سليمان فرنجية رئيساً … بالتسوية

2015-11-30T185141Z_3_LYNXMPEBAT175_RTROPTP_3_LEBANONسليمان فرنجية … من أنت؟

ألست لبنانياً؟

ألست مسيحياً؟

ألست مارونياً؟

ألست أحد أعمدة الثامن من آذار؟

ألست صديقاً فوق العادة للرئيس الأسد؟

ألست أول يد مسيحية بارزة تمتد للتحالف مع “حزب الله”؟

ألم تسبق الجنرال عون، الخصم السابق، إلى هذا التحالف؟

إذا كنت كل هذا، فلماذا يرفضونك رئيساً جامعاً وجامحاً نحو إنقاذ لبنان؟

وهل يكفي لسد منافذ قصر بعبدا وأبوابه في وجهك أن من اختاروك للإنقاذ مسلمون؟

وهل صحيح أن المسيحيين فقط يختارون رئيس الجمهورية وأن المسلمين فقط يختارون رئيس الحكومة؟

هل حصل هذا في تاريخ لبنان من قبل؟

التاريخ ينفي ذلك.

منذ بشارة الخوري أول رؤساء الاستقلال وإلى ميشال سليمان آخر رؤساء الزمن الديمقراطي، ومنذ رياض الصلح أول رؤساء حكومات لبنان المستقل إلى تمام سلام آخر رؤساء حكومات الشلل الدستوري، كان الخيار دائماً مشتركاً.  ودائماً لم يكن رئيس الجمهورية المسيحي يأتي بأصوات مسيحية فقط.  ودائماً لم يكن رئيس الحكومة المسلم يأتي بأصوات مسلمة فقط.  وكذلك كان دائماً أمر اختيار رئيس مجلس النواب.

إذاً أين هو العيب الدستوري في أن يطرح المسلم السني، أي سعد الحريري، والمسلم الدرزي، أي وليد جنبلاط، خصمهما السياسي سليمان فرنجية كمرشح لرئاسة الجمهورية؟

هل العيب في أنهما اختارا أهون الخصوم لا ألدّها؟

لنتذكر أن التسوية كانت البطل الذي يطل على خاتمة الكوارث.

انتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1958 بتسوية فرضت فؤاد شهاب.  وانتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1990 بتسوية الطائف التي فرضت رينيه معوض، ومن ثم الياس الهراوي.  ومن قبلهما فرضت “تسوية” الاجتياح الاسرائيلي بشير الجميل، ومن ثم أمين الجميل.  وخرجنا من كارثة 7 أيار بتسوية الدوحة التي فرضت ميشال سليمان.

ونسأل الرافضين لتسمية سعد الحريري سليمان فرنجية عما إذا كانوا لم يفعلوا ما هو أدهى عندما فرضوا نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، وهو الأضعف سنياً، على سعد الحريري الأقوى سنياً وإسلامياً بما لا يقاس.

إنها فرصة الخروج من كارثة الفراغ والشلل الضاربة بلبنان، ومن الكوارث الأسواء الزاحفة إليه.

لا تجعلوا الطريق إلى بعبدا يتوقف عند مستديرة الصياد لاستدارة إجبارية نحو الفراغ إلى زمن يبدو أنه بلا نهاية.

فكروا بلبنان، قبل أن يكفر به اللبنانيون.

وإذا كانت رئاسة الجمهورية طاولة زهر، فالعبوها “فرنجية” … وإياكم أن تلعبوها “محبوسة” … فتحبسوا بذلك قصر بعبدا والدستور وأنفاس اللبنانيين.

سامر الحسيني

فخامة الجنرال

تظاهرة عون في ساحة الشهداء

تظاهرة عون في ساحة الشهداء

أثبت الجنرال ميشال عون شعبيته حاشداً الحد الأقصى من مؤيديه.

وقبله، في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، حشد الرئيس نبيه بري جمهوره في النبطية.

لا ندري أي الحشدين كان أكثر عدداً.

لكننا ندري أن الرئيس سعد الحريري أيضاً له حشوده الكبيرة.  وأن الحكيم سمير جعجع هو أيضاً وأيضاً من كبار الحاشدين.  وأن زعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط كذلك.  وأن السيد حسن نصرالله قد يكون أكثر من ذلك.

إذاً، الشارع ليس ميزة محتكرة لأحد.  فلكل زعيم شارعه.  وهذا يعني أن اللعب في الشارع، هو “لعبة شوارعية”، إذا كان الغرض من لعبها الاستعراض والاستفزاز ورفع الشعارات التي لا شرعية لها.

