باسيل والحريري

walidترى هل يستطيع جبران باسيل الإقتراب من الحكمة السياسية، بعد أن بالغ في ولوج التهور السياسي؟… وهل يستطيع التخلي عن ركوب أمواج المد والجزر؟.

لقد نسي أن “التسوية”، التي أقدم عليها سعد الحريري، هي التي جعلت منه “الرجل القوي” في معبد “العهد القوي”.

وإذا كان “شمشون الجبار” أحد أبرز رموز “الرجل القوي” في زمن الأساطير والخرافات، فمن المنطق أن يتذكر باسيل بأن “شمشون” عندما قرر الموت لأعدائه، كان قد اختار طريق الإنتحار.

من أكبر الأخطاء والأخطار، أن يحوّل “ولي العهد” الوطن إلى ملعب، والتسويات والتفاهمات إلى لعبة.

لقد أكثر من حفر الحفر. مما أدى إلى اتساع الفجوة بين تياره الحر من جهة، وبين المستقبل والقوات من جهة أخرى. ومع استمرار غياب الوعي الوطني، يصبح التنسيق بين رئيس التيار الوطني والآخرين محاولة في المستحيل. فلا الرئيس الحريري يستطيع الإحتفاظ بالتسوية، مع تمادي باسيل في خرقها واختراقها، ولا باسيل يستطيع المحافظة على مكاسب التسوية، وهو يسعى إلى جمع كل مكاسبها في قبضته، التي يستعملها عشوائياً في جولات ملاكمة عبثية.

يقول، لا فض فوه، أن البلد تحول إلى “عصفورية”. وإذا صح قوله هذا، فإن الجنون لا يعالج بمزيد من الجنون.

أما المراهنة على صبر سعد الحريري وتسامحه، فهو رهان يخلط بين حدود الصبر المحدودة، والمقامرة السياسية المفتوحة والمفضوحة.

المسامحة ليست كنزاً لا يفنى. فعن أي التجاوزات يمكن مطالبة الحريري بالصفح عنها؟.

في الشأن الخارجي، ينحاز باسيل للإجماع الإيراني، على حساب الإجماع العربي.

في الشأن الداخلي، يختار التمرد على تفاهميْ معراب وبيت الوسط، ويخضع بإذعان مذل لتفاهم حزب الله.

في شأن التصريحات السياسية، يقول كلاماً مفجراً للأزمات والخلافات، وينفيه في اليوم التالي.

في الشأن الإنساني، يهاجم النازح السوري واللاجئ الفلسطيني، ويدافع بقوة عن النازح والمستوطن اللبناني في بلاد الإغتراب من أفريقيا إلى أوروبا إلى أوستراليا إلى الأميركيتين.

في الشأن القضائي، يصر على تملك وزارة العدل لإصلاح العدالة، ويعتبر في الوقت نفسه أن العدل أساس ملكه وبعض ممتلكاته.

في شأن الإصلاح، جعله شعاراً، لم تشعر بوجوده وزارة أو مؤسسة أو عصابة فاسدين.

من الصعب أن يحظى محلل نفسي بمعرفة ما في نفس هذا اليعقوب.

ومع هذا، ومع كل ما سبق من مبررات لقطيعة، لا يمكن وصلها، فإن سعد الحريري، وكرمى عيون الرئيس عون، قد يتجاوز مرة أخرى تجاوزات باسل.

لكن هل يقدر مبتكر الخلافات، أن يتراجع عن ابتكاراته الدون كيشوتية؟.

بالطبع يقدر… إذا تخلى عن الأحلام الخارقة والمارقة.

وليد الحسيني

Advertisements

قمم في مواجهة الكوارث

walidالقمة ليست دائماً بلا فائدة. وبالذات إذا انعقدت في أسوأ الأيام. فهل تكون قمم مكة الثلاث هي الإستثناء؟

لم يسبق أن اجتاحت العرب المحن، من محيطهم إلى خليجهم، كما اليوم.

الخطر يستعد لخلع أبواب الخليج. والكوارث تتوالى بلا رحمة في أغلب المشرق العربي ومعظم مغربه.

لا شك أن العرب يدفعون، في هذا الزمان، ثمن انتصاراتهم في تلك الأزمنة.

