“باصقات اللهب”

walidلا مكان للشك في حضور اليقين. فالاستخفاف بالدستور ظاهر بحدّة في تصريحات أكثر من مقاول إعلامي ومبتذل سياسي. مما يؤكد أن كثيرين من اللبنانيين ليسوا لبنانيين، إلا بالقدر الذي تسمح به إيران.

إن إضعاف الدولة سياسة ثابتة. فكل الحوارات والتفاهمات تلفظ أنفاسها على عتبات عنجهية القوة. ومع ذلك يتحدث أبطال تعطيل المؤسسات عن الديمقراطية، تماماً كما يتحدث الحداد، الذي يصنع أبواب السجن، عن الحرية.

إن ما نسمعه من غناء “جوقة الإيرانيين” من “تطريب فلسطيني” هو غناء يستعير كلماته على قاعدة “أجمل الشعر أكذبه”.

إن استخدام سحر فلسطين، والقدس بالذات، كمفتاح للسيطرة على لبنان، هو سحر فقد مفاعيله. فالشعب لم يعد فرقة من “الكومبارس”، يحركها المخرج باصبعه.

نحن اليوم لا نشاهد مسرحية. فالخوف حقيقي. والإنهيار حقيقة. والبطالة والفقر والجوع والإفلاس … كلها مشاهد واقعية.

من دون تأنيب لضمير وطني، يستمر “الممثلون” بمسرحيتهم، التي يمكن أن تتحول، عند أي تصرف أحمق، إلى مسرحية دموية تعرض على خشبة الواقع.

من هنا نسأل:

ماذا تفعلون بلبنان؟

كأن المطلوب من سعد الحريري أن يخجل من التمسك بالدستور.

وكأن لبنان يجب أن يدمن الفراغ الحكومي.

وكأن “العهد القوي” يجب أن يخضع لمن مدّه بالقوة.

نرجع إلى المهم.

اليوم يكاد البلد يعود إلى “جاهلية” الحرب الأهلية. فبعد أن سقطت أشباه العقد من التأليف الحكومي، كشف “حزب الله” عن صواريخه السياسية الدقيقة، فأصاب الحكومة الموعودة بوعيد قيام الساعة.

وبصورة مفاجئة ومفجعة، تقدم صفوف التعقيد الحكومي، أحد السنة نيران “حزب الله”. وكسلاح “باصقات اللهب” القديمة، بصق على الأخلاق في بلد “الإطارات المشتعلة”.

صحيح أن المحاكمات تهدئ القلوب المتعطشة للقصاص. إلا أن القضاء يخرج عن صلاحياته، عندما يتطاول على أحد رموز تحرير فلسطين وإنقاذ الكون من الإرهاب!

وبالإنتقال من المهم إلى الأهم:

أولاً، نذكّر فيصل كرامي أن والده الراحل عمر كرامي إستغنى، مستقيلاً، عن رئاسة الوزراء من أجل لبنان. فهل كثير عليه الإستغناء عن “وزير دولة” من أجل إنقاذ لبنان في أخطر مرحلة؟

ثانياً، لا أحد يستطيع أن يعين سعد الحريري على صبره الحكومي وثوابته الدستورية، غير رئيس الجمهورية، الأمين على الدستور، والشريك في تشكيل الحكومة.

ثالثاً، لبنان مدعو جبراً لدخول معركة تبدو غامضة، مع أنها كثيرة الوضوح. وتبدو غبية وهي حادة الذكاء. فإيران توجه القذائف عبر حلفائها، إلى العهد الذي صنعته ذات يوم، مما يستدعي تحذير “التيار الوطني الحر” من خلال مؤسسه الجنرال عون، ورئيسه جبران باسيل، من أن الجلوس على الهامش في هذه اللحظات الشديدة الخطورة، سينهي العهد قبل أوانه، وسيجعل حلم باسيل بالرئاسة المقبلة، كمن ضيّع في الأوهام عمره.

