هدى عيد: الجريمة هاجسي الروائي

غادة علي كلش:

تُنقِبّ الروائية هدى عيد في رواياتها دوماً، عن المظاهر الفاسدة  الكامنة في طبقات المجتمع اللبناني، المتوسطة منها، وتلك البرجوازية الجديدة. وترصد من خلال هذه الروايات، خطوط العلائق الخفية التي تربط بين السياسي والمالي والاجتماعي من جهة، وبين الجنوح النفسي والفكري والأخلاقي، للأفراد الذين يشكلون دور البطولة في بيئات متهاوية ومتصدعة، من جهة ثانية.

هنا حوار مع هدى

هدى عيد

هدى عيد

عيد عن روايتها الجديدة “حب في زمن الغفلة” الصادرة عن “دار الفاربي” في بيروت، نضيء فيه على هواجسها التي تستتبع بها فن الرويّ وتقنياته وتحديثاته، على خط استتباع نبض المجتمع المتفجر:

■ تنحو روايتك الجديدة “حب في زمن الغفلة” منحى مختلفا عن رواياتك السابقة، من حيث اختراق البيئة المتوسطة الدخل تحديدا، من دون الابتعاد عن البيئة الثرية المرتبطة بأدوات السلطة. هل تعتقدين ان العلائق المتقاطعة بين بيئتين مختلفتين، هي التي تسبب نتائج  كارثية؟

– النتائج الكارثية لا تتأتى، طبعا، من هاتين البيئتين، واحدة متوسطة، والاخرى ثرية، اذا كان النمو في الطبقة الثرية نموا طبيعيا، وإذا كانت عملية الانتقال من هذه الطبقة المتوسطة الى الطبقة الثرية، قد تمت بشكل تدريجي طبيعي. لكن، ما يحصل في مجتمعاتنا هو قفزات مهولة أحيانا، تنقل الفرد من حالة متوسطية في العيش، او من حالة متدنية، الى ان يصبح برجوازيا منظورا في المجتمع. فيحاول قدر الامكان، الحفاظ على بعض العلاقات مع الطبقة المتوسطة، او يعمد احيانا الى مقاطعتها بنوع من الجفاء، والتعالي الذي يعكس  جملة من العقد النفسية. هنا تبدو العلاقات بين هاتين الطبقتين علاقات غير مستوية الى حد كبير. لأن التطور لا يكون ملحوظا على الصعيد الانساني بشكل كاف. ولا يلحظ النمو النفسي والعقلي والفكري بشكل متكافئ. لذلك نجد ان الصراع، يبدو قائما في هذه العلائق، اكثر مما يبدو الانسجام حاصلا. انطلاقا من هذه الرؤية احاول في روايتي هذه، تسليط الضوء على هذه المسألة الملحوظة في مجتمعنا. إذ ثمة فجوة تقوم في مجتمعاتنا بين هاتين الطبقتين. فالطبقة  البرجوازية الجديدة، تحاول ان تركل بقدمها كل ما كان لديها من قيم، وتحاول ان تدوس عليها، فيما الطبقة المتوسطة تبدو في عدم  تقبل، أو عدم استيعاب لهذه المنظومة الجديدة. لذلك يقوم نوع من الصراع متجليا بطريقة او بأخرى، عبر بطلة الرواية ليلى بدران، التي تنتقد ما حصل مع اختها وصهرها، وهما النموذجان الفعليان لهذا الصراع في هذا العمل الروائي.

