“العناد”

walidإستقلال هذه السنة، كان رهينة التناقضات بين اليرزة وساحة الشهداء.

في اليرزة، أقيم مجلس عزاء في سجن مفتوح، إقتصر على أهل الفقيد. بدا فيه سعد الحريري معزياً أقتيد مكبلاً بواجب المنصب.

في ساحة الشهداء، إحتفل شعب لبنان بعرس الإستقلال في ساحة بوسع جهات الوطن الأربع.

في اليرزة، مصافحات باردة. وجوه متجهمة. عيون تتبادل العتب والغضب.

في ساحة الشهداء، أجيال مختلفة الأعمار، تلاقت على الوفاق والعناق.

في اليرزة، عرض عسكري خجول، أقرب إلى مجاملة المناسبة.

في ساحة الشهداء، عرض مدني تدين له أشهر استعراضات المناسبات التاريخية في التاريخ.

وبالخروج من أضواء الإستقلال إلى عتمة السياسة، سمعنا باستغراب، يصل إلى حد الإستهجان، الألسنة العونية تهاجم الثوار لمنعهم النواب من الوصول إلى مجلسهم. لكن ذاكرة “العناد” وأتباعه تجاهلت تماماً أن “عمادها” قد فعلها قبل 30 سنة.

يومها لم يمنع النواب من دخول المجلس فقط، بل منع خروجهم من منازلهم.

أجبرهم على الإقامة الجبرية. وحاصرهم بالسلاح، لا “بقرع الطناجر”.

وما فعله العونيون في ذلك الزمن، هو أقبح ما ارتكب من ذنوب بحق السلطة التشريعية.

هم منعوا النواب من إنتخاب رئيس الجمهورية، لتبقى البلاد تحت حكم العسكر. في حين أن ثوار اليوم، منعوا النواب من محاربة الفساد بتشريع القوانين الفاسدة. كقانون العفو الذي دست في بنوده مواد تعفو عن جرائم تدمير البيئة واغتصاب الشواطئ.

ورداً على المقياس العوني بمكيالين، يصح قول الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

لا تنه عن فعل وتأتي بمثله… عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ.

ومتابعة لإبهار مسلسل “الإنهيار”، الذي يتعرض له لبنان، يلعب فخامة الرئيس دور البطولة، بتمسكه بحق حجز إستشارات التكليف. وهو حق يراد به باطل، يظهر جلياً باستيلاء فخامته على حق الرئيس المكلف باستشارات التأليف… وبالتأليف نفسه.

لم يعد بمقدور أحد وقف الكارثة. لكن من الممكن الحد من سرعتها ونتائجها. وبداية ذلك الممكن، يكون بتخلي ديكة العهد عن الإنتفاخ والتمثل بالطواويس.

إن سياسة الخبط عشواء، هي دليل آخر على أن الفريق الحاكم ليس إلا الغريق الأحمق، الذي يحطم خشبة الخلاص.

أما وقد كان ما خفنا أن يكون، فإن اللبنانيين ينطلقون حثيثاً نحو المجاعة.

الليرة سقطت بضربة الدولار القاضية.

الشركات أفلست… ومنها من ينتظر.

المخابز بلا طحين… إن لم يكن اليوم فغداً.

المحطات بلا وقود… إن لم يكن اليوم فغداً.

المخازن بلا مواد غذائية… إن لم يكن اليوم فغداً.

الصيدليات بلا أدوية… إن لم يكن اليوم فغداً.

الصفر هو سيد المرحلة.

صفر تصدير… صفر استيراد… صفر حلول.

إن التمسك بعودة سعد الحريري، بشروط الثورة المضادة، غايته إنقاذ “الممانعة”، لا منع إنهيار البلد.

الرجل أعلن أنه لن يشكل لكم حكومتكم… فلماذا المماطلة؟.

لديكم الأكثرية… فأكثروا من أخطائكم… وابحثوا عن غيره.

وليد الحسيني

سيد “العهد” وعهد “السيد”

walidلم يبق حزب أو تيار أو نائب، لم يعلن أن شعاراته تم السطو عليها من قبل “حرامية الشعارات” في ساحات الغضب اللبناني.

