“الإبراء المستحيل”

walidوأخيراً، ختم الصبر بعدنا بالتلاقي. وتبيّن أن “البيك والمير” كانا يتبارزان بسيوف خشبية.

ويبقى السؤال المريب:

لماذا غاب جبران باسيل عن لقاء بعبدا الخماسي. مع أن المجتمعين يدركون جيداً، أن لا قيمة لمصالحة، لا يكون بطلها بطل مسلسل “الآتي أعظم”؟.

وهم يدركون أيضاً أن لا فائدة من مصافحة “المختارة” و”خلدة”، إذا لم تمتد إليها يد “ميرنا الشالوحي”، المتفرغة كلياً لشق طريق باسيل إلى “فخامة الكرسي”.

ترى، متى يعي العهد أن ارتكاب الأخطاء الكبرى، هو الذي يحوّل الرابح إلى خاسر، ويجعل الخاسر رابحاً.

لقد حقق “العونيون” أقصى أحلامهم. فازوا بالرئاسة الأولى. وبالكتلة النيابية الأكبر. وبالثلث الحكومي المعطّل. وبوزارة الوصاية على القضاء. وبخارجية تسير على هوى وزيرها، وأهواء تحالفاته… فتنأى بنفسها عن سياسة “النأي بالنفس”.

لقد حصل “التيار الوطني الحر”، على كل ما وعد نفسه به. وأخلّ بكل وعوده للبنانيين. حيث أن “العهد القوي” لم يقوَ على توفير بيئة بلا تلوث. ولا إقتصاد بلا فساد. ولا إدارة بلا رشوة. ولا ميزانية بلا ضرائب. ولا جمارك بلا تهريب. ولا معابر بلا مهربين. ولا مساواة بلا واسطة. ولا عدالة بلا ظلم. ولا قضاء بلا سياسة. ولا حريات بلا ملاحقة. ولا سفارات بلا طوابير مهاجرة. ولا سير بلا زحمة. ولا كهرباء بلا تقنين. ولا شوارع بلا زبالة. ولا شواطئ بلا مجارير. ولا مياه شفة بلا براز. ولا ليطاني بلا مكبات. ولا أغذية بلا مسرطنات. ولا دواء أرخص من دواء الموت.

لم يعرف التاريخ قبل لبنان، حاكماً يتساهل بإفشال حكمه. وبإطلاق الألسنة الفالتة، والأيدي الفاسدة، لإفساد سمعته.

يوم صار عون رئيساً للجمهورية، أجمع اللبنانيون على التفاؤل بالخير. لكنهم لم يجدوه، كما وعدهم القول العربي المعروف.

ماذا وجدوا إذاً؟.

وجدوا “تياراً” أدمن الفراغ كوسيلة لإبتزاز الدستور والتسوية.

وجدوا مقامات تستمع إلى مونولوج “بوس تيريز”، وشعباً يغني بمرارة “للصبر حدود”، بعد أن تجاوز صبره الطويل حدود “لعلّ وعسى”. ولولا بقايا من صبر سعد الحريري، لكان لبنان أقرّ واعترف بانهيار الدولة.

هذا كثير. فالبلاد ضاقت ذرعاً بمواقف تخفي عكس ما تعلن.

من لا يتذكر، أن الموقف القديم من اتفاق الطائف أدى إلى تصعيد القتال منعاً لتنفيذه. فكيف يقتنع اللبناني اليوم بأن ارتداء عباءة الطائف، لم يتم بهدف تحريفه وتعديله، انتقاماً للجرح القديم، الذي من الواضح أنه لم يلتئم؟.

ومن بين الكثير كذلك، ظاهرة تكذيب الحقائق. إلى درجة أن الحقيقة لا تصبح حقيقة، إلا إذا صدر تكذيب لها ، من وزراء تخصصوا بأكاذيب التكذيب.

رغم كل ما سبق، فإن اللبناني يحن إلى أحلامه الأولى في هذا العهد. لكن على ما يبدو أنه الحنين المستحيل… ربما لأن “عاطفة القربى” تجعل “الإبراء مستحيلا” أيضاً.

