“القدح والمدح” جريمة واحدة

walidنرى ونسمع ونقرأ، فنقتنع بلا تردد، بأن تجريم “القدح والذم” بالمطلق يتنافى مع مبدأ الدفاع عن النفس والوطن. فما يجري في البلاد، لا يمكن التعبير عنه، إلا بـ “قدحٍ” لهذا، و”ذمٍ” بذاك.

أساس العدالة يقوم على معاقبة المخطئ. وخطأ القائل أو الكاتب، أقل إيذاء من خطأ الفاعل أو الممارس.

ولأن القاضي، كما يقولون، يبني على الشيء مقتضاه، نسأل قانون المطبوعات:

بأي الكلمات نخاطب السارق والمرتشي والفاسد؟.

بأي لغة نصف جولات جبران باسيل على مقابر الحرب الأهلية، حاملاً حفارات تثير غباراً، أكثر مما تثيره حفارات فتوش؟.

ما هي الألفاظ المسموحة لإدانة الذين يعطلون إجتماعات مجلس الوزراء، في توقيت، ينطلق فيه الإقتصاد مسرعاً نحو الإنهيار والخراب الجماعي؟.

ما هي الجمل اللائقة للرد على العنصرية المتمادية ضد النازح السوري؟.

ما هو البديل عن “اللعنة” للحد من لعنة التقنين الكهربائي، وارتفاع جبال النفايات السوداء، إلى ما يكاد يستوي مع قمة “القرنة السوداء”؟.

كما نسأل، عما إذا كان القول المهذب كافياً لردع التيار الحر عن أكل حقوق المسيحيين، الأخضر منها واليابس؟.

وترى، هل تسمح قوة قانون المطبوعات والقوى الخارجة عن القانون، بالإعتراض الصارخ على عرض لبنان كسجادة إيرانية، تحت حجة أنها سجادة للصلاة في المسجد الأقصى؟.

لكل ما ذكر، ولم يذكر، لا مفر من البحث عن أقسى الكلام، علّه يردع من قست ضمائرهم الوطنية.

في المقابل، وفي إطار تحقيق العدالة، لا يجوز للقانون أن يكيل بمكيالين.

فجريمة “القدح”، مهما بلغت بذاءته، أقل ضرراً من جريمة “المدح” المغشوش. والإطراء الفادح، أكثر فداحة من “الذم” الفاحش.

تختلف التعابير، لكن الجريمة واحدة. وربما كان نفاق المدّاحين، وإطراء القوّالين، أشد فتكاً، وأدعى إلى تحرك النيابات العامة، حتى بلا إخبار… وبلا من يخبّر.

لو أمعن القانون في أسباب تنامي الفساد والنهب والتحرش بالفتن، لوجد أن “المديح” هو الذي يشجع الخطّائين على ارتكاب الخطايا. وأن “الإطراء” هو الذي يغري أولي الأمر على سلوك دروب الغواية.

والمصيبة، التي لم يلحظها المشرع، ولن يلحظها أبداً، أن لـ “المديح والإطراء” مروّجين يحتلون الشاشات والمانشيتات، وهم أخطر على المجتمع من مروّجي المخدرات الذين يملأون سجن رومية.

إنهم خبراء في تزوير الحقائق السياسية. وفي تبرير، ما يستحيل تبريره. وفي تحليل الحرام، وتبرئة الحرامي.

صحيح أنهم صنيعة الفساد، لكنهم المصنع الذي ينتج الفاسدين.

في عام 1949 كتب الروائي يوسف السباعي رواية “أرض النفاق”. وكأنه يكتب عن لبنان في عام 2019. فالنفاق هو الأخطبوط الذي يشكل “المديح والإطراء” بعض أذرعه القاتلة.

لقد وصل النفاق مثلاً بوزير “السلالم” إلى اعتبار الرئيس عون نسخة عن شارل ديغول، محرر فرنسا من النازية.

وزير آخر، غادر منصبه الوزاري، وانتحل صفة الإعلامي، وحلّ ضيفاً، بدوام كامل، متنقلاً بلا ملل، بين مختلف التلفزيونات كمحلل محترف… ومحرّف.