■ يتشكل البعد الرمزي والجسدي للحب في روايتك، ضمن ثلاثية العذاب والطلاق والغرام. هل ترين ان الاعراف الشرقية تغيرت كثيرا، مع تغير اشكال الممارسة الاجتماعية العامة في لبنان، ومع تحديث العادات وانقلاب الاجيال الشابة على التقليد؟

– الزواج مؤسسة اجتماعية مهمة. ولا شك في ان تغيرات عدة قد طرأت بسرعة على المجتمع اللبناني، وعلى سائر المجتمعات العربية. ولكن، اعتقد، أن المجتمع اللبناني، كان الاسرع في تقبل هذه التغيرات وفي اعتناقها. والتي انعكست بسرعة هائلة على مؤسسة الزواج. وما نلحظه في مجتمعاتنا اليوم هو كثرة حالات الطلاق. وبالتالي، فإن البعد الهائل ما بين طرفي هذه المؤسسة، جعلهما بسبب هذه التغيرات، غير قادرين على التفاهم. اذ شكل كل واحد منهما عنصرا قابلا لتغيرات المجتمع المتسارعة، وغير المدروسة وغير المنتظمة الوقع. وقد اوصلهما هذا الواقع  الى حالة صدامية نوعا ما. من هنا فإن الصورة العامة لمجتمعنا اليوم، قد لا تبدو قائمة على اسس صحيحة، بشأن كثرة عنصر الطلاق. إلا أن  بعض هذه الحالات الانفصالية في مؤسسة الزواج، هي منطقية ومبررة، تستند الى جملة من الاسباب الواقعية التي تجعل الانثى تفكر في استقلالها مجددا، لاثبات ذاتيتها. ليلى بدران في هذه الرواية، كانت تمثل الى حد كبير، حالة المرأة المطلقة التي تواجه المجتمع الرافض، الذي لا يزال بدوره، يقسو على المرأة العانس، والمرأة المطلقة، فيحاول ان يجرها للعودة الى زوجها، حيث كان يمثل هذا الاخير انموذجا منفرا لتداعي القيم من حولها.

■ شخصية صالح (زوج ليلى بدران) شكلت في روايتك هذه، مفاجأة للقارئ. فهو الرجل الذي نجح في تغيير شخصيته كليا من السيء الى الاحسن، من أجل استعادة زوجته. هل (صالح) هو رمز وهمي ام حقيقي؟

– أُثمِن ملاحظتك هذه غادة أنا لا أرى شخصية صالح متخيلة وبعيدة من الواقع، انا اجد ان الرجل اللبناني مظلوم الى حد ما، من التغيرات التي وقعت في مجتمعه. لا ينبغي ان نضع كل المسؤولية على عاتق الرجل. ثمة مجتمع مجحف يتعرض للانسان عندنا، سواء كان رجلا ام امرأة. وثمة ظروف اقليمية وسياسية واجتماعية يتعرض لها الانسان فينا. لذلك من يعاني ليس فقط المرأة، فالرجل ايضا يعاني من تغيرات مجتمعه. وفي روايتي هذه، كنت اعوّل على شخصية صالح وتغيرها من الاسوأ الى الاحسن. فالرجل هو عنصر ايجابي وسيبقى ايجابيا، اذا ما لاحظ هذه التغيرات، وأعاد استيعاب القيم، وبناء نفسه من جديد.

■ روايتك تعكس لنا واقع الاغتراب الجديد للشباب، واختلاف نوع الغربة معهم عن غربة الآباء والاجداد.  الى اي مدى شكلت التكنولوجيا، همزة وصل جديدة، ضمن ادبيات الغربة؟