ووفق لازمة جنبلاط نسأل عون: ماذا بعد؟

لا بعد ولا بعدين.  فتظاهرة “التباهي” ستنتهي، بل هي انتهت فعلاً، إلى مجرد مادة أرشيفية للتلفزيون البرتقالي يستعملها في برامجه السياسية، في محاولة لتذكير الناس بما لا يهمهم ولا يعنيهم.

يا “فخامة” الجنرال، اللبناني يعرف جيداً أن كل المطالب التي رُفِعت أنت المسؤول عن عدم تنفيذها.

يبدو أن لا بد من تكرار سردها … فالتكرار، كما يقولون، يعلّم الذين يصعب أن يتعلمّوا.

تطالب بالانتخابات النيابية، وقد عارضت التمديد، لكنك في الوقت نفسه ترفض إجراء الانتخابات وفق القانون الساري.  وتقبل الاستمرار في مجلس نيابي تزعم أنه غير شرعي.

إذاً، أي شرعية هذه التي تطالب بها؟  وأي انتخابات هذه التي تصرّ عليها؟  وأي دولة مؤسسات هذه التي تحترمها، إذا كنت لا تلتزم بقوانينها؟

معك يدوخ اللبناني بين ما هو مطلوب وما هو مرفوض.  فمطالبك يا “فخامة” الجنرال تحمل الشيء ونقيضه.

ومن مطالبك التي لا تغيب عن تصريحاتك، انتخاب رئيس للجمهورية.  وكأنك أنت وحلفاءك في صدارة النازلين إلى مجلس النواب لتحقيق النصاب، الذي ابتكره الرئيس بري خلافاً للدستور.  وكأن نواب 14 آذار هم الذين يقاطعون فيعطّلون النصاب ويحرمون بعبدا من رجلها المنتظر.  وكأنهم هم من يقذفون بالرئيس إلى عالم الغيب الإيراني!!

ومن مطالبك أيضاً المرتفعة الصوت إلى حد الصراخ، محاربة الفساد.  وكأن المليار والمئتي مليون دولار التي خصصها صهرك الوزير جبران باسيل، قد حقّقت معجزة الـ 24 على 24.  وكأنها لم تتبخّر في طنجرة طبخ البحص، لتنقل اللبناني من تقنين الثلاث ساعات إلى تقنين 12 على 24؟

أخيراً يا “فخامة” الجنرال … نرجوك أن تساعدنا على أن نفهمك.  ونرجو أن تخبرنا متى تكون مسيحياً فقط، ومتى تكون علمانياً، وكيف تكون مدنياً وجنرالاً في آن.

نرجوك … فلا تخيّب رجاءنا.

سامر الحسيني

فورة لا ثورة

إذا كنت لا تزال من المقتنعين بخطابات “محاربة الفساد” و”الشعب يريد إسقاط النظام”، فلا تتردد في كتابة هذه العبارات بخط عريض، ومن ثم لفّ الورقة التي كتبتها عليها بإحكام، ورميها في أقرب سلة مهملات.

فالطلب اليوم على هذه العبارات الرخوة والخبيثة بلغ ذروته في لبنان، بعدما تم إجهاضها في دول “الربيع العربي”، والانقلاب عليها عبر ثورات مضادة أعادت ترميم هياكل الحكم القديم (كما في مصر وتونس)، أو هدمتها على رؤوس الشعوب (كما في اليمن وليبيا والعراق وسوريا).

لا شك في أن الحراك الشعبي في لبنان المتمرّد على الاصطفافات الآذارية، هو حراك مراهق لم يبلغ بعد سن الرشد.  وبالتالي لا يمكن تقييمه أو الحكم عليه في معركته “الافتراضية” في ساحات وسائل التواصل الاجتماعي، أو في ساحاته المحاصرة من أمراء الطوائف والسلطة.

لكن من حسنات هذا الحراك أنه بدأ يحرك غالبية المنتمين إلى “حزب الكنبة” (الوصف المصري للأكثرية الصامتة)، من دون أن يدفعها بالضرورة إلى الوقوف والنزول إلى الشارع.  فميزان القوى لا يزال يميل إلى الحشود الحزبية والطائفية التي بدأت التكشير عن أنيابها، لحماية نفسها ومواقعها من فورة شعبية، يستحيل أن تتحول إلى ثورة في بلد كلبنان.

سامر الحسيني

متظاهرون يواجهون خراطيم المياه في رياض الصلح

متظاهرون يواجهون خراطيم المياه في رياض الصلح

“نأي بالنفس” … عن واقع لبنان

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

فقدت الجغرافيا دورها، ولم تعد الحدود تفصل بين الدول العربية، بعد أن نجحت العواصف المسلحة في التنقل بحرية من دولة إلى أخرى.