آخر عبقريات هذا الوزير “المبرراتي” تبرير مواكبة الحرس الجمهوري، لمواكب جبران باسيل الإستعراضية، بحجة أن هذا حقه فهو صهر الرئيس… وبذلك أفحم اللبنانيين بأفخم أنواع “المنطق”.

إذاً، وبالمقارنة، فقد غلبت جرائم “المدح والإطراء”، الفالتة من الملاحقة القانونية، جرائم “القدح والذم” الواقفة في طوابير محاكم المطبوعات، ومخافر جرائم المعلوماتية.

لا شك بأن هذا الخلل التشريعي الخطير، يؤكد أن لبنان هو الطبعة الأخيرة والمنقحة والمضافة من كتاب “أليس في بلاد العجائب”.

وليد الحسيني

Advertisements

فخامة المعالي

walidتعددت الأسباب والمسبب واحد. فجبران باسيل يتصدر قائمة الشخصيات السياسية الأكثر تداولاً… ربما لأنه “يكمن في التفاصيل”. فهو الحاضر بقوة في أغلب الأزمات، والمصدر الأغزر لأخطر التداعيات.

لقد نجح “فخامة المعالي” في فرض، تصريحاته النافرة وتحركاته المستنفرة والمستنكرة، على اللبنانيين عامة وعالم الإعلام خاصة.

يستغل بمهارة “حرية التعبير”، التي قد تتحول إلى جريمة إذا لم تمارس مع “أدب التعبير”.

هو يعرف أن حادثة الجبل شكلت منشطاً مخيفاً للفتنة.

هو يعرف، لكنه لا يعترف، بأن من حاول إيقاظ الفتنة، تدلّ عليه التصريحات المستفزة، وغرور “أغرار” السياسة.

لا أحد ينكر حق جبران باسيل في أن يسلك الدرب الذي يوصله إلى قصر بعبدا. لكن ليس كل من سار على الدرب وصل. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. إلا أن باسيل قرر أن يبدأ مسيرة الخطوة بسرعة الألف الميل.

الرجل لم يدرك خطر سرعته الجنونية هذه. خصوصاً وأنه لا يتكل على ساقيه، بل يسرع متكئاً على عكازتي القربى من سيد العهد… والتقرب من سيد المقاومة.

إنه يقتحم المناطق اللبنانية بأقدام مستعارة. وهي ليست إستعارته الوحيدة. فهو أيضاً يتكئ على شعبية مستعارة، من نفوذ يتجاهل دورة دولاب الزمن، وتبدّل الأيام من يوم لك إلى يوم عليك.

وعلى ما يبدو، فإن التواضع تهمة لا تليق بطموحات صهر العهد الحالي، وممني النفس بالعهد التالي. ليصبح، كشبوب بعبدا، “خي الكل” بعد أن سادت وتحكمت بالبلاد نظرية “بي الكل”.

وبما أن ثمة ما هو مشترك بين بلدة الحدث وما حدث في قبر شمون، نسأل فخامة المعالي:

هل شخير “المستأجر” المسلم يستفز مسيحيي الحدث ويقوّض خصوصيتهم، في حين “تملك” المكاتب البرتقالية، وهتافات محازبيها، ورفع راياتها، وحمايتها بالدشم والمسلحين… لا يستفز ولا يقوّض خصوصية دروز الجبل وشيعة البقاع وموارنة الشمال وسنة طرابلس وعكار؟.

كثيرة هي علامات الإستفهام والتعجب، التي ترافق “فتوحات باسيل” اللبنانية.

ترى لماذا يستقوي علينا بذاكرة، تفتح من جديد ذاكرة الحرب الأهلية؟.

ترى لماذا، وهو المؤمن، ينطلق بجولاته “التوحيدية”، ومن خلفه وأمامه وإلى جانبه، مرافقات عسكرية حاشدة من جنود وملالات ودبابات؟.

ترى لماذا يتمسك بحرية التنقل في مدن لبنان وقراه، وكأنه ذاهب إلى بعلبك لتناول “الصفيحة البعلبكية”. أو إلى زغرتا لتذوق “الكبة الزغرتاوية”. أو إلى بشري لزيارة متحف جبران خليل جبران. أو إلى طرابلس لأكل “حلاوة الجبن الطرابلسية”، أو… أو؟.