وليد الحسيني

Advertisements

التصدي لفرعون

walidإذا استمر “الممانعون” في فرض سياسة “الواحد الأحد”، فهذا سيؤدي بلبنان إلى نهاية واحدة… هي النهاية.

وإذا استمروا في انتهاك الدستور، فإن الدستور، بفضلهم، تحول إلى بناء متهالك هجرة سكانه.

منذ زمن قيل أنهم “دويلة” في دولة لبنان. اليوم يتضح أن لبنان هو “الدويلة” في دولتهم.

ولأن لا أحد رد “فرعون”… فلا أحد يستطيع أن يمنعهم من اللجوء إلى “الفرعنة”.

وما لا يدركه اللبنانيون أن هؤلاء وجهين لعملة واحدة.

وجه لا يعترض على تسمية سعد الحريري لتشكيل الحكومة. ووجه يمنع سعد الحريري من تشكيل الحكومة.

في الوجه الأول يظهرون تفهماً للواقع اللبناني… وفي الوجه الثاني يظهرون تفهماً أكبر للواقع الإيراني. فلبنان لا يمكن أن يكون أحد مراكز الإحتيال على العقوبات الأميركية، إلا إذا كانت حكومته لا ترى ولا تسمع ولا تحتج، كلما قامت إيران بتزحيط العقوبات الأميركية من بر وبحر وأجواء لبنان.

أما إذا لم يعتذر الحريري، ولم تقم حكومة “الدمى”، فمن المفيد بقاء البلاد بلا حكومة، بحيث أيضاً لا أحد يرى أو يسمع أو يحتج.

لقد اعتقد الحزب “الآمر الناهي” أن ليونة سعد الحريري ضعف، يجب استغلاله، بمضاعفة المطالب والشروط، وصولاً إلى حكومة “الدمى”، أو الإبقاء على الدولة الغائبة عن الوعي والرقابة والمساءلة.

انطلاقاً من هذه الأهداف يتم استيلاد العقد. وقد كان افتعال توزير أحد النواب السنة الستة، القشة التي قصمت ظهر الحكومة.

يعتقد هؤلاء، أن ما يملكونه من قوة، يُمكّنهم من الإحتفاظ بالعصفور في يد، وباليد الأخرى يستطيعون اصطياد العصافير العشرة فوق شجرة السرايا الحكومية.

ويبدو أن الحريري أدرك، ولو متأخراً، أن ما قدمه من مرونة لم ينجح في إعادة الحياة إلى جثة الدولة. وأن “المسايرات” لم تتمكن من حقن “المستكبرين” بطُعم “الرحمة الوطنية”. وأن صبره لم يصنع مفتاح الفرج.

الصورة الآن أكثر وضوحاً للحريري. فالأمر لا يتعلق بوزير سني من خارج المستقبل. فمثل هذا التوزير لا ينتقص من السنة. لكن التوزير هنا يؤكد، بلا شك، الرضوخ والإنصياع لأوامر حزب الله.

اذاً… هذه هي الأزمة.

دولة قوية… أم أقوياء على الدولة؟

الحريري قرر الدفاع عن الدولة ولو أدى به الحزم إلى مواجهة فرعون والفراعين الصغار معاً.

ولفهم ما سبق… سبق وقالها نهاد المشنوق:

لقد دخل النواب السنة الستة من الباب الخطأ.

وما لم يقله نهاد المشنوق، أنهم اختاروا تسمية هزلية، عندما وصفوا أنفسهم بالمستقلين، وقد دخلوا بيت حزب الله الذي منحهم حق اللجوء المذهبي.

لقد افتضح أمر هذا التجمع، الذي ما كان يجتمع لولا “عصا الراعي”.

فمن الواضح أن توزير أحد السنة الستة عقدة دبرت في ليل.

ولولا إعلانها من قبل السيد حسن نصر الله، لما سمح بها، حتى النواب الستة أنفسهم.