وسط هذا الاشتعال الجماعي، يخدع لبنان الرسمي نفسه بتمسكه بسياسة “النأي بالنفس”، في حين أنه غارق في مستنقع الحرب السورية التي امتد حريقها إلى أطراف جروده البقاعية، بشراكة الدم التي يتباهى بها “حزب الله” مع النظام السوري.

وها هو لبنان البعيد عن اليمن، يقترب من صنعاء وإن طال السفر.  ففي سابقة لم تسجّل على السيد حسن نصرالله، خصّ أحداث اليمن بإطلالة تلفزيونية مفاجئة، هاجم فيها دول الخليج، مركّزاً على السعودية.

وهكذا فجأة أضيف إلى الانقسامات اللبنانية إنقسام جديد، يثبت أن نأي الحكومة بنفسها، هو بالفعل نأي عن الواقع اللبناني، المتورط بكل أفرقائه في أحداث قريبة وبعيدة، يفترض نظرياً أن لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.  ولكن في واقع الأمر أن للبنان أكثر من ناقة وجمل في قوافل الجمال والنوق المحمّلة بالتطرف والدمار والقتل سواء في سوريا أو في اليمن أو في العراق.  ولا ندري متى يكون لليبيا نصيب في الانقسامات اللبنانية؟

وسياسة “النأي بالنفس” فرضت على حكومتنا أن تكون مع الشيء وضده.  فالرئيس تمام سلام أيّد في قمة شرم الشيخ الأخيرة قرارات القمة الداعمة لـ”عاصفة الحزم” في اليمن، وفي الخطاب نفسه رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

لا يمكن اعتبار الموقف الرسمي اللبناني الـ”مع” والـ”ضد” في آن، موقفاً متناقضاً، لأنه في الحقيقة موقف ينسجم مع سياسة الضرورة اللبنانية، التي تقتضي إزدواجية المواقف إرضاء لهذا الفريق وذاك الفريق.  وإلا فإن الانفجار الحكومي واقع لا محالة، مما يهدد بتحويل البلاد إلى ورقة تتطاير في مهب الفراغ الشامل.

لهذا يستحق الرئيس سلام الشكر على كلمته في القمة، التي تفادى بازدواجية مواقفها، نقل الصراع اليمني إلى السرايا.

وكما لا يمكن إخفاء الشمس بالغربال، لا يمكن إخفاء تورط لبنان في حروب المنطقة الآخذة بالتحول إلى حروب سنية – شيعية، بعد أن غيّب الفكر القومي، وبعد أن أصبح الصراع بين ابن تيمية والجعفر الصادق … حتى لو أنكرنا ذلك.

وإذا كانت الأحداث السورية قد تمكّنت إلى حد ما من تغطية الصراع المذهبي بعروبة النظام وشعار مقاومة إسرائيل، فإن اليمن كشف بشكل صريح عن أن الصراع فارسي – عربي … سني – شيعي.  وبذلك نستطيع القول: رحم الله العروبة التي جمعتنا ذات زمن.

سامر الحسيني

دستور الأعراف السيئة

دستور الفراغ يحكم لبنان

دستور الفراغ يحكم لبنان

يتحوّل السلوك إلى عرف، إذا مورس لفترة طويلة.

ولما كنا في لبنان نخالف الدستور يومياً؛ ونكرّس الفراغ ليشمل السلطات الثلاث؛ ونقبل بغلبة النفوذ على القانون؛ ونلغي بند إلغاء الطائفية السياسية بالعمل على تعميمها وتعميقها.

لما كنا نفعل كل هذا، يحق لنا أن نسأل عن شكل النظام الذي يحكم لبنان.

للوهلة الأولى، نبدو كبريطانيا التي استبدلت الدستور المكتوب بالدستور العرفي.

لكن العرف في بريطانيا يقوم على القيم المتوارثة والمحفوظة في وجدان الشعب الانكليزي.  وهو موروث رأى فيه البريطانيون منظّماً لحياتهم وحامياً لمصالحهم وحكماً عادلاً بين الناس.

إذاً، نحن نحاكي بريطانيا بالاحتكام إلى العرف، إلا أننا نخالفها في شكل العرف وأغراضه ونتائجه.

أعرافنا المستحدثة ألغت الدستور عملياً، واتجهت إلى مذهبة الحكم.  وجعلت نفوذ القيادات المذهبية مصدر التشريع والسلطات.  وهكذا بدأنا ننحو نحو حكم الفوضى والفراغ والتعطيل.

