القهوة المرة … اخر “الفهوجيات”

من يعرفه يعرف جيدا انه فقد شخصية جذابة، تملك عبقرية السخرية المهذبة التي تخرج من الوجع ابتسامة تفرج الهم والغم.

غازي قهوجي مضى فجأة … وكأنه يسخر بموته من الذين بقوا على قيد الحياة . من حقه ان يسخر منا نحن الباقون على قيد الحياة ونعيش زمن القتل العربي العشوائي والجماعي .

من حقه ان يسخر منا نحن الباقون على قيد الحياة ونتنفس روائح النفايات والزعامات.

من حقه ان يسخر منا نحن الباقون على قيد الحياة وتحيط بمنازلنا وقرانا ومدننا الحرائق المذهبية على امتداد وطننا العربي عموما واللبناني خصوصا.

لكن ليس من حقه ان يبالغ بسخريته فيتركنا وحيدين لواقعنا المرير والمخزي من دون ان يخفف من المرارة والخزي بـ”قهوجية” من قهوجياته.

لقد ذهب الى السماء وتركنا على الارض المتخمة بالاحباط واليأس… فكيف سننتصر على الاحباط واليأس بابتسامة كان غازي يجيد انتزاعها منا؟.

ايها الصديق لم تصدقنا القول عندما قلت الى اللقاء…وها نحن الذين نقول لك : الى اللقاء.

 

وليد الحسيني

وقاحة تاريخيّة

عادةً ما تكون الطُرَف الشعبيَّة المتداولة، وكذلك النوادر التي يتناقلها الناس في مجتمع ما تُعَبِّر بمجملها عن رؤى وهواجس دفينة ومعتقدات في أكثريتها متوارثة تلقي الضوء على مرامي وأهداف محددة لإضفاء بعض الصدقيّة على فحواها ودعم الرأي المقصود، رغم التناقض الذي يعتريها في أغلب الأحيان مع الحقيقة والواقع والتاريخ.

لقد انتشرت الأمثال والحكايات القصيرة بين الشعوب بنسبٍ متفاوتة، وشكَّلت لديهم محطات لدعم وتقوية حجّة ما يقولون ويروون أو إثبات مقولة ما، فتكون بذلك المُعَبِّر الواضح عن مزاج الناس وتفكيرهم وسلوكياتهم في مقاربة القضايا الحياتية الراهنة، لا بل المصيرية والآتية. هذه الحكايات وما يعادلها أتَت عبر سياقاتها المتنوعة بمثابة “اللوغو” الذي يشي بالموضوع فتنتج “الحكمة” التي تُتَوِّج النقاش الدائر حول القضيّة التي يدور حولها الحديث، وعادةً ما تكون الحكاية السريعة بيتاً من الشِعر أو مَثَلاً سائراً أو حكمة أو طرفة يغلب عليها طابع المفاجأة إلى حدود التعجُّب والاستغراب.

لقد طاول قلب الحقائق والبناء عليها العديد من الجماعات التي حاولت وتحاول زرع مفاهيم خاطئة عن طريق ابتداع مأثورات وهمية على أنها من الواقع التاريخي الثابت، وذلك عبر مئات الأمثلة والمقولات والحكايا.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر فقد شاعت طرفة تدل بشكل أو بأخر على مدى الوقاحة التي لم ولن تقف عند حدود أي منطق قويم أو تفكير سليم.

تروي الطرفة على سبيل التندر والسخرية من الذات، وتبيِّن الطابع الطائفي المقيت المتجذر في الأخلاق اليهودية إلى جانب السلوك العنصري والفوقية المفتعلة المرتكزة على الكذب إلى جانب إدعاءات واهية تقول بالتميّز وبصوابية مسيرة ومسار “شعب الله المختار”!

تقول الطرفة إن أماً يهودية كانت ترافق إبنها الذي جُنِّد في جيش القيصر الروسي للقتال في حرب “القرم” بين الامبراطورية الروسية والدولة العثمانية.

عندما همَّت الأم بوداع إبنها ليرحل مع رفاقه إلى الحرب أوصَته قائلة: “يا بني لا تنسَ أن تتناول الطعام بعد أن تقتل تركياً! فأجابها الشاب: “حسناً يا أمي”. ثم أضافت: “واحرص على أن تأخذ قسطاً من الراحة بعد كل هجوم تقتل فيه أحد الجنود الأتراك”. فأجابها الإبن واعداً بتنفيذ وصاياها. بعد ذلك أردفت الأم قائلة: “لا تنسَ يا بني أن تحمل معك بعض التذكارات من الجندي التركي الذي ستقتله”. أجاب الشاب: “بالتأكيد يا أمي”! وبعد هنيهة من التردد والتحرك للرحيل بالعناق والنظرات الدامعة تساءل الجندي الشاب قائلاً: “ولكن ماذا يا أمي لو قتلني التركي؟”! هنا جحظت عينا الأم استهجاناً وقالت له بنبرة قوية واستغراب كبير: “يَقتلك؟ لماذا؟ وهل فعلت له شيئاً؟!”.