قبل صدور مذكرة “الإحضار” إلى التجمع السداسي، كان أغلبهم قد رضي بنصيبه مختاراً كتلة نيابية تأويه. واليوم بـ “نعيم” حزب الله يتأبطون البلد رافعين شعار:

نكون… أو لا يكون لبنان.

                               

وليد الحسيني

ديمقراطية لبنان… هجرة أم تهجير؟

walidلم تعد أرض لبنان صالحة لزراعة الديمقراطية. فالأرض التي كانت تحرث بمحراث الدستور، أصبحت تحرث بمحراث السلاح والتهديد… وهناك أسباب أخرى كثيرة منها:

  • “دودة المذهبية”، التي تنهش ثمار الديمقراطية قبل أن تنضج.
  • “الأمية”، التي تظهر فجأة على أصحاب النفوذ، فقط عند تهجئة نصوص الدستور. مع أنهم من بلد يزعم أنه الوطن الأول للأبجدية.
  • “الوطنية”، التي كثيراً ما تتنقل بين الداخل والخارج.
  • “الواسطة”، التي تعتمد نظرية “الأقربون أولى بالمشاريع والوظيفة”.
  • “الفساد”، الذي يحلل الحرام… ويحرم القانون.

إذاً، من حق الديمقراطية أن تتعب، وتهاجر من لبنان. تماماً كما يهاجر اللبنانيون منه. فلا خبز لها ولهم في هذا البلد، الذي لم يبق فيه من الحريات سوى حرية المنع بقوة “الممانعة” ورفع “الأصبع”. وكذلك حرية إلقاء التهم جذافاً. تضاف إلى ذلك حرية تقاسم الصفقات… وشفط المال العام.

من حقها أن تهرب بجلدها. فلبنان لم يعد مسقط رأسها العربي، كما كانت تعتقد شعوب الدول العربية أيام زمان.

لم تعد النصوص تحميها من لصوص الدستور والقوانين. فهي أسيرة بدعة “المكونات”. فأي مكون مذهبي يستطيع منفرداً إعتقالها في زنزانة منفردة.

وهي إذا نجت من مصيدة “المكونات” علقت بـ “الديمقراطية التوافقية”، في بلد لا يعرف التوافق ولا يحترم الإتفاقات.

لا شك أن الديمقراطية في لبنان تعيش محنة، لا تعيشها حتى في أعتى الدول ديكتاتورية.

لا يوجد لبناني لا يدعي حبها، إلى درجة العشق الإلهي. ومع ذلك لا أحد يقبل استقبالها في بيته أو حزبه أو مذهبه.

بعد هذا، من العبث البحث والتحري عن الديمقراطية في لبنان. حيث لا ندري إذا ما تم تهجيرها قسراً، أم أنها هاجرت بإرادتها، إلى بلاد لا تعرف قوانين انتخابية، تنتسب زوراً إلى “النسبية”. ولا تعرف هرطقة حكومات الوحدة الوطنية، التي يختلط فيها الماء والنار. فيتم توزير من دب موالياً، ومن هب بسلاحه معارضاً ومعترضاً. ومن نهب فوُهِب، ومن شب على الوصولية… فوصل.

الأكيد أن الديمقراطية خرجت من لبنان.

لقد راحت وأراحت.

الآن برحيلها يستطيع حزب الله فرض “الرضوخ”.

الآن يصبح السنة سادة لبنان، إذ يكفي “ستة” منهم لتحديد مصير البلد… ولتحديد أي كارثة يختارونها له.

الآن يمكن اعتبار “تفاهم مار مخايل” بديلاً عن تفاهم الطائف.

الآن لا شيء يمنع من أن يتحول لبنان إلى رئة إيرانية، تساعد على مرور الهواء إلى طهران، عندما يشتد خناق العقوبات الأميركية.

الآن لا حاكم ولا حكومة… فالجميع محكوم بالخضوع للقوة والقوي… ففي ظل نظام الفوضى فإن الأقوياء هم من يحكمون.