ألا يدرك أن تنقلاته غالباً ما تنقل التعايش المشترك، إلى أحقاد سادت ثم بادت؟.

نعود ونسأل:

ترى من أقنعه بأنه يدافع عن العهد بتفوقه على خصوم العهد بتشويه سمعته والإساءة إليه؟.

ترى من يشجع “الوزير الشجاع” على النفخ في النار؟.

ألا يدري أن لعبة الموت قد تبدأ في أي لحظة ينفجر فيها الخلاف الأميركي – الإيراني؟… حيث تخطط إيران لحرب لبنانية – إسرائيلية تشغل أميركا عن الخليج والنووي الإيراني، وتدفع بترامب إلى التفرغ لجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة لإثبات صهيونيته التي لا شك فيها.

إن حب لبنان أيها “الوزير العاشق” لا يكون بتملك حزبك للبنان.

إقنع بما هو لك وله.

توقف عن قراءة الجغرافيا اللبنانية بشراهة من يسأل:

لماذا ليس لي هذا؟.

 

وليد الحسيني

لقاء العقل والتعقل

walidطبعاً لا تليق المقارنة بين أحداث الخليج وما يفعله “أحداث” السياسة في لبنان.

إنها مقارنة أقرب إلى “الكاريكاتير” السياسي. وقد تتهم بالإستهزاء بالقامات الدولية. ومع ذلك، لا ضرر ولا ضير في مقارنة ما يقوم به “الحرس الثوري” في الخليج العربي، بما يقوم به “التيار الوطني الحر” في لبنان.

هناك، في بحر عمان ومطار أبها، وقبلهما في مينائي الفجيرة الإماراتي وينبع السعودي، يضرب السيد خامنئي الإستقرار في المنطقة… وربما في العالم.

هنا، يهز جبران باسيل، بعضلات عمه، أسس الإستقرار في وطن الأرز. أحياناً بتصريحات تفتقد للدبلوماسية وتتنكر للجميل. وأحياناً بممارسة هواية دفع البلاد إلى الهاوية.

هناك، تلعب إيران بالنار… فتحترق أصابع أميركا.

هنا، يشعل باسيل النيران… فتحترق أصابع لبنان.

هناك، يهدد الحرس الثوري بتعطيل الملاحة النفطية، وينفذ تهديداته… وبأسرع من سرعة طوربيداته يسارع إلى نفي مسؤوليته. ويلحق النفي بالإدانة والإستنكار. وفي المقابل يتعهد ترامب بالرد. ويهدد ويتوعد. وعندما يستحق الوعد، ويحين الوفاء بالعهد، يعدُّ سيد البيت الأبيض للعشرة. وتمر الأخطار خطراً بعد آخر، وما زال العداد الأميركي يعدّ العشرات… عشرة بعد عشرة.

هنا، يتهم باسيل السنة بسرقة الموارنة. ويهدد باسترداد الصلاحيات المسروقة. وينتقل بتهديداته إلى المسيحية نفسها، متعهداً ومتوعداً بفضح شعبية القوات اللبنانية، وبأنها بالكاد تتجاوز الصفر. وبما أن لا حجم لها، يُحجم باسيل عن إعطائها منصباً في التعيينات. أو نصيباً في التسويات، التي تنكر لها ودفنها في مقابر “أوعى خيك”. وفي المقابل، يعتقد فرعون العهد، متوهماً كعادته، أنه لن يجد من يرده، ولا من يوقفه عن حده.

ولأن هناك، أي في الخليج العربي، لا دور للبنان سوى انتظار التداعيات والمخاطر، فلا بد من التركيز على ما يجري هنا.

في البدء، نسأل الله أن يكون في عون عون. فهذا ما جناه عليه باسيل، علماً بأن الرئيس لم يجن على أحد.

وبالتالي، يترتب على باسيل أن يفيق من أحلامه. فمن يحاول منازلتهم ليسوا طواحين هواء. وعليه أيضاً الإقرار بأنه يعيش في بلد الـ “لا غالب ولا مغلوب”. وأن محاولة فرض صيغة الغالب، ليست أكثر من مراهقة سياسية. ففي البلاد قامات وزعامات راسخة لا يمكن أن تقتلعها الزعامات الطارئة. والتي ستزول حتماً بزوال أسباب انتفاخها… فنعم “الممانعة” لا تدوم.

