مؤتمر “بيروت 1”

walidلبنان ليس بحاجة إلى الأمطار لتصبح طرقه السياسية والإقتصادية موحلة. وهذا يُرتب على الرئيس الحريري مسؤولية تجفيف حكومته المُقبلة من المُستنقعات، المُتسببة بأوحال تهدد بانزلاق خطير في بناء لبنان الإقتصادي. بتعبير أكثر وضوحاً، لا بدّ له من “مغسلة” تقوم بتنظيف المُرشحين للقب أصحاب المعالي.

إن الوضع ينطلق بسرعة قصوى نحو الأسوأ. وهو بذلك لا يحتمل استمرار “الملوثات” بتلويث مُسقبل البلد.

الحكومة المطلوبة، هي التي يتخلى أعضاؤها عن مصالحهم الفاسدة، وعن مزايدات أحزابهم ومذاهبهم بحثاً عن شعبية مُدمرة لأي عملية إنقاذ حقيقية.

صحيح أن البلاد مشغولة الآن بهمّيْ تشكيل الحكومة ومصير النازحين السوريين، لكن الهمّ الأكبر، والأدعى للإهتمام، يتمثل في تقارير إقتصادية دولية، تقول أن عام 2019 سيكون عام إفلاس أربع دول عربية، على رأسها لبنان.

إن هذا الخطر المؤجل إلى حين، لا أحد يستطيع عبوره بسلام سوى سعد الحريري كصاحب خطة أولاً، وكصاحب شبكة علاقات إقليمية ودولية ثانياً.

من هنا يتوجب على المُغامرين بالبلد، الكف عن مغامراتهم ومخططاتهم بالوصول إلى حكومة القرارات المصيرية المُعطلة. خصوصاً وأنهم لم يتوقفوا عن توجيه الضربات والشكوك لمؤتمر باريس الأخير المُسمى بـ “سيدر”.

لا شك في أن مؤتمرات باريس، منذ أن ابتكرها الرئيس الراحل رفيق الحريري، شكلت مخرجاً من نفق الأزمات المالية.

لقد أدى الخارج واجبه تجاه لبنان. وبقي على الداخل أن يُكمل طريق الإنقاذ. ونعني بالداخل المصارف اللبنانية، التي رست في صناديقها نسبة كبيرة من مديونية لبنان.

إذا تم للحريري تشكيل حكومة نظيفة، خالية من الكمائن والنيات المبيّتة، عليه أن يستكمل مؤتمر باريس بـ “مؤتمر بيروت 1”. أي مؤتمر يضم المؤسسات المالية، ويشجع المصارف المحلية على التعامل مع لبنان بروحية مؤتمر باريس وتسهيلاته وتضحياته… وبالذات إذا علمنا أن قرابة نصف مديونية الدولة اللبنانية تعود إلى مصارفنا الوطنية.

ألا يمكن أن تصاب هذه المصارف بحب لبنان، كما أحبه المشاركون بمؤتمر باريس، فتسهم في نسبة بسيطة من موجوداتها، وبالشروط التي قبلتها دول وصناديق مالية أجنبية، يفترض أنها غير مُطالبة بإنقاذ المركب اللبناني من الغرق.

يقول المصرفيون أن المصارف هي التي مدّت وتمُد الخزينة اللبنانية بالحياة، ويتجاهلون أنهم تعاملوا مع خزينة لبنان بـ “أريحية” المرابي. وأن الفوائد التي أخذوها من الدولة كانت اللحم والشحم الذي تكتنزه مؤسساتهم.

إذا أرادوا أن يسجلوا في كشوفهم المصرفية جميلاً بلبنان، فليتعاونوا معه لا عليه. فلهم في تخفيف أرباحهم، بالتنازل عن الفوائد، فائدة أكبر في بقاء اللبنانيين ودولتهم قادرين على الإيداع والسحب… والإقتراض والدفع.

إن دور لبنان في إنقاذ نفسه، لا يُمكن أن يُحصر بالإحتفال في المروءات الخارجية. من هنا تستحق أمراضنا الإقتصادية الخطرة، إنعقاد مؤتمر مُماثل لمؤتمر باريس، خصوصاً أننا أسرع بلد يقلد “الموضة الباريسية”. فأصحاب البيت أولى بدعم جدرانه الآيلة للسقوط.

إن مؤتمراً يضم المرجعيات السياسية ورؤساء مجالس المصارف وغرف التجارة والصناعة، ربما يكون فرصة يتخلى فيها اللبناني عن إتهاماته لكل هؤلاء في “تبييض” خزينة لبنان. 

وليد الحسيني

Advertisements

الحرب الحريرية الثانية

walidلا يوجد شيء مشترك بين برلمان 2018 وبرلمان ما قبله، سوى التعطيل والعجز.