ترى هل تعود الديمقراطية من غربتها؟.

نأمل أن يشملها “قانون باسيل” في إعادة منح الجنسية للمغتربين… فهي أيضاً من أصول لبنانية.

وليد الحسيني

حكومة “قيام الساعة”

walidعندما حاول “كفار قريش” قتل الرسول العربي، إختاروا سيّافاً من كل قبيلة، ليضيع دم الرسول بين القبائل.

وعلى طريقة “الكفار” تم تصنيع عقد تأليف الحكومة، من كل مذهب عقدة، لتضيع عرقلة التأليف بين المذاهب.

كان هذا ما يبدو للعيان، بغياب العين الخارقة للأسرار، إلا أن الأمور انكشفت… وظهر ما في داخل الصدور من خبايا.

وهكذا يتأكد اللبنانيون أن لا عقد ولا عقبات… بل لا حكومة.

لا حكومة، لا في سنة، ولا في ثلاث سنوات، ولا في ألف سنة… وحتى قيام الساعة.

إنه “الوفاء” لستة حلفاء، تجمعوا من كل كتلة عصا.

ونسأل حزب “الأوفياء”:

أما من بقية وفاء للبنان؟

أليس الملايين من اللبنانيين، كانوا حلفاء حقيقيين لكم في حرب تموز؟… أم أن انتصاركم في هذه الحرب، ما كان ليكون لولا الحلفاء الستة… فاستحقوا بذلك إحتكار كل الوفاء؟.

ما الحل… و”الصم” لا يسمعون صراخ جوع الناس. ولا استغاثات التذلل من التجار والمتاجر والمؤسسات والشرفات؟.

ما الحل… و”البكم” لا ينطقون إلا بإشارات “ممنوع المرور”؟.

ما الحل… و”العمي” لا يرون الأخطار وقد تجاوزت حدود لبنان، لتقيم في كل مؤسسة وفي كل بيت؟.

فعلاً، هم صم بكم عمي… لا يفقهون معنى إنهيار المعبد على من فيه.

لقد وجهت أمس إلى اللبنانيين تهديدات صريحة… سبق أن جرّبت وصدقت.

وكما للحرب صواريخها الدقيقة، كذلك للسياسة صواريخها الأكثر دقة.

المفاجأة أن صواريخ الحرب لم تطلق بعد. لكن صواريخ السياسة أطلقت بغزارة في خطاب السيد حسن نصر الله في يوم الشهيد.

رأينا “السرايا” الحكومية متصدعة، بعد أن أصيبت بصاروخ مباشر. ورأينا “عين التينة” تفرض عليها الشراكة في شروط التوزير وتزوير المعايير. ورأينا “قصر بعبدا” يحاول لملمة الشظايا التي تساقطت في المكتب الرئاسي.

ما هذا الذي يجري؟… وما هو المطلوب؟

لا أحد يستطيع أن يتنبأ.

لقد تم افتتاح موسم الأخطار. والبحث جار عن الحكمة المفقودة.

إن معايشتنا لحكومة يمكن اعتقالها في خطب المناسبات، يجعلنا نترحم ونتذكر حكومات أيام زمان.

يومها، لم يكن “العيش المشترك” يشترط مشاركة الجميع في الحكومة.

يومها، لم تفرط “الوحدة الوطنية” بغياب هذه الفئة أو تلك عن التمثيل الحكومي.

يومها، لم تكن قد صدرت أحكام مذهبية بمصادرة الحقائب الوزارية الرئيسية لمصلحة هذا المذهب أو ذاك.

يومها، لم يكن الثلث المعطل قد دخل القاموس السياسي.

يومها، لا ثلاثية ذهبية. ولا نأي بالنفس. ولا أبقار “كهربائية”، يتحول حليب سفنها، إلى قوالب جبنة تقطع على موائد دون أخرى.

يومها، لا محارق تحرق عطاءاتها “التفاهمات” الخالدة.

يومها، لا حقائب وزارية توضع في حقيبة رئيس الجمهورية.

