وماذا عن “الفساد الأكبر”؟

walidفي زمن سينما “الأبيض والأسود”، كان التنافس شديداً بين محمود المليجي وفريد شوقي على لقب “وحش الشاشة”.

أما في زمن الألوان و”التلون”، فيتنافس على لقب “وحش الإصلاح” أكثر من حزب لبناني.

وكما كان تنافس المليجي وشوقي مجرد تمثيل بهدف التشويق والإثارة والتسلية، فإن تنافس “وحوش الإصلاح” هو تمثيل أيضاً، وإنما بهدف إبعاد الشبهة عن الـ “أنا” وإلصاقها بالـ “هو”. فالكل يرمي الآخر بحجارة الفساد، ليبعدها عن بيته الزجاجي.

والمستهجن أن الفساد قد عم وانتشر، وأصبح كالهوية اللبنانية، من حق الجميع أن يحملها. كما لو أن الشريف في لبنان هو شريف فقط لأن الفرصة لم تأته بعد.

والمستغرب أن أغلب رجال السياسة يزعمون أن وباء الفساد لم يصل إلى جيوبهم الطاهرة، وجميعهم يؤكد أنه من سلالة “شريف مكة”. ولكونهم من “أشرف الناس” يخوضون حرب “الإصلاح والتغيير”، ويقدمون “الوعد الصادق” بقطع رقاب “الشافطين” للمال العام.

وفات قسم كبير من شرفاء مكة وضواحيها، أن “الشفط” لا يقتصر على الأموال التي دخلت إلى خزينة الدولة، إذ ثمة “شفاطات” تقطع الطريق على المال العام، قبل أن يذهب إلى الخزينة.

وعملاً بفضيلة عدم التسمية، لا بد من الإمتناع عن تسمية “قطاع الطرق” هؤلاء… وترك أمر التسميات للقضاء… هذا إذا سمح له القدر بذلك.

ومن هنا يحق سؤال قادة الجهاد ضد الفساد: لماذا تتجاهلون “الفساد الأكبر”؟.

لقد اشتعلت البلاد وانشغلت بصخب الحديث عن “الفساد الأصغر”، المتمثل بالسؤال عن مصير الأحد عشر مليار دولار، التي يشتبه بأنها هدرت وسرقت. وهي شبهة يمكن إثباتها أو نفيها، لأن الفساد ترك وراءه آلاف الوثائق، التي توفر للقضاء إمكانية التدقيق، ومن ثم، الحكم بالبراءة أو الإدانة.

أما “الفساد الأكبر”، فهوالفساد الآمن الذي لا يترك خلفه أدلة وبصمات.

وللتوضيح:

يقول تقرير موثق، وموثوق دولياً، أصدره بنك عودة، أن ثمة خمسة مليارات دولار تضيع على خزينة الدولة سنوياً. ويذكر التقرير أنها عائدات لبضائع يتم تهريبها من المنافذ البرية والبحرية والجوية… و”على عينك يا جمرك”.

وإذا عدنا بالزمن إلى زمن النفوذ على “المنافذ”، سنجد أن أحدهم استولى على أكثر من خمسين مليار دولار، على مدار سنوات الهيمنة في البر والبحر والجو.

هذا المبلغ يعادل أكثر من نصف الدين العام، الذي يثقل كاهل لبنان. وهو أقل بقليل من خمسة أضعاف الأحد عشر ملياراً، التي تنصب لها الشباك وتخاض من أجلها المعارك.

إنه “الفساد الأكبر”. لكنه الفساد غير المرئي. فما تنقله الشاحنات من هذه المستودعات أو تلك، ينقل من دون أن يترك أثراً يدين الفاعل أو يدل عليه.

ولأنه فساد بلا بصمات، فمن السهل إتهامه بالإشاعات المغرضة والكاذبة والحاقدة… وليشرب ماء البحر ديوان المحاسبة، ومعه وزارة المال، ومعهما النيابة العامة المالية.

