لقب دولة الرئيس والأثمان الفادحة

لا شك بأن الإهتمام بالإنهيار الصحي أولى من الإهتمام بالإنهيارات الأخرى. لكن هذا لا يبرر للحكومة إخفاء سموات مصائبها بقبوات أخطار الكورونا.
عملية التخفي هذه لم تمنع كشف المستور.
ها هي حكومة حسان دياب تمارس الفشل بكل أشكاله.
عندما زعمت أن وزراءها مستقلون، لم يكن اللبنانيون يملكون أدلة تكذيبها. إلا أن الأدلة تنهمر اليوم وتتفشى فضائحها، بسرعة تضاهي سرعة تفشي فيروس الكورونا.
لو صدقت، لما تعرقلت التشكيلات القضائية، التي أعدّها المرجع القضائي الصالح، وعطلتها مرجعيات المصالح.
ولو صدقت أيضاً، لما كانت بحاجة إلى موافقة التيار الوطني الحر وحركة أمل وحزب الله والمردة، لتعيينات المصرف المركزي. ومن ثم، تأجيلها إلى أن ترضي جبران باسيل فيرضى عنها. وإلى أن تلبي أوامر السيد حسن نصر الله فيأمر بتمريرها. وإلى أن تأخذ بخيارات الرئيس نبيه بري فيقبل بتقاسم خيراتها. وإلى أن تحفظ حصة سليمان فرنجية فيفرج عنها.
وفشلت كذلك في تطبيق أقدس مفاخرها “لا أحد فوق القانون”، فإذا بقانون التعبئة العامة يفتك، بسنابكه الأمنية، بسائق نفد من بيته رغيف الخبز، فأحرق سيارته، بعد أن حرق القانون قلبه على أطفاله، لمجرد إرتكابه مخالفة نقل أكثر من راكب واحد.
بينما، ونشاهد يومياً من هذه البينما الكثير، نرى سيارات أصحاب المعالي تضع القانون نفسه تحت مؤخرة معاليه، الجالس كالطاووس في المقاعد الخلفية، وقد جلس في سيارته المحصنة مثنى وثلاث ورباع، ما بين سائق ومرافق، هذا إذا لم يكن، أو تكن، إلى جانب معاليه أو معاليها، زوج أو زوجة… وسبحان من قسم القوانين بين رادع ومردوع.
ومن جملة أفشالها، التي قد تصل إلى جريمة القتل، الإصرار على ترك آلاف المغتربين اللبنانيين للموت بالكورونا، مقابل أن لا تتراجع عن قرارها بإغلاق مطار بيروت، المفتوح دائماً وأبداً للبعثات الدبلوماسية، وقوات القبعات الزرقاء، وخبراء الحفر في بحر النفط والغاز. وكأن هؤلاء يحفظهم رب السماء من كل وباء، فلا يحملون فيروساً من الخارج، ولا ينقلون فيروساً إلى الداخل.
إلا أن هذه “العنتريات الديابية”، لم تصمد طويلاً، وبدأ بالتراجع المهين لهيبته، وهيبة قرارات مجلسه الوزاري، عندما تأكد من أن أنياب بري لا علاقة لها بابتساماته المعهودة، وأن أصبع السيد نصرالله هذه المرة ليست من مشاهده المعتادة.
وفي سياق ميزان العدالة، الطابش لمصلحة التيار الوطني الحر، تبرز الأستاذة مي خريش نائبة الرئيس البرتقالي جبران باسيل، كمثال لمكافحة العدالة في مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، الذي لم يُقصّر أبداً في التحقيق مع من أساء إلى المُبشر بجنة بعبدا، في حين أن شعرة لم تتحرك في رأس إدارته، عندما أساءت السيدة خريش للنبي محمد وأمته بسنييها وشيعتها ودروزها. ربما لأنه، أي مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، يصاب بالصلع والهلع، إذا ما تعلق الأمر بأصحاب الأمر والنهي.
وبكلمات موجزة نختصر كل ما تقدم: كنا نود أن لا يدفع الدكتور حسان دياب كل هذه الأثمان الفادحة والفاضحة، مقابل لقب دولة الرئيس… فالاحلام في هذا الزمن المقيت غالباً ما تنتهي إلى كوابيس.
أما وقد فعل، فهو أمام خيارين. فإن إستقال خَرِبَ البلد، وإن استمر خرَّب البلد.
الخياران يتساويان بالمرارة… وليس بينهما ما يمكن وصفه بالأحلى.

