إلى «حماس» والمتحمسين لها: تعالوا نتصارح

walidلسنا بحاجة إلى كل هؤلاء الشهداء، وإلى كل هذا الدمار، لإثبات وحشية إسرائيل وهمجيتها.

مشاهد غزة مفجعة، وتدفعنا إلى غضب وهيجان تعودناهما في كل الحروب البشعة التي تشنها إسرائيل علينا.

كل حرب كانت تنتهي إلى هدنة، تحرص «حماس» على تسميتها «تهدئة»… في دلالة مغشوشة لعدم اعترافها بإسرائيل كدولة.

وعندما يهدأ الوحش الإسرائيلي، وتتوقف آلة القتل والتدمير، نكتشف أننا فقدنا مئات الشهداء، وأحصينا آلاف الجرحى والمعوقين، بالإضافة إلى دمار كبير في بيوت الفقراء وأبنية المؤسسات الرسمية، مع تخريب هائل للبنى التحتية.

تمَّ كل هذا من دون أن نحرر شبراً إضافياً من أرض فلسطين المحتلة… أو نقتلع بيتاً في مستوطنة إسرائيلية.

تعالوا نتصارح.

تعالوا نعود إلى أصل المقاومة، كما تعرفها الشعوب التي تحررت، وكما عرفناها في النصف الأخير من القرن الماضي.

إن تكرار التضحيات المجانية لا تعطيكم صفة المقاومة، إلا بمظهرها الإعلامي. ولا تصل بالعدو الإسرائيلي إلى الهزيمة، لكنها تصل بكم الى السلطة، وكأنها الغاية وكأن المقاومة وسيلة.

لن نجاملكم ونسير في ركب الغوغائية الشعبية المتعامية عن الحقيقة.

كل هؤلاء الشهداء يذهب دمهم هدراً عندما يحين وقت التسوية، التي يسعى إليها الجميع، بمن فيهم التنظيمات التي تبحث عن أمجاد إعلامية.

المقاومة يا سادة هي تلك التي بدأتها فتح قبل أن تُحقن بمخدرات أوسلو. وهي تلك التي أدمنتها الجبهة الشعبية قبل أن ينضبط نشاطها على إيقاع السلطة في رام الله. وهي تلك التي أدتها القيادة العامة قبل أن يتراجع دورها في الأراضي المحتلة لحساب دورها في دول الانتشار الفلسطيني.

عودوا إلى العمل السري والعمليات النوعية، إذا أردتم أن يتوجع عدوكم ويفقد مبرراته في قتل الأبرياء، عندما يجد نفسه في حرب مع الأشباح، التي لا يعرف لها مقراً ليمارس فيه بطشه ووحشيته.

أما أن تأخذكم شهوة السلطة، فهي انكشاف لمقراتكم، ودعوة لاستباحتها بالقصف العشوائي، وبالتالي، استشهاد مجاني لأطفال ونساء وشباب وشيوخ، لا ينتمون إليكم ولا يعنيهم إذا كانت السلطة لهنية أو لعباس.

عودوا إلى العمل السري والنوعي إذا كنتم صادقين.

لا مفاوضات عباس، ولا «تهدئات» حماس ستحرر فلسطين.

استيقظوا من غفوتكم في قصور الحكم، ومن غفلتكم، التي طالت، عن الكفاح المسلح.

لأننا نريد فلسطين من النهر إلى البحر، لن نغرق في بحر أوهام طموحاتكم السلطوية. ولن نهلل لـ«بطولاتكم» التي يدفع ثمنها شعبنا في غزة.

الإنتصار ليس بعدد أيام الصمود، بل بالنتائج.

والمكتوب معروف من عنوانه السابق في «تهدئة» الرئيس المخلوع محمد مرسي في العام 2012.

أخيراً، نريد نصراً… لا ما شُبِّه به. والنصر لا يأتي بخوض حروب «التهدئات»، ليرتفع من خلالها إسم قطر في إسرائيل وأميركا… ولترتفع أسهم حماس في قطر!.

وليد الحسيني

هالة شكر الله تقود “ثورتها” الناعمة

مارغريت تاتشر قادت حزب المحافظين في بريطانيا، تانسو شيللر قادت حزب “الطريق القويم” في تركيا، الشيخة حسينة قادت حزب “رابطة عوامي” فى بنغلادش، اليس جونسون سيرليفا ترأست جمهورية ليبيريا، كاترين سامبا بانزا ترأست جمهورية إفريقيا الوسطى … واليوم هالة شكر الله تنضم إلى قائمة النساء القائدات بترؤسها حزب الدستور في مصر. 

إنها خطوة ربما تأخرت كثيرا. فالحياة السياسية في مصر تضج بأسماء نسائية عديدة تتولى مناصب قيادية في غالبية الأحزاب الليبرالية والإشتراكية والناصرية والإسلامية، ولكن “رئاسة” حزب تنطوى على خطوة أخرى متقدمة على طريق الدور السياسي للمرأة المصرية.

غير أن مايجدر ذكره في هذا الشأن أيضا هو أن التي كانت تنافس الدكتورة هالة شكر الله على رئاسة “الدستور” هي جميلة إسماعيل السياسية ا

هالة شكر الله

هالة شكر الله

لمتميزة، التي كانت واجهة مشرفة للدستور، وتحملت بجدارة عبئا تنظيميا حقيقيا فيه. لكن صغر سنها (48 عاما) يجعل منافستها على رئاسة الحزب في المستقبل حقيقة واردة تماما. ويتبقى أيضا أننا أمام أول رئاسة “قبطية” لحزب رئيسي في مصر.

قد يرى البعض أن الحكم على هالة شكر الله  مؤجل إلى حين اختبارها في كيفية إدارة الحزب.  لكن اللقطة الأولى في هذا المشهد تستحق القراءة، فمجرد انتخاب سيدة لتكون قائدة لحزب معارض في مصر، هو في حد ذاته تحول في الوعي، كما أنه سيسجل في تاريخ الحياة السياسية المصرية كثمرة مكملة لنضال طويل للمصريين لكسر تابوهات التمييز.