إننا اليوم نعيش في نظام مبتكر وخاص.  ونعتقد جازمين أن لا أحد في هذا العالم الكبير يقبل أن يقتدي بنا.

أعرافنا المستحدثة، التي ترسّخ قواعد حكمها الآن، هي عدو للمؤسسات التي تحفظ الدول وتعدل بين الناس، حتى ولو انحرف مسؤولوها وفسدت ضمائرهم.

والمأساة لا تكمن في تجاهل الدستور فقط، بل في إلغاء الجيد من أعراف سادت، قبل أن تطيحها أعراف الغرائز والمذاهب التي تجتاح الدولة من رأسها إلى أسفل أسفلها.

أعرافنا الجديدة منعتنا من انتخاب فخامة الرئيس، وبلتنا بـ 24 صاحب فخامة، أي بمعدّل رئيس لكل ساعة في اليوم.

أعرافنا عطّلت مجلسي النواب والوزراء، وسلخت صلاحيتهما لصالح “سباعية” لبنان المتمثلة في نبيه بري وحسن نصرالله وسعد الحريري ووليد جنبلاط وميشال عون وسمير جعجع.  وهي “سباعية” منقسمة، بين من يحاول إعادة الدولة إلى الدولة، وبين من يدفع بالدولة إلى صراعات أكبر من قدرات لبنان وأبعد من مصالحه.

هذا يعني أننا أمام معضلة أقرب إلى الكارثة الوطنية.  فعندما تفقد “السباعية”، التي فرضها العرف، القدرة على الإنقاذ، وعندما يصبح توافق الحد الأدنى غاية الحوار ومنتهى الأمنيات، يبقى سقف الخطر الأوفر حظاً في الانفجار، حيث لا ينفع في منعه نزع صورة هنا أو رفع لافتة هناك.

التوافق الهش الذي يعيش اللبنانيون على أمله، مهدد بالانهيار، إذا ما امتدت يد “خرسان” أو “داعش” وارتكبت ما حذرت منه معلومات الأجهزة الأمنية.

فهل يتخلى الله عن حمايتنا من حماقاتنا، في ظل اصرارنا على ارتكاب الحماقات؟  وإلى متى يبقى الحظ صامداً إلى جانبنا، لانتشالنا من الواقع المحدق بنا؟

سامر الحسيني

أي إستقلال؟

الاستقلال؟!

متى كان؟

يقولون أنه تم في الـثاني والعشرين من تشرين الثاني في العام 1943.

لو صدقوا، عليهم أن يكذّبوا ما تلى ذلك التاريخ المجيد من إثباتات النفي.

هل خرجت فعلاً فرنسا من لبنان كدولة مستعمرة … أم استقرّت فيه كـ”أم حنون”؟

هل دفعت أميركا بقواتها البحرية (المارينز) إلى العاصمة بيروت في العام 1958، لتأكيد استقلال لبنان … أم لنصرة عملائها في السلطة؟

هل كان دفع مصر عبدالناصر بالجنرال فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية بدافع ترسيخ الاستقلال والقرار الحر … أم كان تدخّلاً ينتقص من الاثنين؟

هل كانت هيمنة الفلسطينيين، من أواخر الستينيات إلى بداية الثمانينيات، عاملاً داعماً للاستقلال؟

هل كانت حاجة لبنان إلى قوات الردع العربية، فالسورية، لتأمين أمنه … أم انها كانت حاجة لتثبيت الاستقلال أقدامه في الرمال اللبنانية المتحركة؟

اليوم، ومنذ أعوام كثيرة، واللبناني يبحث عن استقلاله، فيجد أن نصف لبنان يخضع لتوصيات السعودية، ونصفه الآخر لقرارات إيران.

إذاً، بأي استقلال نحتفل، وأي لبناني يحق له الاحتفال؟

هل هناك لبناني مستقل ليحتفل بالاستقلال الافتراضي؟

الجنسية وحدها لا تعطي مثل هذا الحق، في حين أن الولاء وحده يجعل الاستقلال حقيقة.  وفي غياب الولاء، تتدفّق الفضائح الوطنية.  حيث الجنسية في مكان والولاء لمكان آخر.  فكما “العيش المشترك” بين اللبنانيين، هناك “الولاء المشترك” بين اللبنانيين ودول موزّعة بين عربية وأجنبية.

لا شك في أن ثمة استثنائيين.

هؤلاء ينحازون إلى لبنانيتهم هويّةً وانتماءً وولاءً.

لكنهم، وبسبب قلّتهم، ما بيدهم حيلة، فالعين بصيرة واليد قصيرة، على اعتبار أن نفوذ الولاء الخارجي أعمّ وأقوى.