وليد الحسيني

إلى حكومة دياب: لا داعي للهلع


العهد وحكومته ومن يأمرهما، لم يتركوا لكاتب لبناني فرصة الكتابة عن المآسي العربية. وإذا كان جحا أولى بلحم ثوره، فإن لبنان أولى بحبر كتّابه.

ووفق ما تعانيه جنة الله على الأرض، لا بد من التذكير والتركيز على أن ما بقي من عمر الولاية، العامرة بالويلات، هو أقل بقليل من ثلاث سنوات. وأن السنوات الباقيات قد تحمل أكثر بكثير مما مرّ من مرارات.

يحق للبناني الشك بأن تكون تبرئة العميل عامر فاخوري آخر المصائب. فعلامات الغيب تخبرنا بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وبما أنهم، أي أنفسهم، ما تبدلوا وما بدلوا، يكون العهد قد كتب على اللبنانيين أن يتعايشوا مع الكوارث إلى أن تتم السنوات العجاف سنواتها الدستورية.

وهنا تكمن مشكلة كتّاب لبنان. فالأزمات متشعبة، وجميعها يتساوى في الأولويات.

فمن أي مصيبة يبدأون؟.

من هذه أو تلك… أو من تلك، ومن ثم هذه؟.

الأمر سيّان. إذ ليس ثمة مصيبة بسمنة وأخرى بزيت. فأي من هذه المصائب ألعن من أختها.

المأساة ليست في مآسي الناس.

المأساة في حكومة نصحتنا بعدم الهلع من الكورونا، وإذا هي المصابة بالهلع من اتخاذ القرارات.

صحيح أنها حكومة اللون الواحد سياسياً، لكنها متعددة الألوان عند البحث عن حلول لليرة المترنحة، وللغلاء المتفشي، وللتجارة المتجمدة، وللبطالة المتنامية. فمن مساوئها الكبرى أن وزراءها باجتماعاتهم لا يجمعون على كلمة سواء.

هي في موضوع العميل فاخوري مثلاً، أجبن من أن تدينه، لكنها تملك شجاعة إدانة تبرئته.

وهكذا، وبكل بساطة، وكأي مسرحية فاشلة، يتحول القاضي إلى عميل. وكأنه وحده الحاكم بأمره.

من الطبيعي أن يساق رئيس المحكمة إلى مقصلة العمالة، فهو الذي جنى على نفسه، عندما استجاب لأوامر أولي الأمر فبرأ المدان، وعندما استجاب لاحقاً للأوامر فاستقال.

لقد لعبوا بهذا المسكين ذهاباً وإياباً. ولم يترك له سوى تحمل المسؤولية منفرداً، فادياً بمنصبه وسمعته سائر المسؤولين في السلطة، وسائر المتسلطين عليها وعليه.

وإذا كان المرتكب الفعلي لجريمة براءة الفاخوري، يحرص على سترة ابتلائه بالمعاصي، فإن السترة لا تكون بالتخفي وراء القاضي حسين عبد الله البريء من دم العدالة.

وبالمناسبة، فقد استمعنا، بكثير من الحزن، إلى دفاع السيد حسن نصرالله عن جهله بأمر تبرئة جزار الخيام. وعلمنا منه أنه كان آخر من يعلم بمسرحية المحكمة العسكرية.

وإذا كان هو لا يدري، والرئيس بري لا يدري، وفخامته لا يدري، ودولة رئيس الحكومة لا يدري، ووزيرة العدل لا تدري، ووزيرة الدفاع لا تدري، إذا صح عدم الدراية، عندئذ سيدري اللبنانيون بأن لا دولة في لبنان.