يبدو أن أمة الفرس تنتقم من قادسية سعد بن أبي وقاص. وأمة الغرب تنتقم من صلاح الدين في تحرير القدس. وأمة الأتراك تنتقم من الشريف حسين في تمرده على امبراطوريتهم المريضة.

أمم تتكالب على الأمة!.

كل هذا كان متاحاً، بعد أن انقلب العرب على عروبتهم. واستلوا الألسنة والأقلام لتعريتها.

إنتكاس القومية العربية، أيقظ الأحقاد والأطماع لقوميات منتكسة تاريخياً. فعمل الفرس والعثمانيون على تحويل الإسلام إلى أحصنة طروادة.

الإيرانيون أخذوا من أمراض المسلمين المذهبية. فاستعانوا بها لجعل طهران عاصمة العواصم العربية الأربع.

بفضل المذهبية انتزعوا العراق من تاريخه. وبسلاحها تحكموا بلبنان. وببلائها زادوا اليمن ابتلاء. وبنجدتها استباحوا سوريا. ومن بوابة المسجد الأقصى سجدت لهم حماس في غزة.

أما الأتراك، فقد اختاروا الإنحراف بالإسلام، فركبوا موجة التطرف. فبركبانها إحتلوا بعض سوريا. وبمراكبها حاولوا مُلْكاً في ليبيا، بعد أن سقطت ممالكهم في مصر محمد مرسي وفي تونس الغنوشي.

أما الغرب فقد أسلم أمره لواشنطن وسلّم بأوامرها. وها هو ترامب يصطف في طابور الموالاة لاسرائيل، متقدماً على كل من سبقه. ومؤكداً أن الأميركي لا يكون أميركياً إلا إذا كان صهيونياً. وكما بلفور أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، أعطى ترامب اسرائيل القدس والجولان. وترحرح في صهيونيته فأنجز لها صفقة القرن بقرون اسرائيلية هائجة.

صحيح أن العروبة لم تستعد فلسطين. ولم تُشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي إلى الفضاء. ولم تزرع أرض السودان قمحاً ورزقاً. ولم تهب شعباً ديمقراطية كاملة، ولا حتى حريات ناقصة. لكن غيابها أبعد فلسطين إلى ما بعد بعد أدلب وصنعاء. وأشاد مفاعلاً مذهبياً مدمراً. وقذف فضاء مكة، قبلة المسلمين، بالصواريخ الباليستية، وأنزل من فضاء سوريا البراميل المتفجرة. واستبدل زرع الأرض بالحقول الخضراء، بزرعها بحقول الألغام. واستجاب لحرية الرأي، فلم يقطع الألسنة، فقد اكتفى بقطع الرؤوس التي تحملها.

لقد أدرك الملك سلمان ان الكوارث العربية قد أينعت رؤوسها، وحان قطعها، قبل أن تقطع رأس الأمة العربية، وتدفنه مهشماً ما بين طهران واستنبول وواشنطن. لهذا دعا لعقد قمتين عربية وخليجية. ففي الأيام الصعبة، نحتاج إلى اتخاذ القرارات الصعبة، والإجراءات الأصعب. فهل تتم ترجمة هذه القرارات للفارسية، وهل هي قابلة للترجمة على أرض الواقع؟.

سؤال نتمنى أن تكون إجابته: نعم.

وليد الحسيني

إزدواجية الندم واللاندم

walidلا يمكن لعربي أن يندم على تأييد ثورة الخميني، التي أطاحت بشاه إيران حليف إسرائيل بأوامر أميركية.

والعربي نفسه، لا يمكنه إلا أن يندم على تأييده ثورة الخميني، بعد أن أطاحت باستقرار المنطقة. وأشعلت نزاعاً شيعياً سنياً، كانت نيرانه قد أنطفأت بمرور الزمن.

ويستمر هذا العربي في تعامله مع إيران بإزدواجية الندم واللاندم.

فهو إذ لا يندم على اعتزازه بتأسيس طهران لجيش إسلامي قاهر، فإنه سرعان ما يندم، عندما يكتشف أن جيشها القاهر لم يقهر غير السوريين، بدفعهم إلى هجرات قسرية خارج سوريا، أو إلى النزوح داخلها، من أرض مرعبة إلى أرض أقل رعباً.

