إنقلاب على لبنان!

walidفي لبنان إنقلب المنطق على المنطق. فتحولت “الإشاعات” إلى حقائق، و”الحقائق” إلى إشاعات.

ومن علامات المنطق المقلوب أيضاً، ورغم براءة الزميل رفيق شلالا يقينياً من إرتكاب هذا الإثم، قيام مكتب إعلام رئاسة الجمهورية بدور النائب العام. فقد هدّد، ببيان رسمي، بملاحقة “المجرمين” الذين يسيؤون إلى مكانة الدولة المالية!. ولا ندري إذا كان سينال بتهديده من مدير مؤسسة “فيتش” الأميركية، وبالتالي، معاقبته على تصنيفه السلبي للبنان، مسبباً هز سمعة البلاد المالية في العالم.

ولا ندري كذلك، ما إذا كانت النيابة العامة الرئاسية المستحدثة، ستستدعي الرؤساء الثلاثة للتحقيق حول تصريحاتهم، التي لم تسقط بمرور الزمن، والتي أساءت، بشكل غير مسبوق، لمكانة الدولة المالية. وهي تصريحات مثبتة بالصوت والصورة… والنتائج، التي شكلت بداية تراقص الليرة المذبوحة من الألم.

واستمراراً في اللامنطق، يجري تهميش “محكمة المطبوعات” باستيلاء محاكم الجزاء على زبائنها من كتاب ومن “زبانية” الرأي وحرية التعبير. ويتم ذلك من خلال بدعة “جرائم المعلوماتية”، التي أطلت علينا من خارج أي نص في قانون العقوبات… فهي ليست أكثر من خارج عن القانون يتولى تنفيذ القانون.

أما العدالة، فلم تعد على مسافة واحدة، بين من هزل وضعف دخله، وبين من أتخمت وتضاعفت مداخيله. فالدولار “المدعوم” يدعم فقط كبريات الشركات وكبار التجار. أما العامة فعليهم الركض وراء الدولار الفالت على حل شعره، لدفع فاتورة الخلوي وقسط السيارة وثمن تذكرة السفر… وغير ذلك الكثير من المقدر وغير المقدور عليه.

إن ما يحصل للبنانيين يتجاوز خلطة الحابل بالنابل.

إنها الفوضى التي لم تبلغها الحرب الأهلية السيئة الذكر، والتي تبين أنها أخف وطأة من أثقال السلم الأهلي، الذي نعيش فيه الآن، والذي يعتاش منه الفساد، وتنصب فيه الكمائن السياسية، وتقوم باسمه “تفاهمات” أبغض الحلال.

أيامها، كنا نعرف من مع من.

ومن ضد من.

ومن يقصف من.

ومن ينسّق مع من.

اليوم كل التحالفات حبلى بالخصومات. وهي إما تحالفات “كالنسكافيه” سريعة الذوبان. وإما خصومات “كالقطة” بسبع أرواح.

ترى ماذا بقي من لبنان الذي يعرفه العالم؟.

الحرية؟ لولا اعتراض سعد الحريري، لخضعت لخيار “تَمدح أو تُسجن”.

المساواة؟ لقد تم فرزها إلى “سمنة وزيت”.

العدالة؟ لم تعد تحلّ نعمها إلا لمن قال “نعم”.

الديمقراطية؟ إنحازت إلى تغليب رأي الأقلية المسلحة، على رأي الأكثرية المنزوعة السلاح.

رغم كل ما فقده لبنان من حرياته التاريخية، وديمقراطيته الراسخة،… بقي له “العهد القوي” الذي يستطيع أن يباهي به الأمم… وعين الحسود فيها عود، وبتعبير قد لا يليق، تبلى بالعمى.

 

 وليد الحسيني

Advertisements

من هو “القرش الأبيض”

walidحشرجة الليرة اللبنانية، ليست تهيؤات إعلامية مضخمة ومشبوهة، كما يزعم “حكواتية” الإقتصاد وجهابذته.

ولا إحتضار شركات القطاع الخاص، كذبة قابلة للتكذيب.

ولا شح الخزينة العامة، إشاعة يروّجها متعهدون، يطرقون أبواب الدولة، فتغلق وزارة المال أبوابها بوجه مستحقاتهم المزمنة.

