أسرار جبران باسيل

walidيبدو أن دستور الطائف لم يكن ثاقب النظر، عندما إشترط توافق رئيس الجمهورية مع الرئيس المكلف على التشكيلة الحكومية.

لقد إرتأى المشرع أن يقدم هذا الشرط كجائزة ترضية، لرئيس إنضم إلى جمعية “أرامل السلطة”، بعد أن انتزعت منه صلاحيات الحاكم بأمر الله.

كان على المشرع، أن يعرف مسبقاً، أن التوافق بين أهل الحكم، حالة نادرة… تحضر مرة وتغيب مرات.

ها هو لبنان يعاني اليوم من تعثر ولادة حكومته، بانتظار التوافق القسري.

على الصعيد الشخصي، يمكن تأكيد الود العميق بين الرئيسين. أما على الصعيد السياسي، فإن التوافق، لسوء الحظ، مفقود… مفقود… مفقود.

لو أن العلاقات الشخصية هي معيار التأليف الحكومي، لكان للبنان حكومته خلال أيام من التكليف. لكن المعيار الفعلي والفاعل، يكمن في تلك الخلافات السياسية، التي تتباعد بتباعد النأي بالنفس عن التورط بالنفس. فطهران لا تريد أن يفلت لبنان من بين يديها… وقد بدأت المواجهة بينها وبين عقوبات أميركا الإقتصادية. فبيروت، بنظامها المصرفي، ممر لا يعوض للتهرب من بعض نتائج حصار واشطن المالي. وهذا لا يتم إلا بوجود حكومة السمع والطاعة… لكن لا السمع سيكون صاغياً، ولا الطاعة ستكون طاغية، بحكومة، يعرقل فيها، ولو القليل، من وزراء الـ “لا”، سياسات الكثير، من وزراء الـ “نعم”.

وبين تحكم الـ “نعم” وتمرد الـ “لا”، سيبقى التوافق بين الرئاستين معلقاً، مع أنه لازمة يلتزم بها الرئيسان في كل تصريحاتهما، إلا أنه توافق غير ملزم، وبالذات عند اللزوم.

ومع ذلك، فإن الدستور الذي أوقع التأليف في شباك التوافق، هو نفسه الذي يحمل حل الأزمة، إذا ما تم تطبيقه نصاً وروحاً. فهو، كما كتبنا سابقاً، منع رئيس الجمهورية من التصويت في مجلس الوزراء.

وتكراراً نكرر: أن ما نزع من الرئيس بالدستور، لا يمكن أن ينتزعه الرئيس بالعرف.

وتكراراً نكرر أيضاً: أن حرمان الرئيس من التصويت في مجلس الوزراء، من باب أولى، أن يحرمه من الحصول على ثلاثة أصوات لوزراء، يتحركون بإشارة من يده، أو بإيماءة من رأسه، أو بهمسة من فمه.

إذاً، دستورياً لا حصة للرئيس في مجلس الوزراء… ولأنه، أي الرئيس، حامي الدستور، يتوجب عليه رفض تخصيصه بثلاثة وزراء.

وهكذا، عندما يتم إحترام الدستور، يتم تحرير ثلاث حقائب وزارية، وبالتالي، وضعها بتصرف الرئيس المكلف. ومن بينها حقيبة سيادية، وأخرى يلصق بها لقب نائب رئيس، فتتحول بذلك إلى حقيبة ملحقة بالسياديات.

بهذا الفائض من الحقائب الشاغرة، يتبحبح الحريري. وسيجد بسهولة لا ترد، وبسرعة لا تصد، أن حكومته خرجت سالمة من سوق العرض والطلب.

لا شك أن هذا السيناريو سيبقى من نسج الخيال، طالما أن ما ينسج في الواقع، هو وقوع لبنان في فراغ حكومي، لا تملأه سوى حكومة من “المرشدين” تقرباً من “المرشد”… قدس الله سره وأسرار جبران باسيل.

وليد الحسيني

Advertisements

الإفراج المؤقت

walidمن انقلب على تفاهم “أوعى خيك”، من السهل عليه الإنقلاب على تسوية “أوعى إبن عمك”.