– الوطن اللبناني هو وطن مفتوح على الغربة. نقرأ من سنوات طويلة، أن ثمة هجرة كانت تحصل وبشكل قسري، أحيانا لظروف سياسية، وأحيانا، لظروف امنية، وأخرى معيشية. ولا شك في ان الظروف المعيشية هي التي شكلت العامل الاساسي في عملية اغتراب اللبناني عن وطنه. كل المهاجر الاميركية (الجنوبية والشمالية) والمهاجر الافريقية، تعرف المغترب اللبناني، من خلال بروز اسماء العديد من اللبنانيين، على الصعيد العالمي، والمؤسف، أن عملية الهجرة في القرن الواحد والعشرين ما زالت مستمرة، ونحن بالتالي امام نوع من نزف متجدد لا يمكن وقفه. بعضهم يتحدث عن عوامل ايجابية كثيرة، تجعل هذه الهجرة موردا للرزق، وموردا للثقافة، يستفيد منه الوطن وجيل الشباب. ولكن، نحن لا ننسى اننا نخسر دائما عنصر الشباب، وأن المجتمع يفقد هويته بطريقة او بأخرى. وما يحدث على الساحة اللبنانية اليوم، نزف من مكان، وتدفق من مكان آخر. وهذا ما يغير، في طبيعة الحال، من هوية المكان ويبعده عن الطابع الاساس الذي كان مطبوعا به. ان ما اشير اليه في روايتي “حب في زمن الغفلة”، هو هذا النوع من الهجرة، التي بدت مرتبطة بالاجتماعي اكثر، وبالظروف التي نتجت عن التمزق النفسي الى حد كبير، بالاضافة الى العناصر المادية الضاغطة على الاسرة الصغيرة. ولا شك في ان التكنولوجيا، لعبت دورا جديدا في وسائط الاتصال المختلفة، بطرق اكثر اتساعا وشمولية، بين المقيم والمهاجر. ويمكن القول ان ابناءنا اليوم يتعرضون ـ شئنا أم أبينا ـ لنوع من التربية المختلفة، عن تربيتنا، وعن ثقافتنا. لذلك يبدو لهم النموذج الغربي اكثر انفتاحا، وأكثر اغراء.

■ المتابع لرواياتك، خصوصا في رواية سابقة لك هي “نوارة” وفي روايتك الجديدة هذه، يلاحظ ان واقع الجريمة هو واقع متداخل الاسباب والاساليب، مرتبط بقوة السلطة، وبسلطة المال. هل يسعى الروائي في رأيك الى ادانة القاتل والقتيل معاً؟ هل تسعى هدى عيد الى تكريس السرد التراجيدي الذي يدين ولا يدان؟

– انا أكتب الاجتماعي، فالمجتمع هاجس اساس بالنسبة إلي. وأجد نفسي دائما مع مقولة ان الرواية يمكنها ان تكون الحقيبة الاخيرة لتهريب التاريخي. وبالتالي لسنا مضطرين دائما للعودة الى قراءة التحليلات السياسية العميقة، حتى نستقرئ الاجتماعي. لذلك احاول في رواياتي، لفت النظر الى تغير المجتمع، بطريقة او بأخرى، وبابتعاده عن السلمية الاهلية التي كنا فيها، كانت الحرب عنصرا خارجا. اليوم بات افراد من المجتمع، ينتجون الحرب، عبر فصل القتل. نحن نحيا في مجتمع مفتوح على الجريمة. وهذه مسألة خطرة، وتشكل بالتالي اشارة ضوء ينبغي ان نتنبه لها كمواطنين، وكمتابعين لحركة المجتمع في حيثياته الصغيرة والكبيرة. المقلق في الموضوع ان الجريمة هنا هي بلا عقاب. وهذه مسألة خطيرة جدا، وينبغي على السياسي والمفكر والفنان، وكل فرد قائم في المجتمع أن يتنبه لها. لقد باتت الجريمة تشكل هاجسا في اعمالي الروائية، لأنها تحولت الى شخص معنوي موجود على الارض، ويتحرك بحرية تامة، من دون أن ينال عقابا له. لذلك اصبحت الجريمة احدى مكونات البناء السردي، الذي اعمل على ايجاد مداميك ثابتة له، بالنسبة الي هذه الظاهرة الخطرة بالذات.