وهو لا يندم على الإشادة بدعم إيران لغزة المحاصرة. إلا أنه يندم لاحقاً، حين يجد أن الدعم رافقه نفخ إنفصالي، شجع حماس على فصل القطاع عن الضفة. وبذلك تكون طهران قد تسببت بشرخ فلسطيني لا يلتئم.

وهو لا يندم على مباركته إقامة إيران علاقات “أخوية” مع العراق، لولا أن الندم سيطر على العراقيين، بعد أن جرّعتهم الميليشيات الفارسية، كأس السم التي جرّعها صدام حسين للإمام الخميني في حرب عودة أمجاد القادسية. وبنجاح ميليشيات الحشد الشعبي في إلحاق مجموعات كبيرة من الشيعة بـ “قم”، نجحت إيران بالسيطرة على مقدرات العراق وقدره.

وهو طبعاً، وبالتأكيد، لن يندم على إمتنانه لدور إيران في دعم حزب الله في حرب تموز، غير أن اللبنانيين عانوا، بعد حين، من استمرار تدفق المال والسلاح لحزب الله، مما تسبب بإقامة دولتين: دولة حاكمة في بعبدا… ودولة متحكمة بدولة بعبدا.

وهذا العربي، الذي يحمل أثقالاً تاريخية من عداء أميركا وإسرائيل له، لن يتردد في ترديد شعارات خامنئي المطالبة بالموت لأميركا… والموت لإسرائيل. وعملاً بتلازم الندم واللاندم في مواجهة السياسات الإيرانية، فلا مفر له من الندم بتحول صرخة الموت التي لم تقتل أميركياً ولا إسرائيلياً، بل تحولت إلى فعل “الموت للعرب” بأسلحة وميليشيات إيرانية، تعبث في أكثر البلاد العربية، سواء في بلد بسطت عليه يدها… أو في بلد مدت إليه أصابعها.

وكأن إيران لا تكفيها صناعة الزلازل في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. فها هي اليوم تعرض المنطقة، بدولها وشعوبها، إلى زلزال، يعجز مقياس ريختر، عن قياسه.

لا شك أن أميركا يحكمها اليوم رئيس لا يطيق الدبلوماسية. ومصاب بهلوسة العظمة والجبروت والإبتزاز.

ولا شك أن إيران يحكمها من يتشبه بترامب. أي أن الشرق الأوسط يعيش اليوم صراع الهلوسات العظمى.

لكن ثمة فوارق بين هلوسة تمتلك الإمكانات… وهلوسة تمتلك أوهام الصواريخ المدمرة وغرور الحرس الثوري.

إنها حرب إذا وقعت، لن تجد إيران حليفاً لها. فهي حرب ستشعل أسواق النفط، الذي تحتاجه الصين. وتحتاج معه إلى تهدئة، ولو أدت إلى إجتياح أميركا لإيران.

وهي حرب ستفرض على بوتين الحياد. فالتدخل فيها لا يشبه التدخل في سوريا أو في جزيرة القرم. إنه دخول إلى حرب عالمية لن ترتكب روسيا بالتأكيد حماقة اشتعالها.

هي حرب، لن تتجاوز الإستعراض العسكري، ومع ذلك، فإن إيران ستدفع ثمنها كما لو أنها حرب فعلية. فكل الحقائق الميدانية تشير إلى أن ترامب سيحقق نصراً بلا حرب.

إذاً على إيران ان تنقذ نفسها بالعودة إلى حجمها الطبيعي… فالبالونات التي نبالغ بنفخها ستنفجر في النهاية بوجه نافخها.

وليد الحسيني

قانون “أبو النواس”

… وكأن الشاعر العباسي “أبو النواس”، قد أصبح مصدراً من مصادر التشريع اللبناني. فهو الذي شرّع قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”. وهذا تماماً ما يفعله لبنان.

يداوي داء الفساد بمزيد من الفساد. ويداوwalidي داء الطائفية بمزيد من الطائفية.

في الفساد:

يحارب التضخم الوظيفي، الفائض عن الحاجة، بتوظيف الأتباع، ممن لا حاجة للدولة بهم.

