أنظر حولك

walidلا يحتاج اللبناني إلى تفسيرات جهابذة السياسة والإقتصاد، ليفهم ما يجري في البلد.

يكفي أن ينظر حوله ليحل ألغاز القلق والخوف.

لو بدأ من الأعالي، لفهم أنه لولا عودة الروح إلى المقولة القديمة، “قوة لبنان في ضعفه”، لما أمكن تبرير وصف هذا العهد بـ “العهد القوي”. فبعودتها، وبمعاييرها، يكون هو العهد الأقوى، منذ أيام “الإنتداب” إلى أيام “الندب” هذه.

الإقتصاد في أضعف أزمنته… وفي أقوى أزماته.

الأمن “أوهن من بيت العنكبوت”، قبل “مبسوط” طرابلس و”قبرشمون” الجبل وبعدهما.

التعايش المشترك يعاني من إشتراكات مذهبية قاتلة.

الدستور طُمر، عن عمد، في مطامر الصلاحيات المتشابكة، والتشريع غير الشرعي.

القوانين مصابة بفقر دم التنفيذ.

الحرب على الفساد، يتولاها “دونكيشوتيون”، ما زالوا يطاردون، بذريعة “الإصلاح والتغيير”، طواحين الهواء.

رغم كل ما ورد من أمراض ووهن وضعف، ثمة من ينكر ويستكثر على العهد صفة القوي، وكأن مقولة “قوة لبنان في ضعفه” ليست تراثاً لبنانياً… يفرض على اللبنانيين إحياءه من حين لحين.

***

ننتقل إلى الأزمات المنتفخة بالعقد والنكد.

هناك أزمة متمادية إسمها الموازنة، تتأبط شراً إسمه “قطع الحساب”.

صحيح أنها خرجت أخيراً شبه سالمة من مجلس النواب، إلا أن ألسنة الحلفاء والخصوم الطويلة، ما زالت تتطاول على سمعتها.

ولا يُستبعد إستعدادها لشرشحة إقتصاد البلد مرة أخرى، عند قيام ساعة موازنة 2020.

ربما يترتب على سعد الحريري، ليتجنب التحامل والحملات، أن يلجأ إلى الغش. كأن يقدم للناس ونوابهم، ما يشبه ميزانية سويسرا. تماماً كما تقدم الصناعة الصينية في أسواق التقليد، ساعات مغشوشة تشبه الساعات السويسرية.

من السهل عليه إدخال “سوف” إلى لغة الأرقام، لتخدير اللبنانيين، وبالتالي المزايدة على النواب المزايدين.

لكنه، بالتأكيد، لن يفعل. فالبلاد تعاني من أمراض، لا يشفيها باعة الكلام. هي بحاجة إلى طبيب جراح. وعلى اللبنانيين تحمل آلام الجراحة.

***

ومن أزمة مقيمة وقديمة، ننتقل إلى أزمة مستجدة ومفتعلة، إذا لم تعالج بالسرعة الواجبة، فستفعل في لبنان ما لم ينجح الإرهاب في فعله.

لقد قضى إتفاق “معراب” بالمناصفة، في كل شيء، بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. إلا أن حصادة جبران باسيل حصدت النصفين.

القوات حاولت بعث الإتفاق وهو رميم. فورطت نفسها في تقاسم “العنصرية” مناصفة مع التيار. له قطع أعناق النازح السوري، ولها قطع أرزاق اللاجئ الفلسطيني.

فجأة استيقظ “المنتافسان” على تطبيق القانون المنسي. مع تناسي أنهما بالتنافس على ميدالية قمة “العنصرية”، يوقظان فتنة وطنية قد تدمي الوطن.

***

أيها اللبناني أسرع وانظر حولك قبل فوات الأوان… وقبل أن تخسر “الوطن الجنة” من أجل “تفاحة”… سيقضمها الفاسدون.

وليد الحسيني

قانون “أبو النواس”

… وكأن الشاعر العباسي “أبو النواس”، قد أصبح مصدراً من مصادر التشريع اللبناني. فهو الذي شرّع قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”. وهذا تماماً ما يفعله لبنان.

يداوي داء الفساد بمزيد من الفساد. ويداوwalidي داء الطائفية بمزيد من الطائفية.

في الفساد:

يحارب التضخم الوظيفي، الفائض عن الحاجة، بتوظيف الأتباع، ممن لا حاجة للدولة بهم.