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

قهوجيات: وبالوالدين إحساناً

تشكو المجتمعات في عصرنا الحديث من التفكك العائلي، وعدم الاعتناء والانتباه للكبار في السن، لذلك كَثُرَت وتعدّدت الملاجئ ودور العجزة والمصحَّات وما يُسمى “بيوت الراحة”. فما أن يبلغ الشخص سن الشيخوخة حتى يشعر بإهمال الآخرين له وعزوفهم عن التعاطي معه فيصاب بحالة انعزالية ووحدة مريرة، فيلجأ إلى تلك البيوت أو يأخذونه إليها كأحد الحلول الحياتية التي تؤمّن له – بشكل أو بآخر – بقية عمره وقضائه في أرجائها.

ولقد عانت بعض الدول العربية – وما زالت – من هذه الحالة جراء أسباب متعددة قد لا يكون انفراط العقد العائلي – فقط – أحد أسبابها.

كذلك فقد قاست دول شرقية كبيرة من هذا الأمر حين أصبح البعد شاسعاً بين الأبناء وآبائهم وأمهاتهم وتلكوء الأبناء عن الاعتناء والانتباه لكبارهم في السن لفقدانهم القدرة الجسدية أو لدرجة الوعي على التعامل مع متطلبات الحياة، مما جعل بلداً كبيراً كالصين أن تُصدر قانوناً يجبر الأبناء والبنات على زيارة والديهم بانتظام والمحافظة على مستوى من التواصل معهما.

وذكرت وسائل اعلام صينيَّة أن القانون الجديد، الذي دخل حيِّز التنفيذ يُحظِّر إهمال “الحاجات الروحية” للأشخاص المتقدمين في السن، بعدما كانت القوانين السابقة تَفرض على الأبناء والبنات الاهتمام بالحاجات المادية للوالدين فحسب.

وبموجب القانون الجديد يتعيَّن على أفراد العائلة الذين لا يقيمون مع الوالدين البالغ عمرهما أكثر من ستين سنة أن يزوروهما في شكل منتظم والتواصل معهما بصورة متكررة. وأجبر القانون حتى هؤلاء الذين يعملون في مناطق بعيدة عن منازلهم أن يتقيّدوا وينفّذوا هذا القانون، وفي حال عدم الالتزام يحق للوالدين طلب وساطة أو رفع قضيّة أمام المحكمة! ولقد صَوَّتَ مؤتمر الشعب الوطني لمصلحة القانون.

ورغم تجذُّر احترام المسنِّين في الحضارة “الصينيّة”، إلاَّ أنَّ العقود الماضية التي شهدت تحولات اقتصادية ضخمة أدَّت إلى تصدَّع تلك الصورة مع تراجع عدد الأبناء الذين يحافظون على الروابط الأسرية مع ذويهم. وعندما تكون الدولة غير قادرة على تأدية الخدمات الواجبة للمواطنين، تتكاثر فيها الجمعيات الخيرية ونوادي المساعدات التي تفتح أبوابها وتقوم بنشاطات متعددة للحصول على الهبات والتبرعات من قبل أهل الخير والإحسان.

ومهما علا مستوى تلك المؤسسات خدماتياً، فإنها لا تستطيع تعويض النزلاء عن العاطفة التي حُرِموا منها وعن حميمية التواصل بين الأبناء والآباء، إذ لا يكفي زيارتهم في المناسبات والأعياد وما إلى ذلك فهم بحاجة إلى الدفء الإنساني والحنان الذي يخفف من عزلتهم ووحدتهم حتى لا أقول يأسهم من الحياة.

فالعاطفة لا تُفرض بقانون ولا بروادع مادية، والرقَّة والحنان والألفة لا تخضع لقرارات حكومية، فهي تُولد مع الإنسان وتنمو بالوعي والإيمان والتربية السليمة والسلوك الصحيح.

غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

قهوجيات: مقاهي المستقبل

أصبحت بعض التقاليد الغرائبية في أيامنا هذه، من هوايات وممارسات تأخذ شكل العاديات المألوفة، فبعد رواج مقاهي “عشَّاق القطط” في طوكيو، حيث يتناول الرواد القهوة والشاي والعصائر وهم يداعبون القطط بشعرها الناعم، ويبتسمون لها ويحضنونها، جاء دور مقاهي “عشَّاق الماعز”، حيث يجد الزبائن عنزتين أو أكثر للعب معها وأحياناً اصطحابها في نزهة عبر شوارع طوكيو القريبة والمزدحمة بالمارة!

ولقد أحضرت السيدة “كاواغوتشي” والعاملون معها في المقهى عنزتين اسم الأولى “كرز” والثانية “شوكولاته” قبل ثلاث سنوات على أمل جذب محبِّي هذا الصنف من الحيوانات ترويجاً لحركة المقهى خلال عطلات الأسبوع.

وقالت السيدة هذه إن مقاهي “عشَّاق الحيوان” ازدهرت منذ فترة، فهناك أماكن يمكنكم أن تلعبوا فيها مع القطط أو الكلاب، لكننا رأينا أن هذه الحيوانات الأليفة لن تثير الدهشة لدى الزبائن مثل الماعز!

وبعد نجاح مقهى “عشَّاق الماعز” تنوي السيدة وبناء على تخطيط مسبق إقامة مقهى لمحبيِّ “الفيلة”!!

أيها القارئ العزيز، لن نستغرب اليوم إذا ما انتشرت هذه الظاهرة بين ظهرانينا وفي بلدان عدة، وبدأنا نرى أنواعاً مختلفة من المقاهي كمقهى “عشَّاق الحمير”، ومقهى “عشاق القردة”! سيما وقد بدأ السعي الجاد إلى تحويل المقاهي العادية إلى مراتع للحيوانات، التي تتقاسم الجلسات الأنيسة وحتى الرومانسية منها مع الزبائن، متوَّجة بالعواء والنباح والمواء والنهيق المختلط بكركرة الأراكيل بكامل نكهاتها من مَعسَّل ومُدبَّس ومُطعَّم على الفواكه!

ولن نستغرب إذا ما أصبحت مقاهينا المستقبلية “ميني زو” أي حديقة حيوانات مصغَّرة، حيث تُضرب فيها المواعيد لعقد اللقاءات ومناقشة الأمور السياسية والمشاكل الاجتماعية بحضور الحيوانات وتحت سمعها وبصرها وربما مداخلاتها من حين لآخر بالصوت أو بالحركة!!

ولن تصيبنا الدهشة والذهول إذا مُنعنا من ارتياد هذه المقاهي من دون أن يكون بصحبتنا حمار أو كلب أو ثعلب…!

فبعد التجربة الفعلية العملية للسيدة “كاواغوتشي” التي بَذَلَت وتبذل قصارى جهدها في سبيل اعلاء شأن الحيوان والعمل على تأمين راحته ورفاهيته، ومحاولاتها الحثيثة على إشاعة الروح الحيوانية في المجتمع المعاصر علَّه يرعوي ويهدأ ويمتنع عن اتخاذ المبادارات والمشاريع والقرارات المدمِّرة على جميع الأصعدة!

ولقد تناقلت وكالات الأنباء خبراً عن كلبة حَصَلَت على لقب “سفيرة الكلاب للنوايا الحسنة”، بعد أن قَفَزَتْ أمام دراجة نارية مسرعة لانقاذ طفلتين، وخسرت جراء ذلك أنفها. ومن المؤكد أننا سنرى صورة تلك الكلبة وقد زيَّنت صدر مقهى “عشَّاق الكلاب”!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

قهوجيات: مسيرة للكلاب

تبرز عاصمة لبنان بيروت كمدينةٍ للعجائب والغرائب، حاضنةً للشيء ونقيضه، وحاوية لمختلف الاتجاهات السياسية والتيارات والأحزاب، وشاهدة على تصارعها ومنافساتها مع بعضها البعض عبر جميع وسائل الاعلام وعبر التظاهرات والمسيرات والمهرجانات والندوات، حيث يتخلّلها من وقت لآخر بعض التفجيرات القاتلة والاغتيالات وتدهور حالة الأمن وارتكاب التجاوزات بخرق القوانين والأعراف.. الخ.

مع هذا السيل المتفجِّر فإننا نرى غزارة طافحة في البرامج الغنائية واللقاءات الفنيّة والثقافية ومعارض الكتب المتنوعة والمنافسات الرياضية وسباق الماراتون الكبير والاحتفالات الفخمة لانتخاب ملكات الجمال وعروض الأزياء العالمية وأخر صرعات الموضة.. .

