الحريري… ونظرية الفصل

walidالأسئلة المريبة لا تعد ولا تحصى:

هل الليرة بخير؟.

هل الدولار “على قفا من يشيل”؟.

هل “سيدر” هو مصباح علاء الدين؟.

هل تحوّل لبنان إلى “نواصة” لا تضيء ولا تنطفئ؟.

هل يمكن للعهد أن يصف نفسه بـ “القوي”، في بلد كل من فيه على مزبلته، إما صيّاح أو نبّاح؟.

هل هي إشاعة، أن “حزب الله” مستفيد من هبوط سعر الليرة، لأن ذلك يمكّنه من تغطية نفقاته المحلية بدولارات أقل؟.

هل تفاهم كنيسة مار مخايل بين متساويين، أم أنه بين “سيد” ومسود؟.

هل “التسوية الرئاسية”، ما زالت تسير في طريقها السوي، أم أن ترقيعها بالتسويات، هو ما يستر عورتها، كلما اقتربت من التعري؟.

هل تحوّلت، الحرية إلى داء… والقمع إلى دواء؟.

هل الدستور كتاب، كما وصفه فؤاد شهاب، ومن سوء حظه أنه وقع في أيدي سياسيين لا يقرأون؟.

هل فعلاً وراء كل فاسد، “لبناني شاطر”؟.

هل الشريف في لبنان هو من لم تأته الفرصة بعد؟.

هل تلوث البيئة، سببه تلوث ضمائر المسؤولين. عملاً بالقول المنسوب إلى الرسول العربي: كما تكونوا يولى عليكم؟.

هل “الزبالة” هي فقط ما نلقيه في المكبات، أم هي ما نلقيه في صناديق الإنتخابات؟.

هل انقسمنا إلى 8 و14 آذار بمؤامرة أميركية… أم انقسمنا إلى سنة وشيعة بإدارة وإرادة فارسية؟.

ولأول مرة تُكذّب الأسئلة المسبقة الأجوبة اللاحقة. ومن الحماقة ترك الأزمات بلا حلول.

أول الحلول يبدأ بخطوة. والخطوة الأهم هي فصل صراع الداخل عن صراع الخارج.

ولا بد من الإعتراف هنا بأن الصراعين محورهما حزب الله.

فلا نحن كلبنانيين بمقدورنا “الإستقرار” إذا كانت العلاقات في ما بيننا غير مستقرة.

ولا بمقدورنا أن نتمسك بحبال الخارج، للخروج من أزمتنا الإقتصادية، خصوصاً وأن الخارج منقسم حول تعاملنا مع حزب الله. فمنه من يريد رأسه، كأميركا وفرنسا والسعودية. ومنهم من يريده “ريساً” على البلاد، كإيران وروسيا وسوريا.

من “أبو ظبي” يبتكر سعد الحريري مخرجاً من هذه الإزدواجية المعقدة. لقد طرح نظرية عقلانية، بفصله بين حزب الله اللبناني وحزب الله الإقليمي.

أهمية هذا الفصل، أنه يحرر الدولة اللبنانية، من الشروط الدولية والخليجية، التي تفرض مقاطعة حزب الله حكومياً، ومن دون تبرئته من تهمة “الإرهاب” إقليمياً.

إذا ما نجج الحريري بتسويق نظريته هذه، يكون قد حافظ على الإستقرار الداخلي، ويكون في الوقت نفسه قد أزال العقبات العقابية، التي تحول دون الإستثمار الخارجي في المشاريع اللبنانية.

الأكيد والمؤكد أن هذا لا يكفي. فثمة تضحيات لا بد منها.

أفعلها أن تضحي الأحزاب الكبرى بكبار الفاسدين. وأن تنقلب شهية الإفطار على المال العام، إلى شهية الصيام عن المال العام.

ولأننا في بلد يستورد بـ 20 مليار دولار فإن أفضل الوسائل لاقتلاع العجز، هو إقلاع اللبناني عن الصرف، كما لو أن دخله دخل الوليد بن طلال… في حين أن دخله دخل وليد الحسيني. 

 وليد الحسيني

دولة “جبران” الخواطر

walidفي البدايات، كانت الريح تجري بما تشتهي سفن العهد.

حتى الخصوم مدّوا إليه اليد.

منهم من آمن. ومنهم من هادن. ومنهم من داهن. ومنهم من فضّل الصمت.

لا يهم أين كان العهد وكنّا. الأهم أين أصبحنا… ومنذ مدة لم يصبح لبنان على خير.