وبما أنكم، يا ساسة لبنان، لا تكذبون… إلا غالباً، فمن حقكم مطالبة “لصوص الثورة” باسترداد “أفكاركم المنهوبة” رداً على مطالبتهم باسترداد “أموالهم المشفوطة”.

سمعنا ورأينا الغوغائيين، وبالجرم المشهود، يسرقون الكلمات من أفواهكم.

وسمعناهم ورأيناهم، يطالبون بوقاحة، ما أدمنتم المطالبة به، منذ بدايات “عهد الإستقلال” إلى بدء نهايات “عهد البرتقال”.

ألستم أنتم من طالب ببناء دولة خالية من القمع والفساد والبطالة، فبنيتم دولة خالية من الدولة؟.

ألستم أنتم من حارب الطائفية، حتى آخر نقطة دم من العلمانية؟.

ألستم أنتم من دافع عن العدالة، إلى أن لفظ العدل رمقه الأخير؟.

ألستم أنتم من رفض توظيف من لا تؤهله “معارفه” للوظيفة؟.

ألستم أنتم من يحرص على المال العام… كأنه مالكم الخاص؟.

ألستم أنتم من اختاركم الشعب بانتخابات وفقاً للقانون؟… وألا يعني هذا أن الشعب عندما يخرج ضدكم، يكون خارجاً عن القانون؟.

أما وقد نقلتم لبنان من “هواية التهويل” إلى “هاوية الأهوال”، فمن المستحب التخلي عن “الملكية الفكرية”، إذ لا يعيب أفكاركم المنتهكة، وشعاراتكم المنهوبة، أن تتحقق على يد “حرامية الشعارات”… ففي ذلك قد ينالكم بعض العنب، وقد يكتب لـ “نواطيركم” النجاة.

يا ساسة لبنان أدركوا لبنان، فقد وصل إلى الدرك الأسفل. ومقياس ريختر الإقتصادي، يتحدث عن زلزال تجاوز درجة الإنهيار. فهل ينبّه أحد منكم قصر بعبدا، إلى أنه بحجزه الإستشارات النيابية، يكون قد عماها… وكان كل الظن أنه يكحلها؟.

أما منكم أحد ينبه قصر “التقصير”، إلى أن الكارثة تُرى اليوم بالعين المجردة. وأن من لا يراها هو الذي ينام على مصير الحكومة قرير العين هانيها؟.

ألا يعلم العهد، ومن والاه، أن ما يحصل في كل لبنان، هو ثورة لا تمهل ولا تهمل؟.

ألا يعلم العهد، ومطبليه، أنه إذا مرت عليه ساعة بسلامة، فإن ساعة القيامة آتية لا ريب فيها؟.

ألا يعلم العهد، ومبخريه، أن “الإنتظار البارد” بارود يفجّر البلد؟.

يا سيد “العهد”، ويا عهد “السيد”، لقد أبلغكم سعد الحريري، بالفم الملآن بالمرارات، أنه لن يشكل لكم حكومتكم. وأن الحكومة التي يقبل تشكيلها هي حكومة الناس.

إذاً، عبثاً تحاولون جلبه قسراً إلى السرايا، طالما ترفضون شروطه… وتفرضون شروطكم.

الحريري ليس عادل عبد المهدي. فهو لن يعود إلى الحكم ليحكم لبنان، كما يحكم المهدي العراق، بالرصاص والقنابل المسيلة للدموع.

لا وقت، يا صاحب العهد، للرهانات المرتهنة لأمر هنا يصدر عن آمر هناك.

أسرع يا فخامة الرئيس وخذ بأفكار بناتك، لا ببنات أفكارك، فالوقت يمضي بسرعة الصاروخ، فإن لم تسبقه سبق الجميع إلى هلاك لبنان… وعندئذ لن تنفعنا أسطورة الفينيق، فأكذب من الفينيقيين أساطيرهم.

وليد الحسيني

ديمقراطية الإستبداد

walidالحكومة استقالت. وهذا من حق سعد الحريري.

الإستشارات النيابية تنتظر فتح أبواب قصر بعبدا المغلقة، والبوابة لا تفتح، إلا بأمر من ميشال عون.