ولو لم يكن “شر البلية ما يضحك”، لما ضحك اللبنانيون من طمأنتهم بأن مصارفهم مُتخمة بمليارات الدولارات. فجاءت طمأنتهم هذه أشبه بطمأنة الفقير الجائع، بأن مطاعم البلد تزخر بأشهى المأكولات وأفخر الأطباق.

الآن، وقد تجاوزنا توقع الإنهيار إلى الوقوع به، فإن إنكاره لا ينطلي على اللبناني الشاطر، ولا يطلي تشوهات قوة “العهد القوي”.

وتتفاقم المشكلة عندما نرى الإنهيار عاجزاً عن ردع السياسيين من إصطياد الشعبية، ولو في مياه عكّرها الإفلاس المالي، الذي يخوض سباقاً صعباً مع أموال سيدر، التي تتجه إلينا كسلحفاة، ترفض التحرك قبل تنظيف أرض السباق من الفساد والهدر.

أما وقد حلت الأيام السوداء… فهل من “قرش أبيض” خبأناه لمواجتها؟.

لا شك أنه في مكان ما… فما هي علاماته ومواصفاته؟.

لا بد أن يكون ممن تمتد جسوره إلى جهات العالم الأربع. بحيث إذا استعان بالفرنسي أعانه. وإذا تحدث إلى الأميركي أصغى له. وإذا لجأ إلى الروسي لبّاه. وإذا طلب من السعودي أعطاه. وإذا سأل الإماراتي أجاب واستجاب. وإذا استنجد بالمصري أنجده.

ترى من في لبنان يحظى بكل هذه المواصفات ليفوز بلقب “القرش الأبيض”؟.

علمتنا “السوابق” أن لا نلجأ إلى مجلس الخدمة المدنية، بإخضاع الطامعين باللقب، إلى إمتحانات، تنقع نتائجها وتشرب مياهها.

إذاً، لنستعرض قياداتنا واحداً واحداً، للتفريق بين من تمكّنه مواصفاته من أن يكون “القرش الأبيض”، وبين من لا يمكن أن يكونه.

نبدأ بالرئيس ميشال عون، ونستبعده في آن. لكونه تخلى لصهره عن سطاته الحزبية وعلاقاته الخارجية.

وخلافاً للتراتبية، ننتقل إلى جبران باسيل. فهذا الزعيم الشعبوي حريص على الإنتشار، حيثما انتشر اللبنانيون في العالم. ففي كل أسفاره، التي لا تحصى، ينحصر نشاطه بين مغترب “الكرين كارد”، والمغترب المتجذر من مئات السنين.

وبالوصول إلى سمير جعجع، نصل إلى حكيم متواضع. يعترف بأن كلمته إذا أسمعت في السعودية، فلن تجد من يستمع إليها في البيت الأبيض والإيليزيه والكرملين… ولا حتى في قصر الإتحادية المصري.

أما سليمان فرنجية فهو يملك وفاءً، يمنعه من السير في طريق غير طريق الشام.

يبقى وليد جنبلاط. عالم أسرار السياسات الدولية، وبوصلة الأحداث المحلية. لكنه رغم ذلك جرب كل الطرق… وقد طال به السفر… ولم يصل إلى صنعاء.

وسط كل هؤلاء يبرز سعد الحريري كمؤهل، خارج المنافسة، للفوز بلقب “القرش الأبيض”.

إنه المحاولة الوحيدة المتاحة، للخروج بالبلد من “غرفة الإنعاش”… إلى الإنتعاش.

فاتركوه يعمل من أجل لبنان، لاصلاح ما عملتموه بلبنان… ولإنقاذ اللبنانيين من غضب الله والدولار. 

 وليد الحسيني

“حضانة” التلاقي والحوار

walidنعم، خدعنا 165 دولة، وجعلناها تقر بأن يكون لبنان مقراً لـ “أكاديمية التلاقي والحوار”.

يقول الرئيس عون، صاحب مبادرة الأكاديمية وراعيها، أن القرار الأممي “سوف يضع لبنان في موقعه الطبيعي الرائد على صعيد الحوار بين الثقافات والأديان”.

تصوّر يا فخامة الرئيس، أننا أساتذة العالم في علوم التلاقي وأصول الحوار!!.

من يصدّق؟… وواقعنا أصدق إنباء من المبررات المنمقة، التي أغدقتها الزميلة أمل مدللي، على مسامع وفود الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ترى هل يوجد لبناني قبض هذه المزحة عن جد؟.