لقد زادت الأثقال. وبات البلد ينتظر بقلق الساعة التي تحطّ فيها على ظهره الشعرة القاصمة.

لبنان اليوم “دولتان في دولة”. ومن باب الإحترام لـ “الوعد الصادق”، سنصدّق أن حزب الله لا يحكم لبنان. إذ من الطبيعي في “دولة الدولتين” أن يتقاسم الحكم “حاكم” و”متحكّم”.

وهذا يعني أنه إذا تعذر على حزب الله فرض كل ما يريد على الحكومة، فإنه من المتعذر على الحكومة أن تفرض ما يرفضه حزب الله.

وفي “البدايات” أيضاً، كان اللبناني يعتقد أن التيار الوطني الحر، يمشي عكس تيار الطائفية. إلى أن سقطت ورقة التوت العلمانية، وتعرّى التيار طائفياً على يد “حارس في غابة” أوقف التيار تعيينه، لأن التعيين يخل بـ “المعيار المسيحي”، الذي وضعه خادم الرعية نيافة البطرك جبران باسيل.

وهكذا “أصبحنا” على إهانة مجلسي الوزراء والنواب، بامتناع رئيس الجمهورية عن تصديق قانون الموازنة، الذي أنهك المجلسين درساً وتنقيباً عن مخارج لاستعصاءات مالية معقدة.

لقد جعلوا من الطائفية ممحاة مسحت النص الدستوري الذي حرر الوظائف الدنيا من المناصفة.

وإذا استمر التعنت بحجز الموازنة، فإن ممحاة الطائفية ستمحي سيدر وملياراته… وكأنك يا سعد الحرري ما غزيت.

ومن جملة “إصباحاتنا” الجديدة، التحرر من “عبودية” القضاء. وها هو العهد يقف بصلابة إلى جانب حرية المشتكي في اختيار القضاء، وربما القاضي. وقد تبلغ الحرية قمتها في إنتقاء الحكم وتحديد العقوبة.

إنها ظاهرة جديدة لا يمكن استيعابها بسهولة. فمحاكم الجنايات والجنح وُضعت، على ما يبدو، لمحاكمة النوع الرخيص من المجرمين. وهي بهذه الصفة لا تناسب أصحاب النفوذ والحمايات في “دولة الدولتين”… فكما لكل مقام مقال، فلكل مقام محكمة.

وهكذا “أصبحنا” على “المجلس العدلي”. وهكذا أصبح على لبنان إما أن يحيل إليه ملف الفتنة الأصغر، بانتظار أن يخرج عليه بالفتنة الأكبر، وإما أن يرفضه… فيستمر العمل بتعطيل حكومة “إلى العمل”. وعندئذ لا سيدر ولا موازنة و لا حل أزمة النفايات… وبالتالي لا مهرب من تحوّل لبنان واللبنانيين إلى ما يشبه مسلسل “أفواه وأرانب”. أي أزمات تستولد أزمات. ومجاعات تقود إلى مجاعات.

أما وقد “أصبحنا” على ما نحن عليه، يحق للمواطن أن يسأل:

كيف يمكن للعهد أن يعطّل حكومته، وهو الذي وعد بتسليم البلاد للرئيس المقبل بأحسن مما تسلمها؟.

والسؤال الأكثر إلحاحاً:

هل تقاس المسافة إلى سجن رومية بالكيلومترات، أم تقاس بالتحريض والعنصرية وتعطيل الدولة والتسبب في الخراب؟.

لا شك أن الطريق الثاني أقصر بكثير… لكنها مقطوعة من “الدولة المتحكمة”… وربما أيضاً من قبل “الدولة الحاكمة”… إذ لا بد من “جبران” الخواطر.

وليد الحسيني

إلى سعد الحريري

walidحسن الظن يا دولة الرئيس لا يمنعك أبداً من الحذر. فمن السهل على “الحلفاء”، قبل الأعداء، تحويلك من مضحي إلى ضحية، إذا ما وقعت واقعة الإنهيار الإقتصادي.

ألا ترى دولتك علامات ذلك، عندما اتجه تلميح الرئيس عون إليك في أزمة إقرار الموازنة، متجاهلاً صراع التقشف بين صهره ووزير دفاعه؟.

