وماذا عن “الفساد الأكبر”؟

walidفي زمن سينما “الأبيض والأسود”، كان التنافس شديداً بين محمود المليجي وفريد شوقي على لقب “وحش الشاشة”.

أما في زمن الألوان و”التلون”، فيتنافس على لقب “وحش الإصلاح” أكثر من حزب لبناني.

وكما كان تنافس المليجي وشوقي مجرد تمثيل بهدف التشويق والإثارة والتسلية، فإن تنافس “وحوش الإصلاح” هو تمثيل أيضاً، وإنما بهدف إبعاد الشبهة عن الـ “أنا” وإلصاقها بالـ “هو”. فالكل يرمي الآخر بحجارة الفساد، ليبعدها عن بيته الزجاجي.

والمستهجن أن الفساد قد عم وانتشر، وأصبح كالهوية اللبنانية، من حق الجميع أن يحملها. كما لو أن الشريف في لبنان هو شريف فقط لأن الفرصة لم تأته بعد.

والمستغرب أن أغلب رجال السياسة يزعمون أن وباء الفساد لم يصل إلى جيوبهم الطاهرة، وجميعهم يؤكد أنه من سلالة “شريف مكة”. ولكونهم من “أشرف الناس” يخوضون حرب “الإصلاح والتغيير”، ويقدمون “الوعد الصادق” بقطع رقاب “الشافطين” للمال العام.

وفات قسم كبير من شرفاء مكة وضواحيها، أن “الشفط” لا يقتصر على الأموال التي دخلت إلى خزينة الدولة، إذ ثمة “شفاطات” تقطع الطريق على المال العام، قبل أن يذهب إلى الخزينة.

وعملاً بفضيلة عدم التسمية، لا بد من الإمتناع عن تسمية “قطاع الطرق” هؤلاء… وترك أمر التسميات للقضاء… هذا إذا سمح له القدر بذلك.

ومن هنا يحق سؤال قادة الجهاد ضد الفساد: لماذا تتجاهلون “الفساد الأكبر”؟.

لقد اشتعلت البلاد وانشغلت بصخب الحديث عن “الفساد الأصغر”، المتمثل بالسؤال عن مصير الأحد عشر مليار دولار، التي يشتبه بأنها هدرت وسرقت. وهي شبهة يمكن إثباتها أو نفيها، لأن الفساد ترك وراءه آلاف الوثائق، التي توفر للقضاء إمكانية التدقيق، ومن ثم، الحكم بالبراءة أو الإدانة.

أما “الفساد الأكبر”، فهوالفساد الآمن الذي لا يترك خلفه أدلة وبصمات.

وللتوضيح:

يقول تقرير موثق، وموثوق دولياً، أصدره بنك عودة، أن ثمة خمسة مليارات دولار تضيع على خزينة الدولة سنوياً. ويذكر التقرير أنها عائدات لبضائع يتم تهريبها من المنافذ البرية والبحرية والجوية… و”على عينك يا جمرك”.

وإذا عدنا بالزمن إلى زمن النفوذ على “المنافذ”، سنجد أن أحدهم استولى على أكثر من خمسين مليار دولار، على مدار سنوات الهيمنة في البر والبحر والجو.

هذا المبلغ يعادل أكثر من نصف الدين العام، الذي يثقل كاهل لبنان. وهو أقل بقليل من خمسة أضعاف الأحد عشر ملياراً، التي تنصب لها الشباك وتخاض من أجلها المعارك.

إنه “الفساد الأكبر”. لكنه الفساد غير المرئي. فما تنقله الشاحنات من هذه المستودعات أو تلك، ينقل من دون أن يترك أثراً يدين الفاعل أو يدل عليه.

ولأنه فساد بلا بصمات، فمن السهل إتهامه بالإشاعات المغرضة والكاذبة والحاقدة… وليشرب ماء البحر ديوان المحاسبة، ومعه وزارة المال، ومعهما النيابة العامة المالية.

ومن لا يشرب ماء البحر… فليبلطه.