إلا أن ما ليس من حق الرئيس، مخالفة “الأعراف الدستورية” العريقة والراسخة في تاريخ الديمقراطية اللبنانية.

فخامته يستولي اليوم، “عيني عينك”، على أحقية النواب، في تسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة. فهو لن يستشيرهم قبل أن يستشيروه بمن يصلح للجلوس في السرايا. مع الإلتزام بالنص الدستوري بحيث تكون إستشارته “ملزمة” للنواب!.

وإمعاناً في ارتكاب المخالفات، الخارجة عن نص الدستور وروحه، قرر فخامته انتزاع صلاحيات الرئيس المكلف بإجراء استشارات التشكيل، فأجراها بنفسه:

نوع الحكومة.

شكلها وتشكيلتها.

برامجها وسياساتها الداخلية والخارجية والإقتصادية والإجتماعية.

وعندما تكتمل السلة الحكومية، بما يشتهي حزب الله، وبما يطيب للتيار الوطني الحر، يُفرج عن الإستشارات الملزمة للنواب والرئيس المكلف.

إذاً، كل شيء يجب أن يعد مسبقاً. فخبرة قطاف “الفراغ الرئاسي”، ما زالت صالحة لقطاف “التعطيل الحكومي”.

وهكذا يكون العهد قد بدأ النصف الثاني من ولايته، بمتابعة مسيرة الإنجازات، بإنجاز أخطر الإنحرافات الدستورية.

في الأمس القريب، وبمناسبة اكتمال السنوات الثلاث العجاف، استعرض فخامته بعض ما أنجز، في كلمة قالها في توقيت، يمشي فيه لبنان إلى حيث ألقت رحلها “أم قشعم”.

وللعلم فإن “أم قشعم” في التراث العربي ترمز للحرب والموت.

كل هذا لا يهم. المهم أن اللبيب الذي من الإشارة يفهم، لم يفهم ما إذا كانت الإنجازات قد أنجزت. وما إذا كان المنجز منها فعلاً، لم يكن سبباً في هم وغم الشعب اللبناني.

من حقه أن يتباهى بتشريع قانون النسبية، الذي أعطى لبنان مجلساً نيابياً يُعقّد اللبنانيين كلما انعقد. ونتجت عنه حكومة لا تحكم.

يبدو أن فخامته لم ينتبه إلى أن بريطانيا وفرنسا وكندا وأوستراليا والولايات المتحدة رفضت الأخذ بخدعة النسبية. ومن حسن الفطن أن لا يكترث بخيارات هذه الدول. فربما يعود ذلك إلى تخلف ديمقراطياتها، التي تعشعش في دساتيرها توجهات استبدادية مخفية!!.

ننتقل إلى إنجاز التشكيلات القضائية. وكأنه بإجرائها ضمن لنا قضاء غير موجه، حتى ولو بقي يخضع للتوجيهات، التي يطالب القضاة أنفسهم برفعها عبر رفع أثقال أهل السياسة والنفوذ عن ضمائرهم.

ويذكّرنا في ذكرى ثلاثية الإنجازات بإنجاز الإستقرار بكل أشكاله. وكأنه أيضاً لا يرى كيف يعم الفقر، وتنتشر الأوبئة والأمراض، ويرفع الغلاء رأسه إلى الأعالي، وتنحني الليرة مكسورة الخاطر أمام جبروت الدولار!!.

المشكلة ليست بالأحلام الرئاسية. بل بعدواها التي أصابت الأتباع والأنصار. فجماهير ثورة الساحات اللبنانية تحمل أفكار التيار الوطني الحر ولا ينقصها سوى الحصول على بطاقات الإنتساب إلى التيار المتوهج بمطالب الناس والمتهيج لتحقيقها!!.

وليد الحسيني

إنقلاب على لبنان!

walidفي لبنان إنقلب المنطق على المنطق. فتحولت “الإشاعات” إلى حقائق، و”الحقائق” إلى إشاعات.

ومن علامات المنطق المقلوب أيضاً، ورغم براءة الزميل رفيق شلالا يقينياً من إرتكاب هذا الإثم، قيام مكتب إعلام رئاسة الجمهورية بدور النائب العام. فقد هدّد، ببيان رسمي، بملاحقة “المجرمين” الذين يسيؤون إلى مكانة الدولة المالية!. ولا ندري إذا كان سينال بتهديده من مدير مؤسسة “فيتش” الأميركية، وبالتالي، معاقبته على تصنيفه السلبي للبنان، مسبباً هز سمعة البلاد المالية في العالم.