منذ سنوات بعيدة يا دولة الرئيس، ومؤشرات الإنهيار الإقتصادي، تطل على لبنان، وتستقطب التصريحات المحلية من فوق إلى تحت، وتسيطر على تحليلات خبراء المال، ولا تغيب عن تقارير المنظمات الدولية.

لقد بلغ إضطهاد القانون مداه الأعلى، قبلك، وفي غيابك عن الحكم، وفي حضورك رئيساً للحكومة. مما يعني أن مسؤولية الهدر والفساد تطال جميع “القبائل” السياسية، و”العشائر” العائلية، وحراس مغارة علي بابا، وجماعات القناعة بأن لبنان كنز لا يفنى.

أما المواطن يا دولة الرئيس فقد فقد الأمل. ولم يعد يجد رابطاً منطقياً، بين التصرفات المترابطة شكلاً، والتي تكرس الفساد فعلاً، وتعترض عليه بافتعال الإصلاح.

اليوم، إنتقل الخطر من التحذير إلى الإنذار الأخير.

الإنذار بالإنهيار، لم يعد شائعة. إنه جرس أكبر من جرس كنيسة نوتردام وأكثر التهاباً من حريقها. إنه جرس تقرعه بقوة، وبلا توقف، المرجعيات السياسية والإقتصادية والدينية في البلد. الجميع يشد حباله ليدوي صوته ويُسمع من به صممُ.

إذا حدث الذي نخاف أن يحدث. فمن الطبيعي أن يدافع الجناة عن أنفسهم. فالغاية تبرر الوسيلة، كما يقول مكيافيللي.

وكي لا يقال أن حكومتك قصمت ظهر إقتصاد الوطن. وكأنها لم تكن حكومة الوحدة الوطنية، التي خلطت الحابل بالنابل. وكأنها ليست حكومة العهد الأولى، كما يصر على تسميتها صاحب العهد وتياره. وكأنها حكومة سعد الحريري فقط. وكأنه هو من اختارها بإرادته الحرة، ووزع حقائبها على مزاجه وهواه. وكي لا يحصل لدولتك، ما حصل ليوسف، ويلقي بك “أخوتك” في التسوية والحكم، في بئر تهمة الإنهيار الإقتصادي. وقبل أن يمارسوا شطارة التضليل، وقبل أن تقع الكارثة، بادر يا دولة الرئيس إلى دعوة الجميع إلى مؤتمر إنقاذي. لا تسمح لأحد بالهرب من المشاركة، وبالتالي، التهرب من المسؤولية.

إن الوضع ينطلق بأقصى سرعة إلى أسوأ الإحتمالات. هذا ما يشعر به كل لبناني. والذين يستعدون لاتهامك، يدركون جيداً أنك الوحيد القادر، بعلاقاتك الخليجية والدولية، على سد ثقوب المركب وانقاذ لبنان من الغرق.

فكما “مؤتمر باريس”، الشهير بسيدر، يشكل طوقاً للنجاة، فإن انعقاد “مؤتمر بيروت” سيشكل طوق النجاة الأضمن لمنع سفينة لبنان من الإبحار في النموذج اليوناني.

ندعوك يا دولة الرئيس لتدعو إلى السرايا المرجعيات الثلاث، وقادة الأحزاب، ورؤساء غرف التجارة والصناعة، وأصحاب المصارف، وخبراء الإقتصاد والمال… وكل من له صلة قربى بالإنقاذ.

لقد أدى الخارج دوره في إعانة لبنان. ويبقى على اللبنانيين أداء أدوارهم في إنقاذ بلدهم. إذ لا يعقل أن لا يحب اللبنانيون لبنان بأقل من حب الخليجيين والأوروبيين له… وإذا لم يفعلوا، تكون فيروز قد كذبت عندما غنت، باسم اللبنانيين، “بحبك يا لبنان”.

ليكون “مؤتمر بيروت” أفعل من مؤتمر سيدر، نحتاج إلى تضحيات، لا إلى البحث عن ضحية.

كثيرون ممن سيشاركون في “مؤتمر بيروت”، يعرفون في قرارة أنفسهم، أنهم سبب البلية. فمنهم “المرابي” و”الحرامي” و”المرتشي” و”التاجر الفاجر”.

ولتبييض سجلهم الوطني، فإن الفرصة متاحة لهم في مؤتمر بيروت، بتبييض وجوههم مع لبنان… تبرعاً وتعاوناً واعترافاً بالمسؤوليات… ومن غير ذلك يستحيل إنقاذ خزينة البلد من الفراغ والتفريغ.

              وليد الحسيني