هالة شكر الله رئيسة حزب الدستور بالانتخاب، هي امرأة لم يكن لها حظ وافر في التواجد على الساحة الإعلامية في السنوات الماضية.

في سيرتها أنها صاحبة نشاط سياسي في الحركة الطلابية في سبعينيات القرن الماضي، وتعرضت للاعتقال مرتين، وكان لهذه الحركة باع طويل في مواجهة نظام الرئيس الراحل أنور السادات، أي أنها لم تأت من خارج السرب السياسي بتجلياته النضالية، لكنها طورت أدواتها العلمية بالحصول على درجة الماجستير من بريطانيا.

وأعدت رسالة دكتوراة عن تأثير تحرير الاقتصاد على العاملات في مصر، وشاركت في تأسيس عدد من الجمعيات الحقوقية والتنموية على أساس أنها من خبراء التنمية والمجتمع المدني، واهتمت بقضايا المرأة والطفل وحقوق الإنسان والفئات المهمشة.

في تراث الأحزاب المصرية، هناك أسماء كثيرة لسيدات في الهياكل القيادية لهذه الأحزاب.  وهناك أسماء لسيدات نجحن بالانتخاب في عضوية البرلمان، لكن هي المرة الأولى التي تتولى فيها سيدة رئاسة حزب بالانتخاب.

تحديات

حصلت شكر الله في انتخابات الحزب، على 108 أصوات من إجمالي 189 صوتا في مقابل 56 صوتا للمرشحة جميلة إسماعيل، و23 صوتا للمرشح حسام عبد الغفار.

وبذلك تخلف شكر الله (60 عامًا)، مؤسس الحزب محمد البرادعي لتتولى زعيمة الحزب بعدما شتٌته الخلافات والانقسامات الداخلية في الفترة الأخيرة، كان أبرزها استقالة 11 عضوًا من مؤسسي الحزب في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفي مقدمة هؤلاء جورج إسحاق، أحد مؤسسي حركة “كفاية” المعارضة، وأحمد البرعي وزير التضامن الاجتماعي، وبثينة كامل الإعلامية والناشطة السياسية.

ويرى المراقبون أن أمام شكر الله تحديين رئيسيين أولهما أن تعمل على جمع كل المجموعات المختلفة داخل الحزب وأن تضع الجميع في حساباتها، حتى يعملوا سويًا.

أما المهمة الثانية، فتتمثل في استكمال بناء الحزب، لأنه على الرغم من أن له حضور في غالبية محافظات مصر، فإنه ما زال يحتاج إلى المزيد من البناء الداخلي.

وقد تولت هالة شكر الله منصب أمينة لجنة التدريب والتثقيف في الحزب من آيار (مايو) 2012 حتى كانون الأول (ديسمبر) 2013.

وتركز عملها سابقًا في مجال التنمية، إذ أكملت دراساتها العليا في معهد الدراسات التنموية بجامعة ساسكس البريطانية، وعملت بالعديد من المنظمات المحلية والعالمية من بينها منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة.

كما أسست شكر الله عام 1997 مركز دعم التنمية في مصر الذي يعمل على توفير الدعم الفني والمساندة لمنظمات المجتمع المدني.

وكانت شكر الله قد درست في كندا، حيث عمل والدها رئيسا لبعثة جامعة الدول العربية هناك، وبعد عودتها إلى مصر بدأت نشاطها في الحركة الطلابية في الجامعات.

كما تعد شكر الله ناشطة حقوقية شاركت كعضوة مؤسسة في عدد من منظمات المجتمع المدني في مصر منذ ثمانينات القرن الماضي، ولها العديد من الدراسات المنشورة في هذا المجال، كما كانت محررة بدورية “الاستعراض النسوي” في بريطانيا خلال الفترة بين عامي 1995 و2002.

صحيفة الغارديان البريطانية علّقت على فوز شكر الله أنه في الوقت الذي يبدو فيه أن الثورة المصرية حققت القليل من أهدافها، يأتي انتخاب هالة كتذكير بالتغييرات الاجتماعية المفاجئة التي حررتها الثورة.

ونقلت الصحيفة عن شكر الله قولها “ما نراه الآن هو شيء يحدث على أرض الواقع”، مضيفة “أعتقد أنه انعكاس للتغييرات التي حدثت لنفوس المصريين منذ ثورة 25 يناير التي أطاحت بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، حيث أن الشعب المصري لم يعد يرى مثل تلك العناصر المتمثلة في فوز امرأة قبطية برئاسة حزب ذات أهمية كبيرة مقارنة بما يطمح إليه الشعب”.

فهل يشكل انتخاب شكر الله مؤشراً للتغيير الناجم عن تطور الوعي الوطني، بفضل ثورة يناي؟

ثمة دلائل أخرى على التغيير الحادث في تفكير المجتمع المصري. ففي شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي تولت الطبيبة اليسارية منى مينا رئاسة نقابة الأطباء المؤثرة، التي سبقها إليها رجال إسلاميون محافظون.

وتتساءل شكر الله: “كيف لنا أن نتوقع تغيير الحكام بينما لا تتغير المعارضة السياسية، وكيف لنا أن نتوقع وجود تداول في السلطة بين الأحزاب الحاكمة بينما لا تقوم بذلك أحزاب المعارضة؟”

وتشير شكر الله إلى ضعف الأحزاب السياسية ومنها حزب الدستور، ليس كسلا من الأحزاب ولكن لأنه لم تسنح لهم الفرصة للتطور تحت حكم مبارك وأسلافه، قائلة “إن القوة المنظمة الوحيدة التي أتيحت لها فرصة التطور كانت جماعة الإخوان المسلمين. تحطمت الحركة الديمقراطية في مصر، الأمر الذي لا يراه الغرب بداية منذ السبعينيات وحتى الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي .. حيث أنك لا تستطيع التظاهر دون أن يتم القبض عليك. كما لم يكن مسموحا لمفكري الطبقة الوسطى والتحركات الاجتماعية بالتجمع، في الوقت الذي تمكن فيه الأخوان المسلمون من التسلل للأحياء الفقيرة من خلال المساجد”.