وهكذا ينعكس القول الشعبي فيصبح “أنا والغريب على إبن عمي وأنا وإبن عمي على أخي”.

من المؤسف أن يقبل التيار الوطني تعطيل حكومة لبنان. فهو منذ اليوم الأول لتكليف الحريري، وإلى اليوم، لم يقدم تنازلاً واحداً.

يبدو أن الشروط التي أمليت عليه، هي السبب في الشروط التي يمليها على الرئيس الحريري.

العقل والمنطق والحكمة، جميعها يؤكد أن مصلحة التيار، بعد أن أصبح رئيسه رئيساً، أن لا يقامر بلبنان. وأن لا تقوده إرتباطاته الخارجية، إلى فك إرتباطه بحماية بلده من إنهيار إقتصادي، بشرت به “الإيكونومست”. وهي الصحيفة الإقتصادية الأشهر والأدق والأكثر معلوماتية في العالم.

مقابل ذلك، وفي تصريحات متناقضة لحزب الله، لكنها تكمل بعضها، ظهرت دعوات الهدوء والتهدئة، وقذف الخلافات إلى ما بعد تشكيل الحكومة.

إذاً السيناريو المحبوك بدقة، يسعى الآن إلى الهدوء… الذي غالباً ما يسبق العاصفة.

من هنا يبدو أن الإلحاح على الإسراع بتشكيل الحكومة، ليس إلا دعوة للإسراع بهبوب العاصفة التي ستتسبب بعواصف متوالية.

وبتحليل، يستند إلى معلومات، يمكن التأكيد تكراراً أن تكليف الحريري هو المستهدف. وأن العقد المفتعلة، لم تفتعل لإعاقة تشكيل الحكومة، بل افتعلت لتحضير الرأي العام لمفاجآت سياسية دراماتيكية، تكون مبرراً لحجب الثقة بعد البيان الوزاري، أو الإستقالة قبله، إحتجاجاً على تغييب الثلاثية المقدسة والعلاقات المميزة.

تعبئة الرأي العام بلغت قمة ما يستطيع بلوغه التيار العوني وحزب الله، ولهذا يبدو أن الإفراج عن الحكومة المعتقلة قد اقترب وحان.

يقبل التيار بالتضحية مكتفياً بعشرة وزراء. ويرضى، على مضض، بأربع حقائب للقوات، بينها حقيبة أو أكثر “إكس لارج”. وسيبالغ التيار في تقديم تضحيات التسهيل، بموافقته على إعطاء جنبلاط دروزه الثلاثة، ممهلاً، لا مهملاً، طلال أرسلان.

وهكذا يكون التيار قد سجل جمائله بالجملة على الشعب اللبناني والحريري والقوات والإشتراكي، مبرئاً نفسه من التعطيل.

لكن لن يطول تنفس الصعداء. فلبنان سيعود إلى حبس أنفاسه.

البيان الوزاري على الأبواب. وفيه تكمن العقد الشيطانية.

المقاومة، المهددة بالعقوبات الأميركية، ستحمي نفسها بحصانة الثلاثية الذهبية.

وإيران المترنحة إقتصادياً في حلبة الملاكمة مع أميركا، تحتاج جدياً إلى شرايين بديلة، أفضلها لبنان، الذي لا يمكنه أن يكون ذلك بوجود الحريري.

وسوريا تحتاج إلى عودة كاملة للنازحين قبل الإنتخابات الرئاسية، كي لا يتم الإقتراع في بلدان النزوح. وهذا أيضاً لا يمكن أن يتم بسهولة بوجود الحريري.

على ضوء كل هذا، على الحريري، وهو يتلقى التسهيلات “الملائكية” أن يتذكر بأن إبليس هو ملاك أيضاً.

وليد الحسيني

الحطابون

walidمن الآخر.

الممانعة لن تقبل بسعد الحريري رئيساً لحكومة يمتد عمرها إلى عمر العهد.