■ التقنية السردية في اعمالك الروائية، تتسم بتطوير الشكل التقليدي لآلية الحوار. رأينا ذلك في روايتك “حياة اخرى” وفي روايتك الجديدة هذه. هل اكتملت في رأيك مهمة التطوير التي تبذلين جهدك في تكريسها، ام انك مستمرة في تقديم اضافات اخرى؟

– الفن الروائي، فن مفتوح كسائر الفنون. لذا، أعتقد ان الروائي الحقيقي، عليه ان يجرب اكثر من مرة، وعليه ان يجدد اساليبه وتقنياته، ولا يركن الى المألوف والمعتاد. نحن امام قارئ مختلف. القارئ لم يعد محصورا بقراءة الكتابات المنتجة باللغة الام. اصبح يقرأ اعمالا روائية منتجة على الصعيد العالمي. وهنا ينبغي ان نعترف بأن الرواية العالمية في الخارج، اكثر تطورا وأكثر ديناميكية من الرواية العربية. وعنصر التجريب لا ينتهي فيها. لذلك علينا ان نحاول ونجرب دائما في الروي الخاص بنا. شخصيا، ومن خلال عملي على سردية الحوار بطريقة مختلفة، اؤمن بأن الحوار هو تقنية مهمة وحيوية في العمل الروائي. وما امارسه وما مارسته في هاتين الروايتين كان طريقة محببة في الحوار السردي، لاقت استحسانا من قبل القراء. فقد كسرت هذه الطريقة المسافة بين المتحاورين، وبالتالي جعلت الحديث يبدو اكثر حميمية، وأكثر صدقية، حيث شكل نوعا من تداخل  الاصوات ضمن الشخصية الواحدة. هذه التقنية تحتاج الى جهد كبير، والى نوع من الاستغراق والذوب فيها، حتى يمكننا الحصول على هذا الصوت المتداخل بصدقيته وبقمة حرارته وشفافيته العالية.

■ معنى الغفلة، ومعنى الضياع، اين يتشابهان في عمليك الروائين “الحياة في الزمن الضائع” و”حب في زمن الغفلة”، وأين يتقاطعان، خصوصا انهما يمثلان رمز المرأة الشرقية في مجابهتها للرجل والمجتمع، وفي رغبتها بحياة اخرى، وحب جديد؟

– دائما علينا ان نسأل ما هو الهدف من الوجود الانساني على الارض. هل وجد الانسان ليعاني فقط، وليتألم ويحتار من التقلبات التي تأخذه ذات اليمين وذات اليسار؟ ام عليه ان يشعر بنوع من الاستقرار، وبنوع من الامان والثبات؟ اتساءل دوما لِمَ هناك اناس عديدون حول العالم، لا يعانون مما نعاني نحن؟ دائما نبقى في مراحل  التحول الذي يصهرنا ويجعل كل مشاعر الالم والضياع تهيمن علينا في بعض المراحل، لذلك اجدني اركز على هذه المفردات، مثل الضياع والخيبة والغفلة. ففيها اشارات الى زمن يمر من غير ان نستطيع القبض عليه، ومن غير ان نسمره بطريقة انسانية عالية. فيما المرأة ههنا، هي العنصر الاكثر تلقيا لهذا النوع من الضياع، وهذا النوع من الغفلة، لأنها اساسا في المجتمع، كانت هي الحلقة الاضعف، اليوم باتت اقوى من السابق، إلا أنها تلقت الخيبات والغفلات بطريقة اعلى حساسية ومعاناة. ولكن ما من شك في ان الضياع بمدلولاته  يطاول المرأة والرجل على حد سواء، ويجعل الزمن يتسرب من بين ايديهما، من دون أن يحسنا استغلاله بطريقة تخدم انسانيتهما، وتخدم هدفيهما في أن يكونا داخل الحدث، لا خارجه.

Advertisements

غادة علي كلش تلاحق الطيف والاثر

غادة علي كلش توقع كتابها الجديد

غادة علي كلش توقع كتابها الجديد

كتبت نرمين الخنسا

تغرف الكاتبة غادة علي كلش كلماتها وكتاباتها من خوابي الفكر الصافي. وتعطينا عصارات من التأمل الوجداني والصوفيّ، ومن العِبر والفن،  في سياق قراءة النفس والحياة.