ولا ندري كذلك، ما إذا كانت النيابة العامة الرئاسية المستحدثة، ستستدعي الرؤساء الثلاثة للتحقيق حول تصريحاتهم، التي لم تسقط بمرور الزمن، والتي أساءت، بشكل غير مسبوق، لمكانة الدولة المالية. وهي تصريحات مثبتة بالصوت والصورة… والنتائج، التي شكلت بداية تراقص الليرة المذبوحة من الألم.

واستمراراً في اللامنطق، يجري تهميش “محكمة المطبوعات” باستيلاء محاكم الجزاء على زبائنها من كتاب ومن “زبانية” الرأي وحرية التعبير. ويتم ذلك من خلال بدعة “جرائم المعلوماتية”، التي أطلت علينا من خارج أي نص في قانون العقوبات… فهي ليست أكثر من خارج عن القانون يتولى تنفيذ القانون.

أما العدالة، فلم تعد على مسافة واحدة، بين من هزل وضعف دخله، وبين من أتخمت وتضاعفت مداخيله. فالدولار “المدعوم” يدعم فقط كبريات الشركات وكبار التجار. أما العامة فعليهم الركض وراء الدولار الفالت على حل شعره، لدفع فاتورة الخلوي وقسط السيارة وثمن تذكرة السفر… وغير ذلك الكثير من المقدر وغير المقدور عليه.

إن ما يحصل للبنانيين يتجاوز خلطة الحابل بالنابل.

إنها الفوضى التي لم تبلغها الحرب الأهلية السيئة الذكر، والتي تبين أنها أخف وطأة من أثقال السلم الأهلي، الذي نعيش فيه الآن، والذي يعتاش منه الفساد، وتنصب فيه الكمائن السياسية، وتقوم باسمه “تفاهمات” أبغض الحلال.

أيامها، كنا نعرف من مع من.

ومن ضد من.

ومن يقصف من.

ومن ينسّق مع من.

اليوم كل التحالفات حبلى بالخصومات. وهي إما تحالفات “كالنسكافيه” سريعة الذوبان. وإما خصومات “كالقطة” بسبع أرواح.

ترى ماذا بقي من لبنان الذي يعرفه العالم؟.

الحرية؟ لولا اعتراض سعد الحريري، لخضعت لخيار “تَمدح أو تُسجن”.

المساواة؟ لقد تم فرزها إلى “سمنة وزيت”.

العدالة؟ لم تعد تحلّ نعمها إلا لمن قال “نعم”.

الديمقراطية؟ إنحازت إلى تغليب رأي الأقلية المسلحة، على رأي الأكثرية المنزوعة السلاح.

رغم كل ما فقده لبنان من حرياته التاريخية، وديمقراطيته الراسخة،… بقي له “العهد القوي” الذي يستطيع أن يباهي به الأمم… وعين الحسود فيها عود، وبتعبير قد لا يليق، تبلى بالعمى.

 

 وليد الحسيني

من هو “القرش الأبيض”

walidحشرجة الليرة اللبنانية، ليست تهيؤات إعلامية مضخمة ومشبوهة، كما يزعم “حكواتية” الإقتصاد وجهابذته.

ولا إحتضار شركات القطاع الخاص، كذبة قابلة للتكذيب.

ولا شح الخزينة العامة، إشاعة يروّجها متعهدون، يطرقون أبواب الدولة، فتغلق وزارة المال أبوابها بوجه مستحقاتهم المزمنة.

ولو لم يكن “شر البلية ما يضحك”، لما ضحك اللبنانيون من طمأنتهم بأن مصارفهم مُتخمة بمليارات الدولارات. فجاءت طمأنتهم هذه أشبه بطمأنة الفقير الجائع، بأن مطاعم البلد تزخر بأشهى المأكولات وأفخر الأطباق.

الآن، وقد تجاوزنا توقع الإنهيار إلى الوقوع به، فإن إنكاره لا ينطلي على اللبناني الشاطر، ولا يطلي تشوهات قوة “العهد القوي”.