ومن الواضح أن تصريحات إيلي الفرزلي المتكررة، هي التي تشكل خارطة الطريق إلى هذه الرغبة المجنونة.

فعلاً، فإيلي الفرزلي هو الذي يتولى القصف التمهيدي، وهو الذي يُعبّر ويَعبُر إلى الهدف السري، الذي يسعى إليه “الممانعون”.

الفرزلي لا يمل ولا يكل من الدعوة إلى حكومة أكثرية. وهذا يعني حكومة بلا سمير جعجع ووليد جنبلاط. وبالتالي حكومة بلا سعد الحريري، الذي يتمسك بحكومة وحدة وطنية.

لا شك أن الوصول إلى هذه النهاية، المرسومة بإحكام، يحتاج إلى أدوار متعددة ومعقدة.

وكأي مسرحية لا بد من عقدة تشد الجمهور.

وكأي مسرحية لا بد في النهاية، من الحل المفاجأة.

العقدة متوافرة. وقد تناسلت إلى عقد.

الجمهور مشدود، ودقات قلبه تُسمع بقوة، خوفاً على مصيره ومصير عملته واقتصاده.

أما النهاية، فهي الذهاب بلبنان إلى ديكتاتورية، تتقمص شكل الديمقراطية.

وباستعراض مشاهد المسرحية الحكومية، التي يستمر عرضها للشهر الرابع، نجد أن جبران باسيل يلعب دور البطل المسكين، الذي يحاول “الأشرار” أكل حقوقه، التي معيارها الوحيد الوصول إلى الأوحد.

وقبل أن تسدل الستارة، ليفاجأ الجمهور بالموافقة على أي حكومة يشكلها الحريري.

هنا تكون المسرحية الأولى قد انتهت، ليبدأ الإعداد لمسرحية “الفيتو”.

إعتراض… إعتراض… إذا لم يكن على التشكيلة الحكومية نفسها، فبالتأكيد على بيانها الوزاري، الذي ستعجز اللغة العربية، بعبقريتها، عن إيجاد صيغة تتوافر فيها المخارج للخلافات الوفيرة.

وهكذا يكون المناخ السياسي ممهداً لإسقاط الحكومة بحجب الثقة أو الإستقالة.

وهكذا أيضاً تتحقق نبوءة إيلي الفرزلي، فيذهب الممانعون إلى حكومة أكثرية، من خلال استشارات نيابية جديدة، تنتهي إلى تكليف شخصية “سنية” من زمن 8 آذار.

إذاً، لماذا سمّت الممانعة سعد الحريري، ولماذا فعلت المستحيل لإسقاط هذه التسمية وصولاً إلى رئيس للحكومة من أهل البيت؟

إنها الظروف والأحداث التي تبدلت. فمواجهة العقوبات الأميركية على إيران، تستدعي قيام حكومة لبنانية تساهم، قدر المستطاع، في الإلتفاف على هذه العقوبات.

كما أن طرح عودة العلاقات المميزة مع سوريا، لم تكن موجودة عند تسمية الحريري. لكنها برزت، بعد أن أصبح وجود إيران وحزب الله في سوريا، مهدداً بالتفاهم الروسي – الأميركي. وهذا بدوره يتطلب حكومة لبنانية تحافظ على نفوذ إيران وحزب الله قرب الحدود السورية للإستدعاء عند الحاجة.

يضاف إلى هذه المتغيرات، قرب صدور أحكام محكمة لاهاي. وهذا المتغير يكفي وحده لنفي الحريري من السرايا. فمعه لا يمكن أن تتحول الأحكام إلى حبر على ورق.

يتضح من كل هذا، أن أسباب إسقاط تكليف الحريري يعود لمصالح إقليمية وخارجية، لا تكترث بالنتائج اللبنانية، التي سيكون أخطرها إصابة العملة الوطنية بهزال مخيف.

وأخيراً، إذا كان لبنان فعلاً، كما يقول الراحل وديع الصافي، “هالكام شجرة العاجقين الكون”، فمن حق اللبنانيين التمني على الحطابين أن لا يسنوا أسنانهم… وفؤوسهم.

