ديمقراطية اللا ديمقراطية

walidتستطيع الديمقراطية أن تغفر لستالين كل ما فعله. لكنها لن تغفر للبنان الإستهزاء بها، بإصدار قانون النسبية المحْقون بميكروبات الصوت التفضيلي.

ستالين وضع الديمقراطية في زنزانة حديدية عندما شك في ولائها. ونفاها إلى سيبيريا عندما عكّرت مزاجه.

لكننا في لبنان حوّلناها إلى شعار وأشعار، لم نمارسها فعلاً وبالغنا في تبنيها قولاً … واعتبرناها إرثاً ورثناه من أجدادنا القدامى. خصوصاً وأن الراحل سعيد عقل يؤكد أصلها الفينيقي.

بياناتنا الرسمية، تصريحاتنا السياسية، برامجنا الحزبية … كلها معجونة بمفرداتها الرائعة!

حتى حروبنا الأهلية، والأحداث التي تشبهها، تزعم أنها اشتعلت لتعميد الديمقراطية بالدم. وأنها ما شُنّت إلا لغسلها من تراكم الأوساخ وأخذها إلى الاستحمام بالنار تطهيراً لها.

وعندما يجدّ الجد، يكتشف اللبنانيون أن الديمقراطية عبارة عن قناع يرتديه السياسيون في كرنفالاتهم السياسية. وأن قانون النسبية، الذي يتباهون به، ليس أكثر من تهريج تشريعي.

لم يشفق أحد على “شيبتها الإغريقية”، حيث يقال أن أثينا شهدت ولادتها الأولى. أي بالتأكيد قبل أن يسجّل لبنان براءة اختراعه الحديث “ديمقراطية اللا ديمقراطية”.

ولانها كذلك، لا يمكن التشكيك في نزاهتها.

التشكيك يفترض وجود الديمقراطية. فمن دونها نشكك في ماذا؟

كيف تكون هناك ديمقراطية، إذا كان المشرّع منع اللبناني من الترشح منفرداً، فارضاً عليه التبعية كمدخل وحيد إلى إلزامية اللوائح؟

وكيف تكون، إذا كان الناخب ممنوعاً من التشطيب، حتى لألدّ أعدائه؟

وكيف تكون، إذا كانت اللوائح تشكل بتحالفات بعيدة عن الأخلاق والمبادئ، لمنع الخصوم من فوز ما بمقعد ما؟

كل هذه التساؤلات تشبه البكاء على الميت. فمساء السادس من أيار المقبل، أي في يوم عيد الشهداء، يحلّ الموعد الرسمي لدفن الديمقراطية. وهكذا يكون لبنان قد انتقل من الديمقراطية البرلمانية إلى ديمقراطية “أليس في بلاد العجائب”.

في اليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات، ستبدأ أليس برواية حكاياتها عن “عجائب البلاد اللبنانية”.

تحالفات اللائحة ستتحوّل فوراً إلى لائحة اتهام بالخيانة.

هدنة الرئاسات، التي التزم بها الجميع بعد انتخاب الرئيس عون، ستسقط مع ارتفاع شهوة الثأر السياسي. فلا رئاسة المجلس ستنجو من الكباش بين “أمل” و”التيار الحر”، ولا رئاسة الحكومة ستنجو من تربّص “حزب الله” بالرئيس الحريري.

ومن حكايا أليس في بلادنا العجائبية أيضاً، حكاية “الاستراتيجية الدفاعية”، التي تعهد الرئيس عون فتح ملفها بعد الانتخابات. وهنا يكمن الكمين الأكبر والأخطر.

طبعاً لن يقبل “حزب الله” بأحادية الجيش. ولن يقبل المعترضون بثلاثية “الشعب والجيش والمقاومة”.

إن فتح هذا الملف المزنّر بالخلافات، لن يفتح سوى أبواب جهنم. خصوصاً وأن أمره يتجاوز إرادة متحاوري الداخل، إلى إرادة محاور الخارج.

وإذا كان وعد عون قد ساهم في نجاح مؤتمر روما، وقد يساهم في نجاح مؤتمر باريس، فإن فشله المحتوم سيؤدي حتماً إلى تطيير نتائج مؤتمرات الإنقاذ والدعم.

