دعوة إلى الحقيقة: كذبت أميركا حتى لو صدقت

walidحرث «الربيع العربي» الأرض. قلب تربتها رأساً على عقب. نثر فيها بذور «الحرية والديمقراطية». ألقى فوقها سماد «العدالة والكرامة». سقاها بدم أغزر من شلالات نياغارا.

وعندما حان موسم الحصاد رأينا المناجل «الثورية» تحصد الرؤوس اليانعة. وشاهدنا «بيادر» الجثث المتراكمة. وفاحت في حدائقنا رائحة احقاد لا تتآكل، لكنها تأكل كل شيء. وقرأنا الفاتحة في الحقول والمزارع التي تحولت إلى مقابر.

ماذا فعلت أيها «الربيع» في الأمة العربية؟.

هل غدرت بها… أم غدرت بك؟.

تحاكمك… أم تحاكمها؟.

هل حقاً حرثت الأرض… أم نبشت عصور التتار والهمجية؟.

هل ما نثرت كانت بذور الحرية… أم بذور الشر المستطير؟.

وهل ما نشرته فوق الأرض العربية، كان سماداً يضاعف غلال العدالة والكرامة… أم سماً قاتلاً لهما؟.

لقد وعدت… وكنت الأكثر عداوة لوعودك.

أسقطت «ديكتاتوريات» وطنية ومتحضرة… وأقمت على أنقاضها ديكتاتوريات متخلفة وجاهلة وباغية ومتوحشة.

وعدت بالحرية… وأخذت كامل حريتك بالقمع والذبح.

قبلك كان المعارض يذهب الى السجن… وفي زمانك يتشرد في المنافي… أو يذهب إلى القبر.

ومع ذلك ننتظر الأسوأ، فجرائم «الربيع» متمادية… فهو يتطلع إلى كوارث لم يحققها بعد… وإلى دول لم يصلها بعد.

وسط متابعة هذا الغضب النازل كالصواعق على الأمة العربية، لا نجد خطة حقيقية لمواجهته، ولا حتى للحد من انتشاره. فصحوة الضمير الأميركي على محاربة «داعش» وبعض «النصرة»، هي بالواقع صحوة انتقائية من المبكر معرفة أهدافها الغامضة… وربما المخفية.

لقد بشرنا أوباما بأنها حرب طويلة الأمد، وقد تتجاوز الثلاث سنوات.

بمعنى آخر أنها حرب غير جادة وغير مجدية. فثلاث سنوات داعشية تكفي لإزالة أي موروث حضاري. كما تكفي لمد الهمجية إلى حيث لا تنفع في ردها غارات الحلف الأربعيني.

ولا يمكن لعاقل أن يصدّق ما زعمه البنتاغون عن استراتيجية ضد الإرهاب. فالإرهاب مهما تفرّع وتجزأ، يبقى واحداً. لهذا يمكن القول إن الصمت عن الإرهاب في ليبيا أو شمال سيناء أو حوثية اليمن، هو نوع من الغباء… لكنه الغباء الأميركي المتعمد. فعلى ما يبدو أن الولايات المتحدة حريصة على إبقاء التطرف الإسلامي حياً وفاعلاً، أكثر من حرص أيمن الظواهري خليفة القاعدة، وأبو بكر البغدادي خليفة داعش.

لو صدقت أميركا، لما شكلت البيئة الدبلوماسية الحاضنة لـ«الربيع العربي»… ولما غضت النظر عما يفعله الإخوان المسلمون من أقصى الوطن العربي إلى أقصاه.

لقد كذبت في إعلان حربها ضد الإرهاب… حتى لو صدقت في شن غاراتها الحنونة على دواعش سوريا والعراق من دون أن تطاول التنظيمات الإرهابية الأخرى… وكأن ثمة إرهاب بسمنة وثمة إرهاب بزيت.

لهذا نقول، متيقنين جازمين، أن في ما خفي في حرب أميركا ضد الإرهاب ما هو أعظم… وستأتيك الأيام أيها العربي بما كنت جاهلاً… وبذلك نستطيع أن نبشر الإرهابيين بالسلامة… وأن يستبشر العرب بالخراب.

وليد الحسيني

Advertisements

الجنّة تحت أقدام الإرهاب

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

في هذا الزمن العربي الموتور والمجنون، أصبح أحب “الحلال” هو الحرام.  فمشايخ البِدَعْ الإسلامية حلّلوا للمسلم على المسلم دمه وعرضه وماله.