ومن لا يشرب ماء البحر… فليبلطه.

وليد الحسيني

Advertisements

حكومة الأعباء الثقيلة

walidكثيرون آخذوه على صبره. والحلفاء اعترضوا على تنازلاته. لكنه أصرّ على تفكيك الألغام الكبرى، التي كان أي منها يهدد بانفجار كبير.

إذاً، بصبره وتنازلاته نجح سعد الحريري بانقاذ لبنان. واستحق بذلك ثقة نيابية، كانت ستقارب الإجماع لو حضر الغائبون، ولبقي “الحاجبون الستة” حُجّاباً على أبواب أعداء النجاة بالوطن.

تدل الثقة الكبيرة، التي منحها مجلس النواب لحكومة سعد الحريري، على أنها حصاد طبيعي لقدرات الرئيس (المكلف يومها) في تذليل كل المعوقات، التي استولدتها التعليمات الصادرة عن بعد.

فاجأنا حقاً هذا الشاب، الذي حمل إرث دم أبيه، وما تلاه من مذهبيات مسعورة، ضاعت معها الهوية، حيث لم يعد هناك لبنانيون، فالمذهب تحول إلى دويلات، لها رعاياها وعواصمها.

منذ زمن وبيروت عاصمة إفترضها الدستور، بعد أن تعددت العواصم الفعلية. فطرابلس عاصمة السنة. والضاحية عاصمة الشيعة. والمختارة عاصمة الدروز. وكسروان عاصمة الموارنة. والأشرفية عاصمة الأرتذوكس. وزحلة عاصمة الكاتوليك. وبرج حمود عاصمة الأرمن.

كل ذلك جعل لبنان ينطلق إلى مفترق الإفتراق. وتهيأ للبنانيين أن لا عودة إلى الوحدة الوطنية، ولا حتى إلى العيش المشترك. وأن العبور إلى الدولة أصبح من المستحيلات. وأن الإستقرار الأمني في طريقه إلى الزوال. وأن الإنهيار الإقتصادي شارف على الوصول.

وسط هذا الوضع المرعب، كيف يمكن لحكومة العمل أن تبدأ العمل؟.

الصحيح أنها حكومة الأعباء الثقيلة… فبأي الأثقال تبدأ وكيف وبماذا؟.

لا شك في أن أثقل الأثقال يكمن في الإنسجام داخل الحكومة المتعارضة بأفكارها وعلاقاتها الخارجية. ومن هنا يترتب على الحريري أن يدرك بأن الثقة بين وزراء مجلس الوزراء، أهم من الثقة التي نالها في مجلس النواب. فالعمل، ثم العمل، ثم العمل، الذي يسعى إليه، سيصاب بشلل في غياب التوافق، وبحضور المزايدات والمشاكسات. فما زالت في جعبة شركاء الحكومة أشراك، لا ندري متى يعلق بها لبنان. وهذا يعني أن على سعد الحريري، الذي جمع كل المتناقضين في حكومة واحدة، أن لا يركن للكلام العذب.

ولأن المكتوب يعرف من عنوانه، تتجه الإشارات الأولى إلى أن محاربة الفساد – وهي الجهاد الحكومي الأكبر – تسعى إلى إفساد معارك الإصلاح، وإلى فتح ملفات بلا أدلة، كل غاياتها تشويه سمعة قيادات تاريخية ورجالات دولة كبار.

العواصف المبيتة هبت مبكرة، سواء في خطاب السيد نصرالله أو في تصريحات النائب فضل الله، فالتلميح كان أوضح من التصريح.

ولن يحتاج الحريري إلى مواقف مُعلنة، ليتأكد أن “سيدر الخلاص” سيتعرض بدوره إلى حرب مضادة.

إن الحريري يحمل اليوم الجمر بيديه… وهذا قدر رجال الإطفاء، الذين يحاولون، بإخلاص، إنقاذ الوطن من حريق لن يوفر الأخضر واليابس.