هالة شكر الله استطاعت بما تتمتع به من مميزات ان تعيد البسمة لحزب الدستور الذي ضربت أعماقه الاعتراضات والانشقاقات منذ بدايته.

هالة شكر الله السيدة القبطية المتزوجة من مسلم يدعى خالد محمد أعطت أملا جديدا ليس لحزب الدستور ولا للاقباط في الوصول الى مناصب قيادية، بل للمرأة المصرية بشكل عام.

ورغم انها تجاوزت الستين من عمرها الا انها تتمتع بكتلة من النشاط والحيوية جعلتها تجوب المحافظات من أجل الترويج لحملتها الانتخابية التي اختارت لها اسم “فكرتنا توحدنا” لتبدا بها محاولة جديدة للم شمل الحزب وتوحيد صفوفة التي تصدعت.

فهل تصدق هتافات هالة شكر الله: “الدستور طالع طالع للمزارع والمصانع”؟

فخامة المشير: السيسي يستعيد دولة الجنرالات

كتب محمد بكير

لا أحد ينتظر موعد الانتخابات المقبلة للتأكد من أن عبد الفتاح السيسي هو رئيس الجمهورية الفعلي لمصر. فولاية المشير الرئاسية لا تنتظر صناديق الاقتراع، بل بدأت من خلف كواليس وزارة الدفاع منذ التفويض الأول الذي حصل عليه من الشعب يوم 30 حزيران (يونيو) الماضي.

مؤيدون للمشير السيسي

مؤيدون للمشير السيسي

لم يبق سوى إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية ليتحول شعار “السيسي رئيسي” إلى حقيقة.  فخطة تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية، بدأت مع عملية تطهير البلاد من “حكم الاخوان”، مما استدعى استنفارا سياسيا واعلاميا وعسكريا شاملا، جعل من يفكر في منافسة السيسي يخوض مهمة انتحارية تتعارض مع “إرادة الجيش والشعب”.

إن المنطق الذي يحكم ملايين المصريين اليوم يدعم المشير السيسي ليكون رئيسا للبلاد ومنقذا للعباد، بمساندة عشرات المحطات التلفزيونية بمذيعيها وضيوفها ومتصليها، ومئات الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية بكتابها ومحرريها وبريد قرائها.

قد يمكننا وصف اللحظة الحالية التي تمر بها مصر، بأنها لحظة تأسيسية للنظام الجديد، وهو نظام الدولة القديمة العائدة بقوة والعازمة على سحق المعارضات المنظمة، ليلوح في أفق مستقبل السياسة المصرية عودة التحالف الأمني العسكري البيروقراطي أيام حسني مبارك.

والسؤال المطروح اليوم هو: هل السيسي هو جمال عبد الناصر الجديد؟ فشعبيته تجاوزت خلال فترة قصيرة حيز التأييد العام لتصل إلى درجة يمكن وصفها بـ “هوس السيسي”.

لكن ما يخدم السيسي فعلاً ويزيد من التفاف المصريين حوله، هو فشل جماعة الاخوان المسلمين منذ أحداث رابعة (آب 2013) في أن تعيد بناء الثقة في مشروعها الذي لم يكن موجوداً أصلاً، فظل خطابها أسير رغبتها في العودة مرة أخرى إلى السلطة. الأخطر من هذا أن تعميق الجماعة لوضع مظلوميتها، وهو رأس مالها التاريخي الأكبر على امتداد عملها، جعلها في حالة من العداء مع محيطها الاجتماعي؛ فجموع المصريين بنظر الجماعة مدانة بتأييدها أو تغافلها عن “مذبحة” رابعة أو القمع الذي حدث بعدها. ورغم تعاطف البعض مع الجماعة بسبب القمع الذي واجهته، فإن هذا التعاطف لم ينعكس في حجم التأييد لمطالبها. وقد ينبئنا فشل التحالف الذي حاولت الجماعة تشكيله أخيراً مع حركات ثورية يسارية مثل “السادس من أبريل” بالأزمة العميقة التي تعيشها الجماعة؛ ففيما أصرت الحركة على خطاب وطني ثوري جامع، أصر خطاب الجماعة على سيناريو العودة المرتقبة لما يسمى الشرعية. ورغم نجاح الجماعة في إحداث اضطرابات في الجامعات، فإن هذا النجاح لم يؤسس لحركة طلابية أوسع، وربما أثار غضب طلاب الجامعة أكثر من أنه انصب في تحقيق أي مطالب على أي مستوى.

الأخطر من هذا أن سلمية التظاهر الإخواني تشوبها دائماً نوبات عنف واستفزاز يراه البعض استدعاءً للحظات استشهادية وربما كربلائية لها جذورها العميقة في ثقافة القواعد الإخوانية التي ترى الوضع على أنه صراع بين حق وباطل أو إسلام وكفر. وبالنتيجة، لم تفلح ازدواجية الخطاب الإخواني الممتدة عبر عقود في أن تنقذ الجماعة من وصمة الإرهاب والعنف.

ويرى الخبراء إن استمرار الإحتجاجات العنيفة في مصر، سيجعل من الصعوبة بمكان إتمام خارطة الطريق بشكل يُعيد الأمن والإستقرار للبلاد، غير مستبعدين احتمال تِكرار سيناريو الجزائر في مصر، في ظلّ اتِّساع رقعة المواجهات مع الاخوان، وبعد مصرع أكثر من ألف منهم في المصادمات مع الجيش والشرطة، وتفاقم موجة التفجيرات الإنتحارية.  ويحذر الخبراء من تحول الصدامات تدريجياً إلى عنف مسلح، مع تدفق أسلحة هجومية عبْر الحدود مع ليبيا ووجود جماعات إسلامية مسلّحة تتّخذ من سيناء ملاذا آمنا لها، بالإضافة إلى ضعف الشرطة المصرية عقِب الضربات التي تلقّتها خلال ثورة 25 يناير 2011.

السيسية والناصرية

فجأة أصبح جمال عبد الناصر في كل مكان.  وفجأة تجسّدت صورة “الزعيم الخالد” في الاعلام المصري والصور المرفوعة في شوارع البلاد، في القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الدفاع المشيرعبد الفتاح السيسي.