وهل فعلاً كانت الدول الـ 165 بكامل قواها العقلية، عندما اختارت لبنان، ليعلّم الخلق أخلاق التلاقي والحوار؟!.

أليست حواراتنا تدل علينا؟.

ها هو “حوار معراب” ينقلب سريعاً على نفسه. ويتحول من نص للتفاهم، إلى منصة للإدانات وتراشق الإتهامات.

إذاً، كيف يكون لبنان رائداً للتلاقي، والطائفة الواحدة طوائف… والمذهب الواحد مذاهب؟!.

ومن أين لنا أن نلتقي، وكلّ منا يمضي في طريق؟.

مسيحياً، وأنت الأدرى يا فخامة الرئيس، أن قوة “تيارك” في إضعاف القوات. وبأن “جبرانك” يضمر شراً لمردة فرنجية. وبأن أرتذوكس “ميرنا شالوحي”، عند الأرتذوكسيين عامة، فقاعات باسيلية.

أما إسلامياً، فالوضع لا يحتاج إلى من يخبّر.

في السنة، لا تعترف أكثريتها بأقلية تعيش في جلباب السيد خامنئي.

وعند الشيعة، يتوافق “حزب الله” و”حركة أمل” على نشر رماد التحالف الظاهر فوق جمر الخلاف المبطن.

حتى الجناح الثالث في الإسلام، لم يسلم من الأزمات الكبرى. خصوصاً بعد أن فشل “كيوبيد” الدروز في بناء جسر المحبة بين الجنبلاطية والأرسلانية. والأخص بعد أن أخطأت أسهمه طريقها، وسقطت خبط عشواء على طرقات خلدة وقبرشمون.

وإذا نزلنا في “التلاقي” إلى دركه الأسفل، سنجد في “بلدية الحدث” حدثاً، ستتناقله الركبان من جيل إلى جيل. أما إذا نسي النسّايون، فإن العيش المشترك لن ينسى، قراراً بلدياً، لم يتخذه لبنان، حتى في حربه الأهلية. ولم يخطر على بال رجالات الإنعزالية أيام جبروتها وعزها.

قرار يحرّم جيرة المسيحي لـ “أخيه” المسلم.

نظن، والظن هنا ليس بإثم، أن مثل هذا القرار، النابع من منابع “التغيير والإصلاح” يعطي بلدية الحدث الحق في إحتضان الأكاديمية الأممية!!. وبأن يكون رئيس بلديتها عميداً لكلية “التلاقي”!!. وأن يزامله جبران باسيل في منصب عميد كلية “الحوار”!!. وبذلك يكتمل الكادر التعليمي في أكاديمية العالم. وبذلك أيضاً يستطيع لبنان أن يبشر البشرية بحياة بلا عنف، وبمجتمعات بلا أحقاد.

في سياق ما سبق، كنا نتمنى أن نحمل الطبل والمزمار والمباخر، ونهنئ فخامة الرئيس بهذا الإنجاز الحضاري والإنساني.

لكن واقع الحال، جعل ذلك من المحال. فالأكاديمية “مبهبطة” جداً. وكان الأجدر والأجدى، تماشياً مع عاداتنا وتقاليدنا، أن نبدأ بـ “حضانة للتلاقي والحوار”… إذ ربما أطفالنا يشبّون على عكس ما شبنا عليه.

                                                                  

وليد الحسيني

معجزة السرايا

walidالإقتناع بأن آخر الدواء الكي، لا يبيح إشعال النار بالفقراء.

وأن يتعود اللبناني على المرّ، لا يعني إرغامه على تجرّع الأمرّ منه.

والمستغرب، فوق هذه المرارات، أن يطلب فخامة الرئيس من اللبنانيين تناول أدوية مرّة، لتشفى الثروات المتوحشة من أمراض الجمود الإقتصادي!.

أما خديعة إعفاء أهل الفقر من الضرائب، فلن تنطلي على البسطاء. فليس كل ما تعتبره الحكومة من الكماليات، يمكن أن يعتبره أصحاب الدخل المحدود، أو المعدوم، لزوم ما لا يلزم.

فمن قال لكم، أن الذين خبزهم كفاف يومهم، وهم الغالبية وهم المغلوبون، لا يدخنون ولا يسكرون. مع أنهم الأحوج لسيجارة تجلي همهم، ولسكرة تنسيهم يأسهم وبؤسهم؟.