يكافح الرشوة بمطاردة الموظف المحتاج والجوعان و”الكحيان”، ويترك أبواب صفقات مشاريع المليارات مستباحة، بعمولاتها الكبيرة، لكبار السماسرة والنافذين.

يهدم غرفة في بيت متواضع، بُنيت لحاجة عائلية، لأن رب البيت لم يدفع رسوماً للبلدية والدوائر العقارية، ويغض النظر، إلى حد العمى الكامل، عمن أشاد منتجعات سياحية، ضخمة وفخمة، على شواطئ لا يملكها. ومازال يشيد المزيد، وينهش المزيد من أراضي البر والبحر.

يحل مشكلة استنزاف شركة الكهرباء، لأكثر من ثلث الخزينة العامة، باستنزاف الوقت ما بين الحل الدائم والمؤقت. ففي المؤقت سيرتفع منسوب العمولات في البواخر والمناقصات. وفي الدائم ستتراكم الأرباح الفلكية لمحتكري استيراد المازوت… وقريباً الغاز.

في الطائفية:

بداية يعتز لبنان بطوائفه ويعتبرها مفخرة تتفوق على كل المفاخر. فهي التي جعلت منه بلد “التعددية”. وحفاظاً على هذه الميزة الإلهية، تم تقسيم وتقاسم الوظائف والمناصب والمؤسسات والسلطات بين الطوائف. وتم للبنانيين التغني بالصيغة اللبنانية الفريدة.

وبناء على هذا البناء الطائفي، قلّما نجد مسيحياً ينتسب إلى أحزاب مختلطة. فالبلد يعج بأحزاب لا يدخلها إلاّ من آمن بالرب يسوع.

هناك القوات اللبنانية. ومن يشك بنقاء مسيحية سمير جعجع، بسبب علاقته بسعد الحريري، باستطاعته الذهاب إلى الكتائب، حيث لا صوت يعلو على أصوات أجراس الكنائس. أما من أخذته مسيحيته إلى التشدد، ومصالحه إلى النفوذ، فسيختار، بلا تردد، الإنتساب إلى التيار الوطني الحر. وفي حال فقد المسيحي التائه قدرة الصبر على جبران باسيل، فحزب المردة يفتح له صالات الشرف.

أما المسيحي الذي يتمسك بالتراث، ويحن إلى الزمن الحزبي الجميل، فليطرق أبواب حزب الوطنيين الأحرار، أو الكتلة الوطنية، مطمئناً بذلك على ماضيه العريق.

وعملاً بقانون “أبو النواس” في الطائفة الإسلامية، يلتزم الشيعي بالانتماء إلى حركة أمل أو حزب الله. وإذا تجرأ، وانتمى إلى غيرهما، فسوف يتهم بخيانة دم الحسين.

وخيارات السني، لا تختلف عن الشيعي، الشريك اللدود في الإسلام، فهو مثله أمام خيارين، أحلاهما مر، أي الإنضمام إلى الأحباش أو الجماعة الإسلامية. أما إذا سار في طريق ثالث، فسيقع في المعصية، وينزل عليه غضب الله ورسوله.

والثنائية نفسها تنسحب على المسلم الدرزي. فهو إما في حزب المير طلال أرسلان، أو في حزب وئام وهاب. على اعتبار أن حزب وليد جنبلاط متورط تارخياً بالإختلاط، بسبب إصرار الأب المؤسس كمال جنبلاط، على ضم المسيحي والسني والشيعي. وبذلك يكون الإنتساب إلى الحزب التقدمي الإشتراكي سبباً في أن يفقد الدرزي بوصلة “التوحيد”.

تبقى الأحزاب المختلطة، الخارجة عن الملة. وإذا كان تيار المستقبل والحزب التقدمي أكبرها، فإن الضرورة قد تشدهما احياناً إلى المذهبية، لشد حبال دورهما في الدولة اللبنانية.

أما البقية الباقية من المختلط، كالشيوعي والقومي، فمازالا يغوصان في الإيديولوجيا المنقرضة، في بلد رست فيه الإيديولوجيات الحيّة على اقتناص الفرص.