وتتفاقم المشكلة عندما نرى الإنهيار عاجزاً عن ردع السياسيين من إصطياد الشعبية، ولو في مياه عكّرها الإفلاس المالي، الذي يخوض سباقاً صعباً مع أموال سيدر، التي تتجه إلينا كسلحفاة، ترفض التحرك قبل تنظيف أرض السباق من الفساد والهدر.

أما وقد حلت الأيام السوداء… فهل من “قرش أبيض” خبأناه لمواجتها؟.

لا شك أنه في مكان ما… فما هي علاماته ومواصفاته؟.

لا بد أن يكون ممن تمتد جسوره إلى جهات العالم الأربع. بحيث إذا استعان بالفرنسي أعانه. وإذا تحدث إلى الأميركي أصغى له. وإذا لجأ إلى الروسي لبّاه. وإذا طلب من السعودي أعطاه. وإذا سأل الإماراتي أجاب واستجاب. وإذا استنجد بالمصري أنجده.

ترى من في لبنان يحظى بكل هذه المواصفات ليفوز بلقب “القرش الأبيض”؟.

علمتنا “السوابق” أن لا نلجأ إلى مجلس الخدمة المدنية، بإخضاع الطامعين باللقب، إلى إمتحانات، تنقع نتائجها وتشرب مياهها.

إذاً، لنستعرض قياداتنا واحداً واحداً، للتفريق بين من تمكّنه مواصفاته من أن يكون “القرش الأبيض”، وبين من لا يمكن أن يكونه.

نبدأ بالرئيس ميشال عون، ونستبعده في آن. لكونه تخلى لصهره عن سطاته الحزبية وعلاقاته الخارجية.

وخلافاً للتراتبية، ننتقل إلى جبران باسيل. فهذا الزعيم الشعبوي حريص على الإنتشار، حيثما انتشر اللبنانيون في العالم. ففي كل أسفاره، التي لا تحصى، ينحصر نشاطه بين مغترب “الكرين كارد”، والمغترب المتجذر من مئات السنين.

وبالوصول إلى سمير جعجع، نصل إلى حكيم متواضع. يعترف بأن كلمته إذا أسمعت في السعودية، فلن تجد من يستمع إليها في البيت الأبيض والإيليزيه والكرملين… ولا حتى في قصر الإتحادية المصري.

أما سليمان فرنجية فهو يملك وفاءً، يمنعه من السير في طريق غير طريق الشام.

يبقى وليد جنبلاط. عالم أسرار السياسات الدولية، وبوصلة الأحداث المحلية. لكنه رغم ذلك جرب كل الطرق… وقد طال به السفر… ولم يصل إلى صنعاء.

وسط كل هؤلاء يبرز سعد الحريري كمؤهل، خارج المنافسة، للفوز بلقب “القرش الأبيض”.

إنه المحاولة الوحيدة المتاحة، للخروج بالبلد من “غرفة الإنعاش”… إلى الإنتعاش.

فاتركوه يعمل من أجل لبنان، لاصلاح ما عملتموه بلبنان… ولإنقاذ اللبنانيين من غضب الله والدولار. 

 وليد الحسيني

“حضانة” التلاقي والحوار

walidنعم، خدعنا 165 دولة، وجعلناها تقر بأن يكون لبنان مقراً لـ “أكاديمية التلاقي والحوار”.

يقول الرئيس عون، صاحب مبادرة الأكاديمية وراعيها، أن القرار الأممي “سوف يضع لبنان في موقعه الطبيعي الرائد على صعيد الحوار بين الثقافات والأديان”.

تصوّر يا فخامة الرئيس، أننا أساتذة العالم في علوم التلاقي وأصول الحوار!!.

من يصدّق؟… وواقعنا أصدق إنباء من المبررات المنمقة، التي أغدقتها الزميلة أمل مدللي، على مسامع وفود الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ترى هل يوجد لبناني قبض هذه المزحة عن جد؟.

وهل فعلاً كانت الدول الـ 165 بكامل قواها العقلية، عندما اختارت لبنان، ليعلّم الخلق أخلاق التلاقي والحوار؟!.