لكن الدولة موجودة على الأقل نظريا. وها هي تواجه الكورونا بفرض حظر التجول الذاتي، محولة بذلك كل بيت في لبنان إلى فرع من سجن رومية. وها هي تعالج عجزها عن تأمين المستلزمات الطبية لمكافحة الوباء، بالتسول من اللبنانيين لتوفير الوسائل لمستشفات الحجر الصحي، ومختبرات الكشف عن الفيروس الكوروني.

ورغم كل ما نحن فيه من الظلم أن نظلم الحكومة. فالنكبات المتوالية أكبر من طاقاتها وإمكانات البلد. إلا أنها عملياً هي التي تظلم نفسها بإسماعنا جعجعة لا تنبح طحيناً… وهذا يعني: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين.

وليد الحسيني

كورونا ويوروبوندز

سخرت إيران من العقل البشري، عندما اتهمت أميركا باختراع وباء الكورونا، وتصديره للمنافس الصيني، وللعدو الإيراني.
لن نعمل مثلها على إضحاك البشرية باتهامها بنشر الكورونا في لبنان، رغم أن أول زائرة “كورونية” جاءت إليه من مدينة قم الإيرانية.
وبعيداً عن هذا الوباء الصحي، فإن أوبئة سياسية واقتصادية كثيرة، يمكن إتهام إيران بتصديرها إلى لبنان، من دون أن نسخر من العالم. فالعالم يعرف جيداً، وقبل أن نبلغه، بلّغنا بأن إيران هي المسيطر على القرار اللبناني، منذ أن انقلبت الديمقراطية على مفاهيمها، فأصبحت الأكثرية هي الأقلية التي تحمل السلاح، والأقلية هي الأكثرية غير المسلحة.
وهكذا تحصى الأكثرية بعدد السلاح والمسلحين، لا بعدد اللبنانيين، الذين لا حول لهم ولا قوة.
وبهكذا أخرى، تفرض ديمقراطية السلاح علينا العهد القوي باستقوائه بحزب الله، وصولاً إلى فرض حكومة الخبط عشواء، التي تتخبط اليوم في كوارث، جديدها ألعن وأدهى من قديمها.
لم يسبق لحكومة في العالم، أن سبقت حكومة حسان دياب في اللجوء إلى حل الأزمات بافتعال أزمات أشد وأقسى.
أزمة “اليوروبوندز” نموذجاً.
لن ندفع.
عظيم. فشعبنا أولى من قنّاصي الفوائد من أصحاب مصارف وشركات مالية دولية.
لكن، حتى الجاهل في القوانين المالية والتجارية، يعلم علم اليقين، بأن ما تم حجزه من مال لشراء الخبز والدواء، هو محجوز بالنتيجة لصالح الدائنين الدوليين، الذين لا مفر من لجوئهم إلى محكمة نيويورك التحكيمية.
وهناك ستتأكد حكومة المعجزات، أنها لم تغامر بسمعة لبنان فقط، بل بقوت الشعب ومدخراته وما ملكت إحتياطاته من ذهب ومصارف.
لا نعتقد أن الفريق القانوني للدائنين الأجانب يمكن وصفهم بالجهل، الذي يتصف به فريق حكومة تلقي القرارات عن بعد.
المصرف المركزي لن ينجو من الحجز على أمواله. وبالتالي، لن نجد مالاً لخبز كفاف يومنا، ولا وقوداً لما تيسر من كهربائنا. ولا دواء لمن تبقى حياً من مرضانا.
المصرف المركزي، لن يكون مؤسسة مستقلة عن الدولة. فمن أين له الإستقلال، والدولة هي التي تعيّن حاكمه ونوابه ومفوضها لديه، والذي لديه من الصلاحيات، التي تجعل المصرف المركزي في دائرة الأملاك العامة بذهبه وودائعه وسنداته.
ولنفترض أن الشطارة اللبنانية تشاطرت على القضاء الأميركي، واثبتت أن المصرف المركزي مملكة مستقلة لا ناقة فيها للدولة ولا جمل، فإن تحرير الأموال المحجوزة سيستغرق زمناً يكون لبنان قد ابتلعته حيتان الافلاس والمجاعة.
هذا ليس زمن العنتريات. فلا أمل بالخروج من مقبرة الإنهيار اللبناني إلا بخيار من إثنين:
إما الخضوع لصندوق النقد الدولي وشروطه، وإما إعادة بناء الجسور مع دول الخليج، التي هجرها لبنان بمده الجسور القسرية مع طهران.
خياران لا يرضى بهما حزب الله… فماذا أنت فاعل يا دولة الرئيس، وأنت نفسك أمام خيارين في زواجك الحكومي: فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان… فترتاح وتريح.