وليد الحسيني

إستعارة “عضلات هرقل”

walidمجبرون على تناول جرعات من “الود المر”.

مكرهون على التلاقي.

مرغمون على التعاون.

إذاً، لماذا هذه الحرب الدائرة بين طواحين هواء 8 و14 آذار، حتى ولو أنكر فرسان الطواحين هذا النسب القديم؟

إن التراشق باتهامات التعطيل، لا يصيب سوى الإقتصاد اللبناني المكسور القلب والجناح.

لا بد أن يقتنع، من “طار وارتفع”، بنصيبه من الدستور. فالتعدي على الصلاحيات يعني إنهيار دولة المؤسسات.

النص الدستوري لا يحتاج إلى تفسير ولا يقبل التأويل.

الرئيس المكلف وحده، لا شريك له، هو من يشكل الحكومة ويوزع الحقائب ويسمي الوزراء. أما التشاور مع رئيس الجمهورية، فهو ليس أكثر من استمزاج رأي فخامته. والرئيس المكلف، حر في أن يأخذ به أو يتركه. أما الذهاب بالدستور إلى غير ما ذهب إليه، وبالتالي، إعطاء الرئيس حق رفض تشكيل الحكومة، برفض إصدار مراسيمها، فهو سلب خطير لأهم صلاحيات مجلس النواب، الذي له وحده حق رفض الحكومة أو منحها ثقته.

لا شك أن الترويج لصلاحيات رئاسية، من خلال قراءة مشوهة للدستور، هو ترويج للإنقلاب، ليس على الطائف فقط، بل على الديمقراطية ذاتها.

يعلم الجميع أن المبالغة بالطموحات، لن تبلغ بأصحابها إلى الغلبة. ففي لبنان، كما قال الراحل صائب سلام، لا غالب ولا مغلوب.

ولهذا لا مفر من الحب بالإكراه. لهذا لا ينفع التهديد بالشارع. رغم أن أي شعب من شعوب الأرض، لا يستطيع منافسة اللبنانيين في التغني بالعيش المشترك والوفاق والوحدة الوطنية. وفي الوقت نفسه لن نجد في العالم شعباً أقدر من اللبنانيين على ابتكار الخلاف والأحقاد والكراهية، حيث أن الشارع هو أقصر الطرق إليها.

وانطلاقاً من الحرص على المصارحة والصراحة، سنفترض أن أكذوبة إنفصال رئيس الجمهورية عن التيار الوطني الحر، هي حقيقة. فهذا يستدعي فصل نواب الرئيس عن نواب التيار. لنكتشف، بالتالي، أن نواب جبران باسيل، هم أقل من عشرين نائباً. وهذا يستدعي أيضاً، وبالضرورة، التخلي عن استعارة عضلات هرقل وبطولات عنترة.

ترى، ألا يرى التيار أن اللبنانيين يتساقطون في قعر الحياة. وأن لبنان بحاجة إلى رافعة إقتصادية، لا إلى حفارة سياسية، تزيد في عمق الحفرة التي تحفر تحت أقدام الوطن.

ترى، ألا يعلم التيار، أن اللبناني يعلم، بأن ما يقدمه من تسهيلات، هي بالواقع عقبات، توضع عن سابق تصميم، في وجه تشكيل الحكومة؟

لا يفيد إطلاقاً الحديث عن التفاهم واللقاءات الإيجابية والعلاقات الممتازة، فالعين، يا معالي الوزير باسيل، أصدق أنباء من الأذن. ولأن السمع لا يمكنه مشاهدة الطحين… حتى لو كان الطحين طحن عظام لبنان.

المطلوب حل الأزمة، لا تأزيم الحل.

المطلوب قليل من الخوف على لبنان. لا لكونه المركب المثقوب، بل لأن العلاقات السياسية المثقوبة، هي التي تمنع ردم الهاوية، التي اتسعت أكثر من قدرتنا على القفز فوقها.