هذا التنوَّع المتعدد جعل من بيروت ميداناً عجيباً غريباً لاجتماع المتناقضات اللبنانية في الوقت نفسه وعلى تماس بل وتشابك بعضها بالبعض الآخر، استطاعت أن تستقطب وتستقبل أيضاً غالبية المتناقضات العربية وتصبح – منذ عقود – الملاذ الذي يتعايش فيه السلب والايجاب، والتطرف والاعتدال، والوعي والغياب عن الوعي!

من جملة الأعاجيب، وربما تمشياً مع رواج “المسيرات” شاهدنا منذ أيام مسيرة سلمية أنيقة “للكلاب” الداجنة في وسط المدينة برعاية “جمعية حقوق الكلاب”، حيث شارك فيها عدد من كلاب العاصمة والمناطق وكذلك من بعض البلاد العربية. كان هدف المسيرة إظهار جمال الكلاب وإيصال الصوت إلى المسؤولين للبت بحقوق الحيوانات كافة وليس فقط ما يخص الكلاب! والمطالبة بالعدالة وإرساء قواعد راسخة للسلم الأهلي واحترام صوت ونباح الآخر!! وَحَصَلَتْ أثناء تلك التظاهرة الحضارية الجميلة والمؤثّرة مبادرات التعارف الودي بين بعض الكلاب رغم تنوّع أجناسها، وكذلك بين أصحاب الكلاب أنفسهم، حيث تمَّ تبادل الخبرات وشرح الأهداف “الكلبيّة” البعيدة المدى!! والتأكيد على استمرار التواصل وتبودلت العناوين والإيميلات، وشكَّل الاحتفال فرصة ذهبيّة للمعلنين عن مأكولات الكلاب وأنواع الشامبو المخصَّص لها وعناوين العيادات والحمّامات وصالونات الحلاقة المجهّزة بأحدث المعدات والتقنيات المفيدة للكلاب والهررة وما يعادلها من حيوانات!

في ذلك الجو “الكلبي” الرائع لم يخل الأمر من بعض النباح الذي صَدَحَ من هنا وهناك، وكان نباحاً لطيفاً يدل على النوايا السليمة ويعبِّر عن ثقافة كلبيّة عميقة، على الرغم من تطفّل بعض الكلاب “الجعارية” الشاردة الطارئة التي بادرت إلى إطلاق “تهويشات” مزعجة، كانت أقرب إلى “العواء” منها إلى النباح!!

في بيروت اليوم نستطيع أن نكون من ضمن المدعوين إلى حفلة غناء ورقص، أو إلى حفل عرض أزياء، أو حضور ندوة ثقافية أو مهرجان سينمائي، أو معرض فن تشكيلي… .

في بيروت اليوم، هناك إمكانية للاشتراك بمسيرة حاشدة وتحت شعارات وطنية، قومية، حزبية، عشائرية.. . وكذلك هناك إمكانية للاشتراك بتظاهرة “كلبيّة” وتحت نفس الشعارات الآنفة الذكر!!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

قهوجيات: مزارات…!

يُقال إنه فيما مضى كان على جانب الطريق بين العراق والحجاز “مقام” كبير لإحدى الصالحات يقوم على خدمته رجل دين وقور نَذَرَ نفسه لهذه المهمة الجليلة، ويقيم معه نفر من مريديه يتتلمذون على يديه ويتأدبون بهدف كسب المعرفة والتربية الصحيحة الملتزمة بالسلوك الحَسَن وحُسن السيرة.

كان هذا الرجل يعيش برخاء مما يَدُرُّه عليه “الضريح” من صدقات وافرة ونذورات قَيِّمة. في أحد الأيام أراد أحد تلامذته وكان من المفضَّلين والمقرَّبين منه أن يذهب إلى “مكّة” طلباً لزيارة الأماكن المقدّسة وأداء فريضة الحج، فأذنَ له أستاذه الشيخ بالسفر وودَّعه بعد أن أعطاه حماراً صغيراً يستعين به على حمل بعض حوائجه أثناء الطريق ويؤنسه في وحدته في تلك الرحلة الطويلة. لسوء الحظ وبعد مسيرة مضنية أَصيب الحمار بعارض ومات! حزن التلميذ عليه حزناً شديداً، إذ كان الحمار رفيقه وأنيسه، وعَزَّ عليه أن يترك جثته في العراء فقرَّر أن يحفر له حفرة يدفنه فيها بدلاً أن من تأكله الوحوش. بدأ الحفر والدموع تفيض من عينيه، وما كاد ينتهي من دفنه حتى فوجئ بقافلة كبيرة من الحجَّاج تدهمه وهو يهيل التراب الذي غطى الجثة بالكامل. توقف قائد القافلة وسأله عن أمره فخجل أن يقول له أنه كان يدفن حماراً، بل قال باكياً وبلهجة فجائعية نائحة إن رفيقاً له من أهل البر والتقوى والصدق والوَرَع كان يقصد الحج معه وافته المنيّة فقام بدفنه!