هكذا أصبح مفتاح الجنّة أن يقتل، أو يذبح، مسلم مسلماً.  أو أن يهتك عرضه، أو ينهب ماله.

ونجح مشايخ البدع في إقناع “ثوار الربيع العربي” أن الجنّة حكر على المجرمين.  وأنهم كلّما ازدادوا إجراماً، كلّما ازدادت قصورهم في الآخرة.  وأنهم كلّما أمعنوا في هتك أعراض المسلمين، كلّما ازدادت الحوريات في قصورهم التي شيدها الله لهم في الجنّة.

عندما قال الله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، كان يقصد أيام الرسول الكريم.  وربما كانت هذه الآية هي الاستثناء الوحيد من القاعدة الفقهية التي تقول أن كلام الله يصلح لكل زمان ومكان.  إذ كيف نكون خير أمة في زمن يسفك فيه المسلم دماء المسلمين؟  وكيف نكون خير أمة في مكان كسوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان ومصر … ورؤوس المسلمين برسم الذبح، ونساؤهم برسم السبي، وأموالهم برسم السرقة؟

كان لا بد من هذه المقدمة، وقد بدأت تلسعنا في لبنان نيران الإرهاب المشتعلة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.

صحيح أننا لا نستطيع أن نؤكد بأن حريق الإرهاب وصل فعلاً إلى لبنان.  والصحيح أيضاً أننا لا نستطيع أن ننفي علاماته التي بدأت تجتاحنا شمالاً وغرباً، والتي وصلت غيوم دخانها الأسود إلى الساحل والجبل.

ماذا نفعل، ونحن ما بين انتظار الخطر وما بين وقوعه؟

لا شيء.

نتلهى بهيبة الدولة … والدولة بكاملها في مهب البهدلة.

نتلهى بالتمديد للمجلس النيابي … ولا نفعل شيئاً للحد من تمدّد “داعش” و”النصرة”.

نتلهى بتبادل اتهامات الفراغ الرئاسي … ونترك البلاد في فراغ بدأ يملأه الإرهاب والتطرف.

نتلهى بنبذ الفتنة والمذهبية والطائفية … ونترك للفتنة والمذهبية والطائفية أن تنبذ وتستخفّ باستقرارنا وسلمنا الأهلي.

نتلهى وكأن لبنان مدينة ملاهي … ولا نكترث بالخطر الآتي حتماً وحكماً.

والمضحك في زمن الكوارث الزاحفة إلينا كالأفاعي، أن كل فريق يعلن عن مد يده إلى الآخر من أجل تحقيق وحدة وطنية قادرة على مواجهة الإرهاب، الذي أصبح أقرب إلى رقابنا من حبل الوريد.

والمضحك، في زمن شرّ البلية ما يضحك، أن الأيادي الممدودة لم تلتق ولن تلتقي.

الاتفاق الوحيد الذي يبدو أنه سيجمع بين الفرقاء المتخاصمين هو فتح جلسات مجلس النواب لـ”تشريعات الضرورة”.  أي أنه سيكون بإمكان نوابنا “سن” القوانين، في وقت يسنّ فيه الإرهاب أسنانه وأنيابه ليمزّقنا، وأضراسه ليطحننا.  وما على الشعب اللبناني المستكين سوى النزول إلى الشوارع والاحتجاج بحرق الدواليب استباقاً لاحتراق الوطن.

سامر الحسيني

شكراً “داعش”

ISIS SOLDIERليست مؤامرة إمبريالية ولا مخطط صهيوني.  فألحان التقسيم الطائفي والتفتيت المذهبي ليست معزوفة أميركية يتغنى بها دعاة “الشرق الأوسط الجديد” في الغرب.  وصناعة دويلاتنا الطائفية والعرقية الناشئة لم تُنْتَج في مصانع القرار الدولي في مجلس الأمن.

جميع العرب يرقصون سرّاً أو علناً على أنغام الانفصال، التي حوّلت “الدولة اليهودية” في فلسطين المحتلة من استثناء إلى قاعدة.

رومانسياتنا القومية وأحلامنا الوطنية الوردية تهالكت بعدما استُهلكت على مدار عقود من “الانتصارات الوهمية” على أعداء الأمة.

شعاراتنا بدأت بـ”رمي إسرائيل في البحر”، وانتهت بمفاوضات حول حقوق الصيادين في المدى المسموح لإبحارهم وراء أسماك بحر غزة.