وليد الحسيني

Advertisements

إنتصار الصبر على العهر

walidأخيراً تشكّلت الحكومة وانتصر الصبر على العهر.

لا ننكر أن “دواء الوحدة الوطنية” الذي وصفه سعد الحريري لتأليف حكومة مستقرة ومستمرة، كاد أن يكون دواء مدمراً لخلايا المجتمع اللبناني. فنتائج انتخابات النسبية ساعدت على تعطيل مفعوله. وفي أغلب الحالات، كانت الوصفات الخارجية تمنع كتلاً وأحزاباً لبنانية من تناوله.

إلا أن الرئيس المكلف أصرّ على أنه الدواء الوحيد، الذي يعافي لبنان من الإنقسام الحاد، والذي يشفيه من الشلل النصفي الضارب باقتصاد الوطن ومعيشة المواطن.

يبقى السؤال المشروع:

كيف تحققت معجزة التأليف، وكان كل الظن أنها لن تتحقق؟

هنا لا بد من الاعتراف بنجاح الحريري في محاصرة حصار التعطيل.

لقد نفذت أمام صبره وإصراره، كل العقد المتاحة. ولم يعد هناك مفر من التسليم، ولكن من دون الاستسلام.

رضخ المعطلون فتنازلوا عن التعطيل … لكنهم لم يتنازلوا عن حصة الذئب الجائع للسلطة والتسلط.

وفي صراع طويل بين الحكمة وبين شهوة التحكم، كان لا بد من تنازلات عاقلة ترضي الرغبات المجنونة.

هذا ما كان.

وما كان ليكون لولا تضحيات ثلاث شخصيات، بتضحياتها أنقذت لبنان من الضياع والإنهيار.

أول ثلاثي الخلاص الرئيس سعد الحريري. فقد صبر إلى أن فقد المعطلون صبرهم. وتنازل في أكثر من موقع، فأوقغ “المعطلين” في حرج وطني فاضح.

وثانيهم الرئيس ميشال عون، الذي صبر على صبر الحريري، وساهم في تنازلات التسهيل.

وثالثهم سمير جعجع، الذي يمكن أن نطلق عليه منقذ اللحظة الأخيرة، بتخليه عن حقيبة الثقافة، مغلقاً بذلك آخر أبواب مصانع العقد.

المهم أن الحكومة قامت. وأن كل الضربات الموجعة لم تقصم ظهرها.

صحيح أنها حكومة “متعددة الجنسيات” ومكشوفة الولاءات، وبالتالي، لا يمكن أن نباهي بها إلا حكومة العراق، التي لا تزال تبحث عن وزراء لأهم الوزارات.

وحرصاً على الإنصاف، فإننا نسجل لهذه الحكومة إنصافها للمرأة. ومنصفها بلا منازع هو سعد الحريري. فهو الأجرأ على اختراق الحكومات الذكورية. وكان أكثر جرأة في تسليمها وزارة سيادية وحديدية في آن واحد.

يبقى أن التوافق هو أصعب ما سيواجه حكومة المهمات الصعبة. فبعد غياب عقد التأليف ستظهر عقد التآلف. ففي داخل مجلس الوزراء صقور تطير في فضاءات خارجية، تطمح دولها إلى السيطرة على القرارات اللبنانية السيادية. ولهذا فإن طاولة الاجتماعات مهددة بالتحول إلى ساحة حروب، كلما أثار جدول أعمالها جدلاً سياسياً يمس مصالح الدول النافذة في هذا الفريق أو ذاك.

لو أن جميع اللبنانيين لبنانيون فعلاً، لكانت دعوة الحريري إلى “العمل در” دعوة عملية. ولو أن “العقد” ليست كالقطط بسبع أرواح، وأنها جاهزة لـ”الخرمشة” في اللحظة المطلوبة خارجياً، لكنا آمنا بأن حكومة “إلى العمل” ستنطلق “إلى الأمام”. لكن “لو” عمرها ما عمّرت بيتاً أو طريقاً أو معمل كهرباء أو محرقة نفايات!!