أليست حواراتنا تدل علينا؟.

ها هو “حوار معراب” ينقلب سريعاً على نفسه. ويتحول من نص للتفاهم، إلى منصة للإدانات وتراشق الإتهامات.

إذاً، كيف يكون لبنان رائداً للتلاقي، والطائفة الواحدة طوائف… والمذهب الواحد مذاهب؟!.

ومن أين لنا أن نلتقي، وكلّ منا يمضي في طريق؟.

مسيحياً، وأنت الأدرى يا فخامة الرئيس، أن قوة “تيارك” في إضعاف القوات. وبأن “جبرانك” يضمر شراً لمردة فرنجية. وبأن أرتذوكس “ميرنا شالوحي”، عند الأرتذوكسيين عامة، فقاعات باسيلية.

أما إسلامياً، فالوضع لا يحتاج إلى من يخبّر.

في السنة، لا تعترف أكثريتها بأقلية تعيش في جلباب السيد خامنئي.

وعند الشيعة، يتوافق “حزب الله” و”حركة أمل” على نشر رماد التحالف الظاهر فوق جمر الخلاف المبطن.

حتى الجناح الثالث في الإسلام، لم يسلم من الأزمات الكبرى. خصوصاً بعد أن فشل “كيوبيد” الدروز في بناء جسر المحبة بين الجنبلاطية والأرسلانية. والأخص بعد أن أخطأت أسهمه طريقها، وسقطت خبط عشواء على طرقات خلدة وقبرشمون.

وإذا نزلنا في “التلاقي” إلى دركه الأسفل، سنجد في “بلدية الحدث” حدثاً، ستتناقله الركبان من جيل إلى جيل. أما إذا نسي النسّايون، فإن العيش المشترك لن ينسى، قراراً بلدياً، لم يتخذه لبنان، حتى في حربه الأهلية. ولم يخطر على بال رجالات الإنعزالية أيام جبروتها وعزها.

قرار يحرّم جيرة المسيحي لـ “أخيه” المسلم.

نظن، والظن هنا ليس بإثم، أن مثل هذا القرار، النابع من منابع “التغيير والإصلاح” يعطي بلدية الحدث الحق في إحتضان الأكاديمية الأممية!!. وبأن يكون رئيس بلديتها عميداً لكلية “التلاقي”!!. وأن يزامله جبران باسيل في منصب عميد كلية “الحوار”!!. وبذلك يكتمل الكادر التعليمي في أكاديمية العالم. وبذلك أيضاً يستطيع لبنان أن يبشر البشرية بحياة بلا عنف، وبمجتمعات بلا أحقاد.

في سياق ما سبق، كنا نتمنى أن نحمل الطبل والمزمار والمباخر، ونهنئ فخامة الرئيس بهذا الإنجاز الحضاري والإنساني.

لكن واقع الحال، جعل ذلك من المحال. فالأكاديمية “مبهبطة” جداً. وكان الأجدر والأجدى، تماشياً مع عاداتنا وتقاليدنا، أن نبدأ بـ “حضانة للتلاقي والحوار”… إذ ربما أطفالنا يشبّون على عكس ما شبنا عليه.

                                                                  

وليد الحسيني

معجزة السرايا

walidالإقتناع بأن آخر الدواء الكي، لا يبيح إشعال النار بالفقراء.

وأن يتعود اللبناني على المرّ، لا يعني إرغامه على تجرّع الأمرّ منه.

والمستغرب، فوق هذه المرارات، أن يطلب فخامة الرئيس من اللبنانيين تناول أدوية مرّة، لتشفى الثروات المتوحشة من أمراض الجمود الإقتصادي!.

أما خديعة إعفاء أهل الفقر من الضرائب، فلن تنطلي على البسطاء. فليس كل ما تعتبره الحكومة من الكماليات، يمكن أن يعتبره أصحاب الدخل المحدود، أو المعدوم، لزوم ما لا يلزم.

فمن قال لكم، أن الذين خبزهم كفاف يومهم، وهم الغالبية وهم المغلوبون، لا يدخنون ولا يسكرون. مع أنهم الأحوج لسيجارة تجلي همهم، ولسكرة تنسيهم يأسهم وبؤسهم؟.