أخيراً من المفيد التنبيه إلى أن قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”، قد شرّعه “أبو النواس” في باب الخمرة والسكر… وللأسف لا شيء يُسكر اللبناني ودولته مثل خمرة الفساد والطائفية. ولهذا لن يحاول أحد خرق “القانون النواسي” الصامد دون غيره من القوانين المضادة لفساد لا يحكمه القانون ولطائفية لا تعترف بالدستور.

وليد الحسيني

هل يتحول لبنان إلى صندوق إنتخابي؟

walidيبدو أن عدداً، لا بأس به، من السياسيين والمحللين الإستراتيجيين قد تخرجوا من مدرسة التهيؤات لصاحبتها ليلى عبد اللطيف.

على طريقتها، أكدوا أن هجوم بومبيو الناري على حزب الله، كان فقط لخدمة نتنياهو انتخابياً.

وعلى طريقتها أيضاً، إعتبروا تنازل الرئيس ترامب لإسرائيل عن الجولان، “الذي ورثه عن أجداده”، هو الآخر مجرد إنتشال لصديقه نتنياهو من هزيمة متوقعة في الإنتخابات الإسرائيلية.

إذا صدق تلامذة ليلى عبد اللطيف بتحليلهم هذا عن أسباب هجوم بومبيو وتنازل ترامب، فعليهم أن يصدّقوا، ومن باب أولى، بأن الرئيس الأميركي لن يتوانى عن اللجوء إلى إجراءات، أشد فظاعة، لخدمة نفسه، عندما يقترب موعد انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة.

إنطلاقاً من هذه التحليلات، يترتب علينا أن نتوقع المزيد من القرارات الأميركية المجحفة، وبالذات بعد أن ثبت، بالوجه القطعي، أن ترامب تفوق على المجانين في ارتكاب الأفعال المجنونة.

لقد سبق لهذا “الحاتم الطائي” أن منح القدس ووهب الجولان لإسرائيل، طمعاً بدعم إنتخابي من اللوبي اليهودي الأميركي. ويجهل العالمون بأسرار البيت الأبيض ما يمكن أن يحفر لنا من حفر، وما يحضر لنا من قرارات شريرة. إذ لا شيء يرفع من شعبيته أميركياً أكثر من إذلالنا ونهش أراضينا ومقدساتنا.

هذه السياسة الترامبية، تحظى، بالتأكيد، برضى الحزب الجمهوري الحاكم، ولا تغضب الحزب الديمقراطي المعارض. ولو أن “الزغردة” عادة أميركية، لزغرد الأميركيون إحتفالاً بإثارة النعرات المذهبية والأزمات الإقتصادية على امتداد الوطن العربي.

على ضوء ما تضمره أميركا للمنطقة، لن نستهزئ بالتهديدات، التي أطلقها وزير خارجية الولايات المتحدة من قصر بسترس، ولن نعتبرها، كما اعتبرها محللو محور الممانعة، مجرد قنابل دخانية، اندثرت آثارها لحظة استخف بها عون وبري وباسيل. فما قيل وقرر من أجل انتخابات نتنياهو، لا بد أن يقال ويقرر أكثر منه بكثير من أجل انتخابات ترامب.

لا شك في أن الآتي أعظم. ولا شك في أن طرح الرئيس عون فكرة “المقاومة الإقتصادية” سيسرّع في توسيع دائرة العقوبات الأميركية، لتشمل مع حزب الله الموالين له. وهذا يعني أن العقوبات، كما يتردد في واشنطن، قد تطال شخصيات سياسية ومصارف ومؤسسات رسمية… وكل ما ومن يقع في دائرة الظن والشك الأميركيين.

على لبنان أن يدرك أنه لا يشكل رقماً في حسابات ترامب. وأن استقراره الاقتصادي، وحتى الأمني، لا يقلقه ولا يعنيه. وأنه لن يتردد في نفخ الرماد، الذي يغطي نيران لبنان المذهبية، وأوضاعه المالية، المهددة هي الأخرى بالإشتعال.

إذاً بومبيو، لم يطلق إنذاراً في الهواء. ما قاله كان تهديداً جدياً، ونذيراً بعاصفة من نار، عندما تهب، لن تجد من يقدر على إطفائها.