ومن قال لكم، أن تجميد سلسلة الرتب والرواتب، لن يحرم طبقة الموظفين من طبق الغذاء أو العشاء؟.

ومن قال لكم، وأنتم تُقرّون الإنتقائية في رفع الضريبة على القيمة المضافة، أن التجار الشطّار سيميزون بين السلع البورجوازية وبين السلع الشعبية. وبالذات في بلد، إنقلبت فيه الأمثال عن غاياتها، وصار “من يراقب التجار يعيش قبضاً”… والمواطن هو الذي “يموت هماً”.

ومن قال لكم، أن الإقتراب من أموال ورثة “قارون” رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه… فأطعتم وجنّبتم سلالة “قارون” ضرائبكم؟.

ومن قال لكم، أن اليد التي تمتد إلى الأملاك البحرية ستقطع. لأنها تقطع الطريق على قوافل السيّاح. وتقطع أيضاً أرزاق أصحاب المطاعم والمسابح والشاليهات. وتقطع كذلك موارد الدولة، بتجفيف ينابيع الدولار والدينار واليورو والريال؟.

ومن قال لكم، أن لمكافحة الفساد طريقاً واحداً يمر من فم “أبو النواس” صاحب حكمة “وداوها بالتي كانت هي الداء”؟.

ومن قال لكم، أنكم باستحضاركم كلمة “الطوارئ”، سترعبون المتهرب من دفع الضرائب، وستردعون المهرب من عبورالمعابر الشرعية وغير الشرعية؟.

ومن قال لكم، أن “حسابات السرايا تغلب حسابات القرايا”؟… كما لو أن مداخيل الدولة لن يقصف عمرها تراجع القدرة الشرائية. وكما لو أن أرقام وزارة المال ستدخل، بلا نقصان، إلى بيت مال اللبنانيين؟.

ومن قال لكم، أن سندات الخزينة ما زالت سنداً يعينكم في الملمات؟.

ومن قال لكم، أن المصرف المركزي كرم على درب الحكومة، وأن بمقدوره تقديم الدعم على مدى الدهر، دون أن تسقط دعائمه؟.

في المقابل،

من قال لكم، ويل للبنان إذا صَدقت “فيتش”، ولم تُصدّقنا “موديز” وقرينتها “ستاندر أند بورز”؟.

ما زال بإمكاننا تكذيب تصنيفات المؤسسات الإئتمانية الأميركية الثلاث. وما زال بإمكاننا التعامل مع توقعاتها، كما لو أننا نتعامل مع توقعات ليلى عبد اللطيف.

صحيح أن كثرة الأيدي المختلفة تحرق الطبخة. لكن الأصح أن القليل من الأيدي المتعاونة والمتضامنة يطفئ الحريق.

ولما كان الإعتراف سيد الأدلة، فلا بد من الإقرار بأن الرغبة بلا قدرة، هي أشبه بجعجعة بلا طحين. فما سمعناه في لقاء قمة بعبدا الإقتصادية، يندرج في إطار الرغبات…وبينها رغبات عدة تقع تحت طائلة التحريم الشعبي.

أما إذا بقي أمل في معجزة ما، فمكانه الشرعي والوحيد مجلس الوزراء، حيث يترأسه رجل تخلّى عن مذهبيته وشعبيته لإنقاذ شعبه.

سار عكس رياح المذهب، فعقد تسوية حلّ عقدة الفراغ. وغامر بولاء أنصاره، مختاراً الطريق الوسط، حتى لو خرج البعض من “بيت الوسط”.

يا وزراء الأحزاب والكتل الكبرى، إجلسوا إلى طاولة القرارات الإنقاذية. وكونوا أنتم، ومن تمثلون، مثله متبرئين من نقيصتي المذهبية والشعبوية.

كونوا يداً واحدة. وستجدون، خلافاً لما يقال، أن اليد الواحدة تصفق… ويُصفق لها.

حاولوا أن تكون السرايا دار المعجزة، لا دار العجزة.

حاولوا… فالأخطار كبيرة جداً. وقد بلغت مرحلة الكبائر… فاحذروا التمسك بالصغائر.

حاولوا… فالانقاذ يحتاج إلى أكثر من محاولة.