وليد الحسيني

بيان “السين والسوف”

دولة الرئيس حسان دياب،
جئت تطفئ ناراً أم جئت تشعل النار؟.
هل تعلم أن “مخدرات سوف”، التي أغدقتها على اللبنانيين، في كلمتك الأخيرة، لم تخدّر وجعاً، ولم تعط أملاً؟.
لقد تابعت تكرار مبررات الفشل.
زعمت أنك جئت لانتشال لبنان من الغرق. واقتنعت، من دون أن تقنع أحداً، أنك المنقذ والمنجي. وأنك بخبرتك وبالخبراء من وزرائك، لن يحمل اللبناني هماً بعد اليوم.
لكنك، وقد جئت لإنقاذ الحاضر، سرعان ما تلطيت وراء انتقاد الماضي.
تذرعت، لإخفاء فشلك، بكان وكان في قديم الزمان. وكدت تصل في تحميل مسؤولية ما آل إليه لبنان من محن، إلى الأمير فخر الدين… وغاب عن لائحة إداناتك دور هارون الرشيد في هدر أموال الخزينة على الجواري وبناء القصور وشعراء البلاط، الذي تلعب دورهم اليوم الصحافة والتلفزيونات.
ونسألك: لماذا قبلت بصفقة لقب “دولة الرئيس”، وأنت العالم بأسباب ثورة 17 تشرين… ولماذا قامت ولماذا لن تقعد؟.
ترى هل كان حجم الأزمات اللبنانية مجهولاً، عندما أقنعك، من استضعفوك فاختاروك، لتولي مهمة حمل الهموم؟.
هل خدعوك فعلاً، عندما ارتضيت أن تكون “القشة” التي تقصم ظهر الوطن؟.
لا يبدو أنك تفاجأت، بل يبدو أنك كنت تعلم علم اليقين، بأنهم ضحكوا على شيبتك المتخفية.
وأكثر ما يبدو، أن شهوة السلطة ما زالت مسيطرة. حتى وأنت تنعي الدولة. وتحيل بيانك الوزاري إلى التقاعد المبكر، واضعاً حكومتك في مأوى العجزة. مقراً، وأنت بكامل قواك العقلية، أنك وأنها، عاجزان عن حماية لبنان من الإفلاس والإنهيار.
ولأجل هذا، ورغم كل ذلك، فقد بعت اللبنانيين الكثير من “السين والسوف”:
“سنسعى إلى هيكلة الديون”.
“سننجح في خفض الإنفاق”.
“سنصلح قطاع الكهرباء”.
“سنؤمن موارد إضافية”.
“سنقف سداً منيعاً في وجه التهرب الضريبي”.
“سنحسن الجباية”.
“سنطلق شبكة أمان لحماية الطبقات الأكثر فقراً”.
“سنعد استراتيجية لمكافحة الفساد”.
“سنصلح النظام القضائي”.
“سنشجع الإستثمار والنمو”.
“سنركز على الصناعة والزراعة”.
“سنضع خطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي”.
“سنعمل على حماية الودائع في المصارف”.
“سننظم العلاقة بين المصارف وعملائها”.
“سنغير مستقبلنا الإقتصادي والمالي”.
“سنلتزم بالرؤية المقترحة في مؤتمر سيدر”.
“سنستعيد الثقة والدعم من أشقائنا العرب والمجتمع الدولي”.
“سننتصر حتماً”.
“سنبني لبنان أقوى وأكثر نجاحاً”.
هذا وقد سقط سهواً من سينات دولتك:
“سنمنع الكورونا من دخول لبنان”.
“سنحرر مزارع شبعا… وفوقها القدس”.
“سنملّك كل لبناني بيتاً بالمجان فور انتاج نفط (وراك وراك والزمن طويل)”.
لقد ملأت الآذان يا دولة الرئيس بـ “سينات” من التمنيات. وهي سينات تحتاج إلى ظهور مارد مصباح علاء الدين في السرايا، لتتمكن دولتك من أن تحقق للبنانيين ما تمنيت لهم من “سين وسوف”.