لقد استهلك الشيخ سعد الكثير من الحكمة والصبر، ولا نشك أن في مخزونه منهما الكثير لجلسات وزارية حافلة بالنيات السيئة.

وليد الحسيني

العودة إلى الشهيد الأكبر

walidسنوات ثقيلة مرت على الفاجعة، ومازال دخان 14 شباط ينتشر فوق سماء لبنان. ومازالت نيرانه تزداد اشتعالاً. ودوي متفجرته المروع يهز، حتى اليوم، السمع والقلب.

سنوات، ولبنان بلا رفيق الحريري!.

مع ذلك هو الأحق بلقب الشهيد الحي.

هو حي في ذاكرتنا، وفي انجازات توقفت بعده عن الإنجاز.

وهو حي في ذاكرة من قتلوه. وما برح يقلقهم حضوره رغم الغياب. وما برحوا يزوّرون في تاريخه الأبيض.

كل الكلام الأسود، الذي ينطلق من قلوب سوداء “غير دقيق”.

هكذا كان سيخاطبهم، بتهذيبه وكعادته، عندما كان يريد أن يكذّب الأكاذيب.

كان يتحمل ولا يتحامل.

لم يعرف حدوداً إلا حدود لبنان المتداخلة بحدود عروبته.

كان مسلماً بلا مذاهب. ولبنانياً بلا طوائف. وعربياً بلا تردد. وصديقاً لشخصيات دولية بلا تبعية.

نحن سبقْنا القتلة في ظلم هذا الرجل واتهمناه وهو البريء. وعدما كذبتنا حقائقه، اكتشفنا بشاعة الظلم الذي ارتكبناه، وعظمة المظلوم الذي ظلمناه.

اقتربنا من أفكاره، فوجدناه حكيماً في قراراته ومتحكماً في غضبه.

وجدناه حريصاً على وصل الرحم العربي حيث انقطع، لا على قطعه حيث اتصل.

وجدناه متواضعاً في أكثريته النيابية والحكومية. لم يلغ الآخر، ولم تأخذه العزة بما ملك من أصوات في الانتخابات، ومن ثم في مجلس النواب.

وجدناه محاوراً في علاقاته العربية والدولية الواسعة. لا مستمعاً إلى ما يريدون، ولا ساكتاً عمّا يريد.

وجدناه زعيماً يملأ المكان والزمان. لا منقلباً في الأمكنة، ولا متقلباً بتبدل الأزمنة.

لأنه كذلك قتلوه.

الهدف الكبير كان سهلاً. فهو منزوع السلاح. يمشي إلى خصومه كحلفاء محتملين. ويتحرك في شوارع بيروت، وكأن كل من فيها صديق، رغم معرفته أن الشياطين تتخفى بأشكال آدمية، تحميها “الدويلة” والدولة في تلك الأيام.

كان واثقاً، رغم التحذيرات المتعددة، أنه ليس هدفاً في قائمة الإغتيالات. فهو محاور بين من اختلف، وجامع بين من افترق.

كان واثقاً أن أعداءه لن يبلغوا مرحلة الدم المباح.

لم يدرك، رغم قدراته التحليلية الكبيرة، أنه، ولأنه يلعب دورالإعمار والاستقرار والسيادة، أصبح الهدف الأغلى في لوائح الشر.

بقتله بلغ أعداء النجاح ذروة النجاح في تغييب من نقل شباب لبنان من حمل سلاح الميليشيات إلى حمل سلاح العلم. فحرم القتلة من الجنوح بالشباب إلى إرتكاب الجنح والجرائم.

وإذا كان استشهاده لن يعيده إلينا، فإن سعد الحريري يعود بنا إليه بأسلوبه وصبره وحكمته.

وليد الحسيني

إنتصار الصبر على العهر

walidأخيراً تشكّلت الحكومة وانتصر الصبر على العهر.