يكافح الرشوة بمطاردة الموظف المحتاج والجوعان و”الكحيان”، ويترك أبواب صفقات مشاريع المليارات مستباحة، بعمولاتها الكبيرة، لكبار السماسرة والنافذين.

يهدم غرفة في بيت متواضع، بُنيت لحاجة عائلية، لأن رب البيت لم يدفع رسوماً للبلدية والدوائر العقارية، ويغض النظر، إلى حد العمى الكامل، عمن أشاد منتجعات سياحية، ضخمة وفخمة، على شواطئ لا يملكها. ومازال يشيد المزيد، وينهش المزيد من أراضي البر والبحر.

يحل مشكلة استنزاف شركة الكهرباء، لأكثر من ثلث الخزينة العامة، باستنزاف الوقت ما بين الحل الدائم والمؤقت. ففي المؤقت سيرتفع منسوب العمولات في البواخر والمناقصات. وفي الدائم ستتراكم الأرباح الفلكية لمحتكري استيراد المازوت… وقريباً الغاز.

في الطائفية:

بداية يعتز لبنان بطوائفه ويعتبرها مفخرة تتفوق على كل المفاخر. فهي التي جعلت منه بلد “التعددية”. وحفاظاً على هذه الميزة الإلهية، تم تقسيم وتقاسم الوظائف والمناصب والمؤسسات والسلطات بين الطوائف. وتم للبنانيين التغني بالصيغة اللبنانية الفريدة.

وبناء على هذا البناء الطائفي، قلّما نجد مسيحياً ينتسب إلى أحزاب مختلطة. فالبلد يعج بأحزاب لا يدخلها إلاّ من آمن بالرب يسوع.

هناك القوات اللبنانية. ومن يشك بنقاء مسيحية سمير جعجع، بسبب علاقته بسعد الحريري، باستطاعته الذهاب إلى الكتائب، حيث لا صوت يعلو على أصوات أجراس الكنائس. أما من أخذته مسيحيته إلى التشدد، ومصالحه إلى النفوذ، فسيختار، بلا تردد، الإنتساب إلى التيار الوطني الحر. وفي حال فقد المسيحي التائه قدرة الصبر على جبران باسيل، فحزب المردة يفتح له صالات الشرف.

أما المسيحي الذي يتمسك بالتراث، ويحن إلى الزمن الحزبي الجميل، فليطرق أبواب حزب الوطنيين الأحرار، أو الكتلة الوطنية، مطمئناً بذلك على ماضيه العريق.

وعملاً بقانون “أبو النواس” في الطائفة الإسلامية، يلتزم الشيعي بالانتماء إلى حركة أمل أو حزب الله. وإذا تجرأ، وانتمى إلى غيرهما، فسوف يتهم بخيانة دم الحسين.

وخيارات السني، لا تختلف عن الشيعي، الشريك اللدود في الإسلام، فهو مثله أمام خيارين، أحلاهما مر، أي الإنضمام إلى الأحباش أو الجماعة الإسلامية. أما إذا سار في طريق ثالث، فسيقع في المعصية، وينزل عليه غضب الله ورسوله.

والثنائية نفسها تنسحب على المسلم الدرزي. فهو إما في حزب المير طلال أرسلان، أو في حزب وئام وهاب. على اعتبار أن حزب وليد جنبلاط متورط تارخياً بالإختلاط، بسبب إصرار الأب المؤسس كمال جنبلاط، على ضم المسيحي والسني والشيعي. وبذلك يكون الإنتساب إلى الحزب التقدمي الإشتراكي سبباً في أن يفقد الدرزي بوصلة “التوحيد”.

تبقى الأحزاب المختلطة، الخارجة عن الملة. وإذا كان تيار المستقبل والحزب التقدمي أكبرها، فإن الضرورة قد تشدهما احياناً إلى المذهبية، لشد حبال دورهما في الدولة اللبنانية.

أما البقية الباقية من المختلط، كالشيوعي والقومي، فمازالا يغوصان في الإيديولوجيا المنقرضة، في بلد رست فيه الإيديولوجيات الحيّة على اقتناص الفرص.

أخيراً من المفيد التنبيه إلى أن قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”، قد شرّعه “أبو النواس” في باب الخمرة والسكر… وللأسف لا شيء يُسكر اللبناني ودولته مثل خمرة الفساد والطائفية. ولهذا لن يحاول أحد خرق “القانون النواسي” الصامد دون غيره من القوانين المضادة لفساد لا يحكمه القانون ولطائفية لا تعترف بالدستور.

وليد الحسيني