أثَّرت الحادثة في نفس قائد القافلة وطلب من رفاقه تقديم المساعدة لهذا المسكين المفجوع فانهالت عليه التبرعات من الجميع. وقبل أن تتابع القافلة سيرها طلب القائد منه أن يأتي ببعض الحجارة ويضعها حول القبر لئلا تُمحى معالمه وتضيع.

وهكذا، بينما هو يجمع الحجارة إذا بقافلة جديدة تصل وتستعلم عما يقوم به، فقصَّ عليهم حكايته مع زيادة ما يناسب المقام، ولم تكن هذه القافلة بأقل سخاء من القافلة الأولى. استمرأ أخونا هذا المورد وأخذ يزيد في إتقان الضريح وإقامة بناء عليه من الدخل المتزايد حتى أصبح لافتاً للأنظار من بعيد، واشتهر في الجوار وصار حديث الركبان وتعاظم زائروه وما ينفقون عليه، وترك صاحبنا الحج ولزمَ الضريح ولم يفارقه.

في العام التالي وقد نسيَ الأستاذ تلميذه كلياً بعد أن انقطعت أخباره، نوى أن يحج للمرة الثانية، وكم كانت المفاجأة له أن يجد في طريقه مزاراً لم يكن قد رآه في المرة الماضية أثناء حجِّه السابق. عندما اقترب منه أحب أن يستطلع شأن المزار فبوغتَ بتلميذه وقد أطال لحيته وكبَّر عمَّته وأرخى طويلاً جبَّته، وسأله بعد عناق طويل عن شأنه وعن قصة المزار، فلم يكذب تلميذه عليه بل حكى له القصة الحقيقية بحذافيرها، فأعاد الأستاذ الجليل عناق التلميذ مرة ثانية وهو يقهقه مسروراً من نباهة وبراعة تلميذه الذي فاق كل التوقعات وفاق أستاذه في ابتكار الحلول لكسب العيش وقال له: الله.. الله عليك! إن المدفون هنا في هذا المزار هو إبن الحمارة المدفونة في المقام الذي عندي!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

 

كرة قدم

لعبة كرة القدم تكاد تكون الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وقد خصَّصت المحطات التلفزيونية برامج وندوات عن عالم كرة القدم، هذا إلى جانب ذكر نتائج المباريات المحلية والعالمية من ضمن نشرة الأخبار. هذا الهَوَس بالانحياز لهذا الفريق أو ذاك إلى درجة التعصّب الأعمى، ناهيك عن المراهنات ومتابعة أخبار الدوري الكروي والتعليق عليها من قبل متخصصين أو لاعبين سابقين أو صحافيين.

وعادة تكون الندوة التلفزيونية تحليلاً مفصَّلاً ومدعماً بالصورة عن مباراة ما، حيث يخوض المشاركون في مناقشة المباراة بمعرفتهم وتجربتهم في دنيا الكرة، وغالباً ما تستضيف هذه الندوات على الهواء خبيراً كروياً أجنبياً وتترجم آراؤه مباشرة إلى اللغة العربية. هذه الرياضة استقطبت الكبير والصغير وأصبحت جزءاً من أحاديث الناس في جلساتهم ولقاءاتهم.

هذا الاهتمام العالمي رفع من قيمة الاستثمار الكروي إلى أقصى مداه فأصبحت ميزانيات الأندية بملايين الدولارات والتأمين على “أرجل” اللاعبين الكبار بالملايين أيضاً.

ويجذب المونديال انتباه الناس بل اهتمامهم كل أربع سنوات حيث تصرف خلالها أيضاً مئات الملايين من الدولارات على الاعلانات والتسويق، وبنفس الوقت تظهر نجومية النجوم من اللاعبين فترتفع أثمانهم التي تستفيد منها الأندية التي ينتمون إليها إلى جانب ما يحصلون عليه شخصياً.

وتتكاثر جمعيات ورابطات المشجعين للأندية في كل بلد وتصل في تعصبها إلى درجة احداث الشغب والذي غالباً ما يسقط بنتيجته ضحايا.