لا ننكر أن “دواء الوحدة الوطنية” الذي وصفه سعد الحريري لتأليف حكومة مستقرة ومستمرة، كاد أن يكون دواء مدمراً لخلايا المجتمع اللبناني. فنتائج انتخابات النسبية ساعدت على تعطيل مفعوله. وفي أغلب الحالات، كانت الوصفات الخارجية تمنع كتلاً وأحزاباً لبنانية من تناوله.

إلا أن الرئيس المكلف أصرّ على أنه الدواء الوحيد، الذي يعافي لبنان من الإنقسام الحاد، والذي يشفيه من الشلل النصفي الضارب باقتصاد الوطن ومعيشة المواطن.

يبقى السؤال المشروع:

كيف تحققت معجزة التأليف، وكان كل الظن أنها لن تتحقق؟

هنا لا بد من الاعتراف بنجاح الحريري في محاصرة حصار التعطيل.

لقد نفذت أمام صبره وإصراره، كل العقد المتاحة. ولم يعد هناك مفر من التسليم، ولكن من دون الاستسلام.

رضخ المعطلون فتنازلوا عن التعطيل … لكنهم لم يتنازلوا عن حصة الذئب الجائع للسلطة والتسلط.

وفي صراع طويل بين الحكمة وبين شهوة التحكم، كان لا بد من تنازلات عاقلة ترضي الرغبات المجنونة.

هذا ما كان.

وما كان ليكون لولا تضحيات ثلاث شخصيات، بتضحياتها أنقذت لبنان من الضياع والإنهيار.

أول ثلاثي الخلاص الرئيس سعد الحريري. فقد صبر إلى أن فقد المعطلون صبرهم. وتنازل في أكثر من موقع، فأوقغ “المعطلين” في حرج وطني فاضح.

وثانيهم الرئيس ميشال عون، الذي صبر على صبر الحريري، وساهم في تنازلات التسهيل.

وثالثهم سمير جعجع، الذي يمكن أن نطلق عليه منقذ اللحظة الأخيرة، بتخليه عن حقيبة الثقافة، مغلقاً بذلك آخر أبواب مصانع العقد.

المهم أن الحكومة قامت. وأن كل الضربات الموجعة لم تقصم ظهرها.

صحيح أنها حكومة “متعددة الجنسيات” ومكشوفة الولاءات، وبالتالي، لا يمكن أن نباهي بها إلا حكومة العراق، التي لا تزال تبحث عن وزراء لأهم الوزارات.

وحرصاً على الإنصاف، فإننا نسجل لهذه الحكومة إنصافها للمرأة. ومنصفها بلا منازع هو سعد الحريري. فهو الأجرأ على اختراق الحكومات الذكورية. وكان أكثر جرأة في تسليمها وزارة سيادية وحديدية في آن واحد.

يبقى أن التوافق هو أصعب ما سيواجه حكومة المهمات الصعبة. فبعد غياب عقد التأليف ستظهر عقد التآلف. ففي داخل مجلس الوزراء صقور تطير في فضاءات خارجية، تطمح دولها إلى السيطرة على القرارات اللبنانية السيادية. ولهذا فإن طاولة الاجتماعات مهددة بالتحول إلى ساحة حروب، كلما أثار جدول أعمالها جدلاً سياسياً يمس مصالح الدول النافذة في هذا الفريق أو ذاك.

لو أن جميع اللبنانيين لبنانيون فعلاً، لكانت دعوة الحريري إلى “العمل در” دعوة عملية. ولو أن “العقد” ليست كالقطط بسبع أرواح، وأنها جاهزة لـ”الخرمشة” في اللحظة المطلوبة خارجياً، لكنا آمنا بأن حكومة “إلى العمل” ستنطلق “إلى الأمام”. لكن “لو” عمرها ما عمّرت بيتاً أو طريقاً أو معمل كهرباء أو محرقة نفايات!!

وليد الحسيني

“قمصان عثمان”

walidكل التسهيلات التي أغدقت على الرئيس سعد الحريري لإعانته على فك عقد تشكيل الحكومة، خرجت من رحم المثل الشعبي “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل … وكول حتى تشبع”.