وليد الحسيني

“جرائم” رفيق الحريري

حسمها حسان دياب. فالإعمار هو سبب هذا الإنهيار المرعب، الذي أصاب بشروره الوطن والمواطن.
وبدل أن تلجأ الحكومة، ومن أمر بتشكيلها، إلى النأي بالنفس، لجأت ولجأ الآمرون، إلى النأي بالعقل.
أعدوا لائحة بالجرائم التي ارتكبها رفيق الحريري.
ثلاثون سنة، عاش نصفها، ونسب إليه النصف الآخر، بعد أن ضموا إليه السنوات العشر العجاف، البرتقالية الهوى والإيرانية المبتغى.
تراكمات أدت إلى “تركة ثقيلة” لتبرير الفشل الحكومي قبل وقوعه.
وباستعراض مختصر، لجرائم هذا المجرم، نبدأ بانتزاعه شباب لبنان من حضن الميليشيات المسلحة ونفيهم إلى أرقى وأعرق جامعات العالم.
وهو نفسه من حاك “مؤامرة الطائف”، منهياً الحرب الأهلية وانجازاتها المذهلة.
وهو الذي أوقع لبنان في الديون، ليهدر أموالها على المواصلات والإتصلات وبناء المطار ومد الجسور وشق الأنفاق…
وهو من حرّض وسعى إلى إعادة الجيش للعمل كمؤسسة لكل الوطن، وكان قد حوّله صاحب الأمانة إلى ميليشيا إضافية، ساهمت في قصف المنطقة الغربية من أجل “التحرير”، وأجهدت مدافعها بدك المنطقة الشرقية من أجل “الإلغاء”.
وهو أيضاً من عبث بالآثار، التي برعت الميليشيات بنحتها في قلب بيروت وساحة برجها. فأزالها بجرافاته جارفاً من الذاكرة الوطنية قيمَها التاريخية وقيمتها الإبداعية.
وتمادياً في جرائمه، بنى في الحدث مدينة جامعية، حارماً، عن قصد وترصد، طلاب لبنان من طلب العلم ولو في طهران.
وإمعاناً في التخريب أشاد مستشفاه الحكومي ليتحول في ما بعد إلى خربة طبية… وإلى حظيرة للمرضى العاجزين عن دخول المستشفيات الخاصة.
وهكذا يكون رفيق الحريري، وبسوء نية، قد أقدم على الإعمار، فاتحاً الأبواب أمام نهب المال العام. حيث لا سرقات بلا إنفاق… ولا إنفاق بلا مشاريع.
وإذا سلمنا، وبغياب السند، أن الحريرية نهبت المال العام، أو سهّلت على الآخرين نهبه، فقد كان يتم ذلك مع إتمام مشاريع الإعمار.
أما اليوم، وفي السنوات العجاف، فإن الفساد يزداد شراهة وقدرة على السلب، ومن غير أن ينفذ العهد ومتعهدوه مشروعاً، باستثناء ما أعد على الورق، كما في الكهرباء، التي عمت أنظارنا بخططها النظرية، والتي تُغدق عليها الأموال بالهبل… وبهبل تُغْدقها على من يُغدق علينا الوعود.
إذاً الفرق كبير بين ما جنته الحريرية على لبنان، وبين ما جناه “أشرف الناس” من لبنان.
وكما حسمها حسان دياب، فقد حسمها الرئيس ميشال عون.
لقد جلبنا “الحفارة”، وهذا يكفي لدخولنا نادي الدول النفطية.
وإذا كان فخامته قد خص جبران باسيل بفضل الإكتشافات النفطية، فمن أخلاقيات نسب الفضل لأهله، أن نذكر، وربما قبل ولادة الصهر، أنه كان في لبنان عالم جيولوجي إسمه الدكتور غسان قانصوه، رحمه الله، أثبت بخرائطه وأبحاثه أن في بحر لبنان كميات هائلة من النفط… ومع ذلك لم يذكره أحد في “اليوم التاريخي” المفترض. فكل أمجاد النفط تعود لجبران باسيل، فلولا أهليته الجيولوجية لما تأهلنا لزعامة “أوبك”.
على كل، فها نحن نبيع “النفط في بحرو”، تماماً كالتاجر الشاطر الذي يبيع “السمك في بحرو”… وفي بحار الآخرين.