ومنذ سنوات بل عقود بدأ ينمو في بلادنا هذا العشق والهيام بكرة القدم، ولكن من دون أن نصل إلى نتائج عالمية كما نرجو، وذلك على الرغم من الاستثمارات العربية في الأندية الأوروبية لا بل وشراء وامتلاك بعضها.

فحين يبدأ العارفون بعالم الكرة بالتحليل، فإنك تظن بأنهم يعالجون قضية خطيرة تمس الأمن القومي فيغوصون في الاجتهادات ومناقشة الاستراتيجيات والخطط والأخطاء باهتمام بالغ نتمنى لو تطرح قضايانا ومشاكلنا التي نتخبط فيها اليوم بهذه الجديّة!

إننا مع هذه الهواية الرياضية لا بل من مشجعيها، ولكننا نطالب برفع منسوب حواراتنا حول المسائل الخلافية العربية إلى مستوى طاولة مستديرة تناقش مباراة لكرة القدم!! فنحاول إظهار “الفاول” و”التسلل” وإشهار الكارت الأصفر والأحمر..!! وكيف نجد “حكَّاماً” يتصفون بالنزاهة وقول الصواب! فقد بدأت أكبر وأعقد قضايانا القومية تضيع بين “الأرجل”! واللاعبون أينما كان يباعون لمن يدفع أكثر، وأصبحت المسألة عرضاً وطلباً وتنافساً واستثماراً. ومنذ سنوات بدأت الصحف تخصص عشرات الصفحات المملوءة بالصُوَر ووجهات النظر والتعليقات الكروية المحلية والعالمية، وأصبحنا نقرأ عن رياضة كرة القدم أكثر من قراءتنا للمواضيع الفكرية والفنية والاجتماعية والسياسية.

جميل أن تنتشر الرياضة في بلادنا، ولكن ليس على حساب متابعة قضايانا الأساسية وتصبح همومنا العربية القاتلة في الدرجة الثانية، ودائماً موضوعة على “دكَّة” الاحتياط وإلى أجل غير مسمى!

                                                                                د. غازي قهوجي

Kahwaji.ghazi@yahoo.com

 

ضحايا

بشكل عام فإن من يسعون للتضحية بحياتهم في سبيل الغير هم من الندرة في عالمنا المعاصر، وهم من المميزين الذين يمتلكون وعياً عميقاً وإحساساً كبيراً تجاه المبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية، وهم من المتخطين للإغراءات الحياتية ومباهجها الآنية. إنّهم من صفوة الناس الذين يهبون أعمارهم للآخرين عندما يتطلب الأمر ذلك، وهذا أغلى وأعلى وأكبر ما يقدمه الإنسان على الإطلاق، خصوصاً إذا جاء عن اقتناع راسخ وإيمان شديد للقيام بالتضحية.

لقد كانت اليابان تنمو بمعدلات تفوق أعلى المعدلات التي حقَّقتها الصين، وكل ذلك بعد عشرين سنة فقط من هزيمة اليابان في الحرب وكارثة هيروشيما وناغازاكي المدينتين المدمرتين بالقنابل الذرية.

منذ أسابيع كَتَبَت صحيفة “الفايننشال تايمس” خبر نعي مؤثِّر لرجل ياباني، مع أن هذه الصحيفة لا تدرج نعي أي شخص ما لم يكن مميزاً بمقاييس عالمية، والواقع أن هذا الإنسان كان في غاية التميُّز وخير مثال على التضحية من أجل أمته ومجتمعه.

لقد كان هذا الرجل البالغ من العمر 58 عاماً رئيس المهندسين في محطة “فوكوشيما” النووية التي أصابتها أضرار جسيمة قبل سنتين جرّاء الزلزال الذي ضرب المنطقة. آنذاك تخوَّف الرجل وفريقه المؤلف من أربعين مهندساً من انفجار المفاعل النووي ما لم يتوصلوا إلى خفض منسوب حرارته، وذلك بالتبريد بواسطة مياه البحر، وكان عليهم قبل توافر جميع وسائل الحماية والوقاية القيام بعملهم مع ادراكهم التام الذي لا يقبل الشك انهم سيصابون بالسرطان القاتل بسبب الانبعاثات النووية من المفاعل المذكور.

خاطر جميع أعضاء الفريق وعلى رأسهم الإنسان الذي نعته “الفايننشال تايمس”، وتوصَّلوا إلى منع انفجار المفاعل، الأمر الذي كان سيودي بحياة آلاف اليابانيين المقيمين في دائرة يبلغ قطرها كيلومترات حول المفاعل. وربما أكثر ما يستثير الاعجاب والحزن في آن معاً أن هذا الرجل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة كان يقول: “إني أموت مرتاح الضمير… وحان وقت الرحيل..!”.