إن شد عصب العنصرية، وتوجيه السهام إلى العلاقات العربية، وسياسة الألسنة الفالتة… كلها لن تدفع مثلاً بسعد الحريري إلى مواجهة التوتير بالتوتر. فما زال، وسيبقى الرجل مسكوناً بالحكمة الوطنية… وبمجرد زيارته قصر بعبداً، ومن ثم، لقاء العقل والتعقل، يكون باسيل قد ضيع في الأحلام… جهده.

                                                                          وليد الحسيني

باسيل والحريري

walidترى هل يستطيع جبران باسيل الإقتراب من الحكمة السياسية، بعد أن بالغ في ولوج التهور السياسي؟… وهل يستطيع التخلي عن ركوب أمواج المد والجزر؟.

لقد نسي أن “التسوية”، التي أقدم عليها سعد الحريري، هي التي جعلت منه “الرجل القوي” في معبد “العهد القوي”.

وإذا كان “شمشون الجبار” أحد أبرز رموز “الرجل القوي” في زمن الأساطير والخرافات، فمن المنطق أن يتذكر باسيل بأن “شمشون” عندما قرر الموت لأعدائه، كان قد اختار طريق الإنتحار.

من أكبر الأخطاء والأخطار، أن يحوّل “ولي العهد” الوطن إلى ملعب، والتسويات والتفاهمات إلى لعبة.

لقد أكثر من حفر الحفر. مما أدى إلى اتساع الفجوة بين تياره الحر من جهة، وبين المستقبل والقوات من جهة أخرى. ومع استمرار غياب الوعي الوطني، يصبح التنسيق بين رئيس التيار الوطني والآخرين محاولة في المستحيل. فلا الرئيس الحريري يستطيع الإحتفاظ بالتسوية، مع تمادي باسيل في خرقها واختراقها، ولا باسيل يستطيع المحافظة على مكاسب التسوية، وهو يسعى إلى جمع كل مكاسبها في قبضته، التي يستعملها عشوائياً في جولات ملاكمة عبثية.

يقول، لا فض فوه، أن البلد تحول إلى “عصفورية”. وإذا صح قوله هذا، فإن الجنون لا يعالج بمزيد من الجنون.

أما المراهنة على صبر سعد الحريري وتسامحه، فهو رهان يخلط بين حدود الصبر المحدودة، والمقامرة السياسية المفتوحة والمفضوحة.

المسامحة ليست كنزاً لا يفنى. فعن أي التجاوزات يمكن مطالبة الحريري بالصفح عنها؟.

في الشأن الخارجي، ينحاز باسيل للإجماع الإيراني، على حساب الإجماع العربي.

في الشأن الداخلي، يختار التمرد على تفاهميْ معراب وبيت الوسط، ويخضع بإذعان مذل لتفاهم حزب الله.

في شأن التصريحات السياسية، يقول كلاماً مفجراً للأزمات والخلافات، وينفيه في اليوم التالي.

في الشأن الإنساني، يهاجم النازح السوري واللاجئ الفلسطيني، ويدافع بقوة عن النازح والمستوطن اللبناني في بلاد الإغتراب من أفريقيا إلى أوروبا إلى أوستراليا إلى الأميركيتين.

في الشأن القضائي، يصر على تملك وزارة العدل لإصلاح العدالة، ويعتبر في الوقت نفسه أن العدل أساس ملكه وبعض ممتلكاته.

في شأن الإصلاح، جعله شعاراً، لم تشعر بوجوده وزارة أو مؤسسة أو عصابة فاسدين.

من الصعب أن يحظى محلل نفسي بمعرفة ما في نفس هذا اليعقوب.

ومع هذا، ومع كل ما سبق من مبررات لقطيعة، لا يمكن وصلها، فإن سعد الحريري، وكرمى عيون الرئيس عون، قد يتجاوز مرة أخرى تجاوزات باسل.