والأسوأ من كل هذه المساوئ، أن فتح دمل “الاستراتيجية الدفاعية” يكشف أن “حزب الله” حريص على النأي بنفسه عن النأي بالنفس.

وتقول أليس أن سلسلة العجائب لن تتوقف، وأن ثمة مفاجآت وفاجعات عجائبية أخرى تنتظر لبنان.

وليد الحسيني

Advertisements

شعرة معاوية هي الحل

walidمع كل أزمة يسأل اللبناني: ماذا يفعل لو كان معنا؟

لكنه لن يكون. المخلّص قد مات، فرفيق الحريري لن يعود. إلا أن الحرب على مشروعه ما زالت مستمرة. وها هو سعد الحريري يواجه العواصف، التي تحاول قطع طريق الإعتدال.

إن العقل المضاد للتعقل، يعتبر المعركة أسهل في مواجهة الحريري الإبن، مما كانت عليه بحضور الحريري الأب.

أيام الأب لم يكن “حزب الله” قد مد يده المسلحة إلى اليمن، جار السعودية وخاصرتها الرخوة. لهذا لم يكن الحوار، بين مؤسس “المستقبل” و”الحزب”، يشكل مأخذاً سعودياً يصل إلى حد الغضب.

اليوم “الحزب” وإيران هناك. وهناك استغل بعض اللبنانيين، ثغرة الحرص على الاستقرار اللبناني للوقيعة بين بيروت الزرقاء والرياض التي لا يمكن أن تتساهل في أمنها الإقليمي.

في المقابل، ما كان بمقدور سعد الحريري، المسؤول والمؤتمن، أن يخاطر بالبلد ويخوض معركة مع حزب الله، قد تتحول من معركة سياسية الى معركة دموية خاسرة.

وتعميقاً للوقيعة، يتم اليوم ضخ كمية من غزل النصر الإلهي بالحريري، في رسالة إلى السعودية واضحة الأغراض. وكل ذلك بهدف تعزيز القلق السعودي من اعتدال زعيم “المستقبل”.

إلا أن للأمور نفسها حسابات أخرى. فاستقرار لبنان يشكل فرصة للمنازلة السياسية. وستكون الانتخابات النيابية المقبلة محطة رئيسية، قد تؤدي الى خلل في محور الممانعة، وبالذات بين قطبي التيار والحزب.

لقد كان الحريري صريحاً وصارماً باعلانه الانفصال الانتخابي عن حزب الله. ومع هذا الموقف، يصبح من الصعب على العونيين اللعب على حبلين متباعدين. مما يعني التخلي نسبياً عن الإزدواجية السياسية. حتى لو نجحوا في تشكيل لوائح مختلطة في بعض الدوائر، التي لا يملك “المستقبل” نفوذاً فيها.

غير أن مازق التيار البرتقالي سيكون كبيراً في الدوائر التي يحتدم فيها الصراع بين الإعتدال والممانعة. وهنا لن يغفر حزب الله لحليف كنيسة مار مخايل خسارته لمقاعد نيابية، كانت ستوفر له الأكثرية التي تقصم ظهر “المستقبل” وتقصي الحريري عن السرايا.

يبدو أن الرايات “البرتقالية” ترتفع انتخابياً باتجاه “السماء الزرقاء”. وهذا يشير إلى أن هزة الانتخبات، بين حليفي الممانعة، ستكون على درجة من القوة، سينتج عنها هزات ارتدادية، ربما تتسبب بشقوق تبعد المسافات بين الأرضيتين.

وعلى هذا، فإذا لم تع السعودية جدوى اعتدال الحريري قبل الانتخبات، فإنها ستعيها بعدها. فما يمكن أن يربحه تيار المستقبل في السياسة، من المؤكد أنه كان سيخسره في الحرب.

مرة أخرى، يثبت أن “شعرة معاوية” هي الحل.

وليد الحسيني

محدلة الأكثري في زمن النسبي

samer husseini

سامر الحسيني

لم تعد المعركة الانتخابية المقبلة مقتصرة على 128 مقعداً نيابياً. فلكل فريق حساباته وتحالفاته التي تتجاوز الخلافات التقليدية والمصالح الاقليمية، بحثاً عن أوزان استراتيجية تحكم لبنان في المرحلة المقبلة.