وليد الحسيني

“تلة” بيروت

walidلبنان معشوق، لا يحترم العشاق، ولا يملك مشاعر العاشق.

كل الأحاسيس العربية كانت تذوب هياماً أمام إغراء لبنان جبلاً وبحراً وأثراً… وشعباً.

جميع العرب أحب فيه الثقافة والصحافة والحرية والديمقراطية والجامعة والمستشفى… و”الكباريه”.

لكل عربي فيه ليلاه.

لكن هذا كان، قبل أن ينقلب وطن الجمال، من أحسن حال، إلى أسوأ الأحوال.

الجبال الخضراء، أصابها الصلع بفعل المقالع العشوائية.

الهواء العليل تحول إلى علل بفضل  التلوث.

الأنهار الصافية ملأت مجراها المجاري.

الشواطئ الرملية الذهبية أصبحت مكباً للنفايات.

الينابيع العذبة إختلطت بالصرف الصحي.

الخضار والفواكه تنمو بالمياه الملوثة والمسرطنة.

هذا في الطبيعة. أما في السياسة والتحولات الإجتماعية، فقد تم استبدال الصلاحيات الدستورية بالمصالح المذهبية.

لم يعد اللبنانيون أصدقاء لهذه الدولة العربية أو تلك، بعد أن انقسموا إلى أعداء لهذا النظام أو ذاك.

تغيّر الإنتماء من عرب وفينيقيين، إلى عرب وفرس.

اندثرت عادة العرفان بالجميل، وحل محلها الجحود والنكران.

سقط شعار “يا هلا بالضيوف”، لتشهر بوجههم السيوف.

إذاً، نحن اليوم غير ما كنا بالأمس.

ومن باب استغراب المستغرب، لماذا نستغرب تحول قمة الملوك والرؤساء والأمراء إلى “تلة”، بالكاد ترتفع إلى مستوى وزراء الخارجية؟.

وتأكيداً لانحدار أخلاقنا السياسية، نلجأ إلى تبرئة أنفسنا، باتهام القيادات العربية بالعمالة. وأنهم غابوا عن “قمة بيروت الإقتصادية” لأن أميركا أمرتهم بذلك. وفاتنا أن نشيد بتمرد رئيس موريتانيا وأمير قطر على تعليمات ترامب الإلزامية… وكأنهما من أحفاد تشي غيفارا!.

إنه العذر الأقبح من ذنب التهديد والوعيد، الذي ارتكبناه.

من المعيب أن نقدم على الإساءة لسمعة 19 ملكاً ورئيساً وأميراً، بهذا القدر من الإهانة. وأن نعتبرهم عملاء غب الطلب.

لكن، من نعم العرب علينا، أن قياداتهم ما زالت حريصة على لبنان. وتدرك أن ما قيل من البعض، قد تم تقويله لهم إيرانياً. ولهذا لم تأخذها ردة الفعل، إلى مقاطعة عربية للبنان. لو تمت، لتقطعت أوصاله الدبلوماسية، ولانقصم ظهره السياسي والإقتصادي.

لقد نظر القادة، بإمعان ومسؤولية، إلى النصف الممتلئ من الكأس السياسي اللبناني… واعتبروا النصف الفارغ كلاماً فارغاً.

ومما لا شك فيه، أن التصرف الحكيم من الرئيسين عون والحريري، ومعهما كثر، قد ساهم في التخفيف من الغضب العربي الرسمي، الذي لو انفجر، لتحولت “تلة بيروت” الإقتصادية، إلى قمة الإنتقام من لبنان، وبالتالي، تدمير علاقاته العربية والدولية.

صحيح، أن لا أحد ينتظر من “قمة الغياب” المعجزات والمنجزات. فقد تعودنا، حتى في “قمم الحضور الكبير”، على قرارات تسرف بإغداق العواطف والوعود… وهي أيضاً قرارات نسي المجتمعون أنهم سبق واتخذوها من قبل.

ورغم معرفتنا المزمنة، بأننا أمام قمة أخرى من قمم القرارات الوهمية، فلا مفر من احترام انعقادها في بيروت… حتى لو استمر أبطال الفشل بالسعي لإفشالها.