لكن هل يقدر مبتكر الخلافات، أن يتراجع عن ابتكاراته الدون كيشوتية؟.

بالطبع يقدر… إذا تخلى عن الأحلام الخارقة والمارقة.

وليد الحسيني

ملك التعطيل

walidقبل جبران باسيل، كان التعطيل يطال، بحياء، قانوناً ما. كقانون الكسارات والمقالع. أو قانون السير والتغاضي عن مخالفات ربط أحزمة الأمان. أو قانون منع التدخين في المطاعم والمقاهي. أو …

لكن به، وبعده، أصبح التعطيل يطال الدولة بمؤسساتها وأساساتها.

من أجل هلوسته بالسلطة، تمّ تعطيل تشكيل كل الحكومات تلبية لتطلعاته، تحت شرط الخضوع لتوزيره. ومن بعد إستجابة لاشتهائه وزارة دون أخرى.

في البدء، انفتحت الشهية على وزارة الإتصالات. ولأسباب لا يعرفها إلا الراسخون في طلب النفوذ، انتقلت الشهوة إلى حقيبة الطاقة. وعندما وجد خليفة لا يخالفه، أورث الوزارة لسيزار أبي خليل، ومن بعده لمستشارته، ندى البستاني، التي تستشيره في كل شيء، والتي لم يستشرها يوماً في أي شيء.

وهكذا تفرغ باسيل لوزارة الخارجية، تمهيداً لشق طريق دولية تصل به إلى قصر بعبدا.

ولأنه يعوّل كثيراً على العائلة، تحمّس لخطة حزب الله في تعطيل الدولة، بافتعال الفراغ الدستوري لمدة تجاوزت السنتين، وكان المقدر لها سنوات مفتوحة، لولا أن الحكمة الوطنية دفعت بسعد الحريري إلى التجرؤ على لعنة التعطيل، بإعلان تسوية، أتت بالجنرال عون، عم باسيل، رئيساً للجمهورية.

ومن أجل إخراج الصهر من عقدة الرسوب المتكرر في إمتحان الإنتخابات النيابية، جرى تعطيل السلطة التشريعية، إلى أن تمّ تشويه الديمقراطية، بإصدار قانون للانتخابات، أساء لسمعة النسبية، ولعن أباها. لكنه جاء على قياس باسيل، وكان للصوت “التفضيلي” الفضل في فوزه وفوز حزبه وأحزاب حلفائه. وبعد أن أكدت له، التجارب السابق ذكرها، أن التعطيل هو الوسيلة الأقدر على تحقيق الغايات، تمسك به وأدمنه، على اعتبار أن الغايات السيئة، لا تنضج ثمارها، إلا بالأفعال الأسوأ منها.

وهذا ما كان، عندما حان وقت إنجاز الموازنة، لإنقاذ البلد من إنهيار إقتصادي، لا يخفى على شاطر كجبران باسيل.

ظن “ملك التعطيل” أنه سيكون “ملك الشعبوية” أيضاً، بتأخيره إقرار الموزانة.

وهكذا، فكلما التأم جرح في مناقشة الموازنة، فتح باسيل مزاد الجراح. تارة تحت شعار الإصلاح. وتارة تحت شعار الدفاع عن الفقراء ومتوسطي الدخل.

أما وأن “الموازنة” تحمل اليوم أثقالها متجهة إلى قصر بعبدا، فمن منطلقات وطنية، لا بد من مناشدة باسيل وفريقه الوزاري بالقول: “هدوها ولا تهدوها”.

ولا بد كذلك من لفت الإنتباه إلى أن انقطاع الكهرباء في لبنان، لا يعني أن اللبنانيين لا يرون ما يدور وما يدبّر لهم.

نتمنى أن لا يبالغ باسيل في تسويق الوهم، عبر إصلاحات مبهمة يتوهم أنها ستنشل البلد.

عليه أن يدرك أنه بتأخير إقرار الموازنة، يكون قد ابتكر مذهباً إقتصادياً رابعاً، خارج المذاهب الإقتصادية الثلاثة، التي يعرفها العالم.

فلا هو، بسلوكه التعطيلي، رسخ النظام الرأسمالي الحر. ولا ذهب بالبلاد إلى النظام الإشتراكي، ولا بشر بالنظام المختلط.