صرفنا المليارات على تخزين أسلحة فاسدة ومنتهية الصلاحية من أجل معركة فلسطين، وإذ بنا نستخدمها اليوم في معارك معاوية والإمام علي بن أبي طالب المتجددة.

من يستطيع بعد كل هذا الدم والخراب والأحقاد، أن يقول بأن السُنّة والشيعة والمسيحيون والأقليات المحيطة بهم لا يزالون في وارد العيش في وطن واحد؟

بدل أن نقطع رأس الفتنة، تابعنا على الشاشات موضة قطع الرؤوس المتدحرجة في الموصل والرقة.

وبدل أن نحقق الوحدة، توحّدنا في معسكرات “المهدي المنتظر” و”خليفة المتخلّفين” في العراق والشام.

هنا، مشروع دولة كردية في العراق يكاد يكتمل بامتداداته الجيوسياسية في سوريا وتركيا وإيران.

وهناك، ملامح الندم تظهر على وجوه سكان جنوب السودان بعد تحقيق حلمهم الاستقلالي.

في اليمن، يشقّ الحوثيون والجنوبيون طريقهم إلى الانفصال بالقوّة.

في لبنان، الفرز الطائفي يملأ “فراغ” الدولة، والانقسامات تنتظر التقسيمات المحتملة في دول الجوار.

وفي الخليج ومصر وليبيا تتكرر المخاوف نفسها من تصاعد خطر التطرف.

قد يكون اللاعبون الكبار لم يحسموا أمرهم بعد، تاركين للاعبين الصغار الوقت الكافي لإبادة بعضهم البعض، وإعادة إنتاج تاريخ عمره 1300 سنة من جنون الغرائز والتناحر والانتحار المشترك.

قد يكون أبو بكر البغدادي أحد أرانب سحرة استخبارات الغرب، وتنظيمه “داعش” أحد أحصنة طروادة لزرع الخوف ونشر الفوضى.

لكن مما لا شك فيه، أن عصبياتنا العمياء هي من أيقظت عمالقة “داعش” وأخواتها.

شكراً “داعش”… فمن دونك، كنا لا نزال نؤمن بوهم الأمة الواحدة، والقضية الواحدة … والله الواحد.

سامر الحسيني

الفاتح وفبراير

walidيحتفل «ثوار الربيع العربي» في ليبيا بالعيد الخامس والأربعين لثورة الفاتح على صورة مضادة لما كان.

كانت شوارع المدن الليبية تضاء بالمصابيح الكهربائية الملونة… واليوم يعيش الليبيون في ظلام، بعد أن تعطل قطاع الكهرباء، وعجز عن توفير النور… حتى في المستشفيات.

كانت الساحة الخضراء ومتفرعاتها مكاناً لاستعراض طويل للسلاح الليبي المتطور، وكانت ترافقه الزغاريد ومشاعر الفخر. واليوم السلاح نفسه يقتل الليبيين بلا رحمة، ويدمر بيوتهم بدافع الحقد والعصبية القبلية.

وكان ضيوف عيد الفاتح خليطاً من الرؤساء والزعماء والمفكرين والمثقفين والعلماء. أما اليوم فضيوف ليبيا خليط من بقايا الأفغان العرب، ومن دواعش العراق والشام، ووحوش الشيشان، وإرهابيي إخوان مصر… وما تيسر من قاطعي الرؤوس البشرية في مالي واليمن وتونس.

هكذا كان الفاتح… وهكذا أصبح ما بعده عبارة عن طوابير من النعوش التي لا تحصى، ومجالس تعزية لا تنتهي، وخراباً كبيراً لا يتوقف.

صحيح أن «فبراير» أنكر انجازات الفاتح. وصحيح أنهم اتهموه بإلغاء المؤسسات. لكنهم لم يتساءلوا من بنى لهم النهر الصناعي، ووفر لهم الماء في كل أنحاء ليبيا… وكانت أكثر مدنها تشرب ماء البحر، أو ما تسرب منه.

وكذلك تعمدوا إغفال أكبر شبكة طرق حديثة ربطت، في بلاد مساحتها تقل قليلاً عن مليوني كيلومتر مربع، بين المدن المتباعدة طولاً وعرضاً، والنجوع البعيدة في عمق الصحراء.