وليد الحسيني

منع التأليف أم سحب التكليف؟

walidفجأة غادر حزب الله مدرج المتفرجين ونزل إلى الملعب، قاذفاً بكرة الحكومة إلى شباك المجهول.

كان الحزب مرتاحاً لأداء الحلفاء وكان يكتم إعجابه بأدائهم، كي لا ينكشف ما في نفس يعقوب.

لكن العقد، التي أشعلت العلاقات حيناً بين التيار والقوات، وعطلت مفاوضات التشكيل في كل الأحيان، ما لبثت أن تراجعت إلى تسوية وطنية، كادت تفرج عن الحكومة الموعودة.

ولأن المطلوب، من قبل قوى الممانعة، منع التأليف وصولاً إلى سحب التكليف، إضطر حزب الله على نزع اللثام عن وجهه، ومن ثم، مواجهة الأمر بنفسه… وعلى المكشوف.

ولقراءة صحيحة لما حصل ويحصل، نعود إلى أسابيع قليلة مضت، عندما نصح السيد نصر الله بالتوقف عن تحديد مهل لتشكيل الحكومة. وهو بذلك كان يحيل أزمة التأليف إلى زمن مفتوح.

قبل هذه النصيحة، علينا أن نتذكر بأن نواب حزب الله التزموا، في الاستشارات الملزمة، بعدم تسمية سعد الحريري لرئاسة الحكومة. أي أنهم منذ البداية يعتبرون الحريري العقدة الغير قابلة للحل، إلا بأن تحل مكانه شخصية سنية برتبة “نصير”.

إذاً، كل ما كان يقال عن تأييد الحريري وتسهيل مهمته، كان كلاماً جميلاًَ، قيل على سبيل المجاملة.

تتحجج “كتلة الوفاء للمقاومة” بالوفاء للسنة الستة. فلا حكومة إذا لم يقم الحريري بتوزير أحدهم.

والسؤال: هل كل من كان وفياً للمقاومة يستحق منصباً… ونصيباً من وفاء المقاومة له؟.

لا نعرف عن النواب الستة أنهم انتشروا على جبهات منازلة إسرائيل، نقول هذا لنصل إلى السؤال الأكبر: هل حق هؤلاء في التوزير أهم من حق لبنان في حكومة تنقذ اللبنانيين، من الوصول إلى يوم يصبح فيه الدخل لا دخل له في تأمين مستلزمات الحياة. وتنقذ لبنان، الذي كان يجذب السائحين على اعتباره جنة الله، فإذا به مقبرة للنفايات، ومحاصر بمحارق الزبالة، وأن في بحاره تلوثاً لا تحتمله عافية… وفي هوائه يتناسل السرطان، وفي خضاره تستولد الأمراض الخطيرة.

يبدو أن كل هذا لا يهم. فالمرحلة القادمة لا تحتمل حكومة لا يحكمها حزب الله. فالعقوبات الأميركية على إيران والحزب نفسه، تستدعي وجود حكومة، تغض النظر عن مخالفة عقوبات ترامب، حتى ولو أدى ذلك إلى معاقبة لبنان. فالليرة اللبنانية ليست أعز من الريال الإيراني.

إن دور لبنان المالي والتجاري يجعله وسيلة مثالية للتحايل على العقوبات الأميركية. سواء بانتقال الأموال، أو بتوفير قطع الغيار والمستلزمات الصناعية الإيرانية. وهذا لا يتم بوجود حكومة ترفع شعار لبنان أولاً. فالمناسب “شرعياً”، إما حكومة متحررة من المستوجبات الدولية. أو دولة بلا حكومة، تفلت فيها المطارات والمرافئ والمعابر ودكاكين الصرافة.

هذه النهايات الخطيرة المفترضة، دفعت الرئيس ميشال عون إلى إعلان مواقف لم يتوقعها حزب الله. لأنه هو نفسه لم يتوقع أن تكون هذه مواقف حزب الله من حكومة العهد الأولى.