وليد الحسيني

“الضربة الثانية”؟

walidلأن السيف لم يشهر، وأجراس العودة لم تقرع، رضخ نتنياهو، وبلع إهانة مستوطنة “أفيفيم”.

إذاً، لم يتدحرج الرد إلى تبادل الردود… إذ قضي الأمر، بأن رضي حزب الله بما أنجز، وقبل العدو بمعادلة “العين بالعين”.

لقد عادت قواعد الإشتباك إلى قواعدها القديمة. وعاد معها “توازن الرعب” ليحكم العلاقة مع العدو الصهيوني. هذا التوازن الذي حققته المقاومة، بانتصارها في حرب تموز من العام 2006. والذي، للأسف، غالباً ما فهمناه باتجاه واحد.

لقد تهيأ لنا أنه إسرائيلي فقط. وأن لبنان ينعم بحالة إطمئنان رادعة لكل عدوان.

لكن الساعات التي استغرقها القصف الدقيق لحزب الله، والإطلاق الإسرائيلي لصواريخه العشوائية على أحراج مارون الراس، خلقت هلعاً بين اللبنانيين، مما أعاد مصطلح “توازن الرعب” إلى مفهومه اللغوي السليم، متمثلاً بـ “الرعب المتبادل”… أي أن الرعب حالة لبنانية – اسرائيلية مشتركة.

السيد إلتزم بتلقين الكيان الصهيوني درساً، عقاباً على ما جنت مسيّراته. ولم يتراجع، رغم السعي لإقناعه بالتراجع، ورغم إرتفاع مكانة السعاة.

إنما على ما يبدو ثمة من أقنعه بالرد المتواضع. إذ لو زاد عن حده، فما من أحد يستطيع إقناع نتنياهو بإدارة خده الأيسر للضربة الثانية الموعودة. لأنه لو فعل ذلك، يكون قد استعجل نهايته السياسية. ويكون قد رسّخ، حتى في أذهان بني جلدته، مقولة أن “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”.

إلى الآن، يمكن القول أن الزلزال المحتمل، لم يزلزل الأرض. وأن الأزمة مرت بسلام.

حقيقة لا يدري أحد من عامة اللبنانيين، من قام بتمريرها سالمة من بين الخطوط الحمر.

الإعتقاد الغالب، أنه الروسي. فهو الجهة الدولية الأكثر مهارة في اللعب على الحبلين اللبناني والإسرائيلي.

وقبل أن نقول “شكراً روسيا”، عملاً بقناعتنا بأن في الشكر تدوم النعم، لا بد من انتظار الضربة الثانية، التي وعد بها، ويُعدّ لها، حزب الله. فالانتقام لـ “عقربا” السورية، لا يلغي الثأر للضاحية الجنوبية.

والسؤال:

عندما تقع واقعة الضربة الثانية، هل سيتلقاها نتنياهو أيضاً برحابة العاجز؟… أم أن التطورات الميدانية ستتسبب بفلتان “الملق”، الذي قد يبقى منفلتاً إلى أن يتمكن المجتمع الدولي من إعادة ربطه، وذلك قد لا يحصل، إلا بعد أن يستعمل المتحاربان ما ملكت أياديهم من قوة تدميرية هائلة.

إلا أن ما يجعلنا نستبعد الإنزلاق من ضربة محدودة إلى حرب بلا حدود، هو أن المقاومة والعدو يصران على أنهما لا يريدان الحرب. ويعلنان مراراً وتكراراً حرصهما على عدم الإنزلاق إليها.

يبقى الخوف من أميركا وإيران. ومن وجود رابط ما، بين ما يجري على حدودنا الجنوبية، وبين عاصفة العقوبات الأميركية التي تجتاح إيران. والتي يضاف إلى شدتها تشدد “المرشد” الرافض للحوار مع ترامب، لأن عزة نفسه تمنعه من الأذن للرئيس روحاني بالتفاوض مع “الشيطان الأكبر” لإنقاذ السفينة الفارسية من الغرق الإقتصادي والمالي.

كل ما نخشاه أن يكون ثمة تداخل بين حرب الصواريخ هنا، وحرب العقوبات هناك. فلكل من واشنطن وطهران حسابات مخفية… ومصالح مخيفة.