لها باع في انتهاج الشذرات الأدبية ذات البعد الفكري والروحي معا. تمتلك مفاتيح في اللغة، تؤدي بالقارئ إلى الدخول في عالم التعبير الحكيم، وفي عالم التصوير الجمالي، البسيط في مفرداته، والعميق البليغ في دلالاته. هكذا قرأنا لها من قبل، “عصافير القضبان” و”مدارات الروح” و”عكس الريح”، وهكذا نقرأ لها اليوم كتابها الجديد الصادر حديثا عن دار درغام تحت عنوان “الطيف والأثر”.

أكثر من 300 شذرة أو خلاصة تأملية، تبذرها لنا الكاتبة كلش، في حقول العقل والقلب والنفس والوجود والطبيعة. وكأنها تدعونا إلى زيارة حدائقها الفكرية، التي تغتني بأنماط،  منها ماهو رؤيوي، ومنها ما هو عاطفي، ومنها ما هو حِكميّ (من الحكمة) ومنها ما هو جماليّ. كأننا نمشي في “كرم على درب”. من هنا يمكن القول إن غادة تحذو حذو العديد من الادباء الذين خاضوا غمار الخواطر أو العصارات البليغة في أدبنا العربي الحديث، وثمّة إشارات تذكّرنا براجي الراعي، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، وجبران، وهي أي الكاتبة إن واصلت، هذه الدربة في استخلاص العِبر، فستصل إلى مصاف راقية وبالغة الاثر،  بمرور الأعوام والأعمال.

تقول غادة في إطار تأملاتها عن النفس:

-الإنسان هو ذلك الكائن الصحيح المعتلّ.

–  المرء يعرف نفسه، لكنّه يُغضي في سرّه عمّا يعرف.

– الفرق بين المتوحّد والوحيد، أنّ الأول عزلته في الدماغ. أما الثاني فعزلته في الفؤاد.

– كل شيء فينا مسؤول عن دوره، حتى عتمة الجوف مسؤولة عن رؤياها!

– بحثت في كوكب النفس عن كنز مغمور لا نفطن له بالعادة، فعثرت على نعمة التكيّف.

– الحديث السريّ الذي يدور في أنفسنا دائماً، ولا يسمعه الآخر، هو الذي يُشكّل الجوهر الحقيقي.

على خط آخر، وتحديداً، خط العاطفة تغوص  غادة علي كلش بصفاء وحكمة، في معايير الحب وخلاصاته، عاملة على الإرتقاء بالتعبير عنه إلى مصاف روحية نبيلة، غير مبتذلة، وبعيدة عن الترويج الإستهلاكي للغة القلب. نقرأ للدلالة على هذا التوجّه:

-أقول لمن ضيّع هوية إحساسه، لا يوجد في هذا الدرب،  بدل عن ضائع.

– أقول للإنسان المخدوع،  أَقبلْ على إبتسامة الرضا، لا تغضب. فالخادع يسقط تواً من أعلى النفس.

-الوجه الذي يتعمّد الدوران من قلب إلى آخر. تختفي ملامحه من كل القلوب.

– وأنت تُصدّق مَن يقول لك إنك روحُه. لا تنسَ أن تُغربل له هذا الكلام، في مرأى الأيام.

– أقول لكل محب، لا تنسَ أن الحبيب ليس قلباً فحسب، وأنً كل ما اتصل به من فكر ونظر وسمع ومزاج وكرامة،قد يُقلِّب القلبَ عليك.

أما عن الطبيعة وتأثيراتها، فللكاتبة عصارات خلابة، تجعلنا نستمتع كثيراً بقراءتها. إذ هناك بساطة جميلة الحس، مرهفة التصوير، عميقة الدلالة. نقرأ منها:

-الأشجار لا تذوق طعم الموت، بل تذوق طعم اليباس.