فالسيسية في نظر المصريين اليوم نجحت في إعادة إنتاج الناصرية، لكن هل التاريخ يعيد نفسه فعلاً أم أن الاستنجاد بالناصرية ليس أكثر من مناورة سياسية للم شمل المصريين في مرحلة الانقضاض على الاخوان؟

السؤال قد لا يكون منطقياً.  ومع ذلك فإن الرغبة الشعبية، والتأييد الهائل للسيسي في الشارع، تبرر مناقشة احتمالات تحقق هذه المقاربة، التي لعب فيها الشحن الإعلامي دوراً كبيراً، جعل غالبية المصريين وربما العرب يحلمون باستعادة حلم وصورة مصر الناصرية والقوية.

 المفارقة أن الصورة تختزل في شخصيتي عبد الناصر والسيسي، على ما بينهما من اختلافات، التي لا تتعلق فقط بخبرات وتعليم وثقافة السيسي وعبد الناصر، وإنما بالظروف التاريخية وخيارات كل منهما، ما يجعل من المستحيل عملياً أن يكرر السيسي تجربة عبد الناصر، على رغم أن الأول لا يخفي ناصريته، بمعنى إعجابه بصلابة المواقف الوطنية لعبد الناصر وحرصه على عزة وكرامة المصريين.

ومثل هذا الفهم يشيع بين أغلب المصريين، بوصف الناصرية هي الوطنية المصرية في مرحلة الحرب الباردة، ومحاولة بناء نموذج تنموي مستقل، أما رؤية وموقف الناصرية من الديمقراطية فهذه هي القضية الخلافية التي ينقسم حولها المصريون بل الناصريون أنفسهم.

في نظر البعض، إن “انقلاب” السيسي المدعوم شعبياً يتقاطع مع قيم وآليات الديمقراطية، بغض النظر عن لا ديمقراطية حكم “الإخوان”، وفشلهم في إدارة الدولة ونزعتهم للأخونة وتقسيم المجتمع، وبغض النظر أيضاً عن الخيال الشعبي حول البطل المنقذ الذي يحافظ على وحدة الوطن وأمنه القومي.

والمؤكد أن شخصنة التاريخ والمستقبل تعكس ضعف ثقافة الديمقراطية عند الجماهير والنخب، فقد أنهك الصراع السياسي، وغياب الأمن أغلب المصريين، ودفعهم للبحث عن بطل منقذ يحظى بدعم مؤسسة وطنية منضبطة كالجيش.

والمفارقة أن المشير حسين طنطاوي كان قريباً من هذا الدور قبل عامين، لكن أخطاء المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية قضت عليه، أما النخب فقد تنصلت من مبادئها، واستعملت معايير مزدوجة في دعوة الجيش للتدخل.

لكن تحالف الجيش والقوى المدنية أبقى على الانقسام الثقافي والسياسي في المجتمع، وربما عمّقه، كما يتسم بالضعف الشديد، والقابلية للانهيار، بسبب انتهازية نخب الأحزاب المدنية وصراعاتها الذاتية، وعدم تجديد صفوفها أو التوافق على مرشح رئاسي من خارج الجيش،

وهنا يمكن القول بأن تلك النخبة تدرك ضعفها، واستخفاف الشارع بها، وبالتالي فإنها غير قادرة على فرض شروط للتحالف أو وضع أهداف لهذا التحالف، ومن ثم تسلم بتبعيتها للجيش، بخاصة بعد أن نجح السيسي في دعوة ملايين المصريين لتجديد تفويضه لمحاربة الإرهاب، من دون الاستعانة بالأحزاب.

ولا شك في أن كل هذه الأطراف ما كانت تستطيع أن تمانع أو تعارض دعوة السيسي الذي أثبت فيها قدرته على التواصل المباشر والسريع مع الجماهير، في علاقة تدعم شروط تطور كاريزما السيسي، وتقربه من علاقة عبد الناصر بالجماهير.

هذه العلاقة بالاضافة إلى إغراء الالتفاف الجماهيري، وتشجيع نخب مدنية وعسكرية مستفيدة من صيغة الحكم الجديد، قد تدفع السيسي لتكرار تجربة عبد الناصر، أو على الأقل بعض جوانبها، بخاصة تعامله مع “الإخوان” والحفاظ على دولة القانون والمواطنة والاستقلال الوطني.

لكن مهمة السيسي صعبة وتكاد تكون مستحيلة، للأسباب التالية:

–         إن آلية مخاطبة وحشد الجماهير بالنداء العام ومن دون الاعتماد على تنظيم، والتي نجحت في الإطاحة بـ “الإخوان”، ثم اعتمدها السيسي في الحصول على تفويض لمحاربة الإرهاب، لا يمكن التعويل عليها دائماً، لأنها تضاعف من طموحات الجماهير وترفع سقف توقعاتها في قدرات الزعيم في تلبية مطالب الجماهير في العدالة الاجتماعية. غير أن أوضاع الاقتصاد المصري لا تسمح بتحقيقه بالصورة التي تأملها الجماهير.

–         اختلاف المناخ الدولي والإقليمي المحيط بمصر، حيث كان يتيح لعبد الناصر مساحة أوسع من حرية الحركة والمناورة بين المعسكرين الغربي والسوفياتي، كما أن دوائر دول عدم الانحياز وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث كانت تدعم قدرة مصر على لعب دور إقليمي ودولي مستقل، لكن هذه المتغيرات تجاوزها التاريخ، وتراجع دور مصر في محيطها العربي والأفريقي، ومن الصعب استعادة هذا الدور في ظل الميراث الثقيل لتركة مبارك في السياسة الخارجية وقيود كامب ديفيد والعلاقات مع واشنطن، والتي ربما نجح السيسي في تحديها جزئياً لكنه لا يستطيع تغيير نمط التعامل مع واشنطن بشكل جذري في المدى المنظور.