وليد الحسيني

ما بين “إرث السابقين”و”روث” اللاحقين

كأطفال المدارس، أخذت حكومة دياب فرصة، لا يحظى بها سوى العاطل من العمل… والآتية أطول.
لكن فرص أطفالنا تحسب بالدقائق. يتوقفون بعدها عن اللهو ويغادرون الملعب فور قرع أجراس الجد.
أما فرصة حكومتنا، فقد تجاوزت الشهر، وما زالت تلهو في ملاعب الوطن. رغم أن أجراس الإنهيار تقرع بشدة، وقد أسمعت من به صمم.
كان كل الظن أنها لن تسمح بإضاعة الوقت. وأن توقيت الحلول ملك يديها.
… ومرت الأيام، والكوارث تتابع جولاتها الإقتصادية والمجتمعية. لا أحد يردها. لا أحد يحد من إجتياحاتها.
حيث تجولت لم تواجه متحدياً من حكومة “مواجهة التحديات”.
حكومة القرارات الصعبة مشغولة، ومنذ يومها الأول، في البحث عن مبرر مسبق لفشلها المحتوم.
وبخبرة خبرائها ومختصيها، إكتشفت الدواء الشافي من الداء المتفشي في طول البلاد وعرضها.
على ضوء هذا الإكتشاف الساحق الماحق للمصائب والنكبات، تكرر الحكومة، بلا ملل، أن كل ما يجري في لبنان اليوم هو من “إرث السابقين”، لا من “روث اللاحقين”، الذين أزكمت اللبنانيين روائح فسادهم وإفسادهم لعلاقات لبنان العربية والدولية.
هل يعلم عباقرة الإنجاز، أنهم لن ينجزوا شيئاً من خلال هذا الإكتشاف الذي يكشف جهل من يدعيه؟.
هل يعلم هؤلاء أن طلب المساعدة من دولة كأميركا غير مُجد، طالما أن من يشغّلهم يهتف بموتها. وأن الإستنجاد بالسعودية مجرد حماقة ما دام الذين يشغّلون المستنجدين يشهرون بها؟.
لقد تأكد، بما لا يقبل الشك، أن المطالبين بحكومة من المستقلين كانوا على حق. إذ أن بديلهم، كما هو حاصل، قد ترك لبنان وحيداً، يدور حول نفسه، وحوله تدور أزمات لا تجد من يداويها.
إن الإصرار على إتباع سياسة الإنكار، لا ينفي تبعية الحكومة لمن بمقاومته يقاوم كل الحلول. إذ لا يعقل أن يطلب متسول هبة من يد يدعو عليها، علناً، بالكسر.
ربما تفرض اللياقة على السعودية استقبال رئيس الوزراء حسان دياب.
واللياقة نفسها ستفرض عليها الإستماع إلى مطالبه. وأن تطلب منه وقتاً لدرسها. ومن الأعراف الدبملوماسية أن تبلغه حرصها على مساعدة لبنان الأخ الصغير المدلل.
لكن من غير اللائق أن يحوّل حسان دياب درس المطالب إلى مقرر ملكي. والحرص على المساعدة إلى قرار أميري.
وقبل أن يبيعنا تفاؤله المغشوش، يترتب عليه الإعتراف بأنه لن ينجح في بيع السعودية وداً يكذبه إنحيازه إلى إيران.
لا يحتاج السعوديون إلى قرائن وأدلة تفضح ولاء الحكومة المفضوح لحزب الله الذي يقاتلها في اليمن ويناوشها في البحرين والعراق وسوريا ولبنان.
نعود إلى الفرصة، التي تنعم بها الحكومة الآن. فالنوم ما أطال عمر الحكومات. لكنه حتماً يقصر في أعمارها. وبالذات في حالة انتفاضة لا تتعب، ومجاعة تهدد كل اللبنانيين، سواء أكانوا من المتيقظين في الساحات، أو من النائمين في بيتوهم.
رغم كل ما سبق من مآخذ وعيوب، نقر لحكومة العشرين أنها نظيفة الكف. إلا أننا نسأل: ماذا تنفع نظافة الكف، إذا كان كف العجز سيصفع اللبنانيين بلا رحمة.
وعندما يحصل ذلك، وتستبيح المجاعة البلاد، فلن يدير لها اللبناني خده الأيسر… ويرد الصاع صاعين… وعندئذ لن ينقذ حكومة الإنقاذ، لا العهد القوي ولا سلاح الحزب الأقوى.