إن مكتوب المجلس النيابي العتيد ظاهر من عنوانه، الذي كشف عنه أمين عام “حزب الله” في برنامجه الانتخابي.

لم يعترض السيد حسن نصرالله على حوار الاستراتيجية الدفاعية، لكنه في عبارات سبقت عدم الاعتراض كرّس ثلاثية “الشعب والجيش والمقاومة”. وبذلك يكون قد حوّل حوار الاستراتيجية الدفاعية إلى ما يشبه برامج “التوك شو”، وكأن المتحاورين ضيوف مارسيل غانم في “كلام الناس”.

ولأن النأي بالنفس وأحادية الجيش شرطان يتوقف عليهما تنفيذ المنح والقروض الاستثمارية في مؤتمري روما وباريس، فقد أعلن السيد نصرالله وضعهما تحت طائلة الرفض في مجلسي الوزراء والنواب.

كل هذا يعني أن لبنان بعد الانتخابات النيابية، سيعود مجدداً إلى سماع طبول التعطيل، بدءاً بتشكيل الحكومة، ونهاية بتعطيلات لا حصر لها، ومن ضمنها طبعاً نتائج مؤتمري الإنقاذ. وهكذا سيجد اللبنانيون أنفسهم أمام عجز شامل، أخطره الوصول إلى “إقتصاد الهيكل العظمي”، الذي حذر منه الرئيس عون بقوله أن لبنان “بلد مفلس”.

التاريخ يكرر نفسه، لكن بشكل أكثر قسوة وظلماً.

لقد نال الرئيس الراحل رفيق الحريري قسطاً كبيراً من حروب التجنّي، التي عطّلت نجاحاته الباهرة في المؤتمرات الباريسية المتعددة.

بعنادهم، أضاعوا كل الجهود المبذولة لبناء الوطن المزدهر والحضاري. وبأحقادهم، ألقوا على الرئيس الراحل مسؤوليات وأعباء الدين العام. وكأن رفيق الحريري مارس “التنويم المغناطيسي” في جلسات مجلسي الوزراء والنواب. وكأن الموافقات على القروض تمّت في بعبدا والسرايا وساحة النجمة تحت تأثير الإرادات المسلوبة بقوة السحر.

كل قرض في زمن الحريري الأب أخذ شرعيته في مجلس الوزراء. وأحيل إلى مجلس النواب بتوقيع رئيس الجمهورية. وفي ساحة النجمة هبطت عليه نعمة “صدّق”.

هذا يعني أن لا أحد بريء من دم الاقتصاد اللبناني. وأن “الإبراء المسحيل” مستحيل أن يتبرأ منه الذين عطّلوا خطط رفيق الحريري في إعادة إعمار لبنان وإزدهار إقتصاده.

اليوم، يستعدون هم أنفسهم، لـ”الحرب الحريرية الثانية”. وبشراسة أكبر مما كانت عليه قبل “إنفجار السان الجورج”.

يومها لم تكن هناك قوائم الإرهاب، ولم يكن مطروحاً نزع السلاح، ولم يكن قد أدرج في قاموس السياسة “النأي بالنفس”.

أما اليوم فكل هذه المخاطر أصبحت قيد التداول والتنفيذ. مما يدفع “المقاومة” إلى مقاومة هذه الحرب الزاحفة إليها بشن حرب مضادة.

إذاً، على سعد الحريري أن يتهيأ لمعركة يغيب عنها المعيار الوطني، ليحل مكانه العار الإقليمي.

من هنا يصبح الخيار الوحيد أمام اللبنانيين هو انتزاع الأغلبية النيابية من فريق “الشر المستطير”، الذي سيطيّر لبنان واقتصاده.

إن غياب الأكثرية عن الاعتدال والعقلانية، يؤدي إلى تزويد الأزمة اللبنانية بأنياب قاطعة وأظفار جارحة. فالأزمة اللبنانية المتنامية تمتد جذورها إلى خارج لبنان. مما يصعب اقتلاعها على طاولة الحوار، حيث المواقف الإسمنتية أنجزت بناء جدارها الفاصل بين المتحاورين. خصوصاً أن الجالسين حول طاولة الحوار المستديرة، قد استدار كل فريق منهم باتجاه معاكس.

إنه صراع وجودي يدار بإرادات من خارج لبنان. ولهذا فإن الحوار الداخلي لن يحل ألغاز رسائل الشيفرة التي يتلقاها فرقاء الأزمة من هذه الجهة أو تلك.

ولأن الحال كذلك، يترتب على الرئيس الحريري بما له من علاقات عربية ودولية، أن يبحث عن دواء مستورد لأمراضنا المستوردة. فالحوار الحقيقي هناك، ومن هناك يأتي الحل … أو لا يأتي.