–         لا يمكن من الناحية السياسية الدخول في حرب شاملة ضد “الإخوان” وجماعات الإسلام السياسي على نحو ما قام به عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات، لأن الجماعة تضخمت واكتسبت حضوراً اجتماعياً وخبرات تنظيمية وسياسية وإعلامية لا تقارن بما كانت عليه في عصر عبد الناصر، وبالتالي فإن التسرع بالصدام معها يؤدي إلى خسائر هائلة، لا يستطيع الاقتصاد تحملها في هذه المرحلة، على رغم أن المواجهة مع “الإخوان” وحلفائهم لن تجر مصر إلى حرب أهلية على غرار النموذج الجزائري في التسعينيات.

لكنْ أياً يكن مدى صحة هذه التحديات في المقارنة بين السيسية والناصرية، يبقى السؤال:  إلى متى يستطيع السيسي أن يعيش فى جلباب عبد الناصر؟

حرب سيناء: هل سقط “الوطن البديل” بسقوط الاخوان؟

كتب كريم الخطيب :

ما هي شبكة المصالح التي تربط الإخوان مع واشنطن؟  وما هي الاسباب الحقيقية لتأييد الولايات المتحدة تحرك الجيش المصري ضد حسني مبارك ومعارضتها الشرسة لعزل محمد مرسي؟  وهل كانت جماعة الإخوان في مصر “المتعهد” الرسمي لتنفيذ مخطط “الوطن البديل” للفلسطينيين في سيناء؟

بداية، فإن جذور العلاقة الاخوانية – الأميركية ترجع الى فترة تاريخية سابقة حين كانت الولايات المتحدة تمتلك إزدواجية في الرؤية ترى من خلالها ان الجماعة تمثل قوى مجتمعية مهمة وتدرك في الوقت ذاته ان الضباط الاحرار والقوات المسلحة هي القوة الفاعلة في السياسة المصرية.

وتشير تقارير أعلامية مصرية الى ان عبد المنعم عبد الرؤوف عضو التنظيم السري للاخوان وأحد الضباط الاحرار كان على اتصال دائم بالاميركيين وتم تنظيم لقاءات بينه وبين مسؤولين في واشنطن في منزل صحفي شهير بحضور مسؤول في المخابرات الاميركية. لكن كان التقدير الاميركي يقوم على ان حكم الجنرالات يمكن التعامل معه سواء في فترة الرئيس الراحل انور السادات او الرئيس المخلوع حسني مبارك.

في الثمانينيات، بدأت اللقاءات بين الاميركيين والاخوان في لندن وفي بانكوك وميونيخ حيث توجد فروع لتنظيم الاخوان بعيدا عن القاهرة. وفي عهد مبارك ظلت العلاقة ترتفع وتهبط حت

مشاريع إخوانية مشبوهة في سيناء

مشاريع إخوانية مشبوهة في سيناء

ى جاءت السفيرة الاميركية مارجريت سكوبيي التي كانت ترى ان الاخوان قوة مهمة في المجتمع المصري غير انهم لا يمكن الوثوق بهم.

 وبحسب وثائق ويكيليكس قبل ثورة يناير بثلاث سنوات، فإن الشكوك بين الاخوان والولايات المتحدة واسرائيل تزايدت بسبب خداع الاخوان للشارع وتغنيهم بالعداء تجاه اميركا واسرائيل.

وعندما جاءت السفيرة الاميركية آن باترسون، تغيّرت العلاقة بين الجانبين، في ضوء ثلاث ركائز أساسية: أولها  الدراسة التي أعدها مركز “اميركان انتربرايز” وهو مركز يميني قريب من الحزب الجمهوري وقال فيها ان جماعة الاخوان يمكنها ان تقود الاسلام السني في المنطقة. الدراسة الثانية أعدها “مركز راند” وهو مركز أسسه سلاح الدفاع الجوي الاميركي، وتحدث عن أن سطوة العسكريين في الشرق الاوسط تقل وانه لابد من الاعتماد على مجموعات لها رصيد شعبي. الامر الثالث هو تولي السفيرة آن باترسون مهامها، فهي صاحبة خبرة في باكستان وتعلمت كيف يمكن الرهان على الاسلام السياسي بدلا من الجيش.

إحدى وثائق ويكيليكس التي ظهرت بعد ثورة يناير تقول: ان جماعة الاخوان المسلمين طلبت من مبارك بعض المطالب الخاصة بها مستغلة خوف الحكومة من امتداد ثورة تونس اليها، حيث كانت المطالب تتمثل في حل مجلس الشعب وحل الحكومة واجراء انتخابات برلمانية مبكرة وتشكيل حكومة وفاق وطني وانهاء حالة الطوارئ وتعديل المادتين 76 و77 المتعلقتين بالانتخابات الرئاسية – أي انه لم يكن ضمن مطالب الاخوان وقتها اقالة مبارك فهم كانوا قابلين بالتعامل معه.

وكي ندرك المخطط الأميركي – الاخواني في سيناء، لا بد أولاً من العودة إلى اوراق الحكم القضائي الصادر من محكمة جنح مستأنف اسماعيلية في تموز (يوليو) 2013 أي في فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي، حول المجموعة الاخوانية التي خرجت من سجن وادي النطرون.

 ووفقا للحكم، فان المجموعة خرجت من السجن بواسطة “حماس” وقوى اسلامية اخرى في عملية عسكرية مخطط لها من قبل. وبحسب ما جاء في حيثيات الحكم، فان احد المساجين قرر انهم عندما كانوا في السجن سمعوا تبادل لاطلاق النار بين مجموعة مسلحة وقوات تأمين السجن، وان المسلحين اجبروهم على الخروج من السجن وانه شاهد اعرابا ملثمين من البدو يقومون بتكسير ابواب السجن وجزء من سيارات الأمن.

ويتابع الحكم : المسلحين الذين كان بعضهم غير مصري اقتحموا مخازن السلاح وخزنة السجن، وهم ممن تسللوا عبر الانفاق، واخرجوا مرسي، حيث سيكون لهم دور آخر فيما بعد في سيناء.