ومن قال لكم، أن تجميد سلسلة الرتب والرواتب، لن يحرم طبقة الموظفين من طبق الغذاء أو العشاء؟.

ومن قال لكم، وأنتم تُقرّون الإنتقائية في رفع الضريبة على القيمة المضافة، أن التجار الشطّار سيميزون بين السلع البورجوازية وبين السلع الشعبية. وبالذات في بلد، إنقلبت فيه الأمثال عن غاياتها، وصار “من يراقب التجار يعيش قبضاً”… والمواطن هو الذي “يموت هماً”.

ومن قال لكم، أن الإقتراب من أموال ورثة “قارون” رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه… فأطعتم وجنّبتم سلالة “قارون” ضرائبكم؟.

ومن قال لكم، أن اليد التي تمتد إلى الأملاك البحرية ستقطع. لأنها تقطع الطريق على قوافل السيّاح. وتقطع أيضاً أرزاق أصحاب المطاعم والمسابح والشاليهات. وتقطع كذلك موارد الدولة، بتجفيف ينابيع الدولار والدينار واليورو والريال؟.

ومن قال لكم، أن لمكافحة الفساد طريقاً واحداً يمر من فم “أبو النواس” صاحب حكمة “وداوها بالتي كانت هي الداء”؟.

ومن قال لكم، أنكم باستحضاركم كلمة “الطوارئ”، سترعبون المتهرب من دفع الضرائب، وستردعون المهرب من عبورالمعابر الشرعية وغير الشرعية؟.

ومن قال لكم، أن “حسابات السرايا تغلب حسابات القرايا”؟… كما لو أن مداخيل الدولة لن يقصف عمرها تراجع القدرة الشرائية. وكما لو أن أرقام وزارة المال ستدخل، بلا نقصان، إلى بيت مال اللبنانيين؟.

ومن قال لكم، أن سندات الخزينة ما زالت سنداً يعينكم في الملمات؟.

ومن قال لكم، أن المصرف المركزي كرم على درب الحكومة، وأن بمقدوره تقديم الدعم على مدى الدهر، دون أن تسقط دعائمه؟.

في المقابل،

من قال لكم، ويل للبنان إذا صَدقت “فيتش”، ولم تُصدّقنا “موديز” وقرينتها “ستاندر أند بورز”؟.

ما زال بإمكاننا تكذيب تصنيفات المؤسسات الإئتمانية الأميركية الثلاث. وما زال بإمكاننا التعامل مع توقعاتها، كما لو أننا نتعامل مع توقعات ليلى عبد اللطيف.

صحيح أن كثرة الأيدي المختلفة تحرق الطبخة. لكن الأصح أن القليل من الأيدي المتعاونة والمتضامنة يطفئ الحريق.

ولما كان الإعتراف سيد الأدلة، فلا بد من الإقرار بأن الرغبة بلا قدرة، هي أشبه بجعجعة بلا طحين. فما سمعناه في لقاء قمة بعبدا الإقتصادية، يندرج في إطار الرغبات…وبينها رغبات عدة تقع تحت طائلة التحريم الشعبي.

أما إذا بقي أمل في معجزة ما، فمكانه الشرعي والوحيد مجلس الوزراء، حيث يترأسه رجل تخلّى عن مذهبيته وشعبيته لإنقاذ شعبه.

سار عكس رياح المذهب، فعقد تسوية حلّ عقدة الفراغ. وغامر بولاء أنصاره، مختاراً الطريق الوسط، حتى لو خرج البعض من “بيت الوسط”.

يا وزراء الأحزاب والكتل الكبرى، إجلسوا إلى طاولة القرارات الإنقاذية. وكونوا أنتم، ومن تمثلون، مثله متبرئين من نقيصتي المذهبية والشعبوية.

كونوا يداً واحدة. وستجدون، خلافاً لما يقال، أن اليد الواحدة تصفق… ويُصفق لها.

حاولوا أن تكون السرايا دار المعجزة، لا دار العجزة.

حاولوا… فالأخطار كبيرة جداً. وقد بلغت مرحلة الكبائر… فاحذروا التمسك بالصغائر.

حاولوا… فالانقاذ يحتاج إلى أكثر من محاولة.

وليد الحسيني