لذلك نقول للرئيس القوي: إذا كان ثمة أعداء فيستحسن البحث عنهم في قائمة الأصدقاء والحلفاء.

وليد الحسيني

الآمرون الناهون

walidهل فعلاً يُحكم العالم من تل أبيب؟.

رغم أن ديمقراطيتهم تنفي ذلك، إلا أن الواقع لا يخبرنا بغير ذلك.

غريب!!.

في أي أوروبا مررت، وفي أي الأميركيتين تنقلت، تجد العداء لليهود مستمراً، منذ أن صلبوا السيد المسيح. لكن عند الإنتقال إلى الحكومات، تبدو كراهية العرب هي الإستراتيجية الثابتة.

في حروبنا مع إسرائيل، باعنا الغرب أسلحة ناقصات عقل وتقنية. وتخلص الشرق من مخلفاته العسكرية في أسواقنا المتلهفة لأي سلاح.

إنها فلسفة المصالح. فنحن في كل الحسابات بقرة نفطية حلوب. لو أحسنا بذر عوائدها، كما نحسن تبذيرها، لكانت وسيلة لإنتاج مجتمع منتج، يستطيع أن ينتقل بنا من مرتبة “بياع كاز” إلى منافس لاقتصاديات الدول الكبرى.

لكن، ولأن مصالحهم لا تحتمل مصالحنا، كان هذا الإجماع الدولي على تفتيت الأمة العربية وتفكيكها إلى مذهبيات تلد ميليشيات. وإلى ميليشيات تلد حروباً أهلية.

يبدو أننا لا نستطيع إلا أن نكون كما تريدنا الولايات المتحدة.

مجاهدون ضد السوفيات في افغانستان… جاهدنا.

داعمون لمصانع أسلحتها… دعمنا.

متفاوضون مع إسرائيل… تفاوضنا.

متعاهدون، متصالحون، معترفون… تعاهدنا وتصالحنا واعترفنا.

لكن زمن السمع والطاعة يتطور. فلم تعد أميركا هي الآمر الناهي الوحيد. فوضعنا العربي المترنح والمثقل بالجراح والصراعات والإنقسامات، جعل منطقتنا مجمعاً دولياً لنفوذ متعدد الولاءات ومتضارب الإتجاهات.

منا من بقيت الولايات المتحدة آمره وناهيه.

ومنا من فرضت عليه روسيا أوامرها ونواهيها.

ومنا من لجأ مجبراً إلى سلطنة الباب العالي مستجيراً من الرمضاء بالنار.

ومنا من انتزعته المذهبية من قوميته العربية، المكبلة بالخلافات، إلى القومية الفارسية الفالتة بالطموحات.

إننا اليوم فعلاً، كما تنبأ الرسول الكريم، القصعة التي تكالبت عليها الأمم.

ولأن لا حل لهذا الحال… يدفعنا الدفاع عن النفس إلى التفكير بمصيرنا اللبناني الذي يساق حثيثاً باتجاه المجهول.

صحيح أن ساعة الحكومة آتية لا ريب فيها، لكنها كساعة القيامة علمها عند ربي. فجبران باسيل لا يتعب من الصعود إلى قمة التعطيل. وسمير جعجع يرفض النزول إلى قعر التسهيل.

وسط التأرجح الممل والمحبط بين التسهيل والتعطيل، لا يمكن إقناع اللبنانيين بأن الرئيس القوي لا يقوى على “الصهر الأقوى”.

التشاطر لم يعد شطارة. فما يعطيه رئيس الجمهورية من تسهيلات باليمين… يخطفه رئيس التيار باليسار.

الآن بلغت الأزمة منتهاها. وباستمرارها يخسر العهد كل ما تعهد به.

وعلى الجميع إدراك أن نجاة لبنان من مصير محيطه حالة شاذة… فلا تخسروها فتخسروا لبنان، بسياسات فيها الكثير من الشذوذ الوطني… وبالذات في بلد يتقاسم القرار فيه الآمرون والناهون من أميركان وروس وإيرانيين وأتراك… ودول شتى.