بداية الانفصال

في نهاية 2010 ، بدأ ظهور ما يسمي بالمحاكم الشرعية على غرار المحاكم الموجودة في الصومال، وتحديدا في منطقة الجورة والشيخ زويد، حيث تم إسقاط سلطة الدولة فكان المواطنون يجبرون على الاحتكام لهذه المحاكم العرفية ولا يلجأوا لمحاكم الدولة. إحدى هذه المحاكم كان يرأسها شخص يسمى الشيخ ابو ايوب ويراس الثانية ابو سليمان والثالثة ابو اسكندر وهؤلاء ينتمون للسلفية الجهادية وتمويلهم من الاخوان ومن حماس، وفق التقارير الاعلامية المصرية.

وقتها صرّح الشيخ ابو ايوب  وبشكل علني، “انه لدينا 3500 مقاتل لا يعترفون بالدولة ويسعون لاقامة امارة اسلامية في سيناء. وفي شهر تموز (يوليو) 2012  أعلنت “امارة المقاطعة” الاسلامية وتم تعيين امراء في مناطق الجورة والجميعي والطويل ونجع شبانة، ولم تتحرك الرئاسة الإخوانية بقيادة مرسي للتعامل مع هذه الحركة الانفصالية في سيناء.

كانت المليشيا التابعة لهذه المحاكم تنزل المدن تجول فيها بالسيارات رافعة اعلام القاعدة، وعناصرها الملثمون يتحركون بحرية مطلقة، في ظل غياب التعليمات للجيش او الشرطة بالتصدي لهم.

التغييب المتعمد لسلطة الدولة في هذه المناطق، سمح للمسلحين بإقامة معسكرات علنية للتدريب في المقاطعة والجورة.

ووفق التقارير، تتكون مليشيا سيناء من 3500 عنصر على النحو التالي: 2000 شخص ممن افرج عنهم مرسي بعفو رئاسي تحت مسمى الافراج عن المعتقلين السياسيين. و1000 من الجهادية السلفية.  و500 من تجار السلاح وتجار انفاق.

سمح لهؤلاء باستخدام الانفاق تحت حجة عدم خنق “الاخوة” في غزة، وكانت العناصر تدخل عبر الانفاق ولا تعلم السلطات المصرية بتحركها داخل مصر.

القرار الخطير كان اعطاء 50 الف فلسطيني جنسيات مصرية، علما بانه لم يكن يسمح بان يحصل الفلسطينيون على الجنسيات العربية حفاظا على قضيتهم من التآكل وهو موقف يتماشى مع القرار الدولي بحق العودة. اجمالي ما كان يسمح به سنويا في مصر لم يكن يتخطى 1000 الى 1500 مجنس، ولكن تم منح الجنسيات للفلسطينيين كي يحق لهم تملك العقارات والاراضي.

 كانت العلاقات بين هذه المجموعات وجماعة الاخوان تدار عن طريق الدكتور صفوت حجازي، فهو كان دائم التردد على سيناء لنقل وتوصيل المعلومات من والى الاخوان، وهو قال انه تاجر في السلاح المنقول الى سوريا لكنه لم يتحدث عن دوره في هذا البيزنيس في سيناء. عندما كان حجازي يتردد إلى سيناء كان يعقد لقاءات دورية في قرية بصاطة مع ثلاثة افراد من قيادات السلفية الجهادية وهم محمد عبد ربه، وفيصل حمدين، واسعد البيك، وكان يحضر اللقاءات معه عبد الرحمن الشوربجي عضو حزب الحرية والعدالة الاخواني.

وتشير التقارير إلى ان التفجيرات الـ14 لخط الغاز بين مصر واسرائيل والاردن كانت تتم بتعليمات من القاهرة. والقناة العاشرة الاسرائيلية اذاعت تسجيلا صوتيا رصدته المخابرات الاسرائيلية بعد خطف الجنود السبعة وخطف الصينيين، تم رصد مكالمة بين الخاطفين والدكتور صفوت حجازي يقولون له ان الجيش نزل سيناء ويجري عمليات تمشيط فقال لهم اطمئنوا فالتعليمات الصادرة لهم بالا يتعرضوا لكم.. وله تسجيل اخر عن ضرورة تنفيذ عملية ضد خط الغاز وتم تنفيذها بعد 24 ساعة.

وكان المهندس خيرت الشاطر حاول إقامة منطقة حرة بعمق 10 كيلومترات على جانبي الحدود بين مصر وغزة بدعوى التنمية. ولكي تستكمل الاجراءات جاءت شركة بريطانية اسمها “البراق” وعرضت تنفيذ مليون وحدة سكنية في سيناء، لكن عندما تتبعت اجهزة المخابرات الشركة وجدت انها مملوكة بالكامل لفلسطينيين، ولمن لا يعلم ان مليون وحدة سكنية رقم كبير جدا فاجمالي الطلب في سوق العقار المصري سنويا 500 الف وحدة. هنا تدخلت اجهزة الأمن ورفضت الموضوع وحصلت خلافات مع الرئاسة كانت ستحسم لصالح رغبة الرئاسة في وقت قريب او بعيد، وسيتم العصف بمن اعترض عليها. هذا هو الوطن البديل للفلسطينيين في غزة، حيث اعلى المناطق في العالم كثافة للسكان.

الدور الاميركي

هنا ياتي الحديث عن السيناتور الاميركي جون ماكين وهو من صقور الحزب الجمهوري، وهو كان دائم التردد إلى مصر.  أول زياراته كانت في شباط (فبراير) 2011  ثم توالت الزيارات، ثم جاءت زيارته في 2012 لمناقشة قضية الجمعيات الاهلية والتقى حينها خيرت الشاطر تحت لافتة الوساطة لدى المجلس العسكري للافراج عن المتهمين في القضية، وهنا كانت بداية العلاقة الطيبة بينه وبين الاخوان.

في 15 كانون الثاني (يناير) 2013 جاء ماكين وقابل مرسي وهشام قنديل وعصام الحداد الذي كان قد ساعده ليكون أول مسؤول مصري ليس على مستوى رئيس جمهورية يدخل البيت الابيض.

 بدأ ماكين يتحدث عن سيناء وحماس واثنى كثيرا على موقف مرسي من الوساطة بين حماس واسرائيل.