وليد الحسيني

من رفيق الحريري إلى حسان دياب!!

ليس 14 شباط هو الدافع إلى تذكّر الشهيد رفيق الحريري، إنما الحاجة إليه “من أول وجديد”.
هو من أنقذ لبنان من حرب أهلية طاحنة. وهو الذي عندما غاب غاب معه الإعمار.
اليوم كالبارحة، وربما أمرّ وأفظع.
في البارحة كانت هناك ميليشيات مسلحة سادت وما بادت.
اليوم أضفنا إليها ميليشيات سياسية أمسكت بسلطة متسلطة. واستأثرت بعهد قوي إستقوى على الدستور والناس.
صحيح أن الحرب الأهلية قتلت ودمرت، لكنها لم تبلغ الإنهيار الذي بلغه لبنان الآن:
فقر. جوع. بطالة. إفلاس. عملة وطنية تحتضر. رواتب يبخرها الغلاء. قمع. إعتقالات مغرضة. تحويلات من أبناء الخارج. تحبسها المصارف عن آباء الداخل. تحويشات العمر المدفونة في البنوك، هي لك، وليس لك إلا أن تقرأ على روحها الفاتحة.
كل هذا يؤكد أن البلد يحتاج فعلاً إلى رفيق الحريري “من أول وجديد”.
لكننا، للأسف، نعالج الوضع السيء باللجوء إلى حكومة أسوأ.
حكومة، ماكدنا نصدّقها، حتى كذّبت نفسها.
لم تخجل من إدعاء الإختصاص والخبرة. إلا أنها، وفي أول يوم عمل لها، وعند أول حاجة إلى المختص والخبير، فاجأنا أصحاب المعالي بأن إختصاصهم يقتصر على حمل لقب الدكتوراه. وأن خبرتهم لا تتجاوز معرفة من هم الأكثر خبرة في المحافل الدولية. إذ، لولا خبرة معاليهم، لما اهتدينا إلى صندوق النقد الدولي لمساعدتنا على تقديم الحلول لمستعصيات كوارثنا المالية.
وليسامحنا “الوزراء النخبة” بمصارحتهم.
إن الإختباء وراء هذا الخيار المر، لا يغطي جهلاً، بل يؤكد الجهل، الذي وصل إلى حد عدم معرفة تاريخ هذا الصندوق الدولي، الذي ما جاء إلى دولة ليكحلها إلا وأصابها بالعمى.
أما التكذيب الثاني، فليعذرنا الرئيس حسان دياب إذا استبقناه وكذّبنا أنه ووزراءه من “المستقلين”.
نعلم أنهم لا يحملون بطاقة إنتساب لحزب ما. وليعلم هو ومستقلوه أن الإسرائيلي ليس بالضرورة أن يكون يهودياً. فالملايين من مسيحيي أميركا وأوروبا، وبعض من مسلمي العرب وغيرهم، هم إسرائيليون أكثر من نتنياهو.
هذا يعني، أن دولته ووزراءه يستعملون “صبغة المستقل”، في حين أن جميعهم حزبيون، إن لم يكن عن قناعة، فعلى الأقل عرفاناً بجميل الإختيار والتوزير.
تكذيب ثالث.