إذا لم يتخل عن عروش الملكية في التعطيل والشعبوية، وإذا لم يعد إلى وعيه الوطني… فهو بذلك يقدم للعالم نظاماً إقتصادياً رابعاً… هو نظام الفوضى.

وليد الحسيني

وماذا عن “الفساد الأكبر”؟

walidفي زمن سينما “الأبيض والأسود”، كان التنافس شديداً بين محمود المليجي وفريد شوقي على لقب “وحش الشاشة”.

أما في زمن الألوان و”التلون”، فيتنافس على لقب “وحش الإصلاح” أكثر من حزب لبناني.

وكما كان تنافس المليجي وشوقي مجرد تمثيل بهدف التشويق والإثارة والتسلية، فإن تنافس “وحوش الإصلاح” هو تمثيل أيضاً، وإنما بهدف إبعاد الشبهة عن الـ “أنا” وإلصاقها بالـ “هو”. فالكل يرمي الآخر بحجارة الفساد، ليبعدها عن بيته الزجاجي.

والمستهجن أن الفساد قد عم وانتشر، وأصبح كالهوية اللبنانية، من حق الجميع أن يحملها. كما لو أن الشريف في لبنان هو شريف فقط لأن الفرصة لم تأته بعد.

والمستغرب أن أغلب رجال السياسة يزعمون أن وباء الفساد لم يصل إلى جيوبهم الطاهرة، وجميعهم يؤكد أنه من سلالة “شريف مكة”. ولكونهم من “أشرف الناس” يخوضون حرب “الإصلاح والتغيير”، ويقدمون “الوعد الصادق” بقطع رقاب “الشافطين” للمال العام.

وفات قسم كبير من شرفاء مكة وضواحيها، أن “الشفط” لا يقتصر على الأموال التي دخلت إلى خزينة الدولة، إذ ثمة “شفاطات” تقطع الطريق على المال العام، قبل أن يذهب إلى الخزينة.

وعملاً بفضيلة عدم التسمية، لا بد من الإمتناع عن تسمية “قطاع الطرق” هؤلاء… وترك أمر التسميات للقضاء… هذا إذا سمح له القدر بذلك.

ومن هنا يحق سؤال قادة الجهاد ضد الفساد: لماذا تتجاهلون “الفساد الأكبر”؟.

لقد اشتعلت البلاد وانشغلت بصخب الحديث عن “الفساد الأصغر”، المتمثل بالسؤال عن مصير الأحد عشر مليار دولار، التي يشتبه بأنها هدرت وسرقت. وهي شبهة يمكن إثباتها أو نفيها، لأن الفساد ترك وراءه آلاف الوثائق، التي توفر للقضاء إمكانية التدقيق، ومن ثم، الحكم بالبراءة أو الإدانة.

أما “الفساد الأكبر”، فهوالفساد الآمن الذي لا يترك خلفه أدلة وبصمات.

وللتوضيح:

يقول تقرير موثق، وموثوق دولياً، أصدره بنك عودة، أن ثمة خمسة مليارات دولار تضيع على خزينة الدولة سنوياً. ويذكر التقرير أنها عائدات لبضائع يتم تهريبها من المنافذ البرية والبحرية والجوية… و”على عينك يا جمرك”.

وإذا عدنا بالزمن إلى زمن النفوذ على “المنافذ”، سنجد أن أحدهم استولى على أكثر من خمسين مليار دولار، على مدار سنوات الهيمنة في البر والبحر والجو.

هذا المبلغ يعادل أكثر من نصف الدين العام، الذي يثقل كاهل لبنان. وهو أقل بقليل من خمسة أضعاف الأحد عشر ملياراً، التي تنصب لها الشباك وتخاض من أجلها المعارك.

إنه “الفساد الأكبر”. لكنه الفساد غير المرئي. فما تنقله الشاحنات من هذه المستودعات أو تلك، ينقل من دون أن يترك أثراً يدين الفاعل أو يدل عليه.

ولأنه فساد بلا بصمات، فمن السهل إتهامه بالإشاعات المغرضة والكاذبة والحاقدة… وليشرب ماء البحر ديوان المحاسبة، ومعه وزارة المال، ومعهما النيابة العامة المالية.