كذلك فإن رفاقه أيضاً ماتوا، أو هم يموتون من دون ندم أو تحسُّر فقد أدُّوا واجباتهم ووهبوا حياتهم عن اقتناع ورضا لينقذوا الآلاف من أبناء شعبهم.

بالمقابل يشهد العالم العربي اليوم صراعاً دموياً وميلاً جارفاً لإلغاء الآخر والقضاء عليه، حيث لا معنى ولا جدوى لمفاهيم التضحية وصفاتها النبيلة، فكأن موت الآخر هو المطلوب، والتضحية هي بالبشر والحجر وبألآف الأطفال والنساء.

أما التضحية في سبيل بقاء الغير، فهي غير التضحية بالغير، ولهذا فقد كَثُرت “الضحايا” في كل مكان وعلى جميع الأصعدة وتراجعت الأخلاق وانعدم الحسّ الإنساني، وأصبح الفساد مرض العصر الأول!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

قهوجيات: رموز حيوانية

من المتعارف عليه في العالم هو أن “الحمامة” هي رمز السلام، وأن الصليب المعقوف هو رمز النازية، والأرزة الخضراء رمز الدولة اللبنانية، والنسر رمز العديد من الأمم والشعوب القديمة والمعاصرة… وغير ذلك من الرموز والأشكال والصُوَر والألوان التي نراها في الرايات والأعلام وعلى المطبوعات.. الخ.

فالشعار أو الرمز هو الذي يتضمّن في جوهره ويحمل في شكله دلالة بصرية تعبِّر عن فكر وتطلعات وسلوك الجماعة، التي اتخذته رمزاً لها، فهو بمثابة “اللوغو” الذي يلخصها بكثافة، وتُعرف به إن كانت حزباً أو دولة أو مؤسسة.

من هذا المنطلق، ومن حيث أن “المكتوب” يُعرَف من عنوانه، فإن “الحمار” – أعزَّك الله – هو رمز وشعار الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية، ولقد وقع عليه الإختيار استناداً إلى مزاياه في الصبر وطول البال وتحمل المشقات والصمت “البليغ” الذي هو أقرب إلى “الإصغاء” منه إلى السكوت! والوقوف على قوائمه الأربع ساكناً بلا حراك طوال ساعات محدِّقاً في اللاشيء، إلى جانب مبادرته من وقتٍ لآخر ومن دون سابق إنذار إلى رفع عقيرته واطلاقها بالنهيق العالي وعلى مقامات ونغمات متعددة لا هي بالعواء ولا بالنباح أو حتى ما يعادلهما من أصوات مميَّزة، وذلك انطلاقاً من “بُحَّةٍ” مخنوقة في صوته تخرج من شدقيه واضحة تدخل الإسماع عن قرب وعن بُعْد تعقبها “قفلات” تنهيدية من النهيق المنخفض، الذي يحمل شكوى دفينة، وتُشكِّل المتنفس الوحيد لإبداء الرأي وطرح ما يدور في النفس من شؤون وشجون! والحمار في نهاية المطاف حيوان نباتي عاشب بامتياز ولا أثر للكوليستيرول في دمه!!

بالمقابل فإن “الفيل” هو رمز وشعار الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية، وهو الحزب الذي ينافس الحزب الديمقراطي، والمعركة بينهما هي بين: فضائل الحمار ومحاسن الفيل!

فالفيل حيوان ضخم يتمتع بذاكرة حديدية هائلة، وخطوات ثقيلة تدب ببطء، وخرطوم غليظ طويل مع نابين عاجيين، وقد استعملته بعض الجيوش القديمة في القتال، ومن صفاته أنه يهوى ورود الماء للابتراد والتمرُّغ بالوحل، وعلى الرغم من هدوئه الشكلي فإنه مشاكس من الدرجة الأولى. هو بالنتيجة حيوان نباتي عاشب!