وليد الحسيني

البديل … حكومة “إنتحال صفة”

walidكلما فتح الحريري أبواب التفاؤل، أقفلها التيار العوني بإشهار سلاح الفراغ، الذي إبتدعه العونيون وأبدعوا في إستعماله.

بالفراغ الحكومي، تم قبل سنوات، توزير جبران باسيل بقوة تعطيل تأليف الحكومة. وبالفراغ الرئاسي، الذي طال حتى كلّ صبر اللبنانيين، وصل العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية.

اليوم، يعود التيار لسلاح الفراغ، محاولاً الظفر بأكثرية وزارية، تضمن له، مع حلفائه، السيطرة على مجلس الوزراء.

لم يعد الثلث المعطل كافياً. فهو يعطي الحق برفض القرارات، والمطلوب الحق في فرض القرارات.

إن الرغبة الجامحة للهيمنة على السلطة التنفيذية، تعيد لبنان إلى أزمنة النار.

لقد جرّبت سابقاً وخرّبت البلاد.

جرّبت قبل الطائف، فزادت على الدمار دماراً. وجرّبت قبل الدوحة، فهاجت المذهبيات… وماجت الفتن.

لكن لن تسلم الجرة، كما كل مرة.

إن سلاح الفراغ، الذي يشهر اليوم بوجه تأليف الحكومة، هو تماماً كالسم الذي يقتل صانعه. حيث أن تعطيل تشكيل الحكومة، هو بالواقع تعطيل لمسيرة “العهد القوي”.

صحيح أن أذى التعطيل يصيب الجميع، إلا أنه يتحول إلى وحش شره يأكل من رصيد العهد ووعوده بالتغيير والإصلاح.

من أكاديمية التعطيل تخرّج معيار نتائج الإنتخابات لتوزيع الحصص الوزارية.

وفات جبران باسيل، عميد الأكاديمية، أن الحجم الإنتخابي الأكبر كان من نصيب الذين اقترعوا بالإمتناع عن الإقتراع.

هؤلاء يشكلون 51% من الناخبين. في حين أن التيار والقوات وأمل وحزب الله والمستقبل والمردة والكتائب والإشتراكي والمستقلين، لم يبلغوا معاً عتبة النصف.

إذاً، معياركم باطل. فالأحجام التي يجري تسويقها هي أحجام مزورة لإرادة الناخب اللبناني. وهذا الباطل يبطل أيضاً عرفاً تاريخياً، كان يشكل المعيار الوطني في تشكيل الحكومات.

إنه معيار العيش المشترك. وهو معيار يحول دون الإستفراد بالسلطة، وبالتالي، فهو لا يتناسب مع هيستيريا الحكم والتحكّم.

أما مطالبة الحريري بتشكيل حكومته كما يراها هو، ومن ثم، الذهاب إلى مجلس النواب لنيل الثقة، فرائحة المؤامرة تفوح منها، وتزكم أنوف العقلاء وخبراء كشف الألغام.

اللعبة مكشوفة.

في المجلس تحجب الثقة وتسقط الحكومة.

إنها الوسيلة الدستورية الوحيدة لتنفيذ التهديد المعلن بسحب التكليف من الحريري، ومن ثم، إجراء إستشارات نيابية جديدة.

عندئذ، قد تشكل حكومة من إستعارات سنية ودرزية ومارونية. هي إما هامشية، أو ما بين المنافقة والمتسلقة، وفي كل الأحوال، هي منتحلة صفة.

وعندئذ أيضاً، تكون فرقة الإستفراد بالسلطة، قد شكلت حكومة ستحصر إنجازاتها بازدهار زراعة الإنقسامات والكوارث… وربما الفتن.

يبدو، وللأسف، أن مستقبل لبنان أصبح “مسألة عائلية”، تعمل على أن يبقى زيتها بدقيقها، ولو من خلال التزاوج بين أصحاب عقدة التوريث وأصحاب “عقيدة الهيمنة”.

هذا التزاوج، قد ينجح بإنجاب حكومة الإستعارات… لكنه لن ينجب أبداً نسلاً وطنياً معافى.