لذلك، فإن الاستقلال لا يزال مفقوداً وبعيد المنال.  وما نحتفل به ليس إلا عيداً مزوّراً ينضم إلى مزوّرات كثيرة، يتعامل معها اللبنانيون على أنها حقائق.

مثلاً، لا يملّ اللبنانيون من الإدعاء أن “لبنان جنة الله على الأرض”، وبذلك نقدّم نموذجاً سيئاً عن الجنة، تماماً كما نقدم نموذجاً سيئاً عن الاستقلال أو الديمقراطية أو السياحة أو الدين أو حب الوطن.

لبنان إذاً، ليس نموذجاً يحتذى به، وذلك لأننا فعلاً “إحتذيناه” ومشى كل منا في طريق!.

سامر الحسيني

الجنّة تحت أقدام الإرهاب

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

تشييع أحد الجنود الذين استشهدوا في جرود عرسال

في هذا الزمن العربي الموتور والمجنون، أصبح أحب “الحلال” هو الحرام.  فمشايخ البِدَعْ الإسلامية حلّلوا للمسلم على المسلم دمه وعرضه وماله.

هكذا أصبح مفتاح الجنّة أن يقتل، أو يذبح، مسلم مسلماً.  أو أن يهتك عرضه، أو ينهب ماله.

ونجح مشايخ البدع في إقناع “ثوار الربيع العربي” أن الجنّة حكر على المجرمين.  وأنهم كلّما ازدادوا إجراماً، كلّما ازدادت قصورهم في الآخرة.  وأنهم كلّما أمعنوا في هتك أعراض المسلمين، كلّما ازدادت الحوريات في قصورهم التي شيدها الله لهم في الجنّة.

عندما قال الله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، كان يقصد أيام الرسول الكريم.  وربما كانت هذه الآية هي الاستثناء الوحيد من القاعدة الفقهية التي تقول أن كلام الله يصلح لكل زمان ومكان.  إذ كيف نكون خير أمة في زمن يسفك فيه المسلم دماء المسلمين؟  وكيف نكون خير أمة في مكان كسوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان ومصر … ورؤوس المسلمين برسم الذبح، ونساؤهم برسم السبي، وأموالهم برسم السرقة؟

كان لا بد من هذه المقدمة، وقد بدأت تلسعنا في لبنان نيران الإرهاب المشتعلة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.

صحيح أننا لا نستطيع أن نؤكد بأن حريق الإرهاب وصل فعلاً إلى لبنان.  والصحيح أيضاً أننا لا نستطيع أن ننفي علاماته التي بدأت تجتاحنا شمالاً وغرباً، والتي وصلت غيوم دخانها الأسود إلى الساحل والجبل.

ماذا نفعل، ونحن ما بين انتظار الخطر وما بين وقوعه؟

لا شيء.

نتلهى بهيبة الدولة … والدولة بكاملها في مهب البهدلة.

نتلهى بالتمديد للمجلس النيابي … ولا نفعل شيئاً للحد من تمدّد “داعش” و”النصرة”.

نتلهى بتبادل اتهامات الفراغ الرئاسي … ونترك البلاد في فراغ بدأ يملأه الإرهاب والتطرف.

نتلهى بنبذ الفتنة والمذهبية والطائفية … ونترك للفتنة والمذهبية والطائفية أن تنبذ وتستخفّ باستقرارنا وسلمنا الأهلي.

نتلهى وكأن لبنان مدينة ملاهي … ولا نكترث بالخطر الآتي حتماً وحكماً.

والمضحك في زمن الكوارث الزاحفة إلينا كالأفاعي، أن كل فريق يعلن عن مد يده إلى الآخر من أجل تحقيق وحدة وطنية قادرة على مواجهة الإرهاب، الذي أصبح أقرب إلى رقابنا من حبل الوريد.

والمضحك، في زمن شرّ البلية ما يضحك، أن الأيادي الممدودة لم تلتق ولن تلتقي.

الاتفاق الوحيد الذي يبدو أنه سيجمع بين الفرقاء المتخاصمين هو فتح جلسات مجلس النواب لـ”تشريعات الضرورة”.  أي أنه سيكون بإمكان نوابنا “سن” القوانين، في وقت يسنّ فيه الإرهاب أسنانه وأنيابه ليمزّقنا، وأضراسه ليطحننا.  وما على الشعب اللبناني المستكين سوى النزول إلى الشوارع والاحتجاج بحرق الدواليب استباقاً لاحتراق الوطن.

سامر الحسيني