ملك التعطيل

walidقبل جبران باسيل، كان التعطيل يطال، بحياء، قانوناً ما. كقانون الكسارات والمقالع. أو قانون السير والتغاضي عن مخالفات ربط أحزمة الأمان. أو قانون منع التدخين في المطاعم والمقاهي. أو …

لكن به، وبعده، أصبح التعطيل يطال الدولة بمؤسساتها وأساساتها.

من أجل هلوسته بالسلطة، تمّ تعطيل تشكيل كل الحكومات تلبية لتطلعاته، تحت شرط الخضوع لتوزيره. ومن بعد إستجابة لاشتهائه وزارة دون أخرى.

في البدء، انفتحت الشهية على وزارة الإتصالات. ولأسباب لا يعرفها إلا الراسخون في طلب النفوذ، انتقلت الشهوة إلى حقيبة الطاقة. وعندما وجد خليفة لا يخالفه، أورث الوزارة لسيزار أبي خليل، ومن بعده لمستشارته، ندى البستاني، التي تستشيره في كل شيء، والتي لم يستشرها يوماً في أي شيء.

وهكذا تفرغ باسيل لوزارة الخارجية، تمهيداً لشق طريق دولية تصل به إلى قصر بعبدا.

ولأنه يعوّل كثيراً على العائلة، تحمّس لخطة حزب الله في تعطيل الدولة، بافتعال الفراغ الدستوري لمدة تجاوزت السنتين، وكان المقدر لها سنوات مفتوحة، لولا أن الحكمة الوطنية دفعت بسعد الحريري إلى التجرؤ على لعنة التعطيل، بإعلان تسوية، أتت بالجنرال عون، عم باسيل، رئيساً للجمهورية.

ومن أجل إخراج الصهر من عقدة الرسوب المتكرر في إمتحان الإنتخابات النيابية، جرى تعطيل السلطة التشريعية، إلى أن تمّ تشويه الديمقراطية، بإصدار قانون للانتخابات، أساء لسمعة النسبية، ولعن أباها. لكنه جاء على قياس باسيل، وكان للصوت “التفضيلي” الفضل في فوزه وفوز حزبه وأحزاب حلفائه. وبعد أن أكدت له، التجارب السابق ذكرها، أن التعطيل هو الوسيلة الأقدر على تحقيق الغايات، تمسك به وأدمنه، على اعتبار أن الغايات السيئة، لا تنضج ثمارها، إلا بالأفعال الأسوأ منها.

وهذا ما كان، عندما حان وقت إنجاز الموازنة، لإنقاذ البلد من إنهيار إقتصادي، لا يخفى على شاطر كجبران باسيل.

ظن “ملك التعطيل” أنه سيكون “ملك الشعبوية” أيضاً، بتأخيره إقرار الموزانة.

وهكذا، فكلما التأم جرح في مناقشة الموازنة، فتح باسيل مزاد الجراح. تارة تحت شعار الإصلاح. وتارة تحت شعار الدفاع عن الفقراء ومتوسطي الدخل.

أما وأن “الموازنة” تحمل اليوم أثقالها متجهة إلى قصر بعبدا، فمن منطلقات وطنية، لا بد من مناشدة باسيل وفريقه الوزاري بالقول: “هدوها ولا تهدوها”.

ولا بد كذلك من لفت الإنتباه إلى أن انقطاع الكهرباء في لبنان، لا يعني أن اللبنانيين لا يرون ما يدور وما يدبّر لهم.

نتمنى أن لا يبالغ باسيل في تسويق الوهم، عبر إصلاحات مبهمة يتوهم أنها ستنشل البلد.

عليه أن يدرك أنه بتأخير إقرار الموازنة، يكون قد ابتكر مذهباً إقتصادياً رابعاً، خارج المذاهب الإقتصادية الثلاثة، التي يعرفها العالم.

فلا هو، بسلوكه التعطيلي، رسخ النظام الرأسمالي الحر. ولا ذهب بالبلاد إلى النظام الإشتراكي، ولا بشر بالنظام المختلط.

إذا لم يتخل عن عروش الملكية في التعطيل والشعبوية، وإذا لم يعد إلى وعيه الوطني… فهو بذلك يقدم للعالم نظاماً إقتصادياً رابعاً… هو نظام الفوضى.

وليد الحسيني

Advertisements

إضرابات “اللهم نفسي”

walidلو لم يعمّ المرض، لما كان لبنان بحاجة إلى كل هذه الوصفات الطبية.