الحكومة تدّعي أنها “تتمتع” بثقة الشعب اللبناني.
لا شك أن متعة الثقة هذه، أشبه بمتعة زواج المتعة.
فالحكومة مثل الزواج مشكوك بشرعيتها، كما شرعيته. وهي مثله بلا نسب، ولن تجد أباً يعترف بأبوتها عندما تحتاج إلى من ينقذ سمعتها.
وإذا ذهبنا إلى الأرقام فسنجد أننا أمام ثقة تعاني من هزال شعبي غير مسبوق.
ثقة منحها مجلس إنتخبه أقل من نصف اللبنانيين. ونالتها بأصوات أقل من نصف نوابه… وبحسبة بسيطة يتبين أنها ثقة الربع شعب.
هذا في التكذيب، أما في الخداع فالأمر أفدح وأفضح.
يعدنا البيان الوزاري بالمترو وسكك الحديد والسدود المائية والكهرباء… وغير ذلك من مشاريع، تعجز عن إنجازها دول بينها وبين الإفلاس مسافات كونية.
حكومة تتجرأ على معلمها جبران باسيل وتقطع لنا الوعد بكهرباء لا تنقطع، مما يمكّن اللبناني من الإستغناء عن الشمس والقمر في الإضاءة والطاقة.
حكومة ستؤسس لقضاء أعدل من قضاء عمر بن الخطاب.
حكومة ستحمي الحريات وحق التظاهر، وستصادر من الجيش وقوى الأمن العصي والهراوات والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع. وستعاقبهم إذا تعقبوا متظاهراً أو صاحب رأي.
حكومة لن تترك مشرداً بلا مأوى. وستجبر أطفال الشوارع على الإلتحاق بالمدارس. وستوفر سريراً مجانياً في المستشفى لكل مريض لا يملك مالاً ولا واسطة. وعملاً لكل عاطل من العمل.
لو سمع أفلاطون، ما سمعناه من الرئيس دياب، لنهض من قبره فرحاً بقيام جمهوريته الفاضلة، التي استحال قيامها على مدى التاريخ.
بعد كل هذه الإنجازات المنتظرة، يصبح بقاء الثوار في الشارع عملاً مشبوهاً ومداناً.
أي هتافاتكم لم يهتف بها حسان دياب؟.
أي مطالبكم لم يطلبها في بيانه الوزاري؟.
لقد حقق لكم أكثر مما تستحقون وتحلمون.
هو لم يخدعكم، إنما خدع السيد حسن نصرالله، والرئيس ميشال عون، وفخامة الظل جبران باسيل، وصاحب براءة إكتشافه اللواء جميل السيد. فلو لم يخدعهم ويتسلل عبرهم، لما كان بمقدوره أن يتسلل إلى مطالبكم وينجزها مطلباً مطلباً.
إنه لينين ثورتكم. وجان دارك ساحاتكم.
هو ليس دون كيشوت، كما تتهمونه، إنه محارب حقيقي وسينتصر على طواحين الهواء وطاحني الثورة.
أيها الثوار غادروا الشوارع فوراً… وصدّقوا المنجمين، وبالذات إذا كذبوا.

وليد الحسيني