يومها، كانت تشكل الحكومات بأيام… لا كما أخبرنا السيد بأن التأليف يستطيع أن ينتظر سنة وثلاث سنوات وألف سنة… وقيام الساعة، التي نأمل أن لا تكون “ساعة لبنان”.

                                                                          وليد الحسيني

إيه ولاّ إيه ولاّ إيه؟

walidيوم صدرت جريدة النهار بالحبر الأبيض، تذكرت نكتة تقول أن الشرطة ألقت القبض على مواطن يوزع أوراقاً بيضاء. وفي التحقيق إعترف بأنها مناشير ضد الدولة. سخر المحقق منه قائلاً: لكنها بيضاء بلا كتابة. أجابه بمرارة: حاكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

وها نحن، مثل هذا المواطن الحائر، نسأل أنفسنا: نكتب عن إيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه؟.

هل نكتب عن الحكومة، التي ما زالت معتقلة في سجن “باستيل الباسيل”؟.

أم عن الإقتصاد الذي يحتضر بانتظار حضور عزارئيل شخصياً؟.

أم عن قرارات “مؤتمر سيدر”، التي انقطعت فيها الطرق إلى لبنان. وتكاد تتبخر أموالها بسبب إرتفاع حرارة الخلافات السياسية وبلوغها درجة الغليان؟.

أم عن الدستور، الذي لا تتناوله الزعامات خوفاً من “مواده الدسمة”، التي تضر بالصحة التسلطية، وتتسبب بارتفاع الضغط؟.

أم عن العهد القوي، الذي يستعمل قوته في البلد، كما استعمل شمشون الجبار قوته في هدم أعمدة الهيكل؟.

أم عن التفاهمات التي ما ينفع اللبنانيين منها ذهب مع رياح المصالح، ولم يبق سوى التفاهم الذي يفرش السجاد “العجمي” إلى قصر بعبدا؟.

أم عن الكهرباء، التي جعلت من كلمة “التقنين” أكثر المفردات اللبنانية تداولاً؟.

أم عن كهرباء وزير الإقتصاد المصرّف للأعمال، والمتصرف بالقانون. فالقانون الذي يعتبر مولدات إشتراكات الكهرباء غير قانونية، اعتبر وزير “دولة المؤسسات” أن إقدام أصحاب المولدات على إزالة مخالفتهم للقانون، هي إزالة تخالف القانون… وتستحق العقوبة؟.

أم نكتب عن المقالع والكسارات، حيث بفضلها تم تمزيق ثوب لبنان الأخضر… وتكشّفت عورته، التي تكاد تشبه بعد قليل عورة الصحراء الكبرى في أفريقيا؟.

أم نكتب عن النفايات التي لا تغيب عن العين ولا تفارق الأنف؟.

أم عن الليطاني، الذي تحول من مصدر رزق للمزارعين، إلى مصدر رزق وفير للمستشفيات والأطباء والصيادلة… ومجالس التعزية؟.

أم نكتب عن الحريات، حيث بدأت مواقع التواصل الإجتماعي تزخر بمحققي مكتب المعلوماتية، الذين يطلبون من المغرد الإنتقال من “FOLLOW”  إلى “FOLLOW ME”؟.

أم عن الفساد والسرقات والعمولات والرشوة، وهي تشكل الطريق الأمثل للوظفية العامة، ولرسو الإلتزامات والمناقصات؟.

أم عن المرتشي الصغير، الذي يقبل بفتات المشاريع. ونعني الوطن، بالكاد يقبض عمولات من هذه الوزارة أو تلك، ليصرفها على ملذاته التافهة في التعليم والصحة والزراعة والصناعة والأشغال والنقل والإتصالات والطاقة؟.

وبما أن لا أحد فوق القانون، فإن الوطن هو المرتشي الوحيد، الذي تثبت عليه جريمة الرشوة. فهو لا يستطيع الهروب من التهمة بإنكار بناء جسر هنا أو حفر نفق هناك. فشهود الإثبات هم الجسور والأنفاق نفسها.