أخيراً، نتمنى أن تكون الضربة الثانية بلا ردة فعل. وأن لا تزيد الطين بلّة… فالأرض الطينية كثيراً ما تؤدي إلى الإنزلاق.

وليد الحسيني

“المزاجية الدفاعية”

walidفاجأنا فخامة الرئيس بقوله “إن مقاييس الإستراتيجية الدفاعية قد تغيّرت، بسبب تغيّر ظروف وأوضاع المنطقة عسكرياً وأمنياً وسياسياً”.

إذاً هي ليست استراتيجية. إنما “مزاجية دفاعية”. فالإستراتيجيا تعني الإلتزام بالخطة. أما المزاجية فهي التي تتغيّر بتغيّر المواقف.

وقياساً على المقاييس الرئاسية المتبدلة، تكون استراتيجية لبنان الدفاعية ملحقة باستراتيجيات متعددة الجنسيات.

وبالعودة إلى زمن “القسم الرئاسي”، الذي تعهدت إحدى فقراته، بإجراء حوار يؤدي إلى إقرار استراتيجية دفاعية، فإن الأوضاع والظروف في المنطقة لم تتغيّر طيلة السنوات الثلاث، التي تلت القسم.

المتغيّر الوحيد الطارئ، يتمثل بفرض عقوبات أميركية متصاعدة على إيران.

هذا يعني أن المحنة الإيرانية هي سبب المتغيّرات التي حررت الرئيس من قسمه.

ومع ذلك، سنعتبر أن لا رابط بين تصريح فخامته، وبين خطاب سماحته. فالأمر ليس أكثر من صدفة زمنية، لا تتجاوز أياماً معدودات، فصلت بين التلويح بالتراجع الرئاسي عن “الإستراتيجية الدفاعية”، وبين إقدام السيد حسن نصرالله على الإلتزام، ومن ثم، إلزام لبنان باستراتيجية إيران الدفاعية.

قالها السيد متوعداً وواعداً بأن أي إعتداء أميركي على إيران، سيشعل المنطقة بكاملها.

طبعاً، ورغم بعد المسافة، فإن لبنان جزء من المنطقة، التي يعد صاحب الوعد الصادق بإشعالها.

واحتراماً للمقامات، نشير إلى أن ما ورد غامضاً في التصريح، وواضحاً في الخطاب، ليس أكثر من توارد خواطر بريئة.

لكن المشترك بينهما يؤكد على جدية المتغيّرات، التي فجأة قذفت باستراتيجيتنا الدفاعية إلى مصارعة الأمواج الهائجة في مضيق هرمز.

إذاً، وبسبب ما استجدّ من ظروف وأوضاع في المنطقة، لا بد من توسيع مهمات دفاعاتنا الإستراتيجية، بحيث نضيف إلى مواجهتنا للعدو الإسرائيلي، مواجهة أشد وأعنف للعدو الأميركي، الذي بعثه إلى منطقتنا ترامب الموصوف إيرانياً بـ”الشيطان الأكبر”.

وعلى ضوء تطور الصراع ما بين أميركا وإيران، لا مفر من الإبقاء على قائمة أعداء لبنان مفتوحة. فثمة إحتمال كبير بضم السعودي والإماراتي إليها، في حال انحيازهما المرجح إلى صفوف العدو الأميركي.

في النتيجة، تم كشف المستور. وتبين أن لبنانية الإستراتيجية الدفاعية… كلام بكلام. فحكاية “إبريق الزيت” أحبطت آمال اللبنانيين بإيجاد صيغة تجعل سلاح المقاومة خاضعاً، ولو بالشراكة، لإمرة الدولة.

فحكاية “إبريق الزيت” ليست إلا ظاهرة صوتية، تظهر فقط في أحلام فريق الرابع عشر من آذار. في حين أن سلاح حزب الله لا يحلم. إنه صاحٍ في سوريا واليمن والعراق. وصواريخه الإيرانية الدقيقة ستبقى القرش الإيراني الأبيض، إذا ما حان، أميركياً، يومها الأسود.

في حالتنا اللبنانية المهترئة، لا مخرج لنا إلا أن يسأل المؤمنون بلبنان الله حماية إيران، إذا أرادوا أن يشملهم الله بحمايته.

ومع ذلك، ما زال رجال العهد القوي يرددون بقوة: لبنان أولاً.