من الطبيعي أن يتعطل دور الرئيس بري، كبير رجال الإطفاء السياسي، إذا امتدت يد العقوبات إلى بعض رجاله ومؤسساته.

ومن الطبيعي كذلك، أن يتعطل دور إطفائي الإعتدال الرئيس سعد الحريري، إذا قطع حزب الله وحلفاؤه المياه، التي يحتاجها لإخماد حرائق دونالد ترامب، الذي قد يتعامل مع لبنان على طريقة القول اللبناني الشائع: أنا أعمى ما بشوف… أنا ضرّاب السيوف.

أسوأ ما نخشاه، أن يتحول لبنان فعلاً إلى صندوق إنتخابي ذهبي في انتخابات نتنياهو وترامب!!.

وليد الحسيني

“ما فيش فايدة”

walidمن كل خطب وكلمات الزعيم سعد زغلول، كانت كلمته “ما فيش فايدة” هي الباقية في ذاكرة الناس، لأنها الكلمة الأصح والأصلح لذلك الزمن المصري، ولهذا الزمن العربي… وربما لأزمان مقبلة.

لبنانياً: “ما فيش فايدة” أن يتخلى اللبناني عن أن يحب لأخيه ما يحبه لعدوه. و”ما فيش فايدة” في الإنتصار على الفساد، لأن لا أحد يستطيع الإنتصار على شعبه. و”ما فيش فايدة” في القضاء على المذهبية طالما أنها تبيض ذهباً. و”ما فيش فايدة” في التخلص من النفايات في الشوارع، إذا لم يتم التخلص منها في الدولة وفي أهل السياسة. و”ما فيش فايدة” في إيقاف الهدر، وحكوماتنا تنفق كأنها تملك ثروة السعودية، في حين أن مداخيلها توازي مداخيل الصومال.

عراقياً: “ما فيش فايدة”، فكأس السم التي تجرعها الخميني في الحرب مع العراق، يردها خامنئي للعراقيين بتجريعهم كؤوس الحنظل. و”ما فيش فايدة” في أن يتوقف الحشد الشعبي عن حشد همجيته في مناطق السنة، ليوقظ الفتنة النائمة منذ أكثر من ألف عام. “ما فيش فايدة” في استعادة السيادة، في ظل الوجود العسكري الأميركي والنفوذ الشعبي الإيراني. و”ما فيش فايدة” في أن تعود المياه إلى مجاريها في دجلة والفرات وشط العرب، بعد أن شفطت، السدود التركية والحفريات الإيرانية، مصادر الحياة، التي جعل الله منها كل شيء حي.

مصرياً: “ما فيش فايدة” وقد ألهاهم التكاثر السكاني عن التكاثر الإنمائي.

سورياً: “ما فيش فايدة” في خروج الميليشيات. و”ما فيش فايدة” في إعادة الإعمار. و”ما فيش فايدة” في النصر الكامل على الإرهاب، ولا في الهزيمة الكاملة للإرهابيين.

فلسطينياً: “ما فيش فايدة” في التحرير، وقد دفنت منظمة التحرير الكفاح المسلح في ثلوج أوسلو. و”ما فيش فايدة” في توحيد البندقية الفلسطينية، منذ أن اعتنقت “حماس”، عبر جناحها المسلح “كتائب القسّام”، إستراتيجية الإنقسام.

يمنياً: “ما فيش فايدة” في الوصول إلى صنعاء مهما طال السفر. و”ما فيش فايدة” في أن يعود الحوثيون إلى إنتمائهم اليمني، بعد أن عمّدوا إيرانيتهم بالدم. و”ما فيش فايدة” في أن يحصل اليمنيون على كفاف يومهم من الخبز… والقات.

ليبياً: “ما فيش فايدة” بانقضاء شهر فبراير، الذي تسبب بالنكبة. فرغم أنه أقصر أشهر السنة، إلا أنه أطولها ليبياً، فهو ممتد منذ 8 سنوات. و”ما فيش فايدة” في أن يحل قريباً عن ظهر ليبيا، التي تحولت إلى فاقة بعد غنى، وإلى ذل بعد عز.

