الأساسيين.

وهو من خلال حرصه على «العودة الرابعة» إلى دمشق، أزال الحاجز الرئيسي الذي بقي يعوق طريقه الى المصنع، فزار «الرابية» فجأة في مصالحة غير متوقعة مع الجنرال ميشال عون. وهذا حدث سياسي مهم قد يؤدي الى فتح الطريق البرتقالي الى بعبدا إذا ما تمت صفقة قلب الطاولة.

صحيح أن استدارة جنبلاط السياسية لم تكتمل بعد، إلا أنه مستمر باستكمالها، خصوصاً بعد أن قطع الآمال نهائياً ببناء علاقات الحد الأدنى مع السعودية، وبعد أن تبين له في آخر لقاء مع الرئيس سعد الدين الحريري في باريس، أن العلاقة الشخصية الجيدة، لم تنجح في الوصول الى اتفاقات سياسية في المسائل اللبنانية، وتحديداً في ما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية.

ومن الواضح أن أحداث عرسال وما كشفته من مخاطر مقبلة، قد أسهمت بدورها، في الدوران الجنبلاطي الجديد. فالقيادي «الدرزي» أحس بأن الهجمة الارهابية على عرسال، هي بداية لهجمات قد تخرج من ثقوب لبنانية في داخلها أعداد من الخلايا، التي يبدو أنها ستبدأ الاستيقاظ من نومها. وقد وصل به الاحساس بالمخاطر المحدقة بلبنان، الى حد التكهن بانقراض الدروز والمسيحيين!!

لا شك في أن المبالغة في التكهنات الجنبلاطية، هي مقصودة، وتصب في سياق تبرير النقلة الجنبلاطية الأخيرة.

وأحداث عرسال، لم تكن السبب الرئيسي في استدارة وليد جنبلاط، فزعيم المختارة سبقها الى لقاء السيد حسن نصر الله فاتحاً صفحات جديدة من المواقف الجديدة المبررة للتدخل العسكري في سوريا، حتى ولو ظهر التبرير مربكاً ولا يتصف بالحسم.

لقد فاجأت عرسال الجميع. لكنها مفاجأة جمعت اللبنانيين حول جيشهم. ودفعت بتيار المستقبل الى وضع نقاطه الوطنية على حروف الحالة السنية، التي لا ينكر بعض رجالاتها، على قلتهم، تعاطفهم مع هجمة داعش والنصرة على هذه البلدة اللبنانية النائية، التي قدمت الكثير للنازحين السوريين.

وأحداث عرسال، على خطورتها وبشاعتها، وكلفتها الدموية العالية، شكلت فرصة للرئيس سعد الحريري لتأكيد التزامه بالاسلام المعتدل، ولنفي، ما اتهم به من مساندة للإرهابيين والمتشدين السنة، بشكل حاسم ونهائي.

أما حزب الله فقد وجد في هذه الأحداث من يحمل عنه عبء مواجهة المتشددين مسلماً أمرهم للجيش اللبناني، ووقف بعيداً مراقباً للمشهد، مبعداً عن نفسه تداعيات التدخل المباشر في صراع يأخذ، بشكل ما، الطابع المذهبي.

يبقى السؤال:

هل يكفي انتصار الجيش في معركة عرسال، لاعتباره انتصاراً على تمدد الحرب السورية الى لبنان؟.

لا يبدو الأمر بهذه السهولة. فتراجع داعش والنصرة أمام ردع الجيش اللبناني وقوة نيرانه وشجاعة رجاله، لا يعني أبداً أن التنظيمين الإرهابيين قد تراجعا عن حرب الكر والفر. فمن الواضح أنهما اتخذا قرار التورط في لبنان، ومن ثم، توريط لبنان في مسار حربهما السورية.

وما يتعرض له لبنان، وما يقوم به الجيش اللبناني، لا يمكن مقارنته في أحداث نهر البارد الدموية. فتلك الأحداث كانت تجري داخل مربع جغرافي صغير تمت محاصرته بسهولة، وما كان المسيطرون على المخيم سوى قلة معزولة، ترتبط بها قلة قليلة من الأنصار في مخيم عين الحلوة. أما اليوم فالمعركة أكثر تعقيداً. فالقوى التي تواجه الجيش اللبناني يتمدد أنصارها في البقاع والشمال وفي بيروت وصيدا، حيث لا يمكن للأجهزة الأمنية اكتشاف نفوذ داعش والنصرة داخل مخيمات النازحين السوريين المنتشرة في طول لبنان وعرضه. يضاف الى هؤلاء قوى مسلحة لبنانية، لم تتردد في إعلان تأييدها للتنظيمين الإرهابيين في كل من طرابلس وعكار.

لا بد من أن تدرك القيادات اللبنانية ان الخطر لا يقف عند أبواب لبنان، فهو قد اقتحمها فعلاً. ولن نصل الى الانتصار عليه بالتغني بالجيش وإلقاء بيانات التأييد.

إن معركة قد تكون متداخلة في أغلب المناطق اللبنانية، تحتاج الى مؤسسات متكاملة وقوية. وهذا يستدعي من المعطلين لنصاب انتخاب الرئيس أن يتوقفوا عن الاستهتار بالفراغ. وهذا يستدعي أيضاً أن نكف عن استدعاء الأزمة السورية بالتورط فيها، وبفتح الحدود منها وإليها.