ومن لا يشرب ماء البحر… فليبلطه.

وليد الحسيني

إنتصار الصبر على العهر

walidأخيراً تشكّلت الحكومة وانتصر الصبر على العهر.

لا ننكر أن “دواء الوحدة الوطنية” الذي وصفه سعد الحريري لتأليف حكومة مستقرة ومستمرة، كاد أن يكون دواء مدمراً لخلايا المجتمع اللبناني. فنتائج انتخابات النسبية ساعدت على تعطيل مفعوله. وفي أغلب الحالات، كانت الوصفات الخارجية تمنع كتلاً وأحزاباً لبنانية من تناوله.

إلا أن الرئيس المكلف أصرّ على أنه الدواء الوحيد، الذي يعافي لبنان من الإنقسام الحاد، والذي يشفيه من الشلل النصفي الضارب باقتصاد الوطن ومعيشة المواطن.

يبقى السؤال المشروع:

كيف تحققت معجزة التأليف، وكان كل الظن أنها لن تتحقق؟

هنا لا بد من الاعتراف بنجاح الحريري في محاصرة حصار التعطيل.

لقد نفذت أمام صبره وإصراره، كل العقد المتاحة. ولم يعد هناك مفر من التسليم، ولكن من دون الاستسلام.

رضخ المعطلون فتنازلوا عن التعطيل … لكنهم لم يتنازلوا عن حصة الذئب الجائع للسلطة والتسلط.

وفي صراع طويل بين الحكمة وبين شهوة التحكم، كان لا بد من تنازلات عاقلة ترضي الرغبات المجنونة.

هذا ما كان.

وما كان ليكون لولا تضحيات ثلاث شخصيات، بتضحياتها أنقذت لبنان من الضياع والإنهيار.

أول ثلاثي الخلاص الرئيس سعد الحريري. فقد صبر إلى أن فقد المعطلون صبرهم. وتنازل في أكثر من موقع، فأوقغ “المعطلين” في حرج وطني فاضح.

وثانيهم الرئيس ميشال عون، الذي صبر على صبر الحريري، وساهم في تنازلات التسهيل.

وثالثهم سمير جعجع، الذي يمكن أن نطلق عليه منقذ اللحظة الأخيرة، بتخليه عن حقيبة الثقافة، مغلقاً بذلك آخر أبواب مصانع العقد.

المهم أن الحكومة قامت. وأن كل الضربات الموجعة لم تقصم ظهرها.

صحيح أنها حكومة “متعددة الجنسيات” ومكشوفة الولاءات، وبالتالي، لا يمكن أن نباهي بها إلا حكومة العراق، التي لا تزال تبحث عن وزراء لأهم الوزارات.

وحرصاً على الإنصاف، فإننا نسجل لهذه الحكومة إنصافها للمرأة. ومنصفها بلا منازع هو سعد الحريري. فهو الأجرأ على اختراق الحكومات الذكورية. وكان أكثر جرأة في تسليمها وزارة سيادية وحديدية في آن واحد.

يبقى أن التوافق هو أصعب ما سيواجه حكومة المهمات الصعبة. فبعد غياب عقد التأليف ستظهر عقد التآلف. ففي داخل مجلس الوزراء صقور تطير في فضاءات خارجية، تطمح دولها إلى السيطرة على القرارات اللبنانية السيادية. ولهذا فإن طاولة الاجتماعات مهددة بالتحول إلى ساحة حروب، كلما أثار جدول أعمالها جدلاً سياسياً يمس مصالح الدول النافذة في هذا الفريق أو ذاك.

لو أن جميع اللبنانيين لبنانيون فعلاً، لكانت دعوة الحريري إلى “العمل در” دعوة عملية. ولو أن “العقد” ليست كالقطط بسبع أرواح، وأنها جاهزة لـ”الخرمشة” في اللحظة المطلوبة خارجياً، لكنا آمنا بأن حكومة “إلى العمل” ستنطلق “إلى الأمام”. لكن “لو” عمرها ما عمّرت بيتاً أو طريقاً أو معمل كهرباء أو محرقة نفايات!!

وليد الحسيني