وكذلك تجاهلوا المؤسسات التي أسست الضمان الاجتماعي وشبكات الكهرباء والمشافي والجامعات والمعاهد… والمزارع والمصانع، وتلك التي وفرت أمناً واستقراراً.

وتحدثوا عن هدر، وهم الذين ورثوا فائضاً تجاوز الـ250 مليار دولار، أهدروها حيث لا يدري أحد… وسرقوا ما جاء بعدها من قبل أسماء يعرفها كل أحد.

هذا ما جنته ليبيا من الفاتح… وهذا ما جناه «ثوار فبراير» على ليبيا.

                                                                                          وليد الحسيني

حديث الشارع: فات الميعاد

فات الميعاد… وبقينا بعاد.

هذا حال أم كلثوم مع الحب… وهذا حال لبنان مع صندوق الانتخابات.

كنا أول دولة في الشرق تلتزم بالانتخابات وبمواعيدها.

لكن فعلاً فات الميعاد… وفعلاً بقينا بعاد. فلا انتخابات نيابية ولا انتخابات رئاسية.

وها هي مصر تنتخب رئيسها رغم الإرهاب المتنقل في أرجائها.

وها هي سوريا تنتخب رئيسها رغم عواصف الدمار والموت.

وها هي ليبيا تنتخب مجلسها النيابي رغم صراعات «الشعوب الليبية المسلحة».

وها هو العراق ينتخب نوابه رغم السيارات المفخخة والمذاهب المتفجرة.

إلا لبنان «أبو الديمقراطية» ولاعن أبوها.

لم نلتزم بالاستحقاقين النيابي والرئاسي. الأول ضربناه بالتمديد. والثاني هربنا منه بالمقاطعة.

يبدو أن الديمقراطية في لبنان، كشعب لبنان، تستعد للهجرة النهائية… وإلى أين؟.

الى مصر الملتهبة وليبيا المشتعلة. وسوريا المحترقة… والعراق المقصوف عمره بالمذهبية والمتفجرات.

«شوارعي»

الديمقراطية القاتلة

walidهل يرفض دمنا العربي الحامي الديمقراطية؟.

بالتأكيد… نعم.

يقولون أن «الربيع العربي» قام من أجلها… وعندما اقتربنا منها، انتخبت أصواتنا أصوات الرصاص والقنابل والمتفجرات والسيارات المفخخة… وبذلك حقق الإرهاب فوزاً ساحقاً، على الأقل في ليبيا ومصر وسوريا والعراق واليمن… وما قد يلي.

ومع ذلك ما زلنا نصر على امتلاك هذا الوباء الديمقراطي القاتل. حتى ولو كان جحيم الديكتاتوريات أكثر رحمة من نعيم الديمقراطيات المرعب والدموي.

وإذا أخذنا أولى ديمقراطياتنا العربية، التي ورثناها عن الاستعمار الفرنسي، والتي لم يقم اللبنانيون بجهد للوصول إليها، فإن هذه الديمقراطية اللبنانية تتعرض اليوم لتشوهات خطيرة.

وهكذا نجد أن ديمقراطيتنا أصيبت بأمراض «الربيع العربي»، وأنها فتحت طريقاً سريعاً للفوضى وعدم الاستقرار.

وهكذا نجد أيضاً أن إخضاع مواد الدستور للتفسيرات المزاجية، قد عطل الدستور. مما حول مؤسساتنا الى مزرعة مزدهرة للمذهبيات التي تطرح مواسمها من الأحقاد على مدار السنة ومن دون انقطاع.

هذه هي حال «الديمقراطية اللبنانية» التي ستزداد سوءاً بسوء تفسيرنا للنصوص الدستورية، وإخضاعها للتأويل المتعدد بتعدد الفرقاء.

وسط ترسيخ الانقسامات، وإغلاق أبواب التفاهمات، لا نجد عقلاً وطنياً كاملاً. فعقلنا يكتفي بتأجيل الصراعات لا بتعطيلها.

حتى فرص التأجيل معرضة للغياب مع غياب رأس الدولة. فثمة دائماً من يملأ الفراغ. وفي تهربنا من انتخاب الرئيس، نفتح لبنان لرياح دولية لا يملك أحد منا التحكم بها.

يبدو أننا لا ندرك حجم الخطر الذي نقدم عليه من خلال شغور قصر بعبدا. ومن يجزم بأن مجلس النواب يستطيع في وقت لاحق سد الفراغ الذي صنعه بنفسه؟.