لا أحد يشكك في أن لـ”حزب الله” الوزن الراجح في ميزان السلطة المتجددة بعد تمديدين. فلعبة المقاعد وتوزيعها تبقى رهينة “ثنائيته” مع”حركة أمل”؛ و”ربط نزاعه” مع “تيار المستقبل”؛ و”وثيقة تفاهمه” مع “التيار الوطني الحر” التي تحصّن الجنرال ميشال عون و”ولي عهده” جبران باسيل في قصر بعبدا.

إنها تفاهمات وتحالفات الضرورة، التي تحقق المكاسب وتحافظ على المكتسبات.

فبينما ينشغل اللبنانيون في فك ألغاز القانون النسبي واحتساب الحاصل الانتخابي والأصوات التفضيلية في كل دائرة، نرى اللاعبين الخمسة الكبار يدوّرون الزوايا ويردمون “خنادقهم الآذارية”، بحثاً عن انتصارات تعوّض خسائرهم العسكرية والمالية والسياسية.

فـ”حزب الله” المنهك من حروبه الاقليمية يريد عودة هادئة لفائض قوته لا تصطدم أو تستفز شركائه في الوطن.

و”تيار المستقبل” المتألم من طعنات حلفاء الداخل والخارج، يضمد جراحه بمزيد من الاعتدال والنأي بالنفس.

و”حركة أمل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”التيار الوطني الحر” يدركون جيداً أن وحدها التفاهمات الداخلية تجنب لبنان دفع ثمن التسويات الاقليمية الكبرى في المنطقة.

وإذا كان القانون النسبي يفرض على الناخب اللبناني الاقتراع للوائح مغلقة، فإن النتيجة السياسية للانتخابات تحددها التفاهمات والتحالفات المفتوحة على أكثر من اتجاه.

في انتخابات 2018 تتداخل الخرائط الاقليمية بالخرائط المحلية. فما حصده “حزب الله” في صناديق الذخيرة في سوريا والعراق، يحاول أن يستثمره في صناديق الاقتراع في لبنان، لفرض معادلاته “الذهبية” من جديد.

وإذا كانت صفارات قطار التسوية الإقليمية بدأت تُسمع في موسكو وواشنطن، فإن  انتظار وصوله إلى محطته اللبنانية يستوجب بقاء الغالبية الحاكمة في مقاعدها الرئاسية والنيابية.

من هنا فإن تركيبة الحكم الخماسية، وإن لم تتحالف في قوائم مشتركة، إلا أن تفاهماتها لمرحلة ما بعد الانتخابات، تحيي “محدلة الأكثري” في زمن القانون النسبي.

سامر الحسيني

كما النار … الخلافات تحت الرماد

walidالإستقرار في لبنان حالة عرضية. يعبر فوق رؤوسنا كغيمة صيف، سرعان ما تتبدد. ويستحضره السياسيون، تماماً كما يستحضر المشعوذون الأرواح من عالم الموت.

لا يكاد يظهر حتى يختفي. هو مجبر على تجرّع سموم خلافات المصالح وصراعات المذاهب. وكلما تجاوز خلافاً وتلافى صراعاً، عاجلته القيادات بما هو أشد فتكاً بالعيش المشترك، وأسرع تفكيكاً للوحدة الوطنية.

ترى، هل بمقدور وطن له أقدام عدة، وكل قدم ينطلق في اتجاه، أن يتابع طريقه من دون أن يتمزق؟

إن ما جرى بين بعبدا وعين التينة كاد أن يؤدي إلى الانفجار الكبير.

يبدو أننا تعودنا تجديد سياراتنا وبدلنا وأحذيتنا … وحروبنا الأهلية.

هذه الحروب التي إذا لم تتسبب بقتل بعضنا بعضاً، فعلى الأقل تتسبب بقتل الأمل في قيام وطن واحد، بدل مجموعة أوطان متقاتلة، كانت قبل هذا الزمن، مجموعة مذاهب متعايشة.

لقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية، هدير “بوسطة عين الرمانة”.

ثمة من يزعم أنه رآها في الحدث وميرنا الشالوحي. وثمة من قال أنها كانت تتنقل بين قرى البترون بحثاً عن “بلطجية”.