رغم ذلك فقد شبع الشيخ سعد. لكن أصحاب التنازلات الملغومة لم يشبعوا من تقديم “المسهلات”، التي أدت إلى نتائج عكسية، فتسببت بـ”كتام” حكومي مزمن.

لقد علمنا الماضي بقديمه، والحاضر بجديده، أننا أدوات نزاعاتنا الداخلية، لا أسبابها.

إذاً، الفرج يأتي من عنده “تعالى”.

و”تعالى” هنا ليس الله كما نعتقد ونؤمن، بل إنه تلك الدول المهيمنة على قراراتنا.

فلكل دولة لها “مربط خيل” في لبنان، مصالح كبرى. في حين أن مصالحنا لديها تختصر بالصغيرة … وربما بالحقيرة.

وهكذا فإن الفرج بالإفراج عن الحكومة، لن يأتي إلا من هناك.

والذي هناك، مازال يتمسك بالأزمة الحكومية، معتبراً أنها الثغرة التي ينفذ من خلالها لتخفيف ثقل العقوبات الأميركية. حيث من السهل على لبنان تبرير خرق هذه العقوبات بغياب الحكومة، وبالتالي غياب الرقابة والمتابعة والملاحقة. وبذلك يكون لبنان مسكّناً لبعض آلام إيران الاقتصادية. فالأسواق اللبنانية باستطاعتها توفير ولو القليل، من الدولارات والمواد المحظورة، سواء عن طريق مطار طارت عنه عيون الدولة، أو عن طريق حدود برية لا حدود فيها لنفوذ “حزب الله”.

وسط كل هذه الوقائع، هل يحق لنا أن نجاري تفاؤل سعد الحريري بحل قريب للأزمة الحكومية؟

جميعهم يعلن ولهه بالشيخ سعد. ولا يقبل بغيره رئيسا مكلفاً! ورغم هذا الإجماع، فإن جميعهم لا يتوقف عن فرقعة الشروط والعقد في وجه تشكيل الحكومة.

كان الله بعونه. فهو يكاد أن يكون المسؤول الوحيد عن بناء “سفينة نوح” لإنقاذ لبنان من الطوفان المدمر، الذي يتحدث عنه “المعرقلون” بجدية الساعة الآتية بلا ريب.

لن يمكنوه، طالما أن قميص عثمان أصبح قمصاناً بالجملة. فوراء قميص الوزير السني “الفائض عن الحاجة” يتلطى هذا الحزب. ووراء قميص إشتهاء هذه الوزارة يتلطى ذلك الحزب. ووراء قميص رفض الثلث المعطل يتلطى حزب ثالث.

ومن قميص عثماني مستورد إلى قميص عثماني مفبرك، تزداد أزمة التأليف تعقيداً.

وبسبب “فيترينة” قمصان عثمان، فاضى صبر عون والحريري عن حده. ويبدو أن الكي بالحسم هو أنجح دواء لهذا الداء المستعصي.

والسؤال: ماذا يمنع الرئيس المكلف من العودة إلى تقاليد الماضي الديمقراطي في تأليف الحكومات؟

يومها، كان إعلان أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب يشكل مفاجأة للكتل والأحزاب والوزراء أنفسهم.

إذاً، وإذا لم يتراجع “المعرقلون” عن عرقلاتهم، فلتشكل حكومة الأمر الواقع بأسماء وتوزيعات يختارها الحريري متوافقاً مع عون … ولا نظن أن عاقلاً سيتجرأ على الإنسحاب منها. إلا إذا كان ضميره الوطني قد مات تماماً.

صحيح أن حكومة الأمر الواقع مغامرة كبرى، لكنهم لم يتركوا للرئيسين خياراً سواها … بعد أن استوى لبنان وبلغ درجة الاهتراء.