وليد الحسيني

القناعة حكم لا يفنى

walidلا نحن المتنبي، ولا سيف “العهد” هو سيف الدولة. لهذا نعتذر من جبران باسيل، لأننا لن نكيل له المدائح، في رده غير المسبوق، على أكاذيب نتنياهو الصاروخية.

رغم تقصيرنا المعيب، نعترف بأن الجولة الدبلوماسية، التي قام بها سيف “العهد” في ملعب “العهد”، كانت مباراة رائعة. سجل خلالها قلب الهجوم، أي رأس الدبلوماسية اللبنانية، عدة أهداف في مرمى العدو الإسرائيلي. فبفضل ركلاته “الصاروخية”، تأكدت دبلوماسية العالم، من أن الملعب ملعب. والمدرج مدرج. ونتنياهو كذاب.

بمعنى آخر، أكدت الهمروجة، بالدليل العيني القاطع، أن لا صواريخ على المدارج. ولا منصات على أرض الملعب.

أما وقد كان الذي كان من نصر باسيلي، فمن حق اللبنانيين، بعد هذا الإنتصار المبين، الإلتفات قليلاً إلى “القشور” اللبنانية.

بعيداً عن “صواريخ” نتنياهو الوهمية، نجد بين أحضاننا “صواريخ” جبران باسيل الحقيقية، التي آخر قصف لها، أصاب تفاؤل سعد الحريري بمقتل. فما كاد الرئيس المكلف يعلن، أن الحكومة ستشكل خلال عشرة أيام، حتى بادر “رئيس التيار” إلى السير عكس التيار، معلناً أن تفاؤل الحريري وهم… وأن مسيرة التشاؤم مستمرة.

ومع فتح باسيل لمنجم الإحباط اللبناني، لم يتوانَ ملك الدبلوماسية من ممارسة لعبة “البراءة من دم يعقوب”. فالآخر هو المعطل.

أما الذي يريد أن يلتهم “المائدة الحكومية”، ولا يريد أن يشبع، فهو الذي يزعمون أنه يزيل عقبات التأليف.

وفي تفسير، لا سلطان للعقل والمنطق عليه، فإن الطرف الذي قبل بالحد الأدنى من التمثيل الحكومي، فهو الذي يزعمون أنه يضع الحد الأعلى من العقبات في وجه ولادة الحكومة.

يحدث كل هذا، في كل يوم. ولا يملك سعد الحريري سوى أن يدس وجع التأليف في صدره.

إن حرص الحريري، على إخفاء مصدر الطعنات الموجهة لحكومة الوحدة الوطنية، يؤكد حرصه على “التسوية” وعلى إنقاذ “الرئيس القوي” من استهلاك قوته ونفادها، في الصعود إلى قمة المطالب، التي يستحيل بلوغها، من دون فتح أبواب لبنان، لجحيم الإنقسام السياسي، واهتزاز الاستقرار الإجتماعي، وإنتشار الرعب الإقتصادي.

لم يعد مجدياً إختراع معايير التأليف، مع غياب معيار إخراج لبنان من دوائر الخطر.

إن استراتيجية جبران باسيل المعتمدة في تشكيل الحكومة، هي متعمّدة عدم تشكيل الحكومة. وهو إذا لم يتراجع عن سياسته، ويتواضع في مطالبه، يكون قد سلب من رئيسه صفة “القوي”، التي تعتبر النشيد الوطني للتيار الحر.

لقد علّمنا لبنان، ولا نظن أن باسيل لا يعلم، بأن القوة لا تستمر بتأييد أصحاب الأكتاف، التي تعودت نقل البنادق. ولا بتأييد الأفواه التي تعرف جيداً من أين يؤكل لحم الكتف. ولا بتأييد الألسنة الطليقة والمطلّقة للحقيقة والموضوعية.

هذه نعم لا تدوم… وهي في لبنان سريعة الذوبان.