 

وليد الحسيني

معيار “رباعيات الخيام”

walidأكثر من مرة كانت الحكومات في لبنان تشكل على ظهر سلحفاة. لكن، ولا مرة كان الوضع يستدعي سرعة التأليف، مثلما هو الوضع اليوم.

وكلما يكاد تفاؤل الحريري يصل إلى نهايات مقبولة، يعود التشاؤم للمبارزة، مطالباً بحصص وزارية تتيح له التحكم بمجلس الوزراء وقراراته.

إن التحكم هو الهدف الحقيقي، حتى ولو تم تمويهه بوحدة المعيار.

إذ لم يعد خافياً أن المخطط يرمي إلى تشكيل حكومة تجعل رئيسها محكوماً من أكثرية ممانعة للنأي بالنفس، ولمؤتمر سيدر وأخواته من مؤتمرات سابقة ولاحقة.

وإذا كان تأخير تشكيل الحكومة، يشكل خطراً على الوضع الإقتصادي، فإن تشكيلها وفق شروط التيار و”حزب الله” هو خطر أكبر من الخطر.

لقد صبر الحريري وحاور وناقش وأدار الزوايا. وفي حين كان الجميع يردد جملة سعد زغلول الشهيرة “ما فيش فايدة”، كان الحريري يصر على فتحه الأبواب المغلقة.

الرجل حمل المسؤولية وتحملها. وهو بالتأكيد لن يقبل بحكومة تعيد رئيس الوزاء إلى عهد “الباش كاتب”.

إن الطامحين باستكمال دائرة التحكم بحكم لبنان، لا يكترثون باقتصاد يكاد يدخل مستشفى الأمراض المستعصية. فأولياتهم سياسية وسياسية فقط.

فريق منهم يصر على إسقاط سياسة “النأي بالنفس” واستبدالها بسياسة “الزج بالنفس”.

أما الفريق الآخر فهمه الأوحد وراثة قصر بعبدا، من خلال تحالفات يعتقد أنها، بفعل قوة الأمر الواقع، هي التي تقرر اسم الرئيس المقبل.

وسط هذه الأولويات نسأل أين لبنان في أهداف الفريقين؟

إنه على ما يبدو خارج اهتمام المهتمين بـ “القصر” و”القصير”.

لكن هل يمكن للبنان المتعدد، أن يتحول إلى أحادية الحكم والتحكم؟

هذا مستحيل. وكل ما يفعله الطامحون المغامرون، هو سرقة الوقت، الذي يحتاجه لبنان، لمنع الإنهيار من الإطباق على ما بقي من روح إقتصادية، ما زالت متمردة على الموت.

إنهم يريدون اصطياد السرايا، على وهم تحويل مجلس الوزراء إلى مستوطنة لتيار عون وأخرى لـ”حزب الله”.

إن أبواب الضوء التي يحاول سعد الحريري فتحها، يتبارى فريقا “ممانعة الحل” على منعها من إضاءة النفق الحكومي.

نعود إلى بدعة “رباعيات الكتل” في تشكيل الحكومة.

فماذا لو خرج جنبلاط، بحجمه الدرزي، من التشكيلة الحكومية؟

ألا تتناقض هنا بدعة “الرباعيات” مع الميثاقية الدستورية، التي تؤكد تعايش كل الطوائف. ومتى كانت البدعة أقوى من النص؟

وماذا لو استمر الحريري في التصريف وتوقف عن التأليف؟

في هذه الحالة متى يحكم العهد. ومتى تكون له حكومته “الأولى”؟

في لبنان الأمور أكثر تعقيداً وتشابكاً من أن تحل على قاعدة “رباعيات الكتل”… فهذا معيار، على علمنا، لم يعمل به إلا في “رباعيات الخيام”.

 

وليد الحسيني

معتقل المطالب

walidمهما تمادى السياسيون في حب لبنان فلن يتخلوا عن “الأنا أولاً”.

لم تكن هذه الحقيقة موثقة، إلا بعد أن فضحتها شروط تأليف الحكومة.

إذا لم يتم منع “الأنا أولاً” من التداول في مفاوضات بيت الوسط، فذلك سيعني نهاية مبكرة للعهد القوي.