من الطبيعي أن يختلف اللبنانيون على مكانها وعلى من يقودها. ولولا ليبرمان (وزير الدفاع الإسرائيلي) لكانت “بوسطة عين الرمانة” مستمرة في مطاردة الاستقرار اللبناني.

رغم أننا ضد التطبيع، فلا بد أن نشكر العدو على مساهمته في إصلاح ذات البين ما بين بعبدا وعين التينة.

لا شك في أن الخطر الآتي، أخطر من أقدمية الضباط وتوقيع وزير المال. ونتائجه أشد إيلاماً من لسان جبران باسيل … وبذاءات بعض يافطات قلة الأدب … و”موتوسيكلات” الإستفزاز.

على أي حال، نجحت مكالمة عون – بري في رفع نفايات الخلاف من الشارع المحقون بالغضب. إلا أن أدب المجاملة، لا يعني أن جسور الود قد امتدت بين بعبدا وعين التينة.

صحيح أن الرئيسين قد تجرّعا المهدئات الوطنية، إلا أن العقد لم تجد بعد من يحلها. وإذا كان سعد الحريري هو أول من أوصل الحرارة إلى هاتفي عون وبري، فإن المهمة الأصعب هي في إزالة آثار عدوان باسيل وردات الفعل التي ردّتنا إلى أرذل الأخلاق.

هي مهمة أقصى ما يمكن أن تحققه، الوصول إلى “ربط النزاع” بين “التيار الحر” و”حركة أمل”. فمن المؤكد أن ما مضى لم يمضِ. وكما النار، فإن الخلافات لاتزال تحت الرماد.

وليد الحسيني

كفى… لن يكفْ

walidيحتكم سعد الحريري إلى ميزان “تطبش” فيه كفة “لبنان” على كفة “الأنا”.

وهو ميزان لا تستخدمه عادة الزعامات السياسية اللبنانية.

فعندما اعتمد شعار “لبنان أولاً”، يكون قد وضع “الأنا” في مرتبة متأخرة.

وبالتزامه هذا الشعار، ذهب بعيداً في مخالفة رأي جماعته. اذ رشح سليمان فرنجية لمنصب رئاسة الجمهورية، في محاولة منه لمنع لبنان من الوقوع في هاوية انهيار المؤسسات، بعد أن أشرفت المؤسسة الاولى، أي رئاسة الجمهورية، على التآكل التام. وذلك بفعل الفراغ الرئاسي المتعمد، الذي طال وطول. وكأنه فراغ حكم بالمؤبد.

محاولته الانقاذية هذه باءت بالفشل. والسبب أيضاً تغييب نصاب مجلس النواب. النصاب الذي خضع لقرار الاصرار على “هو” أو لا أحد.

عندئذٍ، انتقل الحريري من البعيد الى الأبعد.

ذهب الى “هو”، سابحاً عكس اتجاه تياره الأزرق، مرشحاً العماد عون للرئاسة.

نجح الحريري أخيراً في انقاذ لبنان من التحول الى “دولة فاشلة”، كانت تستعد لدفن دستورها، الذي كان يعاني من حشرجة الموت بعد أن تجرّع سم الفراغ القاتل. وكان هذا، لو تم، سيعني طبعاً عودة لبنان الى “ديموقراطية القوة”. لكنها عودة من فريق واحد، لأن الافرقاء الآخرين لا حول لهم ولا “قوة”.

واستمرت تضحيات “لبنان اولا”. فقبل الحريري بتشكيل حكومة “استعادة الثقة” من وزراء لا يثق بكثير منهم.

لم يكتف زعيم تيار المستقبل بما قدم. بل تابع جلد نفسه، فأخذ على عاتقه الدفاع عن خصومه، تحت وطأة الخوف على استقرار البلد.

صحيح أنه في واشنطن لم يتمكن من “رد قضاء” قانون العقوبات الأميركية على فريق لبناني، لكنه تمكن من “اللطف فيه”. ومع ذلك هاجموه بعنف، ربما لأنه لم يُقدم على إعادة صفة “الشيطان الأكبر” على بيت ترامب الأبيض، بعد أن كانت ايران قد ألغتها على بيت اوباما الأبيض.