هذا الفراغ إن طال، سيطاول المجلس نفسه، الذي لا يستطيع أن يشرِّع قانوناً لانتخاباته لأنه، وإلى أن ينتخب الرئيس، هو هيئة انتخابية لا تشريعية. وبالمنطق نفسه هو لا يستطيع التمديد لفترة ثالثة. أي أن الفراغ سيتسع ليشمل، الى جانب السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية. وهكذا يكون البلد معلقاً في الهواء الذي مع تداخل الرياح الإقليمية والدولية العاتية، قد يؤثر في الكيان اللبناني ونموذجه الذي نصفه بالفريد، والذي غالباً ما ندّعي التمسك به.

ومن المستهجن أن يشعر فريق سياسي بالأمان والاطمئنان لمجرد استعراض كل فريق لـ«ملايينه» البشرية. إن مثل هذا الاستقواء الغوغائي، هو تقليد لصراخ عنترة بن شداد لإرعاب خصمه قبل مبارزته. لكن من الصعب أن نجد عناترة في زعاماتنا إذا حل النزال.

لقد ثبت عربياً، وبالذات لبنانياً، أن الجماهير قطعان من الأغنام تنطلق وراء أجراس الكبش قائد القطيع… والمسكينة لا تعرف أن كل الطرق تؤدي الى المسلخ.

وليد الحسيني

لن نتراجع!!

walidما يجري في لبنان، وأبشع منه في أرجاء كثيرة من الوطن العربي، هو سقوط الأحلام وإحلال الكوابيس. وأكثر كارثة من المشهد الوحشي الفائض عن كل وحشية، ذلك الجفاف الإنساني الذي حوّل القلوب إلى حجارة صلبة بعد أن فقدت المشاعر والأحاسيس.

نرى القتل والذبح والتدمير… ونسمع من القتلة والجزارين والمدمرين كلمة «لن نتراجع».

لن نتراجع!… نسمعها في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن ولبنان.

ترى لن نتراجع عن ماذا؟.

عن هدر دم شعوب هذه البلاد؟.

عن تدمير المأوى والمؤسسة؟.

عن حرق الزرع والشجر؟.

عن التهجير؟.

عن التجويع؟.

عن تعميم الفقر؟.

عن دفع أطفالنا إلى الجهل بحرمانهم من المدرسة؟.

***

لن نتراجع!.

لكننا نرجع الى زمن التتار.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى حضارة الفحم والحطب والخيمة.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى الله لمعالجة مرضانا… وهو القائل «وجعلنا لكل داء دواء»؟.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى عصر الطوائف والقبائل والعشائر.

***

لن نتراجع؟!… وإلى متى؟… وماذا بعد؟.

فيا كل من تتقاتلون وتَقتلون… لا يحسب أحدكم أنه شهيد حي عند ربه يرزق.

الشهداء، هم الأبرياء الذين يُقتلون على أيديكم أو بسببكم.

الشهداء هم الذين أفقدتموهم الأمن والطمأنينة، وزرعتم في قلوبهم الهلع، ونصبتم في شوارعهم الأفخاخ، وفي تنقلاتهم كمائن الخطف.

***

لم ترحموا من في الأرض… فكيف يرحمكم من في السماء؟.

تحملون رايات الإسلام… وتغتالون سماحته.

تكَّبرون باسم الله… وتنفذون إرادة الشيطان.

تعتقدون أن صراخكم بقول «الله أكبر» كلما قتلتم إنساناً، أو تسببتم بمقتله، يصبح قتلاً حلالاً، وكأنه «خروف» يذبح على الطريقة الإسلامية!.

***

إلى متى سيبقى «الربيع العربي» يزكم أنوفنا برائحة الدم والبارود، وهو الذي ظننا أنه، كما كان الربيع دائماً، سيبعث لنا روائح الحرية الممزوجة بروائح الزهور والمروج الخضراء؟.

***

هل صدقتم أن الجنة في انتظاركم؟.

ومتى كان الطريق إلى الجنة محفوفة بالإجرام وارتكاب أكبر المعاصي، أي القتل بغير حق… وسلب الله من حقه في القصاص؟.

لقد أوغلتم وتغولتم… ولم يعد مجدياً استغفاركم ولا غفراننا لكم.

أخيراً:

إرجعوا إلى إنسانيتكم وإسلامكم… ولا تقنطوا من رحمة الله.

لعل وعسى.

 

وليد الحسيني