– أعشق أشجار الأرض،لأنها تروي سيرة أشجار الجنة.

– أيها الساكن في “أفلاك” الطبيعة، بلّغ الأشجار رسالةً منّي: حُبّها في الروح أنشودة تسري إلى مسمع الوجود، وتُغنّي.

– تستحضرونني بمكوثكم في الشجر، وأستحضركم حتًى بمكوثي في الحجر.

– ثمة شجرة إختزنتْ خيوط الشتاء على سطحها الأخضر،وعندما مررتُ بها،  أمطرتني خيوطاً بيضاء.

– أود الإستلقاء على قمم الأشجار، لا حُبّاً بالعُلّو، بل حُبّاً بالتأمل.

لا تبخل علينا غادة، حتى في قراءة الدنيا بشكل عميق على بساطته، وبسيط على عمقه، فتقول:

-خُذْ كل ما يكسُرك بالصبر، ترَ نفسك مُتجاوزاً كل الإنكسارات.

– نفسُك هي بيتُك الأغلى قيمةً في الحياة. لا تبِع هذا البيت.

– تكون اليد بلهاء، إن لم يرافقْها العقل. وتكون رعناء، إن لم يرافقها القلب.وتكون سفّاحة، إن لم يرافقها الضمير. اليد مِرسالُ النفس.

– يكبُرُ إيلاماً،أن يأخذكَ الناس بما يفعله الغير.

– أنا المَشَّاءَةُ على أرض الوجود، أمشي ولا أجرّ الدنيا خلفي.

–  ليست الدنيا بهذا العُلوّ، حتى نعطيها كل هذا المقام.

عصارات كثيرة يحار القارئ أين يقف مرارا عندها. فاستعراض هذا الكم القليل المتاح في هذه المقالة، لا يفي مضمون الكتاب حقه. لكن، بالإمكان القول أن غادة نثرت مئات الخواطر في هذه البيادر، وكتبت عن الضمير، والصدق، والخيانة، والتواضع، والذكاء، والصبر، والعقل، والقلب، والصداقة، والطريق، والسفر، والفقر، والطير، والموت. ولها في الموت أكثر من نظرة. نرصد بعضها ههنا:

– كل واحد منا يحيا فردا ولو كان مع جماعة،ويموت فردا ولو مات مع قوم.

– وحده الميت اذا  خلف موعده، يكون غيابه سيد الأعذار.

– ثمة أموات لا يتركون صكّاً بما امتلكوه من أوجاع.

– لم نمت بعد، حتى نقلع عن إرتكابات الحياة.

–  ثمة نوعان من الجهل يشكّلان نعمة: جهل سيرورة الغيب. وجهل ساعة الغياب.

– الحياةُ دَوْرة،والموتُ دَوْر.

أما عنوان الكتاب: “الطيف والأثر” فقد اختارته الكاتبة من القسم الأخير الموجود في كتابها، وهو القسم الذي خصّصَته هي، لتسبر أغوار المدلول العاطفي المتكامل للإنسان، مفترضة وجود الطيف/ المحبوب، وأثره/ المتبوع. لتأخذنا معها في رحلات عاطفية غريبة النسق تحت مسمى: رحلة الطيف، ورحلة الأثر.

نذكر من هذا القسم بالتحديد:

-الطيف يقرأ معي، يكتب معي، ويسمع معي، صوت الفكر.

-لا نتشاطر أنا والطيف المكان، بل نتشاطر المكانة.

– نتبارى أنا والطيف في الفوقيّة. هو الطيف الجميل فوق الإستثناء، وأنا الطيف الجميل فوق العادة.

–  لستُ أنا الطيف، ولست أنت هو. هذا الطيف هو كلانا معاً،  تراه يطوف بنا في الحضور والغياب.

كتاب غادة علي كلش الجديد، هو قاموس التعبير عن النفس والحياة، وفيه يجد القارئ، المعاني التي يبحث عنها في الوجدان.