وليد الحسيني

Advertisements

دولة “جبران” الخواطر

walidفي البدايات، كانت الريح تجري بما تشتهي سفن العهد.

حتى الخصوم مدّوا إليه اليد.

منهم من آمن. ومنهم من هادن. ومنهم من داهن. ومنهم من فضّل الصمت.

لا يهم أين كان العهد وكنّا. الأهم أين أصبحنا… ومنذ مدة لم يصبح لبنان على خير.

لقد زادت الأثقال. وبات البلد ينتظر بقلق الساعة التي تحطّ فيها على ظهره الشعرة القاصمة.

لبنان اليوم “دولتان في دولة”. ومن باب الإحترام لـ “الوعد الصادق”، سنصدّق أن حزب الله لا يحكم لبنان. إذ من الطبيعي في “دولة الدولتين” أن يتقاسم الحكم “حاكم” و”متحكّم”.

وهذا يعني أنه إذا تعذر على حزب الله فرض كل ما يريد على الحكومة، فإنه من المتعذر على الحكومة أن تفرض ما يرفضه حزب الله.

وفي “البدايات” أيضاً، كان اللبناني يعتقد أن التيار الوطني الحر، يمشي عكس تيار الطائفية. إلى أن سقطت ورقة التوت العلمانية، وتعرّى التيار طائفياً على يد “حارس في غابة” أوقف التيار تعيينه، لأن التعيين يخل بـ “المعيار المسيحي”، الذي وضعه خادم الرعية نيافة البطرك جبران باسيل.

وهكذا “أصبحنا” على إهانة مجلسي الوزراء والنواب، بامتناع رئيس الجمهورية عن تصديق قانون الموازنة، الذي أنهك المجلسين درساً وتنقيباً عن مخارج لاستعصاءات مالية معقدة.

لقد جعلوا من الطائفية ممحاة مسحت النص الدستوري الذي حرر الوظائف الدنيا من المناصفة.

وإذا استمر التعنت بحجز الموازنة، فإن ممحاة الطائفية ستمحي سيدر وملياراته… وكأنك يا سعد الحرري ما غزيت.

ومن جملة “إصباحاتنا” الجديدة، التحرر من “عبودية” القضاء. وها هو العهد يقف بصلابة إلى جانب حرية المشتكي في اختيار القضاء، وربما القاضي. وقد تبلغ الحرية قمتها في إنتقاء الحكم وتحديد العقوبة.

إنها ظاهرة جديدة لا يمكن استيعابها بسهولة. فمحاكم الجنايات والجنح وُضعت، على ما يبدو، لمحاكمة النوع الرخيص من المجرمين. وهي بهذه الصفة لا تناسب أصحاب النفوذ والحمايات في “دولة الدولتين”… فكما لكل مقام مقال، فلكل مقام محكمة.

وهكذا “أصبحنا” على “المجلس العدلي”. وهكذا أصبح على لبنان إما أن يحيل إليه ملف الفتنة الأصغر، بانتظار أن يخرج عليه بالفتنة الأكبر، وإما أن يرفضه… فيستمر العمل بتعطيل حكومة “إلى العمل”. وعندئذ لا سيدر ولا موازنة و لا حل أزمة النفايات… وبالتالي لا مهرب من تحوّل لبنان واللبنانيين إلى ما يشبه مسلسل “أفواه وأرانب”. أي أزمات تستولد أزمات. ومجاعات تقود إلى مجاعات.

أما وقد “أصبحنا” على ما نحن عليه، يحق للمواطن أن يسأل:

كيف يمكن للعهد أن يعطّل حكومته، وهو الذي وعد بتسليم البلاد للرئيس المقبل بأحسن مما تسلمها؟.

والسؤال الأكثر إلحاحاً:

هل تقاس المسافة إلى سجن رومية بالكيلومترات، أم تقاس بالتحريض والعنصرية وتعطيل الدولة والتسبب في الخراب؟.

لا شك أن الطريق الثاني أقصر بكثير… لكنها مقطوعة من “الدولة المتحكمة”… وربما أيضاً من قبل “الدولة الحاكمة”… إذ لا بد من “جبران” الخواطر.

وليد الحسيني