وليد الحسيني

“تلة” بيروت

walidلبنان معشوق، لا يحترم العشاق، ولا يملك مشاعر العاشق.

كل الأحاسيس العربية كانت تذوب هياماً أمام إغراء لبنان جبلاً وبحراً وأثراً… وشعباً.

جميع العرب أحب فيه الثقافة والصحافة والحرية والديمقراطية والجامعة والمستشفى… و”الكباريه”.

لكل عربي فيه ليلاه.

لكن هذا كان، قبل أن ينقلب وطن الجمال، من أحسن حال، إلى أسوأ الأحوال.

الجبال الخضراء، أصابها الصلع بفعل المقالع العشوائية.

الهواء العليل تحول إلى علل بفضل  التلوث.

الأنهار الصافية ملأت مجراها المجاري.

الشواطئ الرملية الذهبية أصبحت مكباً للنفايات.

الينابيع العذبة إختلطت بالصرف الصحي.

الخضار والفواكه تنمو بالمياه الملوثة والمسرطنة.

هذا في الطبيعة. أما في السياسة والتحولات الإجتماعية، فقد تم استبدال الصلاحيات الدستورية بالمصالح المذهبية.

لم يعد اللبنانيون أصدقاء لهذه الدولة العربية أو تلك، بعد أن انقسموا إلى أعداء لهذا النظام أو ذاك.

تغيّر الإنتماء من عرب وفينيقيين، إلى عرب وفرس.

اندثرت عادة العرفان بالجميل، وحل محلها الجحود والنكران.

سقط شعار “يا هلا بالضيوف”، لتشهر بوجههم السيوف.

إذاً، نحن اليوم غير ما كنا بالأمس.

ومن باب استغراب المستغرب، لماذا نستغرب تحول قمة الملوك والرؤساء والأمراء إلى “تلة”، بالكاد ترتفع إلى مستوى وزراء الخارجية؟.

وتأكيداً لانحدار أخلاقنا السياسية، نلجأ إلى تبرئة أنفسنا، باتهام القيادات العربية بالعمالة. وأنهم غابوا عن “قمة بيروت الإقتصادية” لأن أميركا أمرتهم بذلك. وفاتنا أن نشيد بتمرد رئيس موريتانيا وأمير قطر على تعليمات ترامب الإلزامية… وكأنهما من أحفاد تشي غيفارا!.

إنه العذر الأقبح من ذنب التهديد والوعيد، الذي ارتكبناه.

من المعيب أن نقدم على الإساءة لسمعة 19 ملكاً ورئيساً وأميراً، بهذا القدر من الإهانة. وأن نعتبرهم عملاء غب الطلب.

لكن، من نعم العرب علينا، أن قياداتهم ما زالت حريصة على لبنان. وتدرك أن ما قيل من البعض، قد تم تقويله لهم إيرانياً. ولهذا لم تأخذها ردة الفعل، إلى مقاطعة عربية للبنان. لو تمت، لتقطعت أوصاله الدبلوماسية، ولانقصم ظهره السياسي والإقتصادي.

لقد نظر القادة، بإمعان ومسؤولية، إلى النصف الممتلئ من الكأس السياسي اللبناني… واعتبروا النصف الفارغ كلاماً فارغاً.

ومما لا شك فيه، أن التصرف الحكيم من الرئيسين عون والحريري، ومعهما كثر، قد ساهم في التخفيف من الغضب العربي الرسمي، الذي لو انفجر، لتحولت “تلة بيروت” الإقتصادية، إلى قمة الإنتقام من لبنان، وبالتالي، تدمير علاقاته العربية والدولية.

صحيح، أن لا أحد ينتظر من “قمة الغياب” المعجزات والمنجزات. فقد تعودنا، حتى في “قمم الحضور الكبير”، على قرارات تسرف بإغداق العواطف والوعود… وهي أيضاً قرارات نسي المجتمعون أنهم سبق واتخذوها من قبل.