ترى هل يرددون ذلك لخطأ في الحسابات السياسية، أم لجهل في وجود ثانياً وثالثاً في حساب الأرقام؟.

الله أعلم… وجبران باسيل يعلم أيضاً… لكنه لا يعترف.

 

وليد الحسيني

“الإبراء المستحيل”

walidوأخيراً، ختم الصبر بعدنا بالتلاقي. وتبيّن أن “البيك والمير” كانا يتبارزان بسيوف خشبية.

ويبقى السؤال المريب:

لماذا غاب جبران باسيل عن لقاء بعبدا الخماسي. مع أن المجتمعين يدركون جيداً، أن لا قيمة لمصالحة، لا يكون بطلها بطل مسلسل “الآتي أعظم”؟.

وهم يدركون أيضاً أن لا فائدة من مصافحة “المختارة” و”خلدة”، إذا لم تمتد إليها يد “ميرنا الشالوحي”، المتفرغة كلياً لشق طريق باسيل إلى “فخامة الكرسي”.

ترى، متى يعي العهد أن ارتكاب الأخطاء الكبرى، هو الذي يحوّل الرابح إلى خاسر، ويجعل الخاسر رابحاً.

لقد حقق “العونيون” أقصى أحلامهم. فازوا بالرئاسة الأولى. وبالكتلة النيابية الأكبر. وبالثلث الحكومي المعطّل. وبوزارة الوصاية على القضاء. وبخارجية تسير على هوى وزيرها، وأهواء تحالفاته… فتنأى بنفسها عن سياسة “النأي بالنفس”.

لقد حصل “التيار الوطني الحر”، على كل ما وعد نفسه به. وأخلّ بكل وعوده للبنانيين. حيث أن “العهد القوي” لم يقوَ على توفير بيئة بلا تلوث. ولا إقتصاد بلا فساد. ولا إدارة بلا رشوة. ولا ميزانية بلا ضرائب. ولا جمارك بلا تهريب. ولا معابر بلا مهربين. ولا مساواة بلا واسطة. ولا عدالة بلا ظلم. ولا قضاء بلا سياسة. ولا حريات بلا ملاحقة. ولا سفارات بلا طوابير مهاجرة. ولا سير بلا زحمة. ولا كهرباء بلا تقنين. ولا شوارع بلا زبالة. ولا شواطئ بلا مجارير. ولا مياه شفة بلا براز. ولا ليطاني بلا مكبات. ولا أغذية بلا مسرطنات. ولا دواء أرخص من دواء الموت.

لم يعرف التاريخ قبل لبنان، حاكماً يتساهل بإفشال حكمه. وبإطلاق الألسنة الفالتة، والأيدي الفاسدة، لإفساد سمعته.

يوم صار عون رئيساً للجمهورية، أجمع اللبنانيون على التفاؤل بالخير. لكنهم لم يجدوه، كما وعدهم القول العربي المعروف.

ماذا وجدوا إذاً؟.

وجدوا “تياراً” أدمن الفراغ كوسيلة لإبتزاز الدستور والتسوية.

وجدوا مقامات تستمع إلى مونولوج “بوس تيريز”، وشعباً يغني بمرارة “للصبر حدود”، بعد أن تجاوز صبره الطويل حدود “لعلّ وعسى”. ولولا بقايا من صبر سعد الحريري، لكان لبنان أقرّ واعترف بانهيار الدولة.

هذا كثير. فالبلاد ضاقت ذرعاً بمواقف تخفي عكس ما تعلن.

من لا يتذكر، أن الموقف القديم من اتفاق الطائف أدى إلى تصعيد القتال منعاً لتنفيذه. فكيف يقتنع اللبناني اليوم بأن ارتداء عباءة الطائف، لم يتم بهدف تحريفه وتعديله، انتقاماً للجرح القديم، الذي من الواضح أنه لم يلتئم؟.

ومن بين الكثير كذلك، ظاهرة تكذيب الحقائق. إلى درجة أن الحقيقة لا تصبح حقيقة، إلا إذا صدر تكذيب لها ، من وزراء تخصصوا بأكاذيب التكذيب.

رغم كل ما سبق، فإن اللبناني يحن إلى أحلامه الأولى في هذا العهد. لكن على ما يبدو أنه الحنين المستحيل… ربما لأن “عاطفة القربى” تجعل “الإبراء مستحيلا” أيضاً.

وليد الحسيني