وفي الكويت نجح في سحب أزمة “خلية العبدلي” من ملف القطيعة السياسية والسياحية والاقتصادية، تاركا أمرها لملف العلاقات القضائية.

وبالتأكيد لن ينجو من هجوم ما، عندما يحين وضع ملف هذه القضية المعقدة في دوائر التحقيق والتقصي.

ترى متى يكمل الحريري واجباته اللبنانية، ويعمل بالحديث الشريف “ان لنفسك عليك حقاً”.

كفى يا سعد.

سبق وأن قالها له نجيب ميقاتي بسوء نيّة. اليوم يقولها كثيرون بنية حسنة.

كفى يا سعد.

لكنّ سعد لن يكف… وسيستمر بـ”لبنان أولاً”، حتى لو استمر بأن يكون “الخاسر أولاً… وأخيراً”.

وليد الحسيني

الستين المظلوم والنسبية الظالمة

walid

وليد  الحسيني

الأكيد الأكيد أن الراحل الكبير فؤاد شهاب، عندما سنَّ قانون الستين، لم يضع النواب المسيحيين في خرج المسلمين.

لقد وضع هذا القانون في عز سطوة المارونية السياسية، التي ما كانت ستسمح به لو أنه كان فعلاً يؤدي الى جرجرة نوابها للإلتحاق بعباءة السني والشيعي والدرزي.

ومع هذا نعيش اليوم حملة مسيحية شرسة على قانون الستين، وكأنه الشيطان الأكبر أو الحوت الإسلامي الذي يبتلع التمثيل المسيحي في مجلس النواب.

وفي كل مشاريع قوانين الانتخابات البديلة والمتداولة تغيب الملائكة، مفسحة للشياطين الحقيقية، لا الوهمية، لتملأ صناديق الإقتراع بالعصبيات المذهبية والطائفية والمناطقية.

جميع القوانين البديلة تعمل على شد العصب الطائفي والمناطقي عند التصويت. فكل فريق يريد أن يحصد المقاعد لنفسه. وبدل من أن نعمل على قانون وطني، يجري الاعداد لقانون يلغي الوطن لحساب الطائفة. وأي قانون للانتخابات يوضع تحت هواجس الأنانية المذهبية سيعرّض مستقبل لبنان الى انقسام مجتمعي لا يمكن الخلاص منه.

لقد وضع الرئيس فؤاد شهاب قانوناً وطنياً يحد من طغيان الاقطاع السياسي والعائلي والمالي. وفي ظله فاز نجاح واكيم وزاهر الخطيب وعبد المجيد الرافعي وعدنان الحكيم وجميل كبه ومعروف سعد وألبير منصور وعثمان الدنا ونصري معلوف وبيار دكاش وأوغست باخوس… وكثيرون غيرهم ممن لا يحسبون على الاقطاع السياسي والعائلي والمالي.

وفي زمن الستين شهد لبنان ازدهاراً اقتصادياً وتشريعياً. ولم تتأثر الديمقراطية والحريات كثيراً بنشاطات «المكتب الثاني» السيء الذكر.

ومن الظلم اتهام قانون الستين بأنه المسبب للحرب الأهلية الأخيرة، التي تراوحت أسبابها بين انتشار السلاح الفلسطيني بعد أيلول الأسود في الأردن، وبين الصراعات العربية للسيطرة على لبنان، ولا يجوز اغفال الدور الاسرائيلي في اندلاع هذه الحرب القذرة.

إن تاريخ قانون الستين يشرّف التشريع اللبناني. أما الحديث عن النسبية فهو خدعة بلهاء لم تمر على أكثر الدول ديمقراطية في العالم. فالنسبية التي يروج لها صيادو المقاعد النيابية في لبنان، رفضتها انكلترا وفرنسا والولايات المتحدة والهند وكندا. ولا نعتقد أننا في لبنان أكثر ديمقراطية من هذه الدول العريقة في ديمقراطيتها وعدالتها.

ومع ذلك، فإن العقل اللبناني الشاطر، أو المتشاطر، سيجد وسيلته للتحايل على القانون «المنصف». وسنجد يوم الامتحان النسبي أن القيادات الكبرى في هذا البلد الصغير سيلجأون الى تشكيل أكثر من لائحة في الدائرة الواحدة، بحيث يحصدون نواب النسبة الأعلى ونواب النسبة الأدنى.