وهنا تبرز أهمية العودة إلى شعار “لبنان أولاً”. إذ أنه الشعار الوحيد القادر على حلحلة العقد والمحافظة على بقية من قوة العهد.

لا يحتاج اللبناني إلى أدلة لإثبات أن غرفة التحكم بإشارات مرور عربة الحكومة، موجودة في قصر بعبدا. وأن بعبدا مازالت تتمسك بإضاءة الإشارة “البرتقالية”. وما زال اللبنانيون ينتظرون إضاءة الإشارة الخضراء، التي تسمح لعربة الحكومة بالإنطلاق نحو السرايا. كما لا يحتاج قصر بعبدا ليعرف أن العهد هو الجهة التي ستدفع فاتورة الفشل، أو التي ستربح جائزة النجاح.

بالتأكيد، لا يستطيع سعد الحريري لوحده أن يجعل الكتل النيابية الكبرى تتسامح كالسيد المسيح. فبعضها، أي بعض الكتل، ينفخ في أحجامه لتصبح جبالاً… وبعضها الآخر يحاول أن يمسخ الجبال لتصير أودية سحيقة.

لا هذا البعض ولا ذاك يحمي لبنان من مخاطر لا ريب فيها.

إن الرؤوس المتعالية على مصالح الوطن يترتب عليها الإنحناء قليلاً. وإلا فإن العواصف الهوجاء قد تهددها بالإقتلاع.

من واجبات الحريري ومسؤولياته الوطنية أن يرفض الإستسلام. وأن يستمر في صبره على من لا صبر له في قطف ثمار “شجرة الحكم”.

والمضحك، الذي يبكي، حتى “صخرة الروشة”، أن كل فريق يسمي مطالبه الحكومية بالمطالب الوطنية. وأنها إذا لم تتحقق فإن البلاء سيعصف بلبنان. ومن المضحك فعلاً، ألا يدرك هؤلاء “الوطنيون” أن الشعب لن يغفر لهم وطنيتهم هذه، التي تمثل التعبير الأمثل للمقولة المعروفة “ومن الحب ما قتل”.

وسط صراع “الأنانيات”، لا مفر من العودة إلى بعبدا.

لقد أفهمونا، وفهمنا، أن هناك الرئيس القوي.

وكذلك أفهمونا، وفهمنا، أن عقبات التأليف تستهدف انطلاقة العهد.

وطالما أنه هو القوي، وهو المستهدف، فهو الأولى بالدفاع عن نفسه.

لا أحد يمكنه أن يصدّق بأن جبران باسيل هو من يقرر مطالب التيار الحكومية. فصاحب القرار الحقيقي ما زال هو… هو. سواء كان في الرابية أو في بعبدا.

ومن المعروف أيضاً، أن القوي هو الأقدر على التنازل عن جزء من “فائض قوته”… وعندئذ تصبح العقد بلا عقد.

وكما أن بعبدا هي التي تمتلك قرار الإفراج عن الحكومة من “معتقل المطالب”، فإن بيت الوسط هو مفتاح الحل الدستوري والوطني.

والحل ليس حلاً لمسألة حسابية، تشترط القسمة على أربعة، ومن ثم، تقسيم الناتج على ثلاثين. فسعد الحريري ليس أستاذ حساب في مدرسة السياسة. وفي الوقت نفسه لم يسبق أن تم تشكيل الحكومات، لا في لبنان، ولا في العالم، على هذه القاعدة الحسابية البدائية والساذجة.

وإذا كان لا بد من حسابات، فحسابات التأليف هي دائماً سياسية واقتصادية.

أي أن يكون “النأي بالنفس” هو القاعدة السياسية، التي لا تعطّل بالثلث المعطل. وأن يكون الإصلاح هو القاعدة الإقتصادية التي تسمح لـ”سيدر” أن يدر خيراته.

والمشكلة أن هذه الحسابات لا يأخذها أحد بالحسبان… فحسبي الله ونعم الوكيل.

 

وليد الحسيني