وأخيراً، ولأن مساحة المنشور لا تتسع لإضافات… يبقى في الوقائع، الكثير من الإيه… ولاّ إيه… ولاّ إيه.

وليد الحسيني

أي إيران نختار؟

walidالموقف مع إيران أو ضدها بالغ التعقيد.

لا بد أن نكون معها عندما تستهدفها الولايات المتحدة وإسرائيل. وضدها عندما تستهدفنا هنا وهناك.

إنها معادلة صعبة … وأصعب ما فيها دخول القضية الفلسطينية على الخط.

لقد علّم العربُ إيران على المتاجرة بفلسطين، فسبقتهم إلى أسواقها!

ها هي تلبس قناعاً فلسطينياً يلزمنا بالإندفاع خلفها. وكأن لا أحد من العرب أمامها … حتى منظمة التحرير بكل فصائلها.  فهي تحتكر حلم التحرير إعلامياً وخطابياً. وتتشدد في طرد إسرائيل من المنطقة. ومسحها من خريطة الطريق إلى فلسطين من نهرها إلى بحرها.

ومما يزيد الموقف من إيران تعقيداً، أننا إذا نبشنا التاريخ، نكتشف أنه، وقبل 23 عاماً من نكبة فلسطين، ارتكب الفرس بحق الأمة العربية نكبة الأحواز. فكما أعلن البريطاني بلفور وعداً أعطى فيه فلسطين العربية لليهود، فقد سبق وغد بريطاني آخر وهب الأحواز العراقية للفرس.

على متن طراد إنكليزي في العام 1925، تم تسليم الشيخ خزعل الكعبي حاكم الأحواز لجنود الشاه.

أسروه ثم أعدموه.

وإذا تمادينا في نبش التاريخ، نكتشف أيضاً أنه قبل مجزرة دير ياسين في فلسطين، كانت ثمة مجازر كثيرة مماثلة في الأحواز. استوطنت على أثرها عائلات إيرانية إحدى جنات الأرض وأكثرها ثروة وغلالاً. وبذلك يكون الإستيطان الفارسي في بلاد العرب، قد سبق الاستيطان الإسرائيلي بربع قرن.

لهذا لا نحتاج للتأكيد على أن الأحواز هي “النكبة الأولى”. وعليه تكون فلسطين هي نكبتنا الثانية.

فأي إيران نختار؟

تلك التي تعلن ليلاً نهاراً عزمها على إخراج المغتصب الصهيوني … أم تلك التي تكاد تمحو من ذاكرتنا وجود المغتصب الفارسي؟

هذه الإزدواجية الإيرانية أصابتنا بالحول.

ها نحن نراها قد جهّزت “فيلق القدس” … وفي ذات الوقت، نرى الفيلق الجرار يجر نفسه إلى سوريا والعراق واليمن، مبتعداً عن القدس ومسجدها الأقصى.

من النادر إختلاط الشك باليقين. فهذا أمر يتسبب بتناقض المشاعر، بحيث يستحيل التمييز بين الخطأ والصح في المواقف.

وإذا عدنا إلى حول الإزدواجية الإيرانية، فإنه لم ينجح في حرف أنظارنا عن جزر الإمارات المحتلة. ولا عن الأطماع في البحرين. ولا عن استهداف السعودية بالصواريخ البالستية. ولا عن بناء أحصنة طروادة في اليمن ولبنان والعراق.

لقد وضعتنا إيران في “حيص بيص”. وعليها أن تخرجنا من ريبتنا، وذلك بأن تبتعد عن سياسات مريبة.

عليها أن تسعى إلى علاقات عربية صحيحة وصحية، تنصرها في مواجهة ما يهددها ويهدد إقتصادها.

ليقف العرب إلى جانبها، من واجبها أن تجنِّب المنطقة المذهبية وشرها المستطير. وإذا كنا أخوة في الدين حقاً … فلنكن حقاً أخوة في الدنيا.