لبنان لم يعد يحتمل اللعب بمقدراته. وتجميل قانون الستين هو الحل الأمثل. أما المبالغة بالرفض وتفضيل الفراغ التشريعي على اجراء انتخابات بقانون الستين، فهذه مغامرة خطيرة. كما أن بدعة الاستفتاء يترك أمرها لربيع الهبر… ولا تليق بالرئيس ميشال عون.

وليد الحسيني

 

سليمان فرنجية رئيساً … بالتسوية

2015-11-30T185141Z_3_LYNXMPEBAT175_RTROPTP_3_LEBANONسليمان فرنجية … من أنت؟

ألست لبنانياً؟

ألست مسيحياً؟

ألست مارونياً؟

ألست أحد أعمدة الثامن من آذار؟

ألست صديقاً فوق العادة للرئيس الأسد؟

ألست أول يد مسيحية بارزة تمتد للتحالف مع “حزب الله”؟

ألم تسبق الجنرال عون، الخصم السابق، إلى هذا التحالف؟

إذا كنت كل هذا، فلماذا يرفضونك رئيساً جامعاً وجامحاً نحو إنقاذ لبنان؟

وهل يكفي لسد منافذ قصر بعبدا وأبوابه في وجهك أن من اختاروك للإنقاذ مسلمون؟

وهل صحيح أن المسيحيين فقط يختارون رئيس الجمهورية وأن المسلمين فقط يختارون رئيس الحكومة؟

هل حصل هذا في تاريخ لبنان من قبل؟

التاريخ ينفي ذلك.

منذ بشارة الخوري أول رؤساء الاستقلال وإلى ميشال سليمان آخر رؤساء الزمن الديمقراطي، ومنذ رياض الصلح أول رؤساء حكومات لبنان المستقل إلى تمام سلام آخر رؤساء حكومات الشلل الدستوري، كان الخيار دائماً مشتركاً.  ودائماً لم يكن رئيس الجمهورية المسيحي يأتي بأصوات مسيحية فقط.  ودائماً لم يكن رئيس الحكومة المسلم يأتي بأصوات مسلمة فقط.  وكذلك كان دائماً أمر اختيار رئيس مجلس النواب.

إذاً أين هو العيب الدستوري في أن يطرح المسلم السني، أي سعد الحريري، والمسلم الدرزي، أي وليد جنبلاط، خصمهما السياسي سليمان فرنجية كمرشح لرئاسة الجمهورية؟

هل العيب في أنهما اختارا أهون الخصوم لا ألدّها؟

لنتذكر أن التسوية كانت البطل الذي يطل على خاتمة الكوارث.

انتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1958 بتسوية فرضت فؤاد شهاب.  وانتهينا من كارثة الحرب الأهلية في عام 1990 بتسوية الطائف التي فرضت رينيه معوض، ومن ثم الياس الهراوي.  ومن قبلهما فرضت “تسوية” الاجتياح الاسرائيلي بشير الجميل، ومن ثم أمين الجميل.  وخرجنا من كارثة 7 أيار بتسوية الدوحة التي فرضت ميشال سليمان.

ونسأل الرافضين لتسمية سعد الحريري سليمان فرنجية عما إذا كانوا لم يفعلوا ما هو أدهى عندما فرضوا نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، وهو الأضعف سنياً، على سعد الحريري الأقوى سنياً وإسلامياً بما لا يقاس.

إنها فرصة الخروج من كارثة الفراغ والشلل الضاربة بلبنان، ومن الكوارث الأسواء الزاحفة إليه.

لا تجعلوا الطريق إلى بعبدا يتوقف عند مستديرة الصياد لاستدارة إجبارية نحو الفراغ إلى زمن يبدو أنه بلا نهاية.

فكروا بلبنان، قبل أن يكفر به اللبنانيون.

وإذا كانت رئاسة الجمهورية طاولة زهر، فالعبوها “فرنجية” … وإياكم أن تلعبوها “محبوسة” … فتحبسوا بذلك قصر بعبدا والدستور وأنفاس اللبنانيين.

سامر الحسيني