إن المشكلة الحقيقية في ما حدث في 30 يونيو والتي ازعجت واشنطن هي انها قضت على التصور الاميركي في التعامل مع جماعة الاخوان والذي يقوم على  انك بدلا من التعامل مع فروع التنظيم يمكنك التوصل لاتفاقات مع الرأس مباشرة ممثلة في المرشد العام.

وهنا لا بد من الاضاءة على طبيعة العلاقة بين مصر وسيناء. فهناك نظرية من ايام الكولونيل سيف ايام الحملة الفرنسية على مصر تقول ان من يسيطر على المضايق في سيناء يسيطر على قناة السويس، ومن يسيطر على القناة يسيطر على الشرق الاوسط كله، ومن يتحكم في مضايق سيناء يتحكم في جبال طوروس ومن يتحكم فيها فقد تحكم في الشرق الاوسط.

فاذا لو تحولت سيناء إلى وطن بديل وخرجت من سيطرة مصر والجيش المصري؟ وماذا لو كان المشروع ليس مجرد احداث عمليات عنف وارهاب في سيناء، بقدر ما هو مرتبط بالنتائج الغامضة للمفاوضات الفلسطينية مع اسرائيل التي تم استئنافها على عجل من دون أي برنامج واضح للتسوية؟

الهجرة من غزة

في صيف 2009، لم تتورع حركة «حماس» عن دكّ مسجد ابن تيمية فوق رؤوس عبد اللطيف موسى وأنصاره؛ المسلحون من جماعة حركة «جلجلت»، التي أعلنت قيام إمارة إسلامية في رفح الفلسطينية، ذات الهوى الجهادي والتكفيري والخالية من النفوذ الأيديولوجي لـ«حماس». حدثت الهجرة العكسية من غزة إلى المنطقة الحدوية من شمال سيناء في رفح والشيخ زويد، حيث عاد الهاربون من ملاحقات (2004 – 2006) وبصحبتهم التكفيريون الهاربون من «حماس»، ومعهم الخبرة القتالية العالية.

ومعروف أن السلاح في سيناء في يد الجميع، لكن الفرق في الكمية والنوع والاستخدام. فالطفرة النوعية التي شهدتها سوق السلاح في سيناء عقب الثورتين المصرية والليبية ضاعفت كميات السلاح في شبه الجزيرة وقفزت بأنواعه إلى السلاح الثقيل المضاد للطائرات والمركبات والمجنزرات والصواريخ البعيدة المدى، فضلاً عن قذائف «آر بي جي» المضادة للدبابات.

لكن الحديث عن ارتباط الأزمة السياسية في مصر عموماً بالعمليات المسلحة في سيناء يقودنا إلى بحث علاقة «الإخوان المسلمين» بما يمكن أن يوصف بـ«السلاح الأيديولوجي». الواقع أن ارتباط السلاح بالأيديولوجيا في سيناء أوسع من دائرة الصراع السياسي بين «الإخوان» والعسكر داخل مصر، ويمتد ليشمل ما هو خارج الحدود المصرية.

وهنام أربعة تنظيمات سلفية جهادية هي: جماعة «أنصار بيت المقدس»، وتنظيم «مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس»، وتنظيم رخو أضعف من سابقيه يصدر بياناته الإعلامية باسم «السلفية الجهادية»، وأخيراً بقايا تنظيم «التوحيد والجهاد» الذي أسسه الزعيم الجهادي الراحل خالد مساعد، والذي يتقاطع فكرياً مع التكفير الصريح. يعد «أنصار بيت المقدس» و«شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس» أقوى تنظيمين جهاديين في سيناء وأكثرها فاعلية. وهما التنظيمان اللذان يعلنان عملياتهما ضد إسرائيل، سواء باستهداف إيلات («أم الرشراش» المصرية المحتلة) أو بتفجير خط الغاز المصري المصدّر إلى دولة الاحتلال.

أما المقاتلون المرتبطون بـ «القاعدة» فترمي استراتيجيتهم الى انشاء «إمارة» مستقلة وإحياء الخلافة.  وكان هذا مسعى الجهاديين في العراق وليبيا ومالي وفي سوريا. واليوم، يضع هؤلاء الرحال في شمال سيناء حيث تدور فصول نزاع قديم بين البدو والحكومة يهدد المنطقة بتحويلها ساحة الجهاديين الأبرز.

ولطالما كانت سيناء اكثر المناطق المصرية المهملة. فالسكان، خصوصاً القبائل البدوية ينظرون الى الحكومة على انها قوى احتلال اجنبية تشغلها مصالح القاهرة أكثر من أحوالهم وتتفشى الجريمة المنظمة، وعمليات تهريب السلاح والسلع إلى غزة مزدهرة. وتظهر السوابق التاريخية أن الجمع بين هذه العناصر- أي عدم الثقة بالحكومة وذيوع الشبكات الإجرامية والقمع الحكومي- هو تربة غنية للتمرد، وهذه حال سيناء اليوم.

ابتسامة باسم تهز جمهورية الإخوان

باسم يوسف في طريقه إلى النيابة

باسم يوسف في طريقه إلى النيابة

إنها ديكتاتورية تحت التمرين!  فملامح “جمهورية الإخوان” لم تعد خافية على أحد، و”ثورة يناير” ترى النظام الجديد يطل مجدداً برأسه من “مكتب المرشد”، والرئيس محمد مرسي لا يفعل شيئاً سوى تأسيس قواعد “دولة الفقيه”.

لكن «الجمهورية الإخوانية» تدرك أن الزمن ليس معها، وأن «فرصتها» توشك على الضياع، بعدما تكرّس انقسام المجتمع المصري بين موال ومعارض، وبعدما أصاب الارباك رأس الهرم الاخواني عبر التشدد في قرارات ومن ثم التراجع عنها تحت ضغط الشارع.

و«شطارة» الإخوان في المناورة وتطويع القوانين وفق مصلحة المرشد، سرعان ما ترتدّ عليهم.  إن دلائل تفكك الدولة المصرية آخذة في الاتساع. الشواهد كثيرة وكذلك الأسباب، لكن الأبرز يبقى عجز الرئيس محمد مرسي عن إدارة مؤسسات الدولة، ومشاركته من خلال سياساته الخاطئة في إضعاف بعضها الآخر.