ولو لم يصب الإقتصاد بالهزال، ويتسخ البلد بالهدر، ولو لم تفح رائحة الإنهيار، لما لجأت الحكومة، مجبرة، إلى تعميم التقشف، الذي يفترض أن لا يميّز بين “بنت ست وبنت جارية”.

لكن للأسف فإن جميع القطاعات والطبقات، من عمال وأرباب عمل وموظفين، وصولاً إلى المؤسسات العسكرية والمدنية، وصعوداً إلى الوزارات… يعتبر نفسه من سلالة الست… وكأن الجارية مقطوعة من شجرة.

وبالإعتراف الصريح والمعلن، تعترف “الكافة” وتعلن: أن خزينة الدولة تعاني من فقر خطير في الدم.

و”كافتهم” يدعون بإلحاح إلى التبرع بالدماء. وفي الوقت نفسه، وبإلحاح أشد، يستثني كل فريق نفسه من هذا الواجب المتعب، لأنه لا يتحمل شك الإبرة في الوريد. مما جعل مهمة سيارات الإسعاف تقتصر على إطلاق زمامير الخطر، لأن وحدات الدم لم تصل إليها لتقوم بنقلها إلى مستشفى الإنقاذ في وزارة المالية… حيث يرقد لبنان معانياً سكرة الموت.

وإذا كان انتشار إضرابات “اللهم نفسي” قد عطل التوافق المسبق على بنود في الموازنة، بسبب عدم شعبيتها، فإن إعادة فتح أبواب النقاش في كل أبواب الموازنة، يجعل الشك مبرراً في الجهة السياسية، التي تنادي بالإنقاذ قولاً، وتعاديه إستمهالاً، بتقديم أوراق تساهم في تمديد الوقت الضائع.

إذا لم نسارع إلى إقرار الموازنة الجراحية، فإن النزيف المالي لجراحنا الإقتصادية، سيكون الأسرع في الوصول إلى مصير مجهول العواقب.

في الحقيقة لا يمكن لقارئ الأحداث أن يكتشف الأسباب الخفية للتأخير المتعمد في “ساعة سيدر”.

ترى، هل يستهدف هذا التأخير حكومة سعد الحريري؟… خصوصاً وأن صاحب المعالي جبران باسيل قد أعلن، من الكورة، أنه لن يبقى في حكومة لا تأخذ بـ “أوراقه الإصلاحية”. فيكون بذلك آمراً قامعاً فيطاع… تلبية لكونه مأموراً تابعاً فيطيع.

أم تراه يستهدف وضع لبنان في مأزق إقتصادي، يشبه مآزق سوريا وإيران، مما يسهل تقديم الخدمات الملتفة على العقوبات الأميركية؟.

إذا كانت هذه هي الأسباب، فهي أسباب يستحيل إعلانها. ويستدعي تحقيقها تمويهاً إصلاحياً يحرف الإنتباه… ويجرف الحقائق.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة ألسنة تتذرع بالإصلاح… وأن ثمة أذرعاً تعبث به؟.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة شعارات تطلق لاستهلاك الإستقرار، وأن ثمة ممارسات تنفذ لإنتاج الفوضى؟.

يبدو أن عنترة هذا الزمان قد استبدل سيفه في مواجهة الأعداء، بخنجر يطعن به ظهر “الحلفاء”.

هنا تكبر مسؤولية اللبناني، الذي بات يتحتم عليه أن يقتنع، بأن كَرَمَ الدولة لم يعد كرْماً على درب. ففاكهته اليوم محرمة، وببساطة، لأنها غير موجودة… وعلى العسكري أن يعترف بأنه عندما دخل إلى الجيش، لم يكن هدفه التدبير رقم 3. لقد دخل وهو يعلم جيداً أن دوره على الحدود. وأن التدبير الذي يعطيه ثلاثة أضعاف حقه، هو تدبير أخذ في زمن البحبوحة وعطاءات الشهيد رفيق الحريري… ولم يحظ بمثله جيش من جيوش المنطقة، وإلا لشارفت مصر على الإفلاس قبل العبور. ومثلها سوريا قبل حرب تشرين. ولكانت ميزانية العدو الإسرائيلي أقرب إلى ميزانية الصومال بسبب حروبها واعتداءاتها التي لا تتوقف.

أيها اللبناني… أينما كنت… كن لبنانياً وتحمل شك الإبرة وأنت تتبرع ببعض الدم… وهذا الكلام لمن “عنده دم”.

وليد الحسيني