على مدى عقود كانت المنافسة بين الحزبين وما تزال – بين الحمار والفيل – على سدة الرئاسة والقيادة، أي بين “الحميريون” – ولا أقول الحمير – وبين “الفيلة”. وعاش العرب على وقع وإيقاع الحزبين، وتأثَّر العالم كله تارة من الآراء القاتلة والاجتهادات الغرائبية “للحمار” وطوراً من آلام “دَعْوَسات” الفيل. وها هي حالنا اليوم مع “الدب” الروسي اللاحم المفترس، و”الأسد” الإنكليزي صاحب الزمجرة والهمدرة والزئير، والديك الفرنسي مالك الجناحين وعدم القدرة على الطيران! هؤلاء جميعاً يسطع ويشعّ بهم ما يُسمى “مجلس الأمن”!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

قهوجيات: اللجنة الفاحصة

في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي في جنوب لبنان، جاء أحد المواطنين ويدعى “أبو ابراهيم” إلى أحد الزعماء السياسيين طالباً منه أن يسعى لتوظيف إبنه الشاب “مُعَلماً” في المدرسة الابتدائية الرسمية، حيث كانت مهنة “المُدرّس” تشكّل نوعاً من الرفاه والتباهي على الآخرين في المجتمعات القروية.

كان المواطن “أبو ابراهيم” أحد المفاتيح الانتخابية النيابية الناشطة في منطقة ذاك الزعيم السياسي وينتمي إلى عائلة كثيرة العدد بمعنى وفيرة “الأصوات”.

عند اللقاء سأل الزعيم عن مؤهلات الإبن الشاب، فأجابه الأب بكل بساطة بأن ولده لم يدخل المدرسة على الإطلاق! أي أنه أُمي لا يقرأ ولا يكتب إنما هو ذكي ونشيط ومن المتحمسين المميَّزين “للبك” الزعيم، وهو “قبضاي” بشهادة كل “الضيعة”!!

أبدى “البك” استغرابه تجاه عدم منطقية الطلب، الذي يتطلَّب توفُّر الحد الأدنى والبديهي من معرفة القراءة والكتابة، هذا إلى جانب الحصول على شهادة الدروس الإبتدائية، إلى جانب أن جميع المتقدمين إلى وظيفة “معلم” سيخضعون إلى إمتحان أمام لجنة فاحصة تمتحنهم خطياً وشفوياً. إلا أن إلحاح السيد “أبو ابراهيم” صاحب الوزن الانتخابي باستقطاب الأصوات من جهة، وحاجة “البك” إلى هذه الأصوات من جهة ثانية جعلت الزعيم أن يُطَيِّب خاطر “أبو ابراهيم” ويَعدُه خيراً بالوظيفة. بالفعل صَدَقَ “البك” ووفىَّ بوعده، سيما وأنه اشتهر بأداء هكذا خدمات على الرغم من عدم صوابيتها. ولكن بسبب استحالة التعيين من دون شهادة الدروس الابتدائية، فقد صَدَرَ قرار تعيين السيد ابراهيم ابن أبو ابراهيم ضمن أعضاء اللجنة الفاحصة!!!

تذكرت هذه الواقعة وأنا أشاهد بعض برامج التلفزيون العربية، خصوصاً تلك التي تتصدرها لجان فاحصة يغلب على غالبية أعضائها عدم المعرفة إلا أنها تتمتع بالنفوذ أو الشهرة أو الشكل أو “بالقربى”، ولكن من دون شرط الدراسة والاختصاص أو المعرفة العميقة والخبرة الطويلة في علم الموسيقى وجوهر الصوت والأداء، وقد بَرَز ذلك من خلال التعليقات والمداخلات والأحكام الساذجة التي تصدرها تلك اللجان على الذين يتقدمون للغناء أو العزف… إذ لا يكفي أن يكون الجالس أو الجالسة على منصَّة التحكيم مطرباً أو مديراً نافذاً أو نجماً مشهوراً في حقل ما ليكون مؤهلاً لإصدار الأحكام.

أستطيع القول بأن القيِّمين على نشاطات التلفزيون هم بمثابة الزعيم “البك”! وأن خلف كل عضو من هذه اللجان التحكيمية يقف “أبو ابراهيم” يقترحه ويفرضه ويحضنه على حساب كل المشاهدين.

المطلوب هو توفر المؤهلات لمن يريد التحكيم تبيِّن اختصاصه في الفنون المطلوبة، فالبلد مملوء بالدارسين والاختصاصيين ومن أصحاب المعرفة والثقافة والخبرة والممارسة.

هناك فلتان سياسي وسهولة في خرق القوانين والأعراف، وهناك فلتان ثقافي لسهولة طبع الكتب وإصدار المطبوعات والمجلات والنشر بشكل عام، وهناك فلتان وهبوط في فنيّ الموسيقى والغناء، وذلك لسهولة و”إسهال” البث التلفزيوني والإذاعي وشيوع تداول الـــC.D. وD.V.D. والــ W.C.!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com