وليد الحسيني

لن نكذب

walidلن نكذب، لمجرد أن قول الحقيقة لا يناسب وضع البلد.

سنمضي بما لا تشتهي سفن التسوية المثقوبة.

لن نكذب، ونصرّ على الحقيقة الخارجة على التقاليد السياسية اللبنانية.

في الحقائق:

لا يكفي أن يكون من هو فوق فوق الشبهات، طالما أن الإستيلاء على الغنائم ما زال مباحاً ومتاحاً.

لا يكفي إشهار شعار “بي الكل”، ليكون كذلك. خصوصاً بعد أن جرى إنكار أبوة تفاهم معراب. والتشكيك بأبوة تسوية بيت الوسط. وبالأخص بعد أن ثبت أن الأبوة لم تثبت، شرعاً وشرعية، إلا للتيار الوطني الحر.

كما لا يكفي إعلان التمسك بـ “النأي بالنفس”، وفي الوقت نفسه، يتم تبرير الإنتشار المتعدد الإتجاهات لرجال “حزب الله” من سوريا إلى العراق إلى اليمن مع تربص مكشوف على أبواب دول الخليج العربي.

وكذلك، لا يمكن إستغفال الدستور، الذي منع الرئيس من التصويت، باغتصاب ثلاثة أصوات في مجلس الوزراء!!.

وبعد،

صحيح أن الفساد بذرة فينيقية قديمة، وأنه لا ينتمي إلى عهد بذاته، لكن الأصح، أنه في السنوات الأخيرة، قوي عظمه، واشتدت عضلاته، وبلغت وقاحته ذروة الوقاحات.

وعود بعطاءات إجتماعية، ما زالت وهمية. وهي لذلك لن تصل باللبنانيين إلى مستوى السويديين، في حين أنها لن تمنعهم من الإنحدار إلى مستوى البنغلاديشيين.

مديونية خطيرة، من الإجرام معالجتها بفرض الضرائب. فهذا العلاج الجراحي سيؤدي حتماً وحكماً إلى نقل عدوى المديونية من الدولة إلى المواطن.

أما في حل أزمة الكهرباء المزمنة، فمن الغباء الأخذ بوصفة “أبو النواس” فداوها بالتي كانت هي الداء. أي بإقراض شركة الكهرباء من دولة تستجدي القروض.

ومن حق الشعب اللبناني الإعتراض على معالجة كارثة النفايات بالمحارق. فهذه معالجة ينطبق عليها أيضاً المثل الشعبي القائل “جاء ليكحلها فعماها”. فالمحارق التي إذا نظفت الأرض فإنها تلوث الهواء بالسم القاتل.

وفوق كل هذا، ماذا يفيد تعطيل تشكيل الحكومة… وقد تكسرت، بالنسبة للبنانيين، النصال على النصال.

إن إشتراط التأليف بالأخذ بنتائج الإنتخابات هو كمثل أفريقي فاز بمعطف واشترط على السماء أن تهطل على بلاده الثلوج.

نتائج الإنتخابات يا عباقرة التشريع مكانها مجلس النواب لا مجلس الوزراء. هناك تحاسب الحكومة بسحب الثقة أو منحها. أما في تشكيل الحكومة فنتائج الإنتخابات مجرد شيك بلا رصيد.

هذه ليست قراءة في المجهول.

المكتوب معروف من عنوانه.

لكن كيف سيكون الحال عندما تطغى تسريحات العمال على تصريحات “الإنجازات”. وعندما تعلو صرخات التعتير والفقر على هتافات المهرجانات الحزبية. وعندما يجتاح لبنان واقع مرضى بلا دواء. وجوعى بلا رغيف. وشباب بلا عمل. وخزينة بلا مال… هل هناك حينئذ من يجرؤ على إدعاء الاصلاح والتغيير.

بصراحة:

نعم يجرؤون.

وليد الحسيني