وليد الحسيني

ديمقراطية اللا ديمقراطية

walidتستطيع الديمقراطية أن تغفر لستالين كل ما فعله. لكنها لن تغفر للبنان الإستهزاء بها، بإصدار قانون النسبية المحْقون بميكروبات الصوت التفضيلي.

ستالين وضع الديمقراطية في زنزانة حديدية عندما شك في ولائها. ونفاها إلى سيبيريا عندما عكّرت مزاجه.

لكننا في لبنان حوّلناها إلى شعار وأشعار، لم نمارسها فعلاً وبالغنا في تبنيها قولاً … واعتبرناها إرثاً ورثناه من أجدادنا القدامى. خصوصاً وأن الراحل سعيد عقل يؤكد أصلها الفينيقي.

بياناتنا الرسمية، تصريحاتنا السياسية، برامجنا الحزبية … كلها معجونة بمفرداتها الرائعة!

حتى حروبنا الأهلية، والأحداث التي تشبهها، تزعم أنها اشتعلت لتعميد الديمقراطية بالدم. وأنها ما شُنّت إلا لغسلها من تراكم الأوساخ وأخذها إلى الاستحمام بالنار تطهيراً لها.

وعندما يجدّ الجد، يكتشف اللبنانيون أن الديمقراطية عبارة عن قناع يرتديه السياسيون في كرنفالاتهم السياسية. وأن قانون النسبية، الذي يتباهون به، ليس أكثر من تهريج تشريعي.

لم يشفق أحد على “شيبتها الإغريقية”، حيث يقال أن أثينا شهدت ولادتها الأولى. أي بالتأكيد قبل أن يسجّل لبنان براءة اختراعه الحديث “ديمقراطية اللا ديمقراطية”.

ولانها كذلك، لا يمكن التشكيك في نزاهتها.

التشكيك يفترض وجود الديمقراطية. فمن دونها نشكك في ماذا؟

كيف تكون هناك ديمقراطية، إذا كان المشرّع منع اللبناني من الترشح منفرداً، فارضاً عليه التبعية كمدخل وحيد إلى إلزامية اللوائح؟

وكيف تكون، إذا كان الناخب ممنوعاً من التشطيب، حتى لألدّ أعدائه؟

وكيف تكون، إذا كانت اللوائح تشكل بتحالفات بعيدة عن الأخلاق والمبادئ، لمنع الخصوم من فوز ما بمقعد ما؟

كل هذه التساؤلات تشبه البكاء على الميت. فمساء السادس من أيار المقبل، أي في يوم عيد الشهداء، يحلّ الموعد الرسمي لدفن الديمقراطية. وهكذا يكون لبنان قد انتقل من الديمقراطية البرلمانية إلى ديمقراطية “أليس في بلاد العجائب”.

في اليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات، ستبدأ أليس برواية حكاياتها عن “عجائب البلاد اللبنانية”.

تحالفات اللائحة ستتحوّل فوراً إلى لائحة اتهام بالخيانة.

هدنة الرئاسات، التي التزم بها الجميع بعد انتخاب الرئيس عون، ستسقط مع ارتفاع شهوة الثأر السياسي. فلا رئاسة المجلس ستنجو من الكباش بين “أمل” و”التيار الحر”، ولا رئاسة الحكومة ستنجو من تربّص “حزب الله” بالرئيس الحريري.

ومن حكايا أليس في بلادنا العجائبية أيضاً، حكاية “الاستراتيجية الدفاعية”، التي تعهد الرئيس عون فتح ملفها بعد الانتخابات. وهنا يكمن الكمين الأكبر والأخطر.

طبعاً لن يقبل “حزب الله” بأحادية الجيش. ولن يقبل المعترضون بثلاثية “الشعب والجيش والمقاومة”.

إن فتح هذا الملف المزنّر بالخلافات، لن يفتح سوى أبواب جهنم. خصوصاً وأن أمره يتجاوز إرادة متحاوري الداخل، إلى إرادة محاور الخارج.

وإذا كان وعد عون قد ساهم في نجاح مؤتمر روما، وقد يساهم في نجاح مؤتمر باريس، فإن فشله المحتوم سيؤدي حتماً إلى تطيير نتائج مؤتمرات الإنقاذ والدعم.

والأسوأ من كل هذه المساوئ، أن فتح دمل “الاستراتيجية الدفاعية” يكشف أن “حزب الله” حريص على النأي بنفسه عن النأي بالنفس.

وتقول أليس أن سلسلة العجائب لن تتوقف، وأن ثمة مفاجآت وفاجعات عجائبية أخرى تنتظر لبنان.

وليد الحسيني