عربياً: كي لا يطول السرد ما بين المحيط والخليج، نقول باختصار: كما في البدء كانت الكلمة… ففي النهاية لا كلمة تعلو عربياً على كلمة سعد زغلول “ما فيش فايدة”.

وليد الحسيني

وماذا عن “الفساد الأكبر”؟

walidفي زمن سينما “الأبيض والأسود”، كان التنافس شديداً بين محمود المليجي وفريد شوقي على لقب “وحش الشاشة”.

أما في زمن الألوان و”التلون”، فيتنافس على لقب “وحش الإصلاح” أكثر من حزب لبناني.

وكما كان تنافس المليجي وشوقي مجرد تمثيل بهدف التشويق والإثارة والتسلية، فإن تنافس “وحوش الإصلاح” هو تمثيل أيضاً، وإنما بهدف إبعاد الشبهة عن الـ “أنا” وإلصاقها بالـ “هو”. فالكل يرمي الآخر بحجارة الفساد، ليبعدها عن بيته الزجاجي.

والمستهجن أن الفساد قد عم وانتشر، وأصبح كالهوية اللبنانية، من حق الجميع أن يحملها. كما لو أن الشريف في لبنان هو شريف فقط لأن الفرصة لم تأته بعد.

والمستغرب أن أغلب رجال السياسة يزعمون أن وباء الفساد لم يصل إلى جيوبهم الطاهرة، وجميعهم يؤكد أنه من سلالة “شريف مكة”. ولكونهم من “أشرف الناس” يخوضون حرب “الإصلاح والتغيير”، ويقدمون “الوعد الصادق” بقطع رقاب “الشافطين” للمال العام.

وفات قسم كبير من شرفاء مكة وضواحيها، أن “الشفط” لا يقتصر على الأموال التي دخلت إلى خزينة الدولة، إذ ثمة “شفاطات” تقطع الطريق على المال العام، قبل أن يذهب إلى الخزينة.

وعملاً بفضيلة عدم التسمية، لا بد من الإمتناع عن تسمية “قطاع الطرق” هؤلاء… وترك أمر التسميات للقضاء… هذا إذا سمح له القدر بذلك.

ومن هنا يحق سؤال قادة الجهاد ضد الفساد: لماذا تتجاهلون “الفساد الأكبر”؟.

لقد اشتعلت البلاد وانشغلت بصخب الحديث عن “الفساد الأصغر”، المتمثل بالسؤال عن مصير الأحد عشر مليار دولار، التي يشتبه بأنها هدرت وسرقت. وهي شبهة يمكن إثباتها أو نفيها، لأن الفساد ترك وراءه آلاف الوثائق، التي توفر للقضاء إمكانية التدقيق، ومن ثم، الحكم بالبراءة أو الإدانة.

أما “الفساد الأكبر”، فهوالفساد الآمن الذي لا يترك خلفه أدلة وبصمات.

وللتوضيح:

يقول تقرير موثق، وموثوق دولياً، أصدره بنك عودة، أن ثمة خمسة مليارات دولار تضيع على خزينة الدولة سنوياً. ويذكر التقرير أنها عائدات لبضائع يتم تهريبها من المنافذ البرية والبحرية والجوية… و”على عينك يا جمرك”.

وإذا عدنا بالزمن إلى زمن النفوذ على “المنافذ”، سنجد أن أحدهم استولى على أكثر من خمسين مليار دولار، على مدار سنوات الهيمنة في البر والبحر والجو.

هذا المبلغ يعادل أكثر من نصف الدين العام، الذي يثقل كاهل لبنان. وهو أقل بقليل من خمسة أضعاف الأحد عشر ملياراً، التي تنصب لها الشباك وتخاض من أجلها المعارك.

إنه “الفساد الأكبر”. لكنه الفساد غير المرئي. فما تنقله الشاحنات من هذه المستودعات أو تلك، ينقل من دون أن يترك أثراً يدين الفاعل أو يدل عليه.

ولأنه فساد بلا بصمات، فمن السهل إتهامه بالإشاعات المغرضة والكاذبة والحاقدة… وليشرب ماء البحر ديوان المحاسبة، ومعه وزارة المال، ومعهما النيابة العامة المالية.

ومن لا يشرب ماء البحر… فليبلطه.

وليد الحسيني