ورغم معرفتنا المزمنة، بأننا أمام قمة أخرى من قمم القرارات الوهمية، فلا مفر من احترام انعقادها في بيروت… حتى لو استمر أبطال الفشل بالسعي لإفشالها.

وليد الحسيني

“حنابلة” حزب الله

walidما زالت الحكومة سجينة المحبسين.

محبس العمى الوطني. ومحبس التبعية الإقليمية.

من المهين للحقيقة القول أن عقد العرقلة محلية. ومن الغش السياسي المعيب إنكار الدور الخارجي، في دوران تشكيل الحكومة في فراغ التسهيلات الفارغة. فكل المفاتيح التي قدمت لسعد الحريري لفتح أبواب معتقل التشكيل، هي مفاتيح وهمية، لا تصلح لفك الأقفال الإيرانية، التي تغلق بدهاء وإحكام بوابات السرايا.

يتم كل هذا في مسرحية ابتزازية خبيثة، لا تخلو من التهديد بأصبع النصح والنصيحة. وبذلك اختلط على اللبناني المشهد الإجرامي بحق لبنان. فهناك جناية، والجاني بريء، رغم أن العقد المستعصية ارتكبت بالجرم المشهود.

لقد كشف عن نفسه مضطراً، عندما لم ينفع تحريضه لـ “العميل المزدوج” بتعطيل الإفراج عن الحكومة. فقرر اللجوء إلى “خلاياه النائمة”.

فجأة خرج من كهف العلمانية مذهبيون. أشد سنية من أبي حنبل.

نواب ستة منهم البعثي سليل ميشال عفلق. ومنهم العروبي وريث عبد الناصر. ومنهم حفيد مفتي عدو المذاهب. ومنهم من حصل على اللجوء المذهبي في بلاد الولي الفقيه.

يبقى من “حنابلة” حزب الله، نائبان لا يشق لهما في سنيتهما غبار. وهما عدنان طرابلسي وجهاد الصمد. ورغم تطرفهما السني، يكثران من التنقل بين الولاء لمعاوية بن أبي سفيان وللحسين سيد الشهداء.

وفجأة أيضاً، يمنح حزب الله، وبموافقة إملائية لاحقة من التيار العوني، أربعة نواب من ستة لقب “سوبر” نائب. أي أن الواحد منهم يعادل نائبين من النواب الـ 128. فقاسم هاشم محسوب هناك في أمل، وهنا في اللقاء التشاوري. وليد سكرية، يحط في وقت واحد، في كتلة الوفاء للمقاومة وفي “تكتل” سنة المعارضة. وفيصل كرامي وجهاد الصمد يصمدان في كتلتي فرنجية ومراد في آن.

… المسرح لا يتوقف عن عرضه المثير للغرائز المذهبية.

محللو “سيارات الأجرة”، يتنقلون بإدمان بين شاشات التلفزة. وهم بأكثريتهم من خريجي أكاديمية “عنزة ولو طارت”. ومن المؤمنين باستراتيجية الأصبع، الذي يستعمل حيناً للتهديد، وفي أغلب الأحيان للإتهام، واتهام التعطيل يوجه بتعنت إلى سعد الحريري.

إنه المعطل والمتسبب في الإنهيار الإقتصادي، وتطيير سيدر، وحرمان البلد من ملياراته العشرة.

ونسأل المحللين، الذين غالباً ما تصفهم المحطات المستضيفة، بالباحثين الإستراتيجيين، كيف يكون هو المعطل، وأنتم الزاعمون أنه لا يتوانى عن التنازلات التي تكفل له البقاء رئيساً للوزراء؟. وكيف يكون المتسبب وهو الأب الشرعي والوحيد لسيدر ومليارته؟.

في علم الأضاليل كل هذا جائز. وفي عالم تزوير الوقائع، كل الأوزار يمكن أن تقع على رجل الواقعية السياسية.

أخيراً… خذوا البلد بحلمكم… ولا تدمروه بأحلامكم.

وليد الحسيني