لقد امتدت أخيراً ذراع الإخوان القضائية لتطول الإعلامي باسم يوسف صاحب البرنامج الساخر «البرنامج؟». يد النيابة العامّة المصريّة، كانت طالت إعلاميين وناشطين سياسيين عديدين، ممن قالوا «لا لحكم المرشد». وصار أكيداً أنّ «البرنامج؟» الذي يحقق عرضه أعلى نسبة مشاهدة في مصر، يسبب أزمة كبيرة لجماعة «الإخوان المسلمين». والأكيد أنّ التحقيق مع باسم يوسف، أو محاولة التهويل عليه، لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، بعد ردّة الفعل الشعبيّة والإعلاميّة التي خلّفها استدعاؤه إلى مكتب النائب العام، لتنفيذ أمر الضبط والإحضار، بتهمة «إهانة الرئيس وازدراء الأديان والسخرية من الصلاة».

وكعادته في «البرنامج؟» تعاطى يوسف مع استدعائه إلى المحكمة، بسخرية شديدة. ذهب إلى التحقيق مرتدياً قبعة ضخمة، تشبه تلك التي ارتداها الرئيس مرسي أثناء حصوله على الدكتوراه الفخرية في باكستان قبل أيام قليلة.

جاء التحقيق مع باسم يوسف كدليل إضافي على التضييق الممنهج على حرية الرأي والتعبير، من قبل «الإخوان المسلمين». ويرى جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أنَّ محاكمة باسم يوسف استمرار لمسلسل تكميم الأفواه، وإرهاب الإعلاميين: «الأكيد أن المصريين لن يعودوا للوراء، ومستمرون في انتزاع حقوقهم».

وتقول هبة مريف، مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش» في مصر، إن «التحقيق مع يوسف يمثل أخطر إهانة لحرية التعبير منذ تولي جماعة «الإخوان المسلمين» السلطة في مصر هذا العام».

واعتبرت تقارير إخبارية أميركية، أن باسم يوسف يمثل القائد الأعلى للواء التغيير في مصر، واصفة إياه بالبركان الخطير الذي يُهدد  سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على البلاد.

 يأتي ذلك في الوقت الذي أكد فيه تقرير مؤسسة “حرية الفكر والتعبير”، إن صور الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون بمجال الصحافة والإعلام بجميع أنحاء العالم، تتفاوت في انتشارها وأنواعها ومقدار الأضرار الناتجة عنها، بتفاوت مقدار الديمقراطية والشفافية التي تتمتع بها البلدان المختلفة.

وأضاف التقرير الذي جاء بعنوان “حرية الإعلام في الجمهورية الثانية، حبس.. منع.. مصادرة” أن حزمة القوانين والقرارات التعسفية التي تزيد من شرعية الجهات السلطوية في ممارسة انتهاكات بالغة ضد حرية الرأي والتعبير تجد لها دائمًا تبريرات تحت زعم الحفاظ على النظام العام والآداب العامة، وغيرها من المصطلحات المطاطة.

وأضاف التقرير أن تعديل القوانين الحالية، وسن قوانين أخرى لضمان وتعزيز وحماية حرية الرأي والتعبير تستلزم بالضرورة توافر الإرادة السياسية التي تتحمل المسؤولية في حماية حرية التعبير من خلال امتناع الحكومة عن ارتكاب الانتهاكات، وكذلك حماية أصحاب الرأي.

وقال التقرير: إنه منذ تولي الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية، ومن قبله، سيطر حزب الحرية والعدالة على مجريات الأمور، بعدما ظهر أن هناك ميلًا متزايدًا من قبل قيادات حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان إلى الاستخدام السيىء للقوانين، التي تقيد حرية الصحافة والإعلام، بدعوى السب والقذف والتطاول على أعضاء الحزب وغيرها من التهم المطاطة، نتج عنه استدعاء الصحفيين إلى أروقة المحاكم لمعاقبتهم على مهنتهم، إلى جانب أشكال أخرى من الانتهاكات مورست بشكل ممنهج تمثلت في مصادرة وإغلاق الصحف ومنع مقالات تهاجم جماعة الإخوان وغيرها من أشكال الانتهاكات المختلفة.

وأوضح التقرير أن البداية كانت في 30 أيار (مايو) الماضي عندما أقام مرسي دعوى أمام محكمة القضاء الإداري ضد قناة الفراعين. والواقعة الثانية من وقائع الملاحقات القضائية للصحفيين، كانت من قبل الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، في 24 حزيران (يونيو) 2012 حين تقدم ببلاغ للنائب العام ضد كل من رضا إدوار رئيس مجلس إدارة جريدة الدستور، وإسلام عفيفي رئيس تحريرها يتهمهما فيه بنشر أخبار كاذبة، وارتكاب جريمة القذف بحقه.

وجاءت أخطر صور الملاحقات القضائية للصحفيين من قبل المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، الذي كان قد تقدم ببلاغ ضد عادل حمودة رئيس تحرير جريدة الفجر، وخالد حنفي مدير تحرير الجريدة، يتهمهما بالسب والقذف.

بالتزامن مع تعديلات بالسياسة التحريرية للصحف، مما نتج عنه منع مقال من النشر، أو منع بعض الكتاب من الكتابة داخل صحف، وإلغاء صفحات بعينها، وذلك بعد حدوث تغييرات في رؤساء تحرير الصحف القومية، وقدوم محمد حسن البنا رئيسا لتحرير جريدة “الأخبار” وكان أول قرار له هو منع مقال للكاتبة عبلة الرويني، وبعدها منع مقال “لا سمع ولا طاعة” للكاتب يوسف القعيد.

ما بين أحداث الاتحادية إلى محمد محمود إلى أحداث بور سعيد وإضراب ضباط الشرطة والمنازلات القضائية اليومية وحجم العنف المتصاعد، المعلوم والمجهول المصدر، وتردي حال الاقتصاد، وقمع الحريات الاعلامية، يطلّ تساؤل ملحّ من المشهد المصري: من السبب في هذا؟  والجواب يظهر في ما بدأ جزء كبير من المصريين بترداده:  يسقط يسقط حكم المرشد.