وأخيراً نصيحة للتيار الوطني الحر، من أجل البلد ورئيسه القوي، لا تبالغ وتذوب عشقاً في المناصب والمكاسب… وإذا أردت أن تبقى حاكماً قوياً… فاعلم أن القناعة حكم لا يفنى.

وليد الحسيني

لن نكذب

walidلن نكذب، لمجرد أن قول الحقيقة لا يناسب وضع البلد.

سنمضي بما لا تشتهي سفن التسوية المثقوبة.

لن نكذب، ونصرّ على الحقيقة الخارجة على التقاليد السياسية اللبنانية.

في الحقائق:

لا يكفي أن يكون من هو فوق فوق الشبهات، طالما أن الإستيلاء على الغنائم ما زال مباحاً ومتاحاً.

لا يكفي إشهار شعار “بي الكل”، ليكون كذلك. خصوصاً بعد أن جرى إنكار أبوة تفاهم معراب. والتشكيك بأبوة تسوية بيت الوسط. وبالأخص بعد أن ثبت أن الأبوة لم تثبت، شرعاً وشرعية، إلا للتيار الوطني الحر.

كما لا يكفي إعلان التمسك بـ “النأي بالنفس”، وفي الوقت نفسه، يتم تبرير الإنتشار المتعدد الإتجاهات لرجال “حزب الله” من سوريا إلى العراق إلى اليمن مع تربص مكشوف على أبواب دول الخليج العربي.

وكذلك، لا يمكن إستغفال الدستور، الذي منع الرئيس من التصويت، باغتصاب ثلاثة أصوات في مجلس الوزراء!!.

وبعد،

صحيح أن الفساد بذرة فينيقية قديمة، وأنه لا ينتمي إلى عهد بذاته، لكن الأصح، أنه في السنوات الأخيرة، قوي عظمه، واشتدت عضلاته، وبلغت وقاحته ذروة الوقاحات.

وعود بعطاءات إجتماعية، ما زالت وهمية. وهي لذلك لن تصل باللبنانيين إلى مستوى السويديين، في حين أنها لن تمنعهم من الإنحدار إلى مستوى البنغلاديشيين.

مديونية خطيرة، من الإجرام معالجتها بفرض الضرائب. فهذا العلاج الجراحي سيؤدي حتماً وحكماً إلى نقل عدوى المديونية من الدولة إلى المواطن.

أما في حل أزمة الكهرباء المزمنة، فمن الغباء الأخذ بوصفة “أبو النواس” فداوها بالتي كانت هي الداء. أي بإقراض شركة الكهرباء من دولة تستجدي القروض.

ومن حق الشعب اللبناني الإعتراض على معالجة كارثة النفايات بالمحارق. فهذه معالجة ينطبق عليها أيضاً المثل الشعبي القائل “جاء ليكحلها فعماها”. فالمحارق التي إذا نظفت الأرض فإنها تلوث الهواء بالسم القاتل.

وفوق كل هذا، ماذا يفيد تعطيل تشكيل الحكومة… وقد تكسرت، بالنسبة للبنانيين، النصال على النصال.

إن إشتراط التأليف بالأخذ بنتائج الإنتخابات هو كمثل أفريقي فاز بمعطف واشترط على السماء أن تهطل على بلاده الثلوج.

نتائج الإنتخابات يا عباقرة التشريع مكانها مجلس النواب لا مجلس الوزراء. هناك تحاسب الحكومة بسحب الثقة أو منحها. أما في تشكيل الحكومة فنتائج الإنتخابات مجرد شيك بلا رصيد.

هذه ليست قراءة في المجهول.

المكتوب معروف من عنوانه.

لكن كيف سيكون الحال عندما تطغى تسريحات العمال على تصريحات “الإنجازات”. وعندما تعلو صرخات التعتير والفقر على هتافات المهرجانات الحزبية. وعندما يجتاح لبنان واقع مرضى بلا دواء. وجوعى بلا رغيف. وشباب بلا عمل. وخزينة بلا مال… هل هناك حينئذ من يجرؤ على إدعاء الاصلاح والتغيير.

بصراحة:

نعم يجرؤون.

وليد الحسيني