“اسرائيل أولاً”

وقّع دونالد ترامب صكّ نقل ملكية القدس الى إسرائيل.

أكثركم اعتبرها جريمة تعادل نكبة 1948، وتتفوّق على هزيمة 1967.

فعلتم ما فعلناه في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي.

في تلك الفترة، استهوانا التظاهر والتنديد والشجب والغضب. وعزمنا العزم على إلقاء إسرائيل في البحر.

قلدتمونا تماماً هتافاً وتظاهراً وتنديداً وشجباً وغضباً. وتجاوزتم عزمنا، فعزمتم على تدمير إسرائيل كاملة بالصواريخ التي لا تعد ولا تحصى.

نعترف أنّ هتافاتنا لم تستعد فلسطين. ولا تنديدنا رد كيد إسرائيل. ولا غضبنا أرعبها.

كان لجيلنا أعذاره. فهو لم يملك الجحافل ولا الإمكانات المادية والتسليحية والصاروخية. لهذا لجأ الى أضعف الإيمان وهو المقاومة بالقلب واللسان.

لكن ما أعذاركم، وأنتم أصحاب القوة وأبطال “توازن الرعب”.

اعتقدنا أنّ ردكم على الضياع الثاني للقدس، سيكون بتنفيذ وعدكم بتحويل إسرائيل الى حفنة من الرماد. فإذا بردكم لا يختلف عن ردنا قبل أكثر من ستين عاماً.

تظاهراتكم تشبه تظاهراتنا. وهتافاتكم هي هتافاتنا… لهذا نخاف عليكم أن تبلغوا فشلنا… وأكثر.

لن نستغرب. فالتاريخ الذي يكرر نفسه يصل الى النتيجة نفسها.

في ذلك الزمن رفعنا رايات الحرية والاشتراكية والوحدة.

الحرية أسّست سجوناً تتسع لكل أصحاب الرأي.

الاشتراكية خرج من رحمها الفساد والرشى والثروات المشبوهة.

الوحدة استولدت الإنفصال والإقليمية والإنعزالية.

لجأنا في ذلك الزمن الى الأحزاب القومية لإنقاذ أحلامنا الكبرى… فانشققنا وانقسمنا.

قادنا الفشل الحزبي الى التمسّك بالقيادات التاريخية… فانكسرنا وانهزمنا.

قفزنا بثقة عمياء الى ضفة المقاومة.. فدخلنا في حروب “الأخوة الأعداء”.

وممن فشل الى آخر… إنتهى كل شيء.

وعندما ساد الصمت الجماهيري وعمّ السكوت ساحات النضال، انتشر الفراغ وأطل “الإسلام السياسي” طارحاً نفسه كبديل لهذا الماضي الفاشل.

مع هذا الإجتياح المتنكر بالإسلام، ظهرت جماهير لا تشبهنا، وأفكار لا نعرفها.

فجأة وجدنا أنفسنا أمام تنظيمات وأحزاب تحلل الدم وتحرّم الرحمة.

الفرق بيننا وبينكم، اننا كنا حركات إنسانية. وكنا نتظاهر في وضح النهار وبوجوه وعناوين معروفة. اما أنتم فأعمالكم تشهد على “إنسانيتكم” المتوحشة.

نحن خسرنا قضايانا، لكننا لم نخسر شعوبنا. لم نفجّر سوقاً شعبية بزبائنها، ولا مدرسة بأطفالها، ولا شارعاً بمتنزهيه، ولا جسراً يربط في ما بيننا.

نحن خسرنا… وأنتم ماذا ربحتم؟

أنظروا حولكم وستعرفون.

أنظروا الى سوريا وليبيا والعراق واليمن.

أنظروا الى القرى والمدن المهجرة والمباني المدمّرة والمزارع المحروقة.

أنظروا الى أطفال فقدوا أمهاتهم، وإلى أمهات فقدن أطفالهن.

نحن لم ننجح في إلقاء إسرائيل في البحر. لكنكم نجحتم في إلقاء الأمة العربية في بحر الظلمات.

نذكركم، ويبدو أنكم نسيتم، بشعاركم “الموت لإسرائيل”، ونسألكم، وقد فتحت بوابات القدس للصهيونية، ونسألكم، وأنتم تملكون ما تملكون من صواريخ بالستية و”انتصارات إلهية”، لماذا لا يتقدم شعار “إسرائيل أولاً” على “سوريا أولاً” أو “العراق أولاً” أو “اليمن أولاً”؟

تقولون إنّ فلسطين هي البوصلة. فأين هي البوصلة، وأين هي فلسطين… بل أين هي القدس؟

من المحزن أن يكون الجواب بالأقوال لا الأفعال. فـ”إسرائيل أولاً” خطاب… أما الخطب ففي مكان آخر.

وليد الحسيني

دعوة إلى الحقيقة: كل ما يُعرف… يجب أن يقال

walidلم يعد التمويه صالحاً لإخفاء حقيقة ما يجري، كما لم يعد الإدعاء كافياً لتحويل الصراع الدائر من صراع قذر إلى صراع يحمل خليطاً متناقضاً من رايات الحرية والعروبة والإسلام وفلسطين.

لقد ذاب الثلج وبان المرج مملوءاً بالأشواك الجارحة والمسمومة. وصار لزاماً القول أن كل ما يُعرف يجب أن يقال.

قد يصعب تحديد من بدأ هذا المشهد الكارثي، الذي يكاد يعم الوطن العربي من محيطه إلى خليجه. لكن من السهل تحديد من خطط لهذه السنوات الشيطانية.

سنكون محقين لو اتهمنا أميركا وإسرائيل. إلا أن هذا الإتهام، حتى لو كان ثابتاً ومؤكداً، لا يلغي إتهام أنفسنا جميعاً، بأننا كنا أدواته الطيعة والمطيعة.

لقد خططوا لصراعاتنا، أن تكون في مكان ما، سنية ـ شيعية… فكانت رغم التمويه. وفي مكان آخر أن تكون عربية ـ فارسية… فكانت رغم الإدعاء بغير ذلك.

الجميع  ينهي عن عمل ويأتي بمثله. والجميع يشرب من نهر الجنون ولا يرتوي. والجميع كجهنم، يسأل هل من مزيد؟.

ثمة استثناءات لا يعترف أحد بها اليوم. وهي إن تكلمت فكلامها منتهي الصلاحية، ومتهم بأنه بقايا لغة خشبية يفترض إنقراضها. فالعروبة أصبحت تهمة ملعونة في ظل انتشار المذهبيات وانكفاء العرب كل داخل دولته.

صحيح أننا من هذه الإستثناءات، التي تشكل عملة مسحوبة من التداول، في زمن عملات فاعلة يتداولها من يتعامل بتفاعل مع هذا «الربيع» الذي لن يترك لنا ربع وطن.

ومع ذلك سنصيح في قلب الريح العاصفة بالأمة والمنطقة.

ما عاد مهماً ما يفكر من هم فوق، المهم أن قاع الشعوب العربية أصبح مسكوناً بالمذهبية. وهذا سيجعل الفتنة المشتعلة، أشد من «الفتنة الكبرى»، التي تلطخ تاريخنا القديم، والتي تتجدد اليوم، بأسلحة أكثر فتكاً. فالسيف استبدل بالصواريخ الحاصدة للأرواح بالجملة. والدرع استبدل بالحزام الناسف. والرمح استبدل بالقنابل الموجهة. والحصان استبدل بالدبابة.

في قاع الشعوب العربية أيضاً قناعة لا تتزحزح بأن ما يجري في المشرق العربي هو حرب عربية ـ فارسية، حتى ولو ارتدت ثوب فلسطين المثقوب بالتخلي إلى حد الخيانة، وبالإلتزام إلى حد الخطابة.

إن ما يُعرف ويجب أن يقال: أننا نمضي إلى بئس المصير.

في زمن التبشير بالثورة كنا ندعو شعوبنا النائمة إلى الاستيقاظ والانتفاض على الإستبداد والدعوة إلى الحرية والوحدة.

كنا ندعو إلى الاستيقاظ للنهوض بالمستقبل. واليوم، وحفاظاً على حد أدنى من المستقبل، ندعو جادين الشعوب العربية الهائجة، وندعو «ثيران» ثورات العرب والإسلام إلى العودة للنوم مستعيدين قول الشاعر معروف الرصافي:

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم.

نعم ناموا يا عرب وفوزوا بإنسانيتكم وأوطانكم وأرواحكم… ناموا وإياكم أن تستيقظوا.

وليد الحسيني

شكراً “داعش”

ISIS SOLDIERليست مؤامرة إمبريالية ولا مخطط صهيوني.  فألحان التقسيم الطائفي والتفتيت المذهبي ليست معزوفة أميركية يتغنى بها دعاة “الشرق الأوسط الجديد” في الغرب.  وصناعة دويلاتنا الطائفية والعرقية الناشئة لم تُنْتَج في مصانع القرار الدولي في مجلس الأمن.

جميع العرب يرقصون سرّاً أو علناً على أنغام الانفصال، التي حوّلت “الدولة اليهودية” في فلسطين المحتلة من استثناء إلى قاعدة.

رومانسياتنا القومية وأحلامنا الوطنية الوردية تهالكت بعدما استُهلكت على مدار عقود من “الانتصارات الوهمية” على أعداء الأمة.

شعاراتنا بدأت بـ”رمي إسرائيل في البحر”، وانتهت بمفاوضات حول حقوق الصيادين في المدى المسموح لإبحارهم وراء أسماك بحر غزة.

صرفنا المليارات على تخزين أسلحة فاسدة ومنتهية الصلاحية من أجل معركة فلسطين، وإذ بنا نستخدمها اليوم في معارك معاوية والإمام علي بن أبي طالب المتجددة.

من يستطيع بعد كل هذا الدم والخراب والأحقاد، أن يقول بأن السُنّة والشيعة والمسيحيون والأقليات المحيطة بهم لا يزالون في وارد العيش في وطن واحد؟

بدل أن نقطع رأس الفتنة، تابعنا على الشاشات موضة قطع الرؤوس المتدحرجة في الموصل والرقة.

وبدل أن نحقق الوحدة، توحّدنا في معسكرات “المهدي المنتظر” و”خليفة المتخلّفين” في العراق والشام.

هنا، مشروع دولة كردية في العراق يكاد يكتمل بامتداداته الجيوسياسية في سوريا وتركيا وإيران.

وهناك، ملامح الندم تظهر على وجوه سكان جنوب السودان بعد تحقيق حلمهم الاستقلالي.

في اليمن، يشقّ الحوثيون والجنوبيون طريقهم إلى الانفصال بالقوّة.

في لبنان، الفرز الطائفي يملأ “فراغ” الدولة، والانقسامات تنتظر التقسيمات المحتملة في دول الجوار.

وفي الخليج ومصر وليبيا تتكرر المخاوف نفسها من تصاعد خطر التطرف.

قد يكون اللاعبون الكبار لم يحسموا أمرهم بعد، تاركين للاعبين الصغار الوقت الكافي لإبادة بعضهم البعض، وإعادة إنتاج تاريخ عمره 1300 سنة من جنون الغرائز والتناحر والانتحار المشترك.

قد يكون أبو بكر البغدادي أحد أرانب سحرة استخبارات الغرب، وتنظيمه “داعش” أحد أحصنة طروادة لزرع الخوف ونشر الفوضى.

لكن مما لا شك فيه، أن عصبياتنا العمياء هي من أيقظت عمالقة “داعش” وأخواتها.

شكراً “داعش”… فمن دونك، كنا لا نزال نؤمن بوهم الأمة الواحدة، والقضية الواحدة … والله الواحد.

سامر الحسيني

سميح القاسم: سلاح القصيدة بين الكبد والمكابدة

كتبت غادة علي كلش:

نبدأ من هنا. من كبد سميح القاسم الذي كابد في كبره  المرض الخبيث، فهزمه الموت عن عمر ناهز 75 عامًا. ونرجع إلى الوراء إلى شعر سميح القاسم  الذي كابد منذ شبابه احتلال العدو الصهيوني لبلده فلسطين، ليسطّر  وجها صارخا في ترسيخ معاني الحياة، أي، كيف يكون الجسد مطيّة، وكيف تكون الكلمة سلاح الهوية.

سميح القاسم أحد أهمّ وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبطت إسماؤهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل الأراضي المحتلة في العام 1948. كان مؤسس صحيفة “كلّ العرب”، وعضوا سابقا في الحزب الشيوعي. ولد في مدينة الزرقاء يوم 11  أيار (مايو) 1939، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس،ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي.

تنوعت أعمال القاسم بين الشعر والنثر والمسرحيات، وبلغت أكثر من سبعين عملا. كما اشتهر بمراسلاته مع الشاعر محمود درويش الذي ترك البلاد في السبعينيات. هذه المراسلات عُرفت بـ”كتابات شطري البرتقالة”. ووصِفت بأنها “كانت حالة أدبية نادرة وخصوصا بين شاعرين كبيرين قلّما نجدها في التاريخ”. صدر له أكثر من ستين كتابا في الشعر والقصة والمسرح والترجمة، وصدرت أعماله في سبع مجلدات، كما ترجم له عدد كبير من أعماله وقصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية ولغات أخرى.

كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، وكان من بين اهتماماته إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.

سُجن سميح القاسم أكثر من مرة كما وُضع رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنزلي، وطُرد من عمله عدة مرات بسبب نشاطه الشعري والسياسي، وواجهَ أكثر من تهديد بالقتل. وفرضت عليه الإقامة الجبرية من قوات الاحتلال بسبب مواقفه الوطنية والقومية. واعتقل عدة مرات، وتفرّغ تمامًا للأدب المقاوم بعد تركه الحزب الشيوعي.

حصل سميح القاسم على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدّة مؤسسات. فنالَ جائزة: “غار الشعر” من إسبانيا. ونال جائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي. كما نال جائزة “البابطين”، و”وسام القدس للثقافة” من الرئيس ياسر عرفات، وجائزة” نجيب محفوظ” من مصر، و”جائزة الشعر الفلسطينية”، و”جائزة السلام” من واحة السلام.

سميح القاسم، إحتفلت به الألقاب في حياته، واستحضرتها الأوراق في مماته. فهو على ألسنة كبار الكتّاب والمثقفيّن العرب: “شاعر المقاومة الفلسطينية” “شاعر القومية العربية” “الشاعر العملاق” “شاعر الغضب “شاعر المواقف” الثوري “شاعرالملاحم” الدرامية “شاعر الصراع”، “مارد سُجنَ في قمقم”، وشاعر “البناء الأوركسترالي للقصيدة”.

 نستحضر هنا بعض أبياته من بعض قصائده التي يُردّدها الشعب الفلسطيني ومحبّو الشاعر الراحل:

تعبت من الحياة بلا حياة

وتعبت من صمتي

ومن صوتي

تعبت من الرواية والرواةِ

ومن الجناية والجناة

ومن المحاكم والقضاة

وسئمت تكليس القبور

وسئمت تبذير الجياع

على الأضاحي والنذور

وأيضاً من أبياته نذكر:

روت الأرض عن الأرض عن الأرض فقالت:

الرحى تطحن قمحي وظلالي

والرحى تصقل أحزان رجالي

وأنا منتظرة

وأنا أشهد حزن الياسمينة

وعذاب القنطرة

ريثما ترجع من منفى التواريخ الهجينة

قبلة ممهولة بالدمع في بعض الليالي المقمرة

دعوة إلى الحقيقة: الهزيمة والانتصار

إسرائيل انهزمت، لأنها لم تقتل سوى 2175 فلسطينياً.walid

إسرائيل انهزمت، لأنها لم تجرح سوى عشرة آلاف فلسطيني.

إسرائيل انهزمت، لأنها لم تدمر سوى ثلاثين ألف منزل فلسطيني.

و”حماس” انتصرت، لأن المعابر فتحت لاستيراد مواد ومستلزمات طبية لمعالجة «جرحى الانتصار».

و”حماس” انتصرت، لأن اتفاق الهدنة يمنحها حق استيراد ما يعيد إعمار ما دمره انتصارها. وتعد صندوق إعمارها بأموال من دول مانحة، لم تمنح سابقاً سوى الوعود.

و”حماس” انتصرت، لأنها أتاحت لأبناء غزة أكل السمك، بعد أن نصت الهدنة على حرية الصيد البحري على امتداد ستة أميال بحرية.

و”حماس” انتصرت، لأنها هي التي طلبت من المستوطنين العودة بأمان الى متابعة حياتهم في المستوطنات، وكأنها تعترف لهم بحق الإستيطان.

و”حماس” انتصرت لأن الهدنة طويلة الأمد. بمعنى أن سلاح المقاومة سيصمت طويلاً، وأن صواريخها ستنام في مخابئها… إلى أن تأذن إسرائيل لها بالإنطلاق من خلال عدوان آخر.

و”حماس” انتصرت، لأن قياداتها نجت من الغارات الإسرائيلية، على عكس فقراء مجزرتي الشجاعية.

و”حماس” انتصرت، لأن الكثير من أنفاقها ما زال مفتوحاً، حتى ولو أقفله اتفاق الهدنة.

و”حماس” انتصرت… ومن حقها علينا أن نحتفل بانتصارها على طريقتنا العربية المعهودة… أي عنزة ولو طارت.

وليد الحسيني

دعوة إلى الحقيقة: غزة شهيدة «النصر الكاذب»

walidنملك الجرأة لنسأل أهل «النفاق الفلسطيني»:

ماذا فعلتم بغزة؟.

أهل هذا القطاع قدموا آلاف الشهداء والجرحى. ودمرت منازلهم. وارتضوا الجوع والعطش. وناموا بلا غطاء وبلا فراش في الساحات المكشوفة والشوارع المدمرة.

لم يكن هدفهم كشف وحشية إسرائيل وهمجية جيشها. ولا انحياز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولا تواطؤ مجلس الأمن. ولا عجز الدول العربية، ولا فشل جامعتها… فكل هذه الأمور مكشوفة ومعروفة قبل زمن، ولن يضاف إليها جديد بعد زمن آخر.

لقد دفع هؤلاء أثماناً انسانية وبشرية واقتصادية هائلة بعد أن حشيت آذانهم الوطنية بأجراس العودة والتحرير.

صدقوا حماس عندما كذبت… وعندما أصرت على مواجهة قذائف الموت والدمار بإحصاء أعداد الشهداء والجرحى، وتقديم أجسادهم الممزقة والمدماة للرأي العام في مشاهد تلفزيونية تسوّق لبطولات عبثية لمقاتلي القسام وسرايا القدس.

لقد أجهدوا أنفسهم لاقناعنا بأننا، وبقدر ما تخسر غزة من أطفال ونساء وشيوخ، بقدر ما تكون حماس صامدة ومنتصرة.

قالوا لنا، وبصوت لا يرتعش لهول المآسي، بأنهم لن يساوموا. وشارك الإعلاميون والمحللون والاستراتيجيون بتعميم وهم التحرير الكامل والشامل… وزرعوا فينا، وفي شعبنا الفلسطيني، نشوة الانتصار باستعراض عدد صواريخ القسام وسرايا القدس فوق تل أبيب والمدن المحتلة، من دون أن نرى دمار بيت إسرائيلي واحد أو أشلاء عائلة إسرائيلية واحدة. وكأن صواريخنا العابرة للقبب الحديدية ليست أكثر من ألعاب نارية نطلقها احتفالاً بالنصر الكبير.

كل هذه الأمجاد الإعلامية، كنا سنفتخر بها، لو أنها انتهت الى تحرير مستوطنة صهيونية. وكنا سنعتبر ما دفعناه من شهداء ودمار ثمناً يليق بتحرير شبر من أرض فلسطين.

لكننا نشهد، انطلاقاً من القاهرة، وبضغوط من واشنطن، إسدال الستارة عن المشهد الدموي.

هل كان فتح معبر رفح يستحق كل هذه الدماء وهذا الدمار؟.

أما كان من الممكن أن يفتح المعبر بمصالحة مصر وتسليمها المطلوبين من الإخوان الفارين إلى القطاع؟.

هل كان اصطياد أطنان من السمك من بحر غزة ثمناً عادلاً لألفي شهيد وعشرة آلاف جريح وآلاف المنازل المدمرة وعشرات الآلاف من الأسر المشردة؟.

لا يهم ماذا خسرنا، فالأهم أن حماس ربحت نصراً إعلامياً، واقتنصت مكسباً سياسياً لا يعوض.

ها هي «التهدئة» تشق طريقها… وها هي قلوبنا تتشقق حزناً على شهداء استشهدوا عبثاً… وإذا ما تذكرناهم ذات يوم فسيتم ذلك من خلال استعراضات «النفاق الفلسطيني».

وليد الحسيني

 

حديث الشارع: هكذا ننصر غزة

العرب يستعرضون أحدث أسلحة الإدانة ضد حرب غزة

العرب يستعرضون أحدث أسلحة الإدانة ضد حرب غزة

تقول الدعابة السوداء أن قارباً أشرف على الغرق، فطلب قبطانه من الركاب التضحية للتخفيف من حمولة المركب.

تحمس الألماني وقال تحيا ألمانيا… وألقى بنفسه في البحر.

تحمس الفرنسي وقال تحيا فرنسا… وألقى بنفسه في البحر.

تحمس الروسي وقال تحيا روسيا… وألقى بنفسه في البحر.

وأخيراً وصل الحماس إلى الانكليزي فقال تحيا انكلترا… وألقى بالهندي في البحر.

وعلى طريقة «حماس» الانكليزي ينصر العرب غزة.

لا يفعلون ما فعله الألماني أو الفرنسي أو الروسي.

الجميع يتمسك بـ«بطولة» الانكليزي… وعندما يبلغ «الحماس» أشده يقولون تحيا فلسطين ويلقون بالأطفال والنساء في بحر الاستشهاد.

وهكذا ننصر غزة من الغرق في أمواج القذائف الإسرائيلية الهائجة والهوجاء.

… وإنها «ثورة» حتى «النصر»… «شاء من شاء وأبى من أبى».

«شوارعي»

إلى «حماس» والمتحمسين لها: تعالوا نتصارح

walidلسنا بحاجة إلى كل هؤلاء الشهداء، وإلى كل هذا الدمار، لإثبات وحشية إسرائيل وهمجيتها.

مشاهد غزة مفجعة، وتدفعنا إلى غضب وهيجان تعودناهما في كل الحروب البشعة التي تشنها إسرائيل علينا.

كل حرب كانت تنتهي إلى هدنة، تحرص «حماس» على تسميتها «تهدئة»… في دلالة مغشوشة لعدم اعترافها بإسرائيل كدولة.

وعندما يهدأ الوحش الإسرائيلي، وتتوقف آلة القتل والتدمير، نكتشف أننا فقدنا مئات الشهداء، وأحصينا آلاف الجرحى والمعوقين، بالإضافة إلى دمار كبير في بيوت الفقراء وأبنية المؤسسات الرسمية، مع تخريب هائل للبنى التحتية.

تمَّ كل هذا من دون أن نحرر شبراً إضافياً من أرض فلسطين المحتلة… أو نقتلع بيتاً في مستوطنة إسرائيلية.

تعالوا نتصارح.

تعالوا نعود إلى أصل المقاومة، كما تعرفها الشعوب التي تحررت، وكما عرفناها في النصف الأخير من القرن الماضي.

إن تكرار التضحيات المجانية لا تعطيكم صفة المقاومة، إلا بمظهرها الإعلامي. ولا تصل بالعدو الإسرائيلي إلى الهزيمة، لكنها تصل بكم الى السلطة، وكأنها الغاية وكأن المقاومة وسيلة.

لن نجاملكم ونسير في ركب الغوغائية الشعبية المتعامية عن الحقيقة.

كل هؤلاء الشهداء يذهب دمهم هدراً عندما يحين وقت التسوية، التي يسعى إليها الجميع، بمن فيهم التنظيمات التي تبحث عن أمجاد إعلامية.

المقاومة يا سادة هي تلك التي بدأتها فتح قبل أن تُحقن بمخدرات أوسلو. وهي تلك التي أدمنتها الجبهة الشعبية قبل أن ينضبط نشاطها على إيقاع السلطة في رام الله. وهي تلك التي أدتها القيادة العامة قبل أن يتراجع دورها في الأراضي المحتلة لحساب دورها في دول الانتشار الفلسطيني.

عودوا إلى العمل السري والعمليات النوعية، إذا أردتم أن يتوجع عدوكم ويفقد مبرراته في قتل الأبرياء، عندما يجد نفسه في حرب مع الأشباح، التي لا يعرف لها مقراً ليمارس فيه بطشه ووحشيته.

أما أن تأخذكم شهوة السلطة، فهي انكشاف لمقراتكم، ودعوة لاستباحتها بالقصف العشوائي، وبالتالي، استشهاد مجاني لأطفال ونساء وشباب وشيوخ، لا ينتمون إليكم ولا يعنيهم إذا كانت السلطة لهنية أو لعباس.

عودوا إلى العمل السري والنوعي إذا كنتم صادقين.

لا مفاوضات عباس، ولا «تهدئات» حماس ستحرر فلسطين.

استيقظوا من غفوتكم في قصور الحكم، ومن غفلتكم، التي طالت، عن الكفاح المسلح.

لأننا نريد فلسطين من النهر إلى البحر، لن نغرق في بحر أوهام طموحاتكم السلطوية. ولن نهلل لـ«بطولاتكم» التي يدفع ثمنها شعبنا في غزة.

الإنتصار ليس بعدد أيام الصمود، بل بالنتائج.

والمكتوب معروف من عنوانه السابق في «تهدئة» الرئيس المخلوع محمد مرسي في العام 2012.

أخيراً، نريد نصراً… لا ما شُبِّه به. والنصر لا يأتي بخوض حروب «التهدئات»، ليرتفع من خلالها إسم قطر في إسرائيل وأميركا… ولترتفع أسهم حماس في قطر!.

وليد الحسيني

ألاعيب “حماس”

walidتجري “حماس” بما تشتهتي الرياح.

هي مقاومة عندما كانت إيران تغدق عليها المال، وعندما كان  “حزب الله” يغدق عليها السلاح.

غادرت قطر وأقامت في دمشق، يوم كانت دمشق مقراً للتواصل مع المغدقين.

طردت “فتح” من غزة. وقتلت المئات من أفرادها. واعتبرت محمود عباس رئيساً بلا شرعية. واتهمته بما قد يصل الى خيانة فلسطين.

وعندما حلّ “الربيع العربي” وتربع “الإخوان المسلمين” على عرش مصر. وهددت أعاصيره أبواب دمشق. وأدت حسابات خالد مشعل الى اعتبار سوريا ساقطة لا محالة، وبالتالي، سقوط “حزب الله”، ومن ثم، تراجع نفوذ إيران ودورها… وإلى أن عاصمة “الربيع” ستكون الدوحة… وأن الزعامة المطلقة على ليبيا ومصر وتونس، وفي المستقبل، سوريا ستؤول الى آل ثاني…

في ظل هذه الحسابات فرّت “حماس” من دمشق عائدة الى الدوحة، معلنة “من ثاني” ولاءها لآل ثاني. وفي ظل هذه الحسابات أيضاً تسللت منسحبة من لبنان قاطعة حبال الوصل مع “حزب الله”، ومرتدة عن الدعم الإيراني، حالمة بامبراطورية قطرية تمتد من تونس  الى ليبيا فمصر فسوريا.

لكن حسابات “الربيع العربي” انقلبت رأساً على عقب.

في مصر طُرد الإخوان من السلطة، ودخلت القيادات الى السجن. واعتبر التنظيم الإخواني منظمة ارهابية. وتمّت محاصرة قطاع غزة وقطعت عنه أنفاق تجارة السلع الغذائية والوقود. وأُغلق معبر رفح إلا للضرورات الانسانية.

ولم تنجح “النهضة” في الانفراد بحكم تونس. وتحوّلت الى شريك يحاول أن لا يلقى مصير إخوانه في مصر.

ولأن سوريا لم تسقط، و”حزب الله” ما زال حاضراً، ونفوذ إيران يزداد بازدياد تحسن العلاقات مع أميركا ودول الاتحاد الأوروبي.

ولأن قطر بدأت تعاني عزلة خليجية بعد فتح السعودية والإمارات والبحرين أبواب العقوبات الدبلوماسية، والتي قد تتطور الى ما هو أشمل منها.

ولأن “حماس” تجري كما تشتهي الرياح، انقلبت فجأة، وبالجملة، على مواقفها، متوسلة إعادة ما قطعته من حبال الوصل مع محمود عباس، أملاً في مساعدته على فك الحصار المصري عن قطاع غزة. وأعادت ما قطعته مع إيران و”حزب الله” وسوريا كبديل لقطر، المهددة بتغيير سياساتها بعد انحسار نفوذها في دول “الربيع العربي”، وعدم قدرتها على مواجهة ضغوط السعودية والإمارات.

من الواضح أن “حماس” تجيد التنقل براية التوبة من كتف القطري الى كتف الإيراني، ولأنها تعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، فهي تجد دائماً من يقبل توبتها مهما تكررت… ومهما تنكرت.

وليد الحسيني

العميد ريمون إده: الإسرائيلي عدو للمسيحيين والسلاح للدولة فقط

 

العميد ريمون اده

العميد ريمون اده

عاش وحيداً في خياراته السياسية… ومات وحيداً في غربته القسرية.

إنه العميد ريمون إده، فارس الاستقلال والسيادة والديمقراطية.

في الستينيات، خرج بشرف الديمقراطية حين اصطدم مع حلفائه على مبدأ الحريات.

في السبعينيات، خرج بشرف الوطنية حين رفض الانسياق في حرب طائفية.

في الثمانينيات، أنقذ شرف الموارنة برفضه الاحتلال الاسرائيلي.

قبل 30 سنة، في 6 شباط (فبراير) 1984، أجرت معه «الكفاح العربي» مقابلة مطولة في منفاه الباريسي.

نقتطف من مقابلته، التي أجراها الزميل نصير مروة، ما يمكن اعتباره قراءة لمرحلة ما زالت صالحة لهذه المرحلة.

1 تقسيم لبنان هدف إسرائيلي

لا بد من أن يزول اللون الطائفي عن مقاومة الإسرائيلي. ويوم المقاومة الوطنية الشاملة سوف يأتي.

قل لي: لماذا يقبل المزارع المسيحي منافسة الزيتون الاسرائيلي والتفاح والخضر الاسرائيلية لمنتجاته؟. أليس المسيحي حريص على مستقبله ومصالحه واستقلاله، بقدر حرص الشيعي عليها على الأقل؟.

إن المصلحة الوطنية اللبنانية تقضي أن يتفق اللبنانيون على نقطة رئيسية، هي أن الاسرائيلي هو العدو. ولسوء الحظ فإن هناك فئة تتعاون مع الاسرائيلي. ويعود تعاون الكتائب مع الاسرائيليين الى العام 1951، كما فهمنا من وثائق الخارجية الاسرائيلية التي أفرج عنها في العام 1981. ثم تعزز هذا التعاون في سنوات 1974 وما بعدها.

يبقى أن مصلحة لبنان لا يمكن أن تكون الى جانب الاسرائيليين. فمنذ أيام الانتداب الانكليزي على فلسطين، والوكالة اليهودية عبر رئيسها وايزمن، تحاول التأثير على الفرنسيين، عبر الانكليز، لوضع حدود فلسطين عند الليطاني. أي أنهم منذ تلك الأيام وهم يخططون لجر مياه الليطاني الى النقب.

ولهذا، ومنذ العام 1954، كنت أول من تحدث في المجلس النيابي عن خطر التقسيم. فقد كنت حصلت على مذكرات موشي شاريت، ومحادثات بن غوريون مع آلون ودايان، التي يتحدثون فيها عن تقسيم لبنان الى دول طائفية.

2 لغة القانون

سأظل أتمسك بالقانون. إذ ما هو البديل؟… القوة؟!. لقد رأينا أصحاب القوة، وماذا فعلوا بالقوة. خسر الأميركيون 250 جندياً وثلاث طائرات. وأصبح لا هم لواشنطن سوى أن تسحب «القوة» من لبنان. ألم يكن خيراً لها لو اختارت لغة القانون، بدل أن تختار لغة القوة. وخذ مثلاً من عندنا وقل لي: ماذا فعل أصحاب القوة بالقوة. لقد قتلوا مسيحيين قبل أن يقتلوا فلسطينيين أو مسلمين. هذه هي نتيجة تجاهل القانون.

3 الفتنة والسلاح

أنا ضد الفتنة. ولهذا أنا ضد حمل السلاح. لكن ماذا نصنع؟. هناك المستفيدون. لأن أساس الفتنة هو الفائدة. ومعظم الباقي كلام وتنظير. فاللبناني إما أن يكون مرتبطاً ببلاده كلها، وليس بمنطقة، وإلا فإن الأوضاع لن تتغير. التغيير يجب أن يكون من أعلى الى تحت. ويجب أن يبدأ بالحكم والحاكم. الحاكم يجب أن يكون موثوقاً، وكي يكون موثوقاً، يجب أن يكون لبنانياً مئة في المئة. ومن دون هذا لن تكون هناك ثقة. ولن ينتهي الوضع التقسيمي والطائفي في البلد.

أما الحكم فيجب أن يكون قوياً وسيداً على أرضه، ولا يقبل منافساً له في السيادة بقوة السلاح. فالسلاح يجب أن يبقى حكراً على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية. وأي وجود مسلح خارج ذلك سيقود حتماً الى فشل الحكم في بسط القانون.

4 ارتكابات مسيحية

اتفاقيتان وافقت عليهما قيادات مسيحية. أولهما اتفاقية القاهرة التي أسست للحرب الأهلية، وثانيهما اتفاقية 17 أيار التي مددت لهذه الحرب.

لقد وافق بيار الجميل وكميل شمعون وشارل الحلو على اتفاقية القاهرة للعام 1969. هذه الاتفاقية انتهكت عملياً اتفاقية الهدنة مع اسرائيل. لكننا تمكنا من ايجاد حل للموضوع في مجلس الأمن، حيث اعتبر المجلس، أنه ليس لاسرائيل أن تعتبر، ومن طرف واحد، أن اتفاقية القاهرة تخرق اتفاقية الهدنة. وأن مجلس الأمن هو من يقرر في نهاية المآل ما إذا كانت الاتفاقية قد خرقت أم لا.

لكن هذه الاتفاقية أدت الى خراب الجنوب. فباقرارها نكون قد تحرشنا بإسرائيل. وربما كنا مدفوعين من قبل اسرائيل للقيام بهذا العمل… لا أدري. لكن على كل حال لو كنت مكان أمين الجميل لما كررت الخطأ ولما وقعت شيئاً اسمه اتفاق 17 أيار.

يقولون أن الاسرائيليين خدعونا.هل هناك سياسي يقول خدعونا؟. الصحيح أن أحداً لم يخدعهم. هم الذين خدعوا النواب. قالوا لهم صوتوا بالموافقة على اتفاق 17 أيار، وفي اليوم التالي ينسحب الاسرائيلي، مع علمهم أنه لن ينسحب. إذ حين انسحب الجيش الاسرائيلي من الشوف، لم ينسحب إكراماً لاتفاق 17 أيار، بل لاعتبارات أمنية تخص الجيش الاسرائيلي وحده. وأي انسحاب اسرائيلي آخر سيكون لذات السبب الأمني وليس تطبيقاً لاتفاق 17 أيار.

لماذا نوقع اتفاقاً جديداً، في حين أن اتفاقية الهدنة قائمة وتقول كل شيء؟.

لماذا نسيء الى علاقاتنا العربية وجميعنا يعلم أن مصلحة لبنان هي مع الدول العربية، سواء أحببنا هذه الدول أم لم نحبها؟. أنا على يقين أن الماروني سيكتشف يوماً مصلحته وأطماع اسرائيل بمنافسة لبنان. منذ العام 1952 قلت في مجلس النواب: إن اسرائيل تريد أن تحل محل لبنان في المنطقة. وأن تجعل من حيفا بديل بيروت. وتريد أن تتصالح مع الدول العربية عبر لبنان. ونتحوّل نحن الى قرية صغيرة.

5 الإفلاس الشامل

نحن نسير نحو الافلاس المالي والسياسي والأمني.

من الناحية المالية، لم نكن مدينين، كما تعلم، أما الدين العام اليوم فقد تجاوز الثلاثين مليار ليرة (حوالى 12 مليار دولار حينذاك). وتغطية الليرة كانت تصل الى 110%. أما اليوم، فإن أي مسؤول لم يعد يتجاسر على ذكر نسبتها. وكما تعلم فإن الصناعة والسياحة والترانزيت في حالة توقف. والتجارة والزراعة في حالة جمود. والمحاكم تحت سيطرة نفوذ القوى السياسية. وشح المياه يتزايد. والكهرباء شبه معطلة.

ومن الناحية السياسية فالجميع أعداء ومرتبطون بدول خارجية.

ومن الناحية الأمنية فإن المتاريس والقذائف والسيارات المفخخة والمعارك المتنقلة تتحدث عن نفسها.

أكاد أكون الوحيد الذي أخرج نفسه من هذه اللعبة القذرة. والغريب أن الفرنسيين يقولون لي: لماذا لا تتفقون أنتم اللبنانيين مع بعضكم بعضاً. لكن لماذا لم يتفقوا هم إبان الحرب، فظلوا